الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٨
يُسَلَّمُ فِيهِ الْمَبِيعُ إِلَى الْمُشْتَرِي فِي الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ فِيهِ الْمَبِيعُ حِينَ الْعَقْدِ لاَ فِي مَكَانِ عَقْدِ الْبَيْعِ حَتَّى إِذَا نَقَل الْبَائِعُ الْمَبِيعَ بِلاَ إِذْنِ الْمُشْتَرِي مِنَ الْمَحَل الَّذِي كَانَ فِيهِ حِينَ الْعَقْدِ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ وَجَبَ عَلَيْهِ إِعَادَتُهُ إِلَى حَيْثُ كَانَ.
أَمَّا ثَمَنُ الْمَبِيعِ فَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى الْحَمْل وَالْمَئُونَةِ فَيَجِبُ بَيَانُ مَكَانِ تَسْلِيمِهِ فِي بَيَانِ الْعَقْدِ.
وَيُعْتَبَرُ فِي تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ مَكَانُ الْبَيْعِ فَإِذَا لَمْ يُبَيِّنِ الْبَائِعُ مَكَانَ الْمَبِيعِ وَلَمْ يَكُنِ الْمُشْتَرِي يَعْلَمُ وَكَانَ ظَاهِرًا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ ثُمَّ اطَّلَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى مَكَانِهِ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ إِلاَّ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَكُونُ مُخَيَّرًا خِيَارَ كَشْفِ الْحَال فَلَهُ فَسْخُ الْبَيْعِ وَتَرْكُ الْمَبِيعِ وَلَهُ قَبْضُهُ مِنْ حَيْثُ كَانَ حِينَ الْعَقْدِ بِكُل الثَّمَنِ الْمُسَمَّى.
وَإِذَا بِيعَ مَالٌ عَلَى أَنْ يُسَلَّمَ فِي مَكَانِ كَذَا لَزِمَ تَسْلِيمُهُ فِي الْمَكَانِ الْمَذْكُورِ، مِثْل ذَلِكَ أَنْ يَبِيعَ شَخْصٌ حِنْطَةً مِنْ مَزْرَعَةٍ لَهُ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَهَا إِلَى الْمُشْتَرِي فِي دَارِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهَا إِلَى الْمُشْتَرِي فِي دَارِهِ وَكَذَلِكَ إِذَا شَرَطَ تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى مَئُونَةٍ فِي نَقْلِهِ إِلَى مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ فَيَجِبُ تَسْلِيمُهُ هُنَاكَ وَإِنْ كَانَ يَصِحُّ الْبَيْعُ بِشَرْطِ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ فِي مَحَلٍّ
مُعَيَّنٍ (١) .
إِعَارَةُ الدَّابَّةِ إِلَى مَكَانٍ مُعَيَّنٍ
٦ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ مَنِ اسْتَعَارَ حِصَانًا مِنْ آخَرَ إِلَى مَكَانٍ مُعَيَّنٍ لِيَرْكَبَهُ فَرَكِبَ إِلَى مَكَانٍ مُعَيَّنٍ وَتَجَاوَزَ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ بَعِيدٍ ثُمَّ رَجَعَ فَقَال إِنَّ الْحِصَانَ قَدْ هَلَكَ فِي مَكَانٍ آخَرَ يَضْمَنُ لأَِنَّ عَارِيَّةَ الْحِصَانِ مُقَيَّدٌ بِزَمَانٍ وَمَكَانٍ وَتَجَاوَزَ الْمَكَانَ الْمُعَيَّنَ فَيَضْمَنُ قِيمَةَ الْحِصَانِ لِصَاحِبِهِ (٢) .
وَمَنِ اسْتَعَارَ مِنْ آخَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا إِلَى مَكَانٍ مُعَيَّنٍ وَمَعْلُومٍ فَرَكِبَهَا وَقَبْل وُصُولِهِ إِلَى الْمَكَانِ صَادَفَهُ مُتَغَلِّبٌ وَأَخَذَهَا مِنْهُ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ مَنْعُهُ بِوَجْهٍ وَخَافَ مِنْ ضَرَرِهِ لاَ يَضْمَنُ، لأَِنَّ الْعَارِيَّةَ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَمَانَةٌ وَالْمُسْتَعِيرُ أَمِينٌ وَالأَْمِينُ إِنَّمَا يَضْمَنُ بِتَرْكِ الْحِفْظِ إِذَا تَرَكَ بِغَيْرِ عُذْرٍ (٣) .
فَضْل الأَْمْكِنَةِ
٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى فَضْل بَعْضِ الأَْمْكِنَةِ عَلَى بَعْضٍ.
_________
(١) شرح المجلة للأتاسي المادة ٢٨٥، ٢٨٦، ٢٨٧، وشرح المجلة لعلي حيدر في المواد المذكورة، والشرح الصغير ٤ / ٧٠، ومغني المحتاج ٢ / ٧٣، والمغني ٤ / ١٢٦.
(٢) تنقيح الفتاوى الحامدية ٢ / ٨٧، والشرح الصغير ٣ / ٥٧٥، وروضة الطالبين ٤ / ٤٣٤، والمجموع ٢٠ / ٢٧٢، ومغني المحتاج ٢ / ٦٨.
(٣) المراجع السابقة.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةَ وَالْمَدِينَةَ الْمُنَوَّرَةَ هُمَا أَفْضَل بِقَاعِ الأَْرْضِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِنَّ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةَ أَفْضَل مِنَ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِنَّ الْمَدِينَةَ الْمُنَوَّرَةَ أَفْضَل مِنْ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةَ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (فَضَائِل ف ٧ - ٩)
مُكْرَهٌ
انْظُرْ: إِكْرَاهٌ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٢٥٦ - ٢٥٧، ومواهب الجليل ٣ / ٣٤٤ - ٣٤٥، وجواهر الإكليل ١ / ٢٥٠، وقواعد الأحكام ١ / ٣٩، والقليوبي وعميرة ٢ / ١٠١.
مَكْرُوهٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْمَكْرُوهُ فِي اللُّغَةِ: ضِدُّ الْمَحْبُوبِ، وَمَا نَفَرَ مِنْهُ الطَّبْعُ وَالشَّرْعُ وَيُطْلَقُ - أَيْضًا - عَلَى الشِّدَّةِ وَالْمَشَقَّةِ.
قَال الْفَيْرُوزَ آبَادِي: الْكَرْهُ وَيُضَمُّ الإِْبَاءُ وَالْمَشَقَّةُ، أَوْ بِالضَّمِّ مَا أَكْرَهْتَ نَفْسَكَ عَلَيْهِ، وَبِالْفَتْحِ مَا أَكْرَهَكَ غَيْرُكَ عَلَيْهِ، كَرِهَهُ كَسَمِعَهُ كَرْهًا وَيُضَمُّ وَكَرَاهَةً وَكَرَاهِيَةً بِالتَّخْفِيفِ (١) .
وَقَال الْفَيُّومِيُّ: كَرُهَ الأَْمْرُ وَالْمَنْظَرُ كَرَاهَةً فَهُوَ كَرِيهٌ، مِثْل: قَبُحَ قَبَاحَةً فَهُوَ قَبِيحٌ وَزْنًا وَمَعْنَى، وَالْكَرِيهَةُ الشِّدَّةُ فِي الْحَرْبِ (٢) .
وَقَال الطُّوفِيُّ فِي ذَلِكَ: فَيَجُوزُ اشْتِقَاقُ الْمَكْرُوهِ مِنْ ذَلِكَ - أَيِ الْمَعَانِي الْمُتَقَدِّمَةِ - لأَِنَّ الطَّبْعَ وَالشَّرْعَ لاَ يَنْفِرَانِ إِلاَّ عَنْ شِدَّةٍ وَمَشَقَّةٍ، بِحَسَبِ حَالِهِمَا (٣) .
وَعَرَّفَ الأُْصُولِيُّونَ الْمَكْرُوهَ بِتَعْرِيفَاتٍ مِنْهَا:
_________
(١) القاموس المحيط مادة (كره) .
(٢) المصباح المنير مادة (كره) .
(٣) شرح مختصر الروضة ١ / ٣٨٢، ٣٨٣، وانظر حقائق الأصول للأردبيلي ١ / ١٤٣.
مَا يُمْدَحُ تَارِكُهُ وَلاَ يُذَمُّ فَاعِلُهُ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْوَاجِبُ
٢ - الْوَاجِبُ فِي اللُّغَةِ: الثَّابِتُ أَوِ اللاَّزِمُ (٢) .
وَاصْطِلاَحًا: مَا يُذَمُّ شَرْعًا تَارِكُهُ قَصْدًا مُطْلَقًا (٣) وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمَكْرُوهِ وَالْوَاجِبِ هِيَ التَّضَادُّ (٤) .
ب - الْمَنْدُوبُ
: ٣ - الْمَنْدُوبُ: اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ النَّدْبِ وَهُوَ: الدَّعْوَةُ وَالْحَثُّ وَالتَّوْجِيهُ (٥) .
وَاصْطِلاَحًا: مَا يُمْدَحُ فَاعِلُهُ، وَلاَ يُذَمُّ تَارِكُهُ (٦) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمَكْرُوهِ وَالْمَنْدُوبِ التَّضَادُّ (٧) .
_________
(١) منهاج الوصول للبيضاوي مع الإبهاج ١ / ٦٠ ط الكليات الأزهرية وانظر: شرح البدخشي ١ / ٤ ونهاية السول للإسنوي ١ / ٦٥، ومختصر الروضة لابن قدامة مع شرحها للطوفي ١ / ٣٨٢، والمختصر لابن اللحام ٦٤ وشرح الكوكب المنير للفتوحي ١ / ٤١٣.
(٢) القاموس المحيط والمصباح المنير مادة (وجب) .
(٣) شرح اللمع ١ / ١٨٥ والبرهان ١ / ٣١٠ والمحصول للرازي ١ / ١٨ ط، والتحصيل ١ / ١٧٢، والإبهاج ١ / ٥١، وشرح الكوكب المنير ١ / ٣٤٦.
(٤) المستصفى ١ / ٧٩.
(٥) القاموس المحيط، المصباح المنير مادة (ندب) .
(٦) البرهان ١ / ٣١٠، وشرح اللمع ١ / ١٠٦، والمختصر ٦٣، والتحصيل ١ / ١٧٤.
(٧) البحر المحيط ١ / ٢٩٨.
ج - الْحَرَامُ:
٤ - الْحَرَامُ فِي اللُّغَةِ: الْمَمْنُوعُ (١)، وَيُطْلَقُ عَلَى نَقِيضِ الْوَاجِبِ (٢) .
وَاصْطِلاَحًا: مَا يُذَمُّ شَرْعًا فَاعِلُهُ (٣)، وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمَكْرُوهِ وَالْحَرَامِ أَنَّ الْمَكْرُوهَ مَطْلُوبٌ شَرْعًا تَرْكُهُ مَعَ عَدَمِ الذَّمِّ عَلَى فِعْلِهِ، وَالْحَرَامُ مَطْلُوبٌ شَرْعًا تَرْكُهُ مَعَ الذَّمِّ عَلَى فِعْلِهِ.
إِطْلاَقَاتُ الْمَكْرُوهِ
٥ - تَعَدَّدَتْ إِطْلاَقَاتُ الْمَكْرُوهِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى أَرْبَعَةِ مَعَانٍ: الْحَرَامُ، وَتَرْكُ الأَْوْلَى، وَمَا نُهِيَ عَنْهُ تَنْزِيهًا، وَمَا وَقَعَتِ الشُّبْهَةُ فِي تَحْرِيمِهِ، وَهُوَ قَوْل الْغَزَالِيِّ وَالآْمِدِيِّ وَالزَّرْكَشِيِّ وَابْنِ قَاضِي الْجَبَل
قَال الْغَزَالِيُّ: وَأَمَّا الْمَكْرُوهُ فَهُوَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَعَانِي الأَْرْبَعَةِ (٤) .
_________
(١) المصباح المنير مادة (حرم) .
(٢) لسان العرب مادة (حرم) .
(٣) البرهان ١ / ٣١٣، والمحصول ١ / ١٩، والتحصيل ١ / ١٧٤، والبحر المحيط للزركشي ١ / ٢٢٥ ط أوقاف الكويت ومختصر الروضة مع شرحها للطوفي ١ / ٣٥٩.
(٤) البحر المحيط ١ / ٢٩٦، ٢٩٧، وشرح الكوكب المنير ١ / ٤٢٠، والمستصفى ١ / ٦٦، والمحصول ١ / ٢٢، وانظر: التحصيل ١ / ١٧٥.
أَقْسَامُ الْمَكْرُوهِ
٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَقْسِيمِ الْمَكْرُوهِ:
فَقَسَّمَ الْحَنَفِيَّةُ الْمَكْرُوهَ إِلَى قِسْمَيْنِ:
الْقِسْمُ الأَْوَّل: الْمَكْرُوهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ.
وَهُوَ مَا كَانَ إِلَى الْحِل أَقْرَبُ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لاَ يُعَاقَبُ فَاعِلُهُ أَصْلًا، لَكِنْ يُثَابُ تَارِكُهُ أَدْنَى ثَوَابٍ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: الْمَكْرُوهُ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ.
وَهُوَ إِلَى الْحُرْمَةِ أَقْرَبُ بِمَعْنَى: أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَحْذُورٌ دُونَ اسْتِحْقَاقِ الْعُقُوبَةِ بِالنَّارِ: كَحِرْمَانِ الشَّفَاعَةِ، لِقَوْلِهِ ﵇: مَنْ تَرَكَ سُنَّتِي لَمْ يَنَل شَفَاعَتِي (١) .
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ الْمَكْرُوهُ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ حَرَامٌ ثَبَتَتْ حُرْمَتُهُ بِدَلِيل ظَنِّيٍّ، لأَِنَّهُ يَرَى أَنَّ مَا لَزِمَ تَرْكُهُ إِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِدَلِيل قَطْعِيٍّ يُسَمَّى حَرَامًا، وَإِلاَّ يُسَمَّى مَكْرُوهًا كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ، كَمَا أَنَّ مَا لَزِمَ الإِْتْيَانُ بِهِ إِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِيهِ بِدَلِيل قَطْعِيٍّ يُسَمَّى فَرْضًا، وَإِلاَّ يُسَمَّى وَاجِبًا (٢) .
_________
(١) حديث " من ترك سنتي لم ينل شفاعتي " أورده التفتازاني في التلويح على التوضيح (٢ / ١٢٦) ولم نهتد إلى من أخرجه فيما لدينا من مراجع السنن والآثار.
(٢) التوضيح لصدر الشريعة والتلويح للتفتازاني ٢ / ١٢٥، ١٢٦ ط دار الكتب العلمية.
حُكْمُ الْمَكْرُوهِ
٧ - اخْتَلَفَ الأُْصُولِيُّونَ فِي حُكْمِ الْمَكْرُوهِ كَمَا اخْتَلَفُوا فِي كَوْنِهِ مُكَلَّفًا بِتَرْكِهِ أَمْ لاَ وَمَنْهِيًّا عَنْهُ أَمْ لاَ، وَاخْتَلَفُوا كَذَلِكَ فِي الأَْمْرِ الْمُطْلَقِ هَل يَتَنَاوَل الْمَكْرُوهَ أَمْ لاَ، وَالتَّفْصِيل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
مَكْسٌ
انْظُرْ: مُكُوسٌ
مَكَّةُ الْمُكَرَّمَةُ
التَّعْرِيفُ:
١ - مَكَّةُ: عَلَمٌ عَلَى الْبَلَدِ الْمَعْرُوفِ الَّذِي فِيهِ بَيْتُ اللَّهِ الْحَرَامُ.
وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ تَسْمِيَتِهَا مَكَّةُ بِالْمِيمِ فَقِيل: لأَِنَّهَا تَمُكُّ الْجَبَّارِينَ أَيْ تُذْهِبُ نَخْوَتَهُمْ، وَقِيل: لأَِنَّهَا تَمُكُّ الْفَاجِرَ عَنْهَا أَيْ تُخْرِجُهُ، وَقِيل: كَأَنَّهَا تُجْهِدُ أَهْلَهَا مِنْ قَوْلِهِ تَمَكَّكْتُ الْعَظْمَ إِذَا أَخْرَجْتَ مُخَّهُ، وَقِيل: لأَِنَّهَا تَجْذِبُ النَّاسَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلِهِ: امْتَكَّ الْفَصِيل مَا فِي ضَرْعِ أُمِّهِ إِذَا لَمْ يُبْقِ فِيهِ شَيْئًا، وَقِيل لِقِلَّةِ مَائِهَا.
وَلَهَا أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: بَكَّةُ، وَأُمُّ الْقُرَى، وَالْبَلَدُ الأَْمِينُ، وَأَسْمَاءٌ أُخْرَى (١) .
وَمَكَّةُ كُلُّهَا حَرَمٌ وَكَذَلِكَ مَا حَوْلَهَا، وَقَدْ بَيَّنَ الْفُقَهَاءُ حُدُودَ حَرَمِ مَكَّةَ وَسَبَبَ تَحْرِيمِهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الأَْحْكَامِ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (حَرَمٌ ف ١ - ٣) .
_________
(١) شفاء الغرام ١ / ٤٨ - ٥٣، وإعلام الساجد ص ٧٨ - ٨٣.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِمَكَّةَ:
تَتَعَلَّقُ بِمَكَّةَ أَحْكَامٌ مِنْهَا:
وُجُوبُ تَعْظِيمِ مَكَّةَ
٢ - يَجِبُ تَعْظِيمُ مَكَّةَ (١)، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ:
إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلاَ يَحِل لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا وَلاَ يُعَضِّدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَال رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ ﷺ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أُذِنَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَْمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ (٢) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (حَرَمٌ ف ٢) .
الْغُسْل لِدُخُول مَكَّةَ
٣ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْغُسْل لِدُخُول مَكَّةَ لِفِعْل النَّبِيِّ ﷺ، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ لاَ يَقْدُمُ مَكَّةَ إِلاَّ بَاتَ بِذِي طُوًى حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِل ثُمَّ
_________
(١) فتح الباري ٤ / ٤١.
(٢) حديث: " إن مكة حرمها الله. . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٤١) ومسلم (٢ / ٩٨٧ - ٩٨٨) من حديث أبي شريح العدوي.