الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٨ الصفحة 73

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٨

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِذَا كَانَتِ الْهِبَةُ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ جَازَتْ وَكَانَتْ بَيْعًا، أَوْ مَجْهُولٍ فَهِيَ بَاطِلَةٌ (١) عَلَى تَفْصِيلٍ فِي بَعْضِ جُزْئِيَّاتِهَا يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (هِبَةٌ وَهَدِيَّةٌ) .

وَمِمَّا يَدُل عَلَى الْمُكَافَأَةِ عَلَى الْهَدِيَّةِ قَوْل الرَّسُول ﷺ: مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ. (٢)

الْمُكَافَأَةُ بَيْنَ الْقَاتِل وَالْقَتِيل

٤ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْل الْمُكَافَأَةَ بَيْنَ الْقَاتِل وَالْقَتِيل فِي أَوْصَافٍ اعْتَبَرُوهَا، فَلاَ يُقْتَل الأَْعْلَى بِالأَْدْنَى، وَلَكِنْ يُقْتَل الأَْدْنَى بِالأَْعْلَى، وَبِالْمُسَاوِي (٣) .

وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: لاَ يُشْتَرَطُ فِي الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ الْقَاتِل وَالْقَتِيل (٤) .

_________

(١) مغني المحتاج ٢ / ٤٠٤، والمحلي على المنهاج ٣ / ١١٤، وابن عابدين ٤ / ٥١٩، وكشاف القناع ٤ / ٣٠٠، وفتح الباري ٥ / ٢١٠.

(٢) حديث: " من صنع إليكم معروفًا. . " أخرجه أبو داود (٢ / ٣١٠) والحاكم (١ / ٤١٢) من حديث عبد الله بن عمر، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

(٣) حاشية الدسوقي ٤ / ٢٤١، ومغني المحتاج ٤ / ١٤، والمغني لابن قدامة ٧ / ٦٦٣.

(٤) بدائع الصنائع ٧ / ٢٣٦، والدر المختار ٥ / ٤٣، ٣ / ٣٤٤.

إِلاَّ أَنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ اخْتَلَفُوا فِي الأَْوْصَافِ الَّتِي اعْتَبَرُوهَا لِلْمُكَافَأَةِ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (قِصَاصٌ ف ١٣) .

الْمُكَافَأَةُ فِي النِّكَاحِ

٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى اشْتِرَاطِ الْمُكَافَأَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي النِّكَاحِ وَهِيَ مُسَاوَاةُ الرَّجُل لِلْمَرْأَةِ فِي الأُْمُورِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي النِّكَاحِ.

وَتُعْتَبَرُ الْمُكَافَأَةُ فِي جَانِبِ الرِّجَال لِلنِّسَاءِ وَلاَ تُعْتَبَرُ فِي جَانِبِ النِّسَاءِ لِلرِّجَال.

وَرُوِيَ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ ﵀ أَنَّهُ قَال: إِنَّ الْمُكَافَأَةَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ (١) .

وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْمُكَافَأَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ (٢) .

وَانْظُرْ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (تَكَافُؤٌ ف ٣) .

الْمُكَافَأَةُ بِالطَّلاَقِ

٦ - قَال النَّوَوِيُّ ﵀: فِي مَسَائِل تَجْرِي

_________

(١) بدائع الصنائع ٢ / ٣١٧، وتبيين الحقائق ٢ / ١٨٢، ورد المحتار على الدر المختار ٢ / ٣١٠، وجواهر الإكليل ١ / ٢٨٨، والقليوبي وعميرة ٣ / ٢٣٣، ومغني المحتاج ٣ / ١٦٥، ونهاية المحتاج ٦ / ٢٥٣.

(٢) بدائع الصنائع ٢ / ٣١٧.

فِي مُخَاصَمَةِ الزَّوْجَيْنِ وَمُشَاتَمَتِهِمَا، وَأَغْلَبُ مَا تَقَعُ إِذَا وَاجَهَتْ زَوْجَهَا بِمَكْرُوهٍ، فَيَقُول عَلَى سَبِيل الْمُكَافَأَةِ: إِنْ كُنْتُ كَذَلِكَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، يُرِيدُ أَنْ يَغِيظَهَا بِالطَّلاَقِ كَمَا غَاظَتْهُ بِالْمُشَاتَمَةِ أَوْ بِالشَّتْمِ، فَكَأَنَّهُ يَقُول: تَزْعُمِينَ أَنِّي كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِذَا قَالَتْ لَهُ: يَا سَفِيهٌ فَقَال: إِنْ كُنْتُ كَذَلِكَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، نُظِرَ إِنْ أَرَادَ الْمُكَافَأَةَ كَمَا ذَكَرْنَا طَلُقَتْ، وَإِنْ قَصَدَ التَّعْلِيقَ لَمْ تَطْلُقْ، وَإِنْ أَطْلَقَ اللَّفْظَ وَلَمْ يَقْصِدِ الْمُكَافَأَةَ وَلاَ حَقِيقَةَ اللَّفْظِ فَهُوَ لِلتَّعْلِيقِ، فَإِنْ عَمَّ الْعُرْفُ بِالْمُكَافَأَةِ فَيُرَاعِي الْوَضْعَ أَوِ الْعُرْفَ.

وَأَنَّهُ لَوْ قَال لَهَا فِي الْخُصُومَةِ: إِيشِ تَكُونِينَ أَنْتِ، فَقَالَتْ وَإِيشِ تَكُونُ أَنْتَ، فَقَال: إِنْ لَمْ أَكُنْ مِنْكِ بِسَبِيل فَأَنْتِ طَالِقٌ. قَال الْقَاضِي حُسَيْنٌ: إِنْ قَصَدَ التَّعْلِيقَ لَمْ تَطْلُقْ لأَِنَّهَا زَوْجَتُهُ فَهُوَ مِنْهَا بِسَبِيل، وَإِنْ قَصَدَ الْمُغَايَظَةَ وَالْمُكَافَأَةَ طَلُقَتْ، وَالْمَقْصُودُ إِيقَاعُ الْفُرْقَةِ وَقَطْعُ مَا بَيْنَهُمَا، فَإِذَا حُمِل عَلَى الْمُكَافَأَةِ فَيَقَعُ الطَّلاَقُ فِي الْحَال (١) .

مُكَافَأَةُ الْعَامِل

٧ - قَال الدُّسُوقِيُّ: يُرَخَّصُ لِعَامِل الْقِرَاضِ أَنْ

_________

(١) روضة الطالبين ٨ / ١٨٥، ١٨٦.

يَأْتِيَ بِطَعَامٍ كَغَيْرِهِ، أَيْ كَمَا يَأْتِي غَيْرُهُ بِطَعَامٍ يَشْتَرِكُونَ فِي أَكْلِهِ، إِنْ لَمْ يَقْصِدِ التَّفَضُّل عَلَى غَيْرِهِ بِأَنْ لاَ يَزِيدَ عَلَى غَيْرِهِ زِيَادَةً لَهَا بَالٌ، وَإِلاَّ بِأَنْ قَصَدَ التَّفَضُّل فَلْيَتَحَلَّلْهُ، أَيْ يَتَحَلَّل رَبَّ الْمَال، بِأَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ الْمُسَامَحَةَ، فَإِنْ أَبَى مِنْ مُسَامَحَتِهِ فَلْيُكَافِئْهُ، أَيْ يُعَوِّضْهُ بِقَدْرِ مَا يَخُصُّهُ أَيْ فِيمَا زَادَهُ مِنَ الطَّعَامِ عَلَى غَيْرِهِ (١) .

الْمُكَافَأَةُ فِي الْمُبَارَزَةِ

٨ - أَوْضَحَ الْفُقَهَاءُ فِي بَابِ الْجِهَادِ حُكْمَ الْمُبَارَزَةِ وَأَنَّ الْمُكَافَأَةَ فِي الْمُبَارَزَةِ هِيَ مَنَاطُ الْحُكْمِ بِالْجَوَازِ أَوِ الاِسْتِحْبَابِ أَوِ الْكَرَاهَةِ.

وَانْظُرْ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (تَكَافُؤٌ ف ٥) .

الْمُكَافَأَةُ بَيْنَ الْخَيْل فِي السَّبْقِ

٩ - اشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنْ يَكُونَ فَرَسُ الْمُحَلَّل مُكَافِئًا لِفَرَسَيِ الْمُتَسَابِقَيْنِ أَوْ بَعِيرُهُ مُكَافِئًا لِبَعِيرِهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَافِئًا: مِثْل أَنْ يَكُونَ فَرَسَاهُمَا جَوَادَيْنِ وَفَرَسُهُ بَطِيئًا فَهُوَ قِمَارٌ (٢)، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ أَدْخَل فَرَسًا

_________

(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ٥٣٩.

(٢) رد المحتار على الدر المختار ٥ / ٢٥٨، وشرح الزرقاني ٣ / ١٥٢، ومغني المحتاج ٤ / ٣١٤، والمغني لابن قدامة ٨ / ٦٥١ - ٦٥٢، ونيل الأوطار ٨ / ٢٤١ - ٢٤٨.

بَيْنَ فَرَسَيْنِ - وَهُوَ لاَ يُؤْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ - فَلَيْسَ بِقِمَارٍ، وَمَنْ أَدْخَل فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يَسْبِقَ فَهُوَ قِمَارٌ (١)، وَلأَِنَّهُ مَأْمُونٌ سَبْقُهُ فَوُجُودُهُ كَعَدِمِهِ، وَإِنْ كَانَ مُكَافِئًا لَهُمَا جَازَ.

وَانْظُرْ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (تَكَافُؤٌ ف ٦) .

_________

(١) حديث: " من أدخل فرسًا بين فرسين. . ". أخرجه أبو داود (٣ / ٦٦ - ٦٧) من حديث أبي هريرة، وإسناده ضعيف كما في التلخيص لابن حجر (٤ / ٢٠٣) .

مَكَانٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْمَكَانُ فِي اللُّغَةِ: الْمَوْضِعُ، وَمَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ كَالأَْرْضِ لِلسَّرِيرِ، وَالْجَمْعُ أَمْكِنَةٌ، وَأَمَاكِنُ جَمْعُ الْجَمْعِ (١) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَكَانِ:

تَتَعَلَّقُ بِالْمَكَانِ أَحْكَامٌ فِقْهِيَّةٌ مِنْهَا:

الأَْمَاكِنُ الَّتِي نُهِيَ عَنِ الصَّلاَةِ فِيهَا

٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ الصَّلاَةِ فِي الْمَجْزَرَةِ وَالْمَقْبَرَةِ وَالْحَمَّامِ وَنَحْوِهَا، فَقَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي رِوَايَةٍ إِنَّ الصَّلاَةَ تَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ فِي الْحَمَّامِ وَالْمَزْبَلَةِ وَالْمَجْزَرَةِ وَمَعَاطِنِ الإِْبِل وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَالْمَقْبَرَةِ وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ وَالْمُغْتَسَل وَالْكَنَائِسِ وَالْمَوْضِعِ الْمَغْصُوبِ، وَبِهِ قَال عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ ﵃ وَعَطَاءٌ وَالنَّخَعِيُّ

_________

(١) لسان العرب، والمفردات للراغب، ودستور العلماء ٣ / ٣١٩، وكشاف اصطلاحات الفنون ٥ / ١٢٧٨، ٦ / ١٣٥٢.

وَابْنُ الْمُنْذِرِ لِقَوْل الرَّسُول ﷺ: جُعِلَتْ لِي الأَْرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا. (١)

وَقَوْلِهِ ﷺ: أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاَةُ فَصَل فَهُوَ مَسْجِدٌ (٢)، وَلأَِنَّهُ مَوْضِعٌ طَاهِرٌ فَصَحَّتِ الصَّلاَةُ فِيهِ كَالصَّحْرَاءِ، وَقَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: ذَكَرَ نَافِعٌ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَسَطَ قُبُورِ الْبَقِيعِ،

وَمَحَل كَرَاهَةِ الصَّلاَةِ فِي هَذِهِ الأَْمَاكِنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِنْ بَسَطَ طَاهِرًا وَصَلَّى عَلَيْهِ وَإِلاَّ فَصَلاَتُهُ بَاطِلَةٌ لأَِنَّهُ صَلَّى عَلَى نَجَاسَةٍ (٣) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: تَجُوزُ الصَّلاَةُ فِي مَرْبِضِ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَكَذَا فِي الْمَقْبَرَةِ وَالْحَمَّامِ وَالْمَزْبَلَةِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَالْمَجْزَرَةِ إِنْ أُمِنَتِ النَّجَاسَةُ وَإِنْ لَمْ تُؤْمَنِ النَّجَاسَةُ وَصَلَّى أَعَادَ الصَّلاَةَ فِي الْوَقْتِ، وَإِنْ تَحَقَّقَتِ النَّجَاسَةُ أَعَادَ الصَّلاَةَ أَبَدًا.

وَتُكْرَهُ الصَّلاَةُ بِمَعَاطِنِ الإِْبِل وَبِالْكَنَائِسِ (٤) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي الْمُعْتَمَدِ إِنَّ الصَّلاَةَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لاَ تَصِحُّ بِأَيِّ حَالٍ مِنَ الأَْحْوَال

_________

(١) حديث: " جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٤٣٦) ومسلم (١ / ٣٧١) من حديث جابر بن عبد الله، واللفظ للبخاري.

(٢) حديث: " أينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٦ / ٤٥٨) ومسلم (١ / ٣٧٠) من حديث أبي ذر، واللفظ لمسلم.

(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٥٤، والفتاوى الخانية بهامش الفتاوى الهندية ١ / ١٦٢، ومغني المحتاج ١ / ٢٠١، والحاوي الكبير ٢ / ٣٣٧ - ٣٣٨، والمغني ٢ / ٦٧ - ٦٨.

(٤) الشرح الصغير ١ / ٢٦٧ - ٢٦٨.

لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ ﵁: أَنَّ رَجُلًا سَأَل رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الإِْبِل؟ قَال: لاَ. (١)

وَلِقَوْل الرَّسُول ﷺ: الأَْرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلاَّ الْحَمَّامَ وَالْمَقْبَرَةَ. (٢)

وَقَال بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ كَانَ الْمُصَلِّي عَالِمًا بِالنَّهْيِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ فِيهَا، لأَِنَّهُ عَاصٍ بِصَلاَتِهِ فِيهَا وَالْمَعْصِيَةُ لاَ تَكُونُ قُرْبَةً وَلاَ طَاعَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا فَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ:

إِحْدَاهُمَا: لاَ تَصِحُّ لأَِنَّهُ صَلَّى فِيمَا لاَ تَصِحُّ فِيهِ مَعَ الْعِلْمِ فَلاَ تَصِحُّ مَعَ الْجَهْل كَالصَّلاَةِ فِي مَحَلٍّ نَجِسٍ.

وَالثَّانِيَةُ: تَصِحُّ الصَّلاَةُ فِيهِ لأَِنَّهُ مَعْذُورٌ.

قَال الْبُهُوتِيُّ: الْمَنْعُ مِنَ الصَّلاَةِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ تَعَبُّدٌ لَيْسَ مُعَلَّلًا بِوَهْمِ النَّجَاسَةِ وَلاَ غَيْرِهِ لِنَهْيِ الشَّارِعِ عَنْهَا وَلَمْ يُعْقَل مَعْنَاهُ (٣) .

وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (حَمَّامٌ ف ١٤، صَلاَةٌ ف ١٠٥) .

_________

(١) حديث جابر بن سمرة " أن رجلًا سأل النبي ﷺ: أنصلي في مبارك الإبل؟ . . " أخرجه مسلم (١ / ٢٧٥) .

(٢) حديث: " الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة ". أخرجه أبو داود (١ / ٣٣٠) والحاكم (١ / ٢٥٠) من حديث أبي سعيد الخدري، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

(٣) المغني ٢ / ٦٧، ٦٨، وكشاف القناع ١ / ٢٩٣ - ٢٩٥.

مَكَانُ وَضْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلاَةِ

٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ مِنْ سُنَنِ الصَّلاَةِ الْقَبْضَ وَهُوَ وَضْعُ الْيَدِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: يُنْدَبُ الإِْرْسَال وَيُكْرَهُ الْقَبْضُ فِي صَلاَةِ الْفَرْضِ وَجَوَّزُوهُ فِي النَّفْل وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (إِرْسَالٌ ف ٤) .

وَمَكَانُ وَضْعِ الْيَدَيْنِ بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ هُوَ تَحْتَ الصَّدْرِ وَفَوْقَ السُّرَّةِ، وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ لِمَا رَوَى وَائِل بْنُ حُجْرٍ قَال: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُول اللَّهِ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى صَدْرِهِ (١) .

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَفِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يَضَعُ يَدَيْهِ تَحْتَ سُرَّتِهِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي مِجْلَزٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَال: مِنَ السُّنَّةِ وَضْعُ الْكَفِّ عَلَى الْكَفِّ فِي الصَّلاَةِ تَحْتَ السُّرَّةِ (٢) .

_________

(١) حديث وائل بن حجر: " صليت مع رسول الله ﷺ ووضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره ". أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (١ / ٢٤٣) .

(٢) حديث: " من السنة وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة " أخرجه أبو داود (١ / ٤٨٠) ثم نقل عن أحمد بن حنبل أنه ضعف راويًا في إسناده.

وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ تَضَعُ يَدَيْهَا عَلَى ثَدْيَيْهَا (١) .

مَكَانُ دَفْنِ الْمَيِّتِ

٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَقْبَرَةَ أَفْضَل مَكَانٍ لِلدَّفْنِ وَذَلِكَ لِلاِتِّبَاعِ وَلِنَيْل دُعَاءِ الطَّارِقِينَ، وَيُكْرَهُ دَفْنُهُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي بُنِيَ لِلصَّلاَةِ فِيهِ.

عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (دَفْنٌ ف ٣ وَمَا بَعْدَهَا) .

مَكَانُ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ

٥ - مُطْلَقُ عَقْدِ الْبَيْعِ يَقْتَضِي تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ مَوْجُودٌ فِيهِ حِينَئِذٍ (٢)، فَمَثَلًا لَوْ بَاعَ رَجُلٌ وَهُوَ فِي إِسْلاَمْبُول حِنْطَتَهُ الَّتِي فِي دِمَشْقَ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْحِنْطَةِ الْمَرْقُومَةِ فِي دِمَشْقَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَهَا فِي إِسْلاَمْبُول، أَيْ لاَ يُشْتَرَطُ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ بَيَانُ الْمَكَانِ الَّذِي يُسَلَّمُ فِيهِ الْمَبِيعُ فَعَقْدُ الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ الَّذِي لاَ يُبَيَّنُ فِيهِ مَكَانُ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ

_________

(١) الفتاوى الهندية ١ / ٧٣، والشرح الكبير ١ / ٢٥٠، والمجموع ٣ / ٣١٠، ٣١٣، والمغني ١ / ٤٧٢ ط الرياض.

(٢) فتح القدير ٣ / ٣٢٠، وجواهر الإكليل ١ / ٣٠٦، ومنح الجليل ٢ / ١٠٠، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ١٨٩.