الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٨
مُكَاتَبَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْمُكَاتَبَةُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ كَاتَبَ وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ، وَالأَْصْل فِي بَابِ الْمُفَاعَلَةِ أَنْ يَكُونَ مِنِ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا.
يُقَال: كَاتَبَ يُكَاتِبُ كِتَابًا وَمُكَاتَبَةً، وَهِيَ مُعَاقَدَةٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَسَيِّدِهِ، يُكَاتِبُ الرَّجُل عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ عَلَى مَالٍ مُنَجَّمٍ، وَيَكْتُبُ الْعَبْدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُعْتَقٌ إِذَا أَدَّى النُّجُومَ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
قَال ابْنُ حَجَرٍ الْمُكَاتَبَةُ تَعْلِيقُ عِتْقٍ بِصِفَةٍ عَلَى مُعَاوَضَةٍ مَخْصُوصَةٍ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْعِتْقُ:
٢ - الْعِتْقُ فِي اللُّغَةِ: خِلاَفُ الرِّقِّ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ تَحْرِيرُ الرَّقَبَةِ
_________
(١) المصباح المنير، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٢ / ٢٤٤.
(٢) فتح الباري ٥ / ١٨٤.
وَتَخْلِيصُهَا مِنَ الرِّقِّ (١) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُكَاتَبَةَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الْعِتْقِ.
أَصْل الْمُكَاتَبَةِ وَمَشْرُوعِيَّتُهَا
أَصْلُهَا:
٣ - كَانَتِ الْمُكَاتَبَةُ مَعْرُوفَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَقَرَّهَا الإِْسْلاَمُ.
وَأَوَّل مَنْ كُوتِبَ فِي الإِْسْلاَمِ أَبُو الْمُؤَمَّل، وَقَدْ حَثَّ الرَّسُول ﷺ عَلَى إِعَانَتِهِ فِي نُجُومِ الْكِتَابَةِ، فَقَال: أَعِينُوا أَبَا الْمُؤَمَّل، فَأُعِينَ، فَقَضَى كِتَابَتَهُ، وَفَضَلَتْ عِنْدَهُ فَضْلَةٌ، فَقَال لَهُ ﷺ: أَنْفِقْهَا فِي سَبِيل اللَّهِ (٢)، وَقِيل غَيْرُ ذَلِكَ (٣) .
وَالأَْصْل فِيهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ . (٤)
_________
(١) ترتيب القاموس المحيط: - ط الدار العربية للكتاب، تونس، والدر المختار ٣ / ٢ - ٣ ط. الأميرية، بولاق مصر ١٣٢٤ هـ.
(٢) حديث: " حث الرسول على إعانة أبي المؤمل. . ". أورده ابن حجر في الإصابة (٧ / ٣٩٢ - ٣٩٣) نقلًا عن شارح البخاري ابن التين، ولم يعزه إلى أي مصدر حديثي، ولم نهتد لمن أخرجه.
(٣) فتح الباري لابن حجر ٥ / ١٨٤، والزرقاني على الموطأ ٤ / ١٠٩.
(٤) سورة النور / ٣٣.
وَمَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا كَانَ لإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، فَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ.
(١) وَمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: ثَلاَثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ: الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيل اللَّهِ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأَْدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ. (٢)
وَأَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْمُكَاتَبَةِ (٣) فَلاَ خِلاَفَ أَنَّهَا جَائِزَةٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَسَيِّدِهِ، إِذَا كَانَتْ عَلَى شُرُوطِهَا (٤) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٤ - الْمُكَاتَبَةُ مَنْدُوبَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (٥) .
قَال مَالِكٌ: الأَْمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ أَنْ يُكَاتِبَهُ إِذَا سَأَلَهُ ذَلِكَ، فَلاَ يُكْرَهُ أَحَدٌ عَلَى مُكَاتَبَةِ عَبْدِهِ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ (٦) .
وَاسْتُحِبَّتْ لأَِنَّ الْعَبْدَ قَدْ يَقْصِدُ بِهَا الاِسْتِقْلاَل وَالاِكْتِسَابَ وَالتَّزَوُّجَ، فَيَكُونُ أَعَفَّ لَهُ (٧) .
_________
(١) حديث: " إذا كان لإحداكن مكاتب. . ". أخرجه أبو داود (٣٠ / ٢٤٤ - ٢٤٥) والبيهقي (١٠ / ٣٢٧) ونقل البيهقي عن الشافعي أنه ضعف هذا الحديث.
(٢) حديث: " ثلاثة حق على الله عونهم. . . . ". أخرجه الترمذي (٣ / ١٨٤) وقال: حديث حسن.
(٣) الشرح الكبير لابن قدامة ٦ / ٣٩٧ - ٣٩٨ ط. . كلية الشريعة الرياض.
(٤) المقدمات الممهدات ٢ / ١٦٢.
(٥) بداية المجتهد لابن رشد ٢ / ٣١٠ ط. المكتبة الجديدة مصر، ومغني المحتاج ٤ / ٥١٦.
(٦) الزرقاني على الموطأ ٤ / ١٠٢ - ١٠٣.
(٧) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٢ / ٢٤٤.
وَذَهَبَ عِكْرِمَةُ وَعَطَاءٌ وَمَسْرُوقٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ إِلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ إِذَا طَلَبَهَا الْعَبْدُ، مُحْتَجِّينَ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (١)، فَالأَْمْرُ عِنْدَهُمْ لِلْوُجُوبِ (٢) .
وَهُنَاكَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ بِوُجُوبِ الْكِتَابَةِ إِذَا دَعَا إِلَيْهَا الْعَبْدُ الْمُكْتَسِبُ الصَّدُوقُ (٣) .
وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ: أَنَّ الأَْصْل أَنْ لاَ يُحْمَل أَحَدٌ عَلَى عِتْقِ مَمْلُوكِهِ، لِذَا تُحْمَل الآْيَةُ عَلَى النَّدْبِ، لِئَلاَّ تُعَارِضَ هَذَا الأَْصْل (٤) .
حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ الْمُكَاتَبَةِ
٥ - إِنَّ حِكْمَةَ تَشْرِيعِ الْمُكَاتَبَةِ مَصْلَحَةُ السَّيِّدِ وَالْعَبْدِ (٥)، فَالسَّيِّدُ فَعَل مَعْرُوفًا مِنْ أَعْمَال الْبِرِّ الْمَنْدُوبَةِ، وَالْعَبْدُ تَئُول كِتَابَتُهُ غَالِبًا إِلَى رَفْعِ الرِّقِّ عَنْهُ وَتَمَتُّعِهِ بِحُرِّيَّتِهِ (٦) .
_________
(١) سورة النور / ٣٣.
(٢) بداية المجتهد ٢ / ٣١٠، والجامع لأحكام القرآن ١٢ / ٢٤٥.
(٣) المغني لابن قدامة ٩ / ٤١١ ط كلية الشريعة، الرياض، وانظر: فتح الباري ٥ / ١٨٥. والمقدمات الممهدات ٢ / ١٧٢ - ١٧٣، ومغني المحتاج ٤ / ٥١٦.
(٤) بداية المجتهد ٢ / ٣١٠.
(٥) بدائع الصنائع ٤ / ١٥٩ ط. دار الكتاب العربي.
(٦) لباب اللباب لابن راشد القفصي ص ٢٧٠ ط. تونس.
أَرْكَانُ الْمُكَاتَبَةِ
٦ - أَرْكَانُ الْمُكَاتَبَةِ هِيَ: الْمَوْلَى، الْعَبْدُ، الصِّيغَةُ، الْعِوَضُ (١) .
وَلِكُل رُكْنٍ شُرُوطٌ وَأَحْكَامٌ تَتَعَلَّقُ بِهِ وَتَفْصِيلُهَا فِيمَا يَلِي:
أ - الْمَوْلَى:
٧ - هُوَ كُل مُكَلَّفٍ أَهْلٍ لِلتَّصَرُّفِ تَصِحُّ مِنْهُ الْمُكَاتَبَةُ، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ (٢) .
ب - الْعَبْدُ الْمُكَاتَبُ:
٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْعَبْدِ الْمُكَاتَبِ الْعَقْل.
وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الْبُلُوغِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ مُكَاتَبَةُ الصَّغِيرِ الْمُمَيِّزِ (٣)، وَوَافَقَهُمُ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْجُمْلَةِ، فَقَال: تَجُوزُ مُكَاتَبَةُ صَغِيرٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ عَشْرَ سِنِينَ (٤) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى اشْتِرَاطِ الْبُلُوغِ (٥)، وَقَال أَشْهَبُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: يُمْنَعُ مُكَاتَبَةُ ابْنِ عَشْرِ سِنِينَ (٦) .
_________
(١) مواهب الجليل للحطاب ٦ / ٣٤٥، والجواهر لابن شاس، النظر الأول في كتاب الكتابة.
(٢) التاج والإكليل للمواق ٦ / ٣٤٤.
(٣) بدائع الصنائع ٤ / ١٣٧، والمغني لابن قدامة ٩ / ٤١٣.
(٤) حاشية الدسوقي ٤ / ٣٩١.
(٥) مغني المحتاج ٤ / ٥١٩.
(٦) حاشية الدسوقي ٤ / ٣٩١.
ج - الصِّيغَةُ:
٩ - الصِّيغَةُ هِيَ اللَّفْظُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِمَّا يَدُل عَلَى الْعِتْقِ عَلَى مَالٍ مُنَجَّمٍ، مِثْل: كَاتَبْتُكَ عَلَى كَذَا فِي نَجْمٍ أَوْ نَجْمَيْنِ فَصَاعِدًا (١) وَلاَ يَفْتَقِرُ إِلَى قَوْلِهِ: إِنْ أَدَّيْتَ فَأَنْتَ حُرٌّ، لأَِنَّ لَفْظَ الْكِتَابَةِ يَقْتَضِي الْحُرِّيَّةَ.
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يُعْتَقُ حَتَّى يَقُول ذَلِكَ أَوْ يَنْوِيَ بِالْكِتَابَةِ الْحُرِّيَّةَ (٢) .
د - الْعِوَضُ:
١٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْعِوَضَ فِي الْمُكَاتَبَةِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى نَجْمٍ وَاحِدٍ (٣) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى اشْتِرَاطِ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ فِي الْكِتَابَةِ دَيْنًا مُؤَجَّلًا وَمُنَجَّمًا بِنَجْمَيْنِ مَعْلُومَيْنِ فَأَكْثَرَ (٤) .
_________
(١) لباب اللباب لابن راشد القفصي ص ٢٧١ ط. تونس.
(٢) الشرح الكبير لابن قدامة ٦ / ٤٠١، والقوانين الفقهية لابن جزي ٤١٣، ومغني المحتاج ٤ / ٥١٦ - ٥١٧.
(٣) بدائع الصنائع ٤ / ١٣٧ - ١٤٠، والشرح الكبير للدردير ٤ / ٣٩١.
(٤) مغني المحتاج ٤ / ٥١٨، والمغني ٩ / ٤١٧ وما بعدها.
وَيُشْتَرَطُ فِي عِوَضِ الْمُكَاتَبَةِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْعِوَضِ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ.
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (عِوَضٌ ف ٤ وَمَا بَعْدَهَا) .
صِفَةُ الْمُكَاتَبَةِ
١١ - الْمُكَاتَبَةُ عَقْدٌ لاَزِمٌ فَلاَ خِيَارَ لأَِحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي فَسْخِهِ إِذَا أَبَى الآْخَرُ، وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (١) .
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ هِيَ عَقْدٌ لاَزِمٌ مِنْ جَانِبِ الْمَوْلَى إِذَا كَانَتِ الْمُكَاتَبَةُ صَحِيحَةً، غَيْرُ لاَزِمٍ فِي جَانِبِ الْمُكَاتَبِ.
أَمَّا إِذَا كَانَتْ فَاسِدَةً فَلاَ تَلْزَمُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (٢) .
عِتْقُ الْمُكَاتَبِ بِالأَْدَاءِ
١٢ - إِذَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ نُجُومَ الْكِتَابَةِ عُتِقَ، وَيُعَانُ الْمُكَاتَبُ عَلَى الأَْدَاءِ مِنَ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ وَمَا يُعِينُهُ بِهِ سَيِّدُهُ (٣) .
_________
(١) الشرح الصغير ٤ / ٥٥٢، وكشاف القناع ٤ / ٥٥٧.
(٢) بدائع الصنائع ٤ / ١٤٧، ومغني المحتاج ٤ / ٥٢٨ وما بعدها.
(٣) بدائع الصنائع ٤ / ١٤٠، والشرح الصغير ٤ / ٥٥٦، ومغني المحتاج ٤ / ٥٢١ - ٥٢٢، وكشاف القناع ٤ / ٥٥٧ وما بعدها.
تَصَرُّفَاتُ الْمُكَاتَبِ
١٣ - بَعْدَ الْتِزَامِ الْعَبْدِ بِالْمُكَاتَبَةِ يُصْبِحُ كَالْحُرِّ فِي بَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ، فَلَهُ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ وَيُقَاسِمَ شُرَكَاءَهُ، وَيُقِرَّ بِالدَّيْنِ لِمَنْ لاَ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ، وَبِالْحَدِّ وَالْقَطْعِ الرَّاجِعَيْنِ لِرَقَبَتِهِ، وَيُضَارِبَ وَيُعِيرَ وَيُودِعَ وَيُؤَجِّرَ وَيُقَاصَّ، وَيَتَصَرَّفَ فِي مَكَاسِبِهِ، وَيُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ دُونَ تَبْذِيرٍ، وَدُونَ إِخْرَاجِ الْمَال بِغَيْرِ عِوَضٍ.
وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ مِنْ كُل تَصَرُّفٍ فِيهِ صَلاَحُ الْمَال وَاكْتِسَابُ الْمَنَافِعِ (١) .
وَلاَءُ الْمُكَاتَبِ
١٤ - إِذَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ لِمَوْلاَهُ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْمَال وَعَتَقَ، فَإِنَّ وَلاَءَهُ يَكُونُ لِمَوْلاَهُ (٢)، لِقَوْلِهِ ﷺ: الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ. (٣)
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (وَلاَءٌ) .
مُكَارِي
انْظُرْ: إِجَارَةٌ
_________
(١) التفريع ٢ / ١٧، والكافي لابن عبد البر ٢ / ٩٩٠، والتاج والإكليل ٥ / ٣٤٧، والشرح الكبير للدردير ٤ / ٣٩٦، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٩٧، والبدائع ٣ / ١٤٣، والشرح الكبير لابن قدامة ٦ / ٤١١.
(٢) التفريع ٢ / ١٧، والمغني ٩ / ٤٢٣.
(٣) حديث: " الولاء لمن أعتق. . ". أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ١٨٥) ومسلم (٢ / ١١٤١) من حديث عائشة.
مُكَافَأَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْمُكَافَأَةُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ كَافَأَ، يُقَال: كَافَأَهُ مُكَافَأَةً وَكِفَاءً: جَازَاهُ، وَكَافَأَ فُلاَنًا: مَاثَلَهُ، وَكُل شَيْءٍ سَاوَى شَيْئًا حَتَّى صَارَ مِثْلَهُ فَهُوَ مُكَافِئٌ لَهُ (١)، وَالْمُكَافَأَةُ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ هَذَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ: الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ (٢)، أَيْ تَتَسَاوَى فِي الدِّيَةِ وَالْقِصَاصِ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْعِوَضُ:
٢ - الْعِوَضُ: الْبَدَل، وَعَوَّضْتُهُ: إِذَا أَعْطَيْتَهُ بَدَل مَا ذَهَبَ مِنْهُ، وَمِنْ إِطْلاَقَاتِ الْعِوَضِ: ثَوَابُ الآْخِرَةِ، وَالثَّوَابُ يَقَعُ عَلَى جِهَةِ الْمُكَافَأَةِ.
_________
(١) اللسان، والمصباح المنير، والفروق اللغوية، والتعريفات للجرجاني، وفتح الباري شرح صحيح البخاري ٥ / ٢١٠، ومختار الصحاح.
(٢) حديث: " المسلمون تتكافأ دماؤهم ". . أخرجه أبو داود (٣ / ١٨٣) من حديث عبد الله بن عمرو، وحسن إسناده ابن حجر في الفتح (١٢ / ٢٦١) .
(٣) بداية المجتهد ٢ / ٤٣٣، ومغني المحتاج ٤ / ١٦.
وَالْعِوَضُ فِي الاِصْطِلاَحِ: مَا يُبْذَل فِي مُقَابَلَةِ غَيْرِهِ (١)، وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الْمُكَافَأَةِ.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمُكَافَأَةِ:
الْمُكَافَأَةُ عَلَى الْهَدِيَّةِ
٣ - ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقْبَل الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا (٢)، وَمَعْنَى يُثِيبُ عَلَيْهَا أَيْ يُكَافِئُ عَلَيْهَا.
وَقَدْ عَنْوَنَ الْبُخَارِيُّ لِهَذَا الْحَدِيثِ: (الْمُكَافَأَةُ فِي الْهِبَةِ) .
وَاسْتَدَل بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى وُجُوبِ الثَّوَابِ وَالْمُكَافَأَةِ عَلَى الْهَدِيَّةِ، إِذَا أَطْلَقَ الْوَاهِبُ وَكَانَ مِمَّنْ يَطْلُبُ مِثْلُهُ الثَّوَابَ كَالْفَقِيرِ لِلْغَنِيِّ، بِخِلاَفِ مَا يَهَبُهُ الأَْعْلَى لِلأَْدْنَى، وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنْهُ مُوَاظَبَتُهُ ﷺ (٣) .
وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى: أَنَّ الَّذِي أَهْدَى قَصَدَ أَنْ يُعْطِيَ أَكْثَرَ مِمَّا أُهْدِيَ، فَلاَ أَقَل أَنْ يُعَوَّضَ بِنَظِيرِ هَدِيَّتِهِ.
_________
(١) اللسان، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط، والفروق اللغوية ص ١٩٦، والمطلع على أبواب المقنع ص ٢١٦.
(٢) حديث عائشة: " كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها ". أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٢١٠) .
(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٥ / ٢١٠، والمنتقى للباجي ٦ / ١١١ - ١١٢، وبداية المجتهد ٢ / ٣٦١ ط. مكتبة الكليات الأزهرية.