الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٨ الصفحة 75

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٨

يَدْخُل مَكَّةَ نَهَارًا وَيُذْكَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﵌ أَنَّهُ فَعَلَهُ (١) .

وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يُسَنُّ الْغُسْل لِدُخُول مَكَّةَ وَلَوْ حَلاَلًا لِلاِتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي الْمُحَرَّمِ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْحَلاَل (٢) .

الإِْحْرَامُ لِدُخُول مَكَّةَ

٤ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ دُخُول مَكَّةَ لِلْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ الْمَوَاقِيتِ أَوْ مِنْ قَبْلِهَا.

أَمَّا إِذَا أَرَادَ دُخُول مَكَّةَ لِغَيْرِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ إِحْرَامِهِ وَالتَّفْصِيل فِي (حَرَمٌ ف ٤ - ٦) .

الْمُجَاوَرَةُ بِمَكَّةَ

٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ، فَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ إِلَى اسْتِحْبَابِ الْمُجَاوَرَةِ، بِمَكَّةَ وَذَهَبَ غَيْرُهُمْ إِلَى كَرَاهَةِ الْمُجَاوَرَةِ بِهَا، وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (حَرَمٌ ف ٢٢) .

_________

(١) حديث: " إن ابن عمر كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى. . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٤٣٥) ومسلم (٢ / ٩١٩) واللفظ لمسلم.

(٢) مغني المحتاج ١ / ٤٧٩، والمهذب ١ / ٢١١، والأشباه والنظائر ص ٣٦٩، وكشاف القناع ٢ / ٤٧٦، والشرح الصغير ٢ / ٤١.

دُخُول الْكُفَّارِ مَكَّةَ

٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِ السُّكْنَى وَالإِْقَامَةُ فِي مَكَّةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ .

وَاخْتَلَفُوا فِي اجْتِيَازِ الْكَافِرِ مَكَّةَ بِصِفَةِ مُؤَقَّتَةٍ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى مَنْعِهِ مُطْلَقًا وَأَجَازَهُ آخَرُونَ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (حَرَمٌ ف ٣) .

بَيْعُ دُورِ مَكَّةَ وَكِرَاؤُهَا

٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ بَيْعِ رِبَاعِ مَكَّةَ وَكِرَائِهَا: فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ: مَكَّةُ حَرَامٌ، حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلاَ تَحِل بَيْعُ رِبَاعِهَا وَلاَ إِجَارَةُ بُيُوتِهَا (١) .

وَذَهَبَ غَيْرُهُمْ إِلَى جَوَازِ بَيْعِ دُورِ مَكَّةَ وَإِجَارَتِهَا لأَِنَّهَا عَلَى مِلْكِ أَرْبَابِهَا.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (حَرَمٌ ف ١٧، وَرِبَاعٌ ف ٥) .

_________

(١) حديث: " مكة حرام حرمها الله. . ". أخرجه ابن أبي شيبة من حديث مجاهد مرسلًا، كذا في نصب الراية للزيلعي (٤ / ٢٦٦)، وورد بلفظ مكة مناخ، لا تباع رباعها ولا يؤاجر بيوتها. أخرجه الدارقطني (٣ / ٥٨) من حديث عبد الله بن عمرو، وأعله بضعف أحد رواته وقال: لم

تَضَاعُفُ السَّيِّئَاتِ بِمَكَّةَ

٨ - ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ السَّيِّئَاتِ تُضَاعَفُ بِمَكَّةَ كَمَا تُضَاعَفُ الْحَسَنَاتُ، وَمِمَّنْ قَال ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُجَاهِدٌ ﵃، وَغَيْرُهُمْ، لِتَعْظِيمِ الْبَلَدِ.

وَسُئِل ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ مُقَامِهِ بِغَيْرِ مَكَّةَ فَقَال: " مَا لِي وَلِبَلَدٍ تُضَاعَفُ فِيهِ السَّيِّئَاتُ كَمَا تُضَاعَفُ الْحَسَنَاتُ (١) ".

فَحُمِل ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى مُضَاعَفَةِ السَّيِّئَاتِ بِالْحَرَمِ، ثُمَّ قِيل: تَضْعِيفُهَا كَمُضَاعَفَةِ الْحَسَنَاتِ بِالْحَرَمِ.

وَقِيل: بَل كَخَارِجِهِ.

وَمَنْ أَخَذَ بِالْعُمُومَاتِ لَمْ يَحْكُمْ بِالْمُضَاعَفَةِ قَال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا﴾ .

وَقَال النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةِ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً (٢) .

وَقَال بَعْضُ السَّلَفِ لاِبْنِهِ: " يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَالْمَعْصِيَةَ فَإِنْ عَصَيْتَ وَلاَ بُدَّ، فَلْتَكُنْ فِي مَوَاضِعِ الْفُجُورِ، لاَ فِي مَوَاضِعِ الأُْجُورِ، لِئَلاَّ يُضَاعَفَ عَلَيْكَ الْوِزْرُ، أَوْ تُعَجَّل الْعُقُوبَةُ " وَحَرَّرَ بَعْضُ

_________

(١) إعلام الساجد بأحكام المساجد ص ١٢٨.

(٢) حديث: " من هم بسيئة فلم يعملها. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ٣٢٣) ومسلم (١ / ١١٨) من حديث ابن عباس.

الْمُتَأَخِّرِينَ النِّزَاعَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَال: الْقَائِل بِالْمُضَاعَفَةِ: أَرَادَ مُضَاعَفَةَ مِقْدَارِهَا أَيْ غِلَظَهَا لاَ كَمِّيَّتَهَا فِي الْعَدَدِ، فَإِنَّ السَّيِّئَةَ جَزَاؤُهَا سَيِّئَةٌ، لَكِنَّ السَّيِّئَاتِ تَتَفَاوَتُ، فَالسَّيِّئَةُ فِي حَرَمِ اللَّهِ وَبِلاَدِهِ عَلَى بِسَاطٍ أَكْبَرَ وَأَعْظَمَ مِنْهَا فِي طَرَفٍ مِنْ أَطْرَافِ الْبِلاَدِ، وَلِهَذَا لَيْسَ مَنْ عَصَى الْمَلِكَ عَلَى بِسَاطِ مُلْكِهِ كَمَنْ عَصَاهُ فِي مَوْضِعٍ بَعِيدٍ عَنْهُ.

وَيُعَاقَبُ عَلَى الْهَمِّ فِيهَا بِالسَّيِّئَاتِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهَا.

قَال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وَلِهَذَا عُدِّيَ فِعْل الإِْرَادَةِ بِالْبَاءِ.

وَلاَ يُقَال: أَرَدْتُ بِكَذَا، لَمَّا ضَمَّنَهُ مَعْنَى يَهِمُّ، فَإِنَّهُ يُقَال: هَمَمْتُ بِكَذَا.

وَهَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ قَاعِدَةِ الْهَمِّ بِالسَّيِّئَةِ وَعَدَمِ فِعْلِهَا.

كُل ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِحُرْمَتِهِ، وَكَذَلِكَ فَعَل اللَّهُ ﷾ بِأَصْحَابِ الْفِيل.

أَهْلَكَهُمْ قَبْل الْوُصُول إِلَى بَيْتِهِ.

وَقَال أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: " لَوْ أَنَّ رَجُلًا هَمَّ أَنْ يَقْتُل فِي الْحَرَمِ أَذَاقَهُ اللَّهُ مِنَ الْعَذَابِ الأَْلِيمِ ثُمَّ قَرَأَ الآْيَةَ.

وَقَال ابْنُ مَسْعُودٍ: " مَا مِنْ بَلَدٍ يُؤَاخَذُ الْعَبْدُ فِيهِ بِالْهَمِّ قَبْل الْفِعْل إِلاَّ مَكَّةَ وَتَلاَ هَذِهِ الآْيَةَ (١) .

_________

(١) إعلام الساجد بأحكام المساجد ص ١٢٨، ١٢٩.

مُكُوسٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْمُكُوسُ: جَمْعُ مَكْسٍ.

وَأَصْل الْمَكْسِ - فِي اللُّغَةِ: النَّقْصُ وَالظُّلْمُ، وَدَرَاهِمُ كَانَتْ تُؤْخَذُ مِنْ بَائِعِي السِّلَعِ فِي الأَْسْوَاقِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَوْ دِرْهَمٌ كَانَ يَأْخُذُهُ الْمُصَدِّقُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ (١) .

وَيُطْلَقُ الْمَكْسُ - كَذَلِكَ - عَلَى الضَّرِيبَةِ يَأْخُذُهَا الْمَكَّاسُ مِمَّنْ يَدْخُل الْبَلَدَ مِنَ التُّجَّارِ (٢) .

وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: الْمَكْسُ مَا يَأْخُذُهُ الْعَشَّارُ.

وَالْمَاكِسُ: هُوَ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْ أَمْوَال النَّاسِ شَيْئًا مُرَتَّبًا فِي الْغَالِبِ، وَيُقَال لَهُ الْعَشَّارُ لأَِنَّهُ يَأْخُذُ الْعُشُورَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْبِلاَدِ (٣) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْعُشُورُ:

٢ - الْعُشُورُ: جَمْعُ عُشْرٍ، وَهُوَ لُغَةً الْجُزْءُ مِنْ عَشَرَةِ أَجْزَاءٍ.

_________

(١) القاموس المحيط، ولسان العرب.

(٢) المعجم الوسيط.

(٣) مواهب الجليل ٢ / ٤٩٤، والترغيب والترهيب ١ / ٥٦٦ - ٥٦٧، وحاشية ابن عابدين ٢ / ١٤٥.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ يُطْلَقُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ:

الأَْوَّل: عُشْرُ التِّجَارَاتِ وَالْبِيَاعَاتِ.

وَالآْخَرُ: عُشْرُ الصَّدَقَاتِ أَوْ زَكَاةُ الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ (١) .

ب - الْجِبَايَةُ:

٣ - الْجِبَايَةُ فِي اللُّغَةِ: الْجَمْعُ يُقَال جَبَا الْمَال وَالْخَرَاجَ: جَمَعَهُ.

وَالْجِبَايَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ: جَمْعُ الْخَرَاجِ وَالْمَال (٢) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمُكُوسِ وَالْجِبَايَةِ هِيَ أَنَّ الْجِبَايَةَ أَعَمُّ لأَِنَّ الْجِبَايَةَ تَشْمَل جَمْعَ الْمَال مِنْ زَكَاةٍ أَوْ صَدَقَاتٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.

ج - الضَّرَائِبُ:

٤ - الضَّرَائِبُ جَمْعُ ضَرِيبَةٍ، وَهِيَ الَّتِي تُؤْخَذُ فِي الأَْرْصَادِ وَالْجِزْيَةِ وَنَحْوِهَا.

وَهِيَ أَيْضًا: مَا يَأْخُذُهُ الْمَاكِسُ (٣) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الضَّرِيبَةَ أَعَمُّ.

د - الْخَرَاجُ:

٥ - الْخَرَاجُ هُوَ: مَا يَحْصُل مِنْ غَلَّةِ الأَْرْضِ.

أَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ فَهُوَ كَمَا قَال الْمَاوَرْدِيُّ

_________

(١) الهداية مع شروحها ٢ / ١٧١.

(٢) المصباح المنير، قواعد الفقه للبركتي.

(٣) لسان العرب: مادة (ضرب) و(مكس) .

مَا وُضِعَ عَلَى رِقَابِ الأَْرَضِينَ مِنْ حُقُوقٍ تُؤَدَّى عَنْهَا (١) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْخَرَاجِ وَالْمُكُوسِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَال لِلإِْنْفَاقِ عَلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَفْتَرِقَانِ فِي أَنَّ الْخَرَاجَ يُوضَعُ عَلَى رِقَابِ الأَْرْضِ، أَمَّا الْمَكْسُ فَيُوضَعُ عَلَى السِّلَعِ الْمُعَدَّةِ لِلتِّجَارَةِ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٦ - مِنَ الْمُكُوسِ مَا هُوَ مَذْمُومٌ وَمَنْهِيٌّ عَنْهُ وَمِنْهَا مَا هُوَ غَيْرُ ذَلِكَ.

فَالْمُكُوسُ الْمَذْمُومَةُ وَالْمَنْهِيُّ عَنْهَا هِيَ غَيْرُ نِصْفِ الْعُشْرِ الَّذِي فَرَضَهُ عُمَرُ ﵁ عَلَى تِجَارَةِ أَهْل الذِّمَّةِ، وَكَذَلِكَ هِيَ غَيْرُ الْعُشْرِ الَّذِي ضَرَبَهُ عَلَى أَمْوَال أَهْل الْحَرْبِ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَكَانَ إِجْمَاعًا سُكُوتِيًّا (٢) .

وَقَدْ وَرَدَتْ فِي الْمُكُوسِ الْمَذْمُومَةِ وَالْمَنْهِيِّ عَنْهَا - وَهِيَ غَيْرُ مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ - نُصُوصٌ تُحَرِّمُهَا وَتُغَلِّظُ أَمْرَهَا مِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: لاَ يَدْخُل الْجَنَّةَ صَاحِبُ مَكْسٍ (٣) .

_________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٨٦.

(٢) نيل الأوطار ٨ / ٢٢١ ط دار الجبلى.

(٣) حديث: " لا يدخل الجنة صاحب مكس " رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن عقبة بن عامر ﵁.

قَال الْبَغَوِيُّ: يُرِيدُ بِصَاحِبِ الْمَكْسِ الَّذِي يَأْخُذُ مِنَ التُّجَّارِ إِذَا مَرُّوا عَلَيْهِ مَكْسًا بِاسْمِ الْعُشْرِ أَيِ الزَّكَاةِ، وَقَال الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: أَمَّا الآْنَ فَإِنَّهُمْ يَأْخُذُونَ مَكْسًا بِاسْمِ الْعُشْرِ، وَمَكْسًا آخَرَ لَيْسَ لَهُ اسْمٌ، بَل شَيْءٌ يَأْخُذُونَهُ حَرَامًا وَسُحْتًا، وَيَأْكُلُونَهُ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا، حُجَّتُهُمْ فِيهِ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (١) .

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمُكُوسِ:

احْتِسَابُ الْمَكْسِ مِنَ الزَّكَاةِ

٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ احْتِسَابِ الْمَدْفُوعِ مَكْسًا مِنَ الزَّكَاةِ.

وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى جَوَازِ احْتِسَابِهِ مِنَ الزَّكَاةِ.

وَلِلتَّفْصِيل (ر: زَكَاةٌ ف ١٣٢) .

أَخْذُ الْفُقَرَاءِ لِلْمُكُوسِ

٨ - الْمُكُوسُ بِمَعْنَى الْمَال الْمَأْخُوذِ مِنْ صَاحِبِهِ ظُلْمًا، نَصَّ الرَّحِيبَانِيُّ عَلَى حُكْمِهِ بِقَوْلِهِ: يُتَّجَهُ أَنَّ الْمَال الْحَرَامَ الَّذِي جُهِل أَرْبَابُهُ وَصَارَ مَرْجِعُهُ لِبَيْتِ الْمَال كَالْمُكُوسِ وَالْغُصُوبِ وَالْخِيَانَاتِ وَالسَّرِقَاتِ الْمَجْهُول أَرْبَابُهَا يَجُوزُ

_________

(١) الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيتمي ١ / ١٦٨.

لِلْفُقَرَاءِ أَخْذُهَا صَدَقَةً، وَيَجُوزُ أَخْذُهَا لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ هِبَةً وَشِرَاءً وَوَفَاءً عَنْ أُجْرَةٍ سِيَّمَا إِنْ أَعْطَاهَا الْغَاصِبُ لِمَنْ لاَ يَعْلَمُ حَالَهَا كَأَنْ قَبَضَهُ لَهَا بِحَقِّ لأَِنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّفْهُ مَا لَمْ يَعْلَمْ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ، وَعَقَّبَ الشَّطِّيُّ عَلَى الرَّحِيبَانِيِّ بِتَعْقِيبٍ جَاءَ فِيهِ: وَقَال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إِنَّ الْمُكُوسَ إِذَا أَقْطَعَهَا الإِْمَامُ الْجُنْدَ فَهِيَ حَلاَلٌ لَهُمْ إِذَا جُهِل مُسْتَحِقُّهَا، وَكَذَا إِذَا رَتَّبَهَا لِلْفُقَرَاءِ وَأَهْل الْعِلْمِ (١) .

أَثَرُ أَخْذِ الْمُكُوسِ فِي سُقُوطِ وُجُوبِ الْحَجِّ

٤ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي اعْتِبَارِ مَا يُؤْخَذُ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ مِنَ الْمَكْسِ وَالْخَفَارَةِ عُذْرًا قَوْلاَنِ، وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُمْ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ عُذْرًا (٢) .

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُعْتَبَرُ الأَْمْنُ عَلَى الْمَال فِي الْحَجِّ فَإِنْ كَانَ فِي الطَّرِيقِ مَكَّاسٌ يَأْخُذُ مِنَ الْمَال شَيْئًا قَلِيلًا وَلاَ يَنْكُثُ بَعْدَ أَخْذِهِ لِذَلِكَ الْقَلِيل فَفِيهِ قَوْلاَنِ أَظْهَرُهُمَا عَدَمُ سُقُوطِ الْحَجِّ، وَالثَّانِي سُقُوطُهُ.

قَال فِي التَّوْضِيحِ إِنْ كَانَ مَا يَأْخُذُهُ الْمَكَّاسُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ أَوْ مُعَيَّنًا مُجْحِفًا سَقَطَ الْوُجُوبُ وَفِي

_________

(١) مطالب أولي النهى ٤ / ٦٧.

(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ١٤٥ ط بولاق.