الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٨ الصفحة 69

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٨

صَحَّتِ الإِْقَالَةُ فِي الْبَاقِي مِنْهُمَا، وَعَلَى الْمُشْتَرِي قِيمَةُ الْهَالِكِ إِنْ كَانَ قِيَمِيًّا، وَمِثْلُهُ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، فَيُسَلِّمُهُ إِلَى صَاحِبِهِ وَيَسْتَرِدُّ الْعَيْنَ (١) .

وَإِنَّمَا لاَ تَبْطُل بِهَلاَكِ أَحَدِهِمَا بَعْدَ وُجُودِهِمَا، لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبِيعٌ، فَكَانَ الْبَيْعُ بَاقِيًا بِبَقَاءِ الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ مِنْهُمَا، فَأَمْكَنَ الرَّفْعُ فِيهِ.

بِخِلاَفِ مَا لَوْ هَلَكَ الْبَدَلاَنِ جَمِيعًا فِي الْمُقَايَضَةِ، فَالإِْقَالَةُ تَبْطُل عِنْدَئِذٍ، لأَِنَّ الإِْقَالَةَ فِي الْمُقَايَضَةِ تَعَلَّقَتْ بِأَعْيَانِهِمَا - أَيِ الْبَدَلَيْنِ - قَائِمَيْنِ، فَمَتَى هَلَكَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ تُرَدُّ الإِْقَالَةُ عَلَيْهِ (٢) .

ج - إِذَا تَقَايَضَا فَتَقَايَلاَ، فَاشْتَرَى أَحَدُهُمَا مَا أَقَال، صَارَ قَابِضًا بِنَفْسِ الْعَقْدِ، لِقِيَامِهِمَا (أَيْ: قِيَامِ كُلٍّ مِنْ عِوَضَيِ الْمُقَايَضَةِ) . فَكَانَ كُل وَاحِدٍ مَضْمُونًا بِقِيمَةِ نَفْسِهِ كَالْمَغْصُوبِ.

وَلَوْ هَلَكَ أَحَدُهُمَا فَتَقَايَلاَ، ثُمَّ جُدِّدَ الْعَقْدُ فِي الْقَائِمِ، لاَ يَصِيرُ قَابِضًا بِنَفْسِ الْعَقْدِ، لأَِنَّهُ

_________

(١) البحر الرائق ٦ / ١١٥.

(٢) الهداية والعناية، وفتح القدير عليها ٥ / ٢٥١، وانظر تبيين الحقائق ٤ / ٧٣، والدر المختار ورد المحتار عليه ٥ / ١٢٨، ١٢٩.

يَصِيرُ مَضْمُونًا بِقِيمَةِ الْعَرَضِ الآْخَرِ، فَشَابَهُ الْمَرْهُونَ (١) .

مُقَايَلَةٌ

انْظُرْ: إِقَالَةٌ

_________

(١) البحر الرائق، ومنحة الخالق عليه ٦ / ١١٢.

مَقْبَرَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْمَقْبَرَةُ فِي اللُّغَةِ: - بِتَثْلِيثِ الْبَاءِ - أَوْ بِضَمِّ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا لاَ غَيْرُ مَوْضِعُ الْقُبُورِ، وَالْقُبُورُ جَمْعُ قَبْرٍ، وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يُدْفَنُ فِيهِ الْمَيِّتُ.

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١) .

مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَقْبَرَةِ مِنْ أَحْكَامٍ:

الصَّلاَةُ فِي الْمَقْبَرَةِ

٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ تُكْرَهُ الصَّلاَةُ فِي الْمَقْبَرَةِ، وَبِهِ قَال الثَّوْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ، لأَِنَّهَا مَظَانُّ النَّجَاسَةِ، وَلأَِنَّهُ تَشَبُّهٌ بِالْيَهُودِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ فِي الْمَقْبَرَةِ مَوْضِعٌ أُعِدَّ لِلصَّلاَةِ وَلاَ قَبْرَ وَلاَ نَجَاسَةَ فَلاَ بَأْسَ (٢) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: تَجُوزُ الصَّلاَةُ بِمَقْبَرَةٍ عَامِرَةٍ

_________

(١) المصباح المنير، والمغرب للمطرزي، والمعجم الوسيط والمجموع ٣ / ١٥١، والقليوبي ١ / ١٩٥، وكشاف القناع ١ / ٢٩٣، ٢٩٤.

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٤٠، والخانية على هامش الهندية ١ / ٢٩، وعمدة القاري ٢ / ٣٥١.

كَانَتْ أَوْ دَارِسَةٍ، مَنْبُوشَةٍ أَمْ لاَ، لِمُسْلِمٍ كَانَتْ أَوْ لِمُشْرِكٍ (١) .

وَفَصَّل الشَّافِعِيَّةُ الْكَلاَمَ فَقَالُوا: لاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ فِي الْمَقْبَرَةِ الَّتِي تَحَقَّقَ نَبْشُهَا بِلاَ خِلاَفٍ فِي الْمَذْهَبِ، لأَِنَّهُ قَدِ اخْتَلَطَ بِالأَْرْضِ صَدِيدُ الْمَوْتَى، هَذَا إِذَا لَمْ يُبْسَطْ تَحْتَهُ شَيْءٌ، وَإِنْ بُسِطَ تَحْتَهُ شَيْءٌ تُكْرَهُ.

وَأَمَّا إِنْ تَحَقَّقَ عَدَمُ نَبْشِهَا صَحَّتِ الصَّلاَةُ بِلاَ خِلاَفٍ لأَِنَّ الْجُزْءَ الَّذِي بَاشَرَهُ بِالصَّلاَةِ طَاهِرٌ، وَلَكِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ لأَِنَّهَا مَدْفِنُ النَّجَاسَةِ.

وَأَمَّا إِنْ شَكَّ فِي نَبْشِهَا فَقَوْلاَنِ: أَصَحُّهُمَا: تَصِحُّ الصَّلاَةُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، لأَِنَّ الأَْصْل طَهَارَةُ الأَْرْضِ فَلاَ يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهَا بِالشَّكِّ، وَفِي مُقَابِل الأَْصَحِّ: لاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ لأَِنَّ الأَْصْل بَقَاءُ الْفَرْضِ فِي ذِمَّتِهِ، وَهُوَ يَشُكُّ فِي إِسْقَاطِهِ، وَالْفَرْضُ لاَ يَسْقُطُ بِالشَّكِّ (٢) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ فِي الْمَقْبَرَةِ قَدِيمَةً كَانَتْ أَوْ حَدِيثَةً، تَكَرَّرَ نَبْشُهَا أَوْ لاَ، وَلاَ يَمْنَعُ مِنَ الصَّلاَةِ قَبْرٌ وَلاَ قَبْرَانِ، لأَِنَّهُ لاَ يَتَنَاوَلُهَا اسْمُ الْمَقْبَرَةِ وَإِنَّمَا الْمَقْبَرَةُ ثَلاَثَةُ قُبُورٍ فَصَاعِدًا. وَرُوِيَ عَنْهُمْ أَنَّ كُل مَا دَخَل فِي اسْمِ الْمَقْبَرَةِ مِمَّا حَوْل الْقُبُورِ لاَ يُصَلَّى فِيهِ.

_________

(١) جواهر الإكليل ١ / ٣٥.

(٢) المجموع ٣ / ١٥٧، ١٥٨، والقليوبي ١ / ١٥٩.

وَنَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لاَ يَمْنَعُ مِنَ الصَّلاَةِ مَا دُفِنَ بِدَارِهِ وَلَوْ زَادَ عَلَى ثَلاَثَةِ قُبُورٍ، لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَقْبَرَةٍ (١) .

الصَّلاَةُ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي الْمَقْبَرَةِ

٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الصَّلاَةِ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي الْمَقْبَرَةِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِهَا، وَفَعَل ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ وَنَافِعٌ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ آخَرَ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ ذَلِكَ، قَال النَّوَوِيُّ وَبِهِ قَال جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ (٢) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (جَنَائِزُ ف ٣٩) .

الْقِرَاءَةُ فِي الْمَقَابِرِ:

٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ تُكْرَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي الْمَقَابِرِ بَل تُسْتَحَبُّ (٣) .

وَنَصَّ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ لاَ تُكْرَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي الْمَقَابِرِ إِذَا أَخْفَى وَلَمْ يَجْهَرْ وَإِنْ

_________

(١) كشاف القناع ١ / ٢٩٤، والإنصاف ١ / ٤٨٩، ٤٩١، ونيل المآرب ١ / ١٢٨.

(٢) بدائع الصنائع ١ / ٣١٥، والمجموع ٥ / ٢٦٨، والمغني ٢ / ٤٩٤، ونيل المآرب ١ / ١٢٨.

(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ٦٠٥ - ٦٠٧، والقليوبي وعميرة ١ / ٣٥١، وكشاف القناع ٢ / ١٤٧.

خَتَمَ، وَإِنَّمَا تُكْرَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِيهَا جَهْرًا (١) .

وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى الْكَرَاهَةِ مُطْلَقًا، وَقَيَّدَهَا بَعْضُهُمْ بِمَا إِذَا كَانَتْ بِالأَْصْوَاتِ الْمُرْتَفِعَةِ وَاتِّخَاذِ ذَلِكَ عَادَةً (٢) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (قِرَاءَةٌ ف ١٧، قَبْرٌ ف ٢٢) .

الْمَشْيُ فِي الْمَقْبَرَةِ:

٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْمَشْيِ فِي الْمَقَابِرِ عَلَى أَقْوَالٍ:

ذَهَبَ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ الْمَشْيُ فِي الْمَقَابِرِ بِنَعْلَيْنِ، وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ: أَنَّهُ يَحْرُمُ الْمَشْيُ إِنْ حَصَل بِهِ تَنْجِيسٌ كَمَنْبُوشَةٍ مَعَ الْمَشْيِ حَافِيًا مَعَ رُطُوبَةِ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ (٣) .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْل بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ الْمَشْيُ بَيْنَ الْمَقْبَرَةِ بِنَعْلٍ، لأَِنَّ خَلْعَ النَّعْلَيْنِ أَقْرَبُ إِلَى الْخُشُوعِ وَزِيِّ أَهْل التَّوَاضُعِ (٤) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (مَشْيٌ ف ١٢، وَقَبْرٌ ف ٢ وَمَا بَعْدَهَا) .

الْمُشَاحَّةُ فِي الْمَقْبَرَةِ

٦ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ سَبَقَ

_________

(١) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٥٠.

(٢) الشرح الصغير ١ / ٥٦٤.

(٣) ابن عابدين ١ / ٢٢٩، ٦٠٦، والفتاوى الهندية ١ / ١٦٧، ٥ / ٣٥١، والمجموع ٥ / ٣١٢، والقليوبي ١ / ٣٤٢.

(٤) المجموع ٥ / ٣١٢، وكشاف القناع ٢ / ١٤٢.

اثْنَانِ إِلَى مَقْبَرَةٍ مُسَبَّلَةٍ وَتَشَاحَّا فِي مَكَانٍ قُدِّمَ لِلدَّفْنِ فِيهِ الأَْسْبَقُ عِنْدَ التَّزَاحُمِ وَضِيقِ الْمَحَل، فَإِنِ اسْتَوَيَا فِي السَّبْقِ قُدِّمَ بِالْقُرْعَةِ كَمَا لَوْ تَنَازَعَا فِي رِحَابِ الْمَسْجِدِ، وَمَقَاعِدِ الأَْسْوَاقِ، لأَِنَّ الْقُرْعَةَ لِتَمْيِيزِ مَا أُبْهِمَ (١) .

الْمَبِيتُ فِي الْمَقْبَرَةِ وَالنَّوْمُ فِيهَا

٧ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ الْمَبِيتُ فِي الْمَقْبَرَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، لِمَا فِيهَا مِنَ الْوَحْشَةِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَحْشَةً كَأَنْ كَانُوا جَمَاعَةً، أَوْ كَانَتِ الْمَقْبَرَةُ مَسْكُونَةً فَلاَ كَرَاهَةَ (٢) .

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يُكْرَهُ النَّوْمُ عِنْدَ الْقَبْرِ (٣) .

دَرْسُ الْمَقْبَرَةِ وَالاِسْتِفَادَةُ مِنْهَا وَنَبْشُهَا

٨ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ بَلِيَ الْمَيِّتُ وَصَارَ تُرَابًا دُفِنَ غَيْرُهُ فِي قَبْرِهِ، وَيَجُوزُ زَرْعُهُ، وَالْبِنَاءُ عَلَيْهِ (٤) .

وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ: بِأَنَّهُ سُئِل عَنْ فِنَاءِ قَوْمٍ كَانُوا يَرْمُونَ فِيهِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ غَابُوا عَنْ ذَلِكَ، فَاتُّخِذَ مَقْبَرَةً، ثُمَّ جَاءُوا فَقَالُوا: نُرِيدُ أَنْ نُسَوِّيَ هَذِهِ الْمَقَابِرَ، وَنَرْمِيَ عَلَى حَال مَا كُنَّا نَرْمِي، فَقَال مَالِكٌ: أَمَّا مَا قَدُمَ مِنْهَا فَأَرَى ذَلِكَ لَهُمْ،

_________

(١) المجموع ٥ / ٢٨٣، وروضة الطالبين ٢ / ١٤٢، وكشاف القناع ٢ / ١٤١.

(٢) المجموع ٥ / ٣١٢، والقليوبي ١ / ٣٤٩، وروضة الطالبين ٢ / ١٤٣.

(٣) فتح القدير ١ / ٤٧٢.

(٤) ابن عابدين ١ / ٥٩٩.

وَأَمَّا كُل شَيْءٍ جَدِيدٍ فَلاَ أُحِبُّ لَهُمْ دَرْسَ ذَلِكَ (١) .

وَقَال الصَّاوِيُّ: قَال بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لاَ يَجُوزُ أَخْذُ أَحْجَارِ الْمَقَابِرِ الْعَافِيَةِ لِبِنَاءِ قَنْطَرَةٍ أَوْ دَارٍ، وَلاَ حَرْثُهَا لِلزِّرَاعَةِ، لَكِنْ لَوْ حُرِثَتْ جُعِل كِرَاؤُهَا فِي مُؤَنِ دَفْنِ الْفُقَرَاءِ (٢) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا صَارَ الْمَيِّتُ رَمِيمًا جَازَتِ الزِّرَاعَةُ وَالْحِرَاثَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، كَالْبِنَاءِ فِي مَوْضِعِ الدَّفْنِ، وَإِنْ لَمْ يَصِرْ رَمِيمًا فَلاَ يَجُوزُ.

هَذَا إِذَا لَمْ يُخَالِفْ شَرْطَ الْوَاقِفِ، فَإِنْ خَالَفَ كَتَعْيِينِهِ الأَْرْضَ لِلدَّفْنِ فَلاَ يَجُوزُ حَرْثُهَا وَلاَ غَرْسُهَا (٣) .

وَأَمَّا نَبْشُ الْمَقْبَرَةِ فَتَفْصِيلُهُ فِي (قَبْرٌ ف ٢١) .

قَطْعُ النَّبَاتِ وَالْحَشِيشِ مِنَ الْمَقْبَرَةِ

٩ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ قَطْعُ النَّبَاتِ الرَّطْبِ وَالْحَشِيشِ مِنَ الْمَقْبَرَةِ، فَإِنْ كَانَ يَابِسًا لاَ بَأْسَ بِهِ، لأَِنَّهُ يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعَالَى مَا دَامَ رَطْبًا، فَيُؤْنِسُ الْمَيِّتَ وَتَنْزِل بِذِكْرِهِ الرَّحْمَةُ، وَلأَِنَّهُ ﷺ وَضَعَ الْجَرِيدَةَ الْخَضْرَاءَ بَعْدَ شَقِّهَا

_________

(١) الحطاب ٦ / ١٩.

(٢) الشرح الصغير ١ / ٥٧٨.

(٣) كشاف القناع ٢ / ١٤٤.

نِصْفَيْنِ عَلَى الْقَبْرَيْنِ اللَّذَيْنِ يُعَذَّبَانِ (١)، وَتَعْلِيلُهُ ﷺ بِالتَّخْفِيفِ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا أَيْ: يُخَفَّفُ عَنْهَا بِبَرَكَةِ تَسْبِيحِهِمَا، لأَِنَّ تَسْبِيحَ الرَّطْبِ أَكْمَل مِنْ تَسْبِيحِ الْيَابِسِ لِمَا فِي الأَْخْضَرِ مِنْ نَوْعِ حَيَاةٍ (٢) .

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَعَلَيْهِ فَكَرَاهَةُ قَلْعِ ذَلِكَ وَإِنْ نَبَتَ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يُمْلَكْ، لأَِنَّ فِيهِ تَفْوِيتَ حَقِّ الْمَيِّتِ (٣) .

مِلْكِيَّةُ أَشْجَارِ الْمَقْبَرَةِ

١٠ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الشَّجَرَةَ إِنْ كَانَتْ نَابِتَةً فِي الأَْرْضِ قَبْل أَنْ يَجْعَلَهَا مَقْبَرَةً فَمَالِكُ الأَْرْضِ أَحَقُّ بِهَا يَصْنَعُ بِهَا مَا شَاءَ. وَأَمَّا إِنْ كَانَتِ الأَْرْضُ مَوَاتًا فَجَعَلَهَا أَهْل تِلْكَ الْقَرْيَةِ أَوِ الْمَحَلَّةِ مَقْبَرَةً، فَإِنَّ الشَّجَرَةَ وَمَوْضِعَهَا مِنَ الأَْرْضِ عَلَى مَا كَانَ حُكْمُهَا فِي الْقَدِيمِ. وَإِنْ نَبَتَتِ الشَّجَرَةُ بَعْدَمَا جُعِلَتْ مَقْبَرَةً وَكَانَ الْغَارِسُ مَعْلُومًا كَانَتْ لَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثَمَرِهَا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْغَارِسُ أَوْ

_________

(١) حديث: أن النبي ﷺ وضع جريدة خضراء بعد أن شقها نصفين على قبر. أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٢٢٣) ومسلم (١ / ٢٤١) من حديث ابن عباس.

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٦٠٦، والفتاوى الهندية ١ / ١٦٧.

(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ٦٠٧.

كَانَتِ الشَّجَرَةُ نَبَتَتْ بِنَفْسِهَا فَحُكْمُهَا يَكُونُ لِلْقَاضِي: إِنْ رَأَى قَلْعَهَا وَبَيْعَهَا وَإِنْفَاقَهَا عَلَى الْمَقْبَرَةِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ، وَهِيَ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّهَا وَقْفٌ (١) .

وَسُئِل نَجْمُ الدِّينِ فِي مَقْبَرَةٍ فِيهَا أَشْجَارٌ هَل يَجُوزُ صَرْفُهَا إِلَى عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ، قَال: نَعَمْ إِنْ لَمْ تَكُنْ وَقْفًا عَلَى وَجْهٍ آخَرَ، قِيل لَهُ: فَإِنْ تَدَاعَتْ حِيطَانُ الْمَقْبَرَةِ إِلَى الْخَرَابِ هَل يُصْرَفُ إِلَيْهَا أَوْ إِلَى الْمَسْجِدِ؟ قَال إِلَى مَا هِيَ وَقْفٌ عَلَيْهِ إِنْ عُرِفَ (٢) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ نَبَتَتْ شَجَرَةٌ فِي الْمَقْبَرَةِ فَالْمُخْتَارُ جَوَازُ الأَْكْل لِلنَّاسِ مِنْ ثَمَرِهَا كَمَا قَال النَّوَوِيُّ.

وَقَال الْحَنَّاطِيُّ: الأَْوْلَى عِنْدِي أَنْ تُصْرَفَ فِي مَصَالِحِ الْمَقْبَرَةِ (٣) .

ذِكْرُ حُدُودِ الْمَقْبَرَةِ وَذِكْرُهَا حَدًّا

١١ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَقْبَرَةَ تَصْلُحُ حَدًّا لَوْ كَانَتْ رَبْوَةً وَإِلاَّ فَلاَ.

وَأَمَّا مَنِ اشْتَرَى قَرْيَةً خَالِصَةً وَاسْتَثْنَى الْمَقْبَرَةَ فَهَل يُشْتَرَطُ ذِكْرُ حُدُودِ الْمَقْبَرَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ أَمْ لاَ؟ اخْتَلَفَ مَشَائِخُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَقْوَالٍ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ تَحْدِيدِ

_________

(١) الفتاوى الهندية ٥ / ٢٤٠ و٢ / ٤٧٣، ٤٧٤، والفتاوى المهدية ٢ / ٥٣٤.

(٢) الفتاوى الهندية ٢ / ٤٧٦.

(٣) روضة الطالبين ٥ / ٣٦٢.