الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٨
الْمَصْلَحَةُ وَلَيْسَتْ بِتَبَعٍ لِلأَْرْضِ الَّتِي هِيَ فِيهَا، مَمْلُوكَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ، وَلِلإِْمَامِ أَنْ يَقْطَعَهَا لِمَنْ يَعْمَل فِيهَا بِوَجْهِ الاِجْتِهَادِ حَيَاةَ الْمُقْطَعِ لَهُ أَوْ مُدَّةً مَا مِنَ الزَّمَانِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمْلِكَ أَصْلَهَا، وَيَأْخُذُ مِنْهَا الزَّكَاةَ عَلَى كُل حَالٍ، عَلَى مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَنَّهُ أَقْطَعَ بَلاَل بْنَ الْحَارِثِ الْمُزَنِيَّ مَعَادِنَ الْقِبْلِيَّةِ وَهِيَ مِنْ نَاحِيَةِ الْفَرْعِ فَتِلْكَ الْمَعَادِنُ لاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا إِلاَّ الزَّكَاةُ (١) إِلاَّ أَنْ تَكُونَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ صَالَحُوا عَلَيْهَا فَيَكُونُونَ أَحَقَّ بِهَا يُعَامَلُونَ فِيهَا كَيْفَ شَاءُوا فَإِنْ أَسْلَمُوا رَجَعَ أَمْرُهَا إِلَى الإِْمَامِ هَذَا مَا يَرَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ لأَِنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ اللَّذَيْنِ فِي الْمَعَادِنِ الَّتِي هِيَ فِي جَوْفِ الأَْرْضِ أَقْدَمُ مِنْ مِلْكِ الْمَالِكِينَ لَهَا فَلَمْ يُجْعَل ذَلِكَ مِلْكًا لَهُمْ بِمِلْكِ الأَْرْضِ، إِذْ هُوَ ظَاهِرُ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الأَْرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، (٢) فَوَجَبَ بِنَحْوِ هَذَا الظَّاهِرِ أَنْ يَكُونَ مَا فِي جَوْفِ الأَْرْضِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ مِنَ الْمَعَادِنِ فَيْئًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ
_________
(١) حديث: " أنه أقطع بلالًا. . " أخرجه أبو داود ٣ / ٢٣٥ ط. المكتبة التجارية بمصر.
(٢) سورة الأعراف / ١٢٨.
بِمَنْزِلَةِ مَا لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ. (١)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ آخَرَ: إِنَّهَا تَبَعٌ لِلأَْرْضِ الَّتِي هِيَ فِيهَا فَإِنْ كَانَتْ فِي أَرْضٍ حُرَّةٍ أَوْ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ أَوْ فِي الْفَيَافِي الَّتِي هِيَ غَيْرُ مُمْتَلَكَةٍ كَانَ أَمْرُهَا إِلَى الإِْمَامِ يُقْطِعُهَا لِمَنْ يَعْمَل فِيهَا أَوْ يُعَامِل النَّاسَ عَلَى الْعَمَل فِيهَا لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا يَجُوزُ لَهُ وَيَأْخُذُ مِنْهَا الزَّكَاةَ عَلَى كُل حَالٍ، وَإِنْ كَانَتْ فِي أَرْضٍ مُمْتَلَكَةٍ فَهِيَ مِلْكٌ لِصَاحِبِ الأَْرْضِ يَعْمَل فِيهَا مَا يَعْمَل ذُو الْمِلْكِ فِي مِلْكِهِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي أَرْضِ الصُّلْحِ كَانَ أَهْل الصُّلْحِ أَحَقَّ بِهَا إِلاَّ أَنْ يُسْلِمُوا فَتَكُونُ لَهُمْ، هَذَا مَا قَالَهُ سَحْنُونٍ وَمِثْلُهُ لِمَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ، لأَِنَّهُ لَمَّا كَانَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ ثَابِتَيْنِ فِي الأَْرْضِ كَانَا لِصَاحِبِ الأَْرْضِ بِمَنْزِلَةِ مَا نَبَتَ فِيهَا مِنَ الْحَشِيشِ وَالشَّجَرِ. (٢)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الْمَعْدِنُ الظَّاهِرُ لاَ يُمْلَكُ بِالإِْحْيَاءِ وَلاَ يَثْبُتُ فِيهِ اخْتِصَاصٌ بِتَحَجُّرٍ وَلاَ إِقْطَاعٍ، لأَِنَّهُ مِنَ الأُْمُورِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ النَّاسِ
_________
(١) المقدمات لابن رشد ١ / ٢٢٤ - ٢٢٦ ط. مطبعة السعادة وحاشية الدسوقي ١ / ٤٨٧، والقوانين الفقهية ص ٧٠.
(٢) المقدمات لابن رشد ١ / ٢٢٥.
كَالْمَاءِ وَالْكَلأَِ، وَلأَِنَّهُ ﷺ سَأَلَهُ الأَْبْيَضُ بْنُ حَمَّالٍ أَنْ يُقْطِعَهُ مِلْحَ مَأْرِبَ فَأَرَادَ أَنْ يُقْطِعَهُ أَوْ قَال الرَّاوِي أَقْطَعَهُ إِيَّاهُ فَقِيل لَهُ: إِنَّهُ كَالْمَاءِ الْعَدِّ أَيِ الْعَذْبِ قَال: فَلاَ إِذَنْ، (١) وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ إِقْطَاعِ التَّمْلِيكِ وَإِقْطَاعِ الإِْرْفَاقِ خِلاَفًا لِلزَّرْكَشِيِّ الَّذِي قَيَّدَ الْمَنْعَ بِالأَْوَّل.
وَمَنْ أَخَذَ مِنَ الْمَعْدِنِ أَخَذَ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ مِنْهُ، فَإِنْ ضَاقَ نَيْل الْحَاجَةِ عَنِ اثْنَيْنِ مَثَلًا جَاءَا إِلَيْهِ قَدَّمَ السَّابِقَ لِسَبْقِهِ، وَيُرْجَعُ فِي الْحَاجَةِ إِلَى مَا تَقْتَضِيهِ عَادَةُ أَمْثَالِهِ، وَقِيل: إِنْ أَخَذَ لِغَرَضِ دَفْعِ فَقْرٍ أَوْ مَسْكَنَةٍ مُكِّنَ مِنْ أَخْذِ كِفَايَةِ سَنَةٍ أَوِ الْعُمْرِ الْغَالِبِ فَإِنْ طَلَبَ زِيَادَةً عَلَى حَاجَتِهِ فَالأَْصَحُّ إِزْعَاجُهُ إِنْ زُوحِمَ عَنِ الزِّيَادَةِ لأَِنَّ عُكُوفَهُ عَلَيْهِ كَالتَّحَجُّرِ.
وَالثَّانِي يَأْخُذُ مِنْهُ مَا شَاءَ لِسَبْقِهِ.
فَلَوْ جَاءَا إِلَيْهِ مَعًا وَلَمْ يَكْفِ الْحَاصِل مِنْهُ لِحَاجَتِهِمَا وَتَنَازَعَا فِي الاِبْتِدَاءِ أَقْرِعَ بَيْنَهُمَا فِي الأَْصَحِّ لِعَدَمِ الْمَزِيَّةِ وَالثَّانِي: يَجْتَهِدُ الإِْمَامُ وَيُقَدِّمُ مَنْ يَرَاهُ أَحْوَجَ، وَالثَّالِثُ: يُنَصِّبُ مِنْ يَقْسِمُ الْحَاصِل بَيْنَهُمَا.
_________
(١) حديث: " إقطاع الأبيض بن حمال. . " أخرجه الشافعي في الأم (٤ / ٤٢ ط شركة الطباعة الفنية)، ويحيى بن آدم في (الخراج ص ١١٠ ط. السلفية) وصححه أحمد شاكر في التعليق عليه.
وَالْمَعْدِنُ الْبَاطِنُ لاَ يُمْلَكُ بِالْحَفْرِ وَالْعَمَل بِقَصْدِ التَّمَلُّكِ فِي الأَْظْهَرِ، وَالثَّانِي يُمْلَكُ بِذَلِكَ إِذَا قَصَدَ التَّمَلُّكَ.
وَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا فَظَهَرَ فِيهِ مَعْدِنٌ بَاطِنٌ كَذَهَبٍ مَلَكَهُ جَزْمًا، لأَِنَّهُ بِالإِْحْيَاءِ مَلَكَ الأَْرْضَ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا فَإِذَا كَانَ عَالِمًا بِأَنَّ فِي الْبُقْعَةِ الْمُحْيَاةِ مَعْدِنًا فَاتَّخَذَ عَلَيْهِ دَارًا فَفِيهِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الرَّاجِحَ عَدَمُ مِلْكِهِ لِفَسَادِ الْقَصْدِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: الْقَطْعُ بِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ.
وَإِذَا كَانَ الْمَعْدِنُ الَّذِي وُجِدَ فِيمَا أَحْيَاهُ ظَاهِرًا فَلاَ يَمْلِكُهُ بِالإِْحْيَاءِ إِنْ عَلِمَهُ لِظُهُورِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى عِلاَجٍ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَعْلَمْهُ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. (١)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الْمَعَادِنَ الْجَامِدَةَ تُمْلَكُ بِمِلْكِ الأَْرْضِ الَّتِي هِيَ فِيهَا، لأَِنَّهَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الأَْرْضِ فَهِيَ كَالتُّرَابِ وَالأَْحْجَارِ الثَّابِتَةِ. فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَقْطَعَ بَلاَل بْنَ الْحَارِثِ الْمُزَنِيَّ أَرْضَ كَذَا مِنْ مَكَانِ كَذَا إِلَى كَذَا وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ جَبَلٍ أَوْ مَعْدِنٍ، قَال: فَبَاعَ بَنُو بِلاَلٍ مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَرْضًا فَخَرَجَ فِيهَا مَعْدِنَانِ، فَقَالُوا: إِنَّمَا بِعْنَاكَ
_________
(١) مغني المحتاج ٢ / ٣٧٢ - ٣٧٣.
أَرْضَ حَرْثٍ وَلَمْ نَبِعْكَ الْمَعْدِنَ، وَجَاءُوا بِكِتَابِ الْقَطِيعَةِ الَّتِي قَطَعَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ لأَِبِيهِمْ فِي جَرِيدَةٍ، قَال: فَجَعَل عُمَرُ يَمْسَحُهَا عَلَى عَيْنَيْهِ، وَقَال لِقَيِّمِهِ: انْظُرْ مَا اسْتَخْرَجْتَ مِنْهَا وَمَا أَنْفَقْتَ عَلَيْهَا فَقَاضِهِمْ بِالنَّفَقَةِ وَرُدَّ عَلَيْهِمُ الْفَضْل، (١) فَعَلَى هَذَا مَا يَجِدُهُ فِي مِلْكٍ أَوْ مَوَاتٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ. وَإِنْ سَبَقَ اثْنَانِ إِلَى مَعْدِنٍ فِي مَوَاتٍ فَالسَّابِقُ أَوْلَى بِهِ مَا دَامَ يَعْمَل فَإِذَا تَرَكَهُ جَازَ لِغَيْرِهِ الْعَمَل فِيهِ، وَمَا يَجِدُهُ فِي مَمْلُوكٍ يُعْرَفُ مَالِكُهُ فَهُوَ لِمَالِكِ الْمَكَانِ.
وَأَمَّا الْمَعَادِنُ الْجَارِيَةُ فَهِيَ مُبَاحَةٌ عَلَى كُل حَالٍ إِلاَّ أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ دُخُول مِلْكِ غَيْرِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ وَتَمَّلَكَ بِمِلْكِ الأَْرْضِ الَّتِي هِيَ فِيهَا، لأَِنَّهَا مِنْ نَمَائِهَا وَتَوَابِعِهَا، فَكَانَتْ لِمَالِكِ الأَْرْضِ كَفُرُوعِ الشَّجَرِ الْمَمْلُوكِ وَثَمَرَتِهِ.
وَلأَِنَّ الْمَعَادِنَ السَّائِلَةَ مُبَاحَةٌ قِيَاسًا عَلَى الْمَاءِ بِجَامِعِ السِّيُولَةِ فِي كُلٍّ، فَكَمَا أَنَّ الْمَاءَ مُبَاحٌ لِقَوْلِهِ ﷺ الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلاَثٍ: الْكَلأَ ُ، وَالْمَاءُ، وَالنَّارِ (٢) فَكَذَلِكَ الْمَعَادِنُ
_________
(١) حديث: " أن رسول الله ﷺ أقطع بلال بن الحارث المزني. . ". أخرجه أبو عبيد في الأموال (ص ٤٢٣) .
(٢) حديث: " المسلمون شركاء في ثلاث. . . " أخرجه أبو داود (٣ / ٧٥١ تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث رجل من المهاجرين، وإسناده صحيح.
السَّائِلَةُ تَكُونُ مُبَاحَةً. (١)
الْوَاجِبُ فِي الْمَعْدِنِ
٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمَعْدِنَ الْمُنْطَبِعَ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ وَالصُّفْرِ يَجِبُ فِيهِ الْخُمُسُ سَوَاءٌ أَخْرَجَهُ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ أَوْ ذِمِّيٌّ أَوْ صَبِيٌّ أَوِ امْرَأَةٌ وَمَا بَقِيَ فَلِلآْخِذِ.
سَوَاءٌ وُجِدَ فِي أَرْضٍ عُشْرِيَّةٍ أَوْ خَرَاجِيَّةٍ، وَيَجِبُ الْخُمُسُ فِي الزِّئْبَقِ.
وَأَمَّا الْمَعْدِنُ الْمَائِعُ كَالْقِيرِ وَالنِّفْطِ وَمَا لَيْسَ بِمُنْطَبِعٍ وَلاَ مَائِعٍ كَالنُّورَةِ وَالْجِصِّ وَالْجَوَاهِرِ وَالْيَوَاقِيتِ فَلاَ شَيْءَ فِيهَا، وَلاَ يَجِبُ الْخُمُسُ فِيمَا وَجَدَهُ فِي دَارِهِ وَأَرْضِهِ مِنَ الْمَعْدِنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَال الصَّاحِبَانِ يَجِبُ. (٢)
وَصَرَّحُوا بِأَنَّ الْخُمُسَ يَجِبُ فِي الْقَلِيل وَالْكَثِيرِ وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ النِّصَابُ لأَِنَّ النُّصُوصَ خَالِيَةٌ عَنِ اشْتِرَاطِ النِّصَابِ فَلاَ يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ سَمْعِيٍّ.
وَلاَ يُشْتَرَطُ عِنْدَهُمْ حَوَلاَنُ الْحَوْل لِوُجُوبِ الْخُمُسِ. (٣)
_________
(١) المغني لابن قدامة ٣ / ٢٨ - ٢٩ ط. الرياض.
(٢) تبيين الحقائق ١ / ٢٨٩، والفتاوى الهندية ١ / ١٨٤ - ١٨٥.
(٣) حاشية الشلبي بهامش تبيين الحقائق ١ / ٢٨٨.
وَقَالُوا إِنَّ مَا يُصَابُ مِنَ الْمَعْدِنِ هُوَ غَنِيمَةٌ وَالْخُمُسُ حَقُّ الْفُقَرَاءِ فِي الْغَنِيمَةِ.
فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَصَابَهُ مُحْتَاجًا عَلَيْهِ دَيْنٌ كَثِيرٌ لاَ يَصِيرُ غَنِيًّا بِالأَْرْبَعَةِ الأَْخْمَاسِ فَرَأَى الإِْمَامُ أَنْ يُسَلِّمَ ذَلِكَ الْخُمُسَ لَهُ جَازَ، لأَِنَّ الْخُمُسَ حَقُّ الْفُقَرَاءِ وَهَذَا الَّذِي أَصَابَهُ فَقِيرٌ فَقَدْ صَرَفَ الْحَقَّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ فَيَجُوزُ. (١)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: تَجِبُ فِي الْمَعْدِنِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ دُونَ غَيْرِهَا الزَّكَاةُ.
قَال الْبَاجِيُّ: تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ بِمُجَرَّدِ إِخْرَاجِهِ، وَقَال الْبَعْضُ: تَجِبُ الزَّكَاةُ بَعْدَ تَصْفِيَتِهِ مِنْ تُرَابِهِ وَكَانَ الْمُخْرِجُ مِنْ أَهْل الزَّكَاةِ إِنْ بَلَغَ نِصَابًا قَدْرَ عِشْرِينَ دِينَارًا أَوْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَكَانَ مِنْ أَهْل الزَّكَاةِ، مِنَ الْحُرِّيَّةِ وَالإِْسْلاَمِ وَهَذَا مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقِيل لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ حُرِّيَّةٌ وَلاَ إِسْلاَمٌ.
وَضَمُّ الْعِرْقِ الْوَاحِدِ ذَهَبًا كَانَ أَوْ فِضَّةً بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ إِذَا كَانَ ذَلِكَ الْعِرْقُ مُتَّصِلًا وَإِنْ تَرَاخَى الْعَمَل بِانْقِطَاعِهِ، سَوَاءٌ حَصَل الاِنْقِطَاعُ اخْتِيَارًا أَوِ اضْطِرَارًا، كَفَسَادِ آلَةٍ وَمَرَضِ الْعَامِل.
_________
(١) شرح السير الكبير ٥ / ٢١٧٣، وانظر بدائع الصنائع ٢ / ٦٨، و٧ / ١٢٤ - ١٢٥.
وَأَمَّا الْمَعَادِنُ مِنْ أَمَاكِنَ مُتَفَرِّقَةٍ فَلاَ يُضَمُّ مَا خَرَجَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهَا بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ وَلَوْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مِنْ جَنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ جِنْسَيْنِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلاَ يُضَمُّ عِرْقٌ آخَرُ لِلَّذِي كَانَ يَعْمَل فِيهِ أَوَّلًا فِي مَعْدِنٍ وَاحِدٍ وَيُعْتَبَرُ كُل عِرْقٍ بِانْفِرَادِهِ، فَإِنْ حَصَل مِنْهُ نِصَابٌ يُزَكَّى، ثُمَّ يُزَكَّى مَا يَخْرُجُ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ قَل، وَسَوَاءٌ اتَّصَل الْعَمَل أَوِ انْقَطَعَ، وَفِي نُدْرَةِ الْعَيْنِ - وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ الْخَالِصَةِ الَّتِي لاَ تَحْتَاجُ لِتَصْفِيَةِ الْخُمُسُ مُطْلَقًا، وَجَدَهَا حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ مُسْلِمٌ أَوْ كَافِرٌ، بَلَغَتْ نِصَابًا أَمْ لاَ. (١)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: أَجَمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْمَعْدِنِ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْطَعَ بَلاَل بْنَ الْحَارِثِ الْمُزَنِيَّ الْمَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةَ وَأَخَذَ مِنْهُ الزَّكَاةَ، وَشَرَطَ لِلَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ حُرًّا مُسْلِمًا وَشَرَطَ كَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَخْرَجُ نِصَابًا مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ، أَمَّا غَيْرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَغَيْرِهِمَا فَلاَ زَكَاةَ فِيهِ، لأَِنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الأَْمْوَال الْمُزَكَّاةِ. وَمَنْ وَجَدَ دُونَ النِّصَابِ لَمْ
_________
(١) الخرشي ٢ / ٢٠٨ - ٢٠٩، والدسوقي ١ / ٤٠٦ وما بعدها، المنتقى للباجي ٢ / ١٠٣ - ١٠٤. الخرشي ٢ / ٢٠٨ - ٢٠٩، والدسوقي ١ / ٤٠٦ وما بعدها، المنتقى للباجي ٢ / ١٠٣ - ١٠٤.
يَلْزَمْهُ الزَّكَاةُ، لأَِنَّهَا لاَ تَجِبُ فِيمَا دُونَ النِّصَابِ، وَلأَِنَّهُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَفَادِ مِنَ الأَْرْضِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ النِّصَابُ كَالْعُشْرِ، وَإِنْ وَجَدَ النِّصَابَ فِي دُفُعَاتٍ فَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعِ الْعَمَل وَلاَ النَّيْل ضُمَّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ فِي إِتْمَامِ النِّصَابِ، وَكَذَا إِنْ قُطِعَ الْعَمَل لِعُذْرِ، وَيَجِبُ حَقُّ الْمَعْدِنِ بِالْوُجُودِ وَلاَ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْحَوْل فِي أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ لأَِنَّ الْحَوْل يُرَادُ لِكَمَال النَّمَاءِ وَبِالْوُجُودِ يَصِل إِلَى النَّمَاءِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْحَوْل كَالْمُعَشَّرِ. وَقَال فِي الْبُوَيْطِيِّ لاَ يَجِبُ حَتَّى يَحُول عَلَيْهِ الْحَوْل، لأَِنَّهُ زَكَاةُ مَالٍ تَتَكَرَّرُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْحَوْل كَسَائِرِ الزَّكَوَاتِ.
وَفِي مَا يَجِبُ مِنَ الزَّكَاةِ أَقْوَالٌ مَشْهُورَةٌ، وَالصَّحِيحُ مِنْهَا: وُجُوبُ رُبُعِ الْعُشْرِ، قَال الْمَاوَرْدِيُّ: هُوَ نَصُّهُ فِي الأُْمِّ وَالإِْمْلاَءِ، وَقِيل يَجِبُ الْخُمُسُ لأَِنَّهُ مَالٌ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ بِالْوُجُودِ فَتَقَدَّرَتْ زَكَاتُهُ بِالْخُمُسِ.
وَالْقَوْل الثَّالِثُ: إِنْ أَصَابَهُ مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ وَجَبَ فِيهِ الْخُمُسُ، وَإِنْ أَصَابَهُ بِتَعَبٍ فَيَجِبُ فِيهِ رُبُعُ الْعُشْرِ، لأَِنَّهُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَفَادِ مِنَ الأَْرْضِ فَاخْتَلَفَ قَدْرُهُ بِاخْتِلاَفِ الْمُؤَنِ كَزَكَاةِ الزَّرْعِ.
وَيَجِبُ إِخْرَاجُ الْحَقِّ بَعْدَ التَّمَيُّزِ.
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْحَقَّ الْمَأْخُوذَ مِنْ
وَاجِدِ الْمَعْدِنِ زَكَاةٌ، وَسَوَاءٌ أَقُلْنَا يَجِبُ فِيهِ الْخُمُسُ أَمْ رُبُعُ الْعُشْرِ، وَقِيل: إِنْ قِيل بِرُبُعِ عُشْرٍ فَهُوَ زَكَاةٌ وَإِلاَّ فَقَوْلاَنِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ زَكَاةٌ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُصْرَفُ فِي مَصَارِفَ خَمْسٍ خُمُسُ الْفَيْءِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجِبُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الزَّكَاةِ فِي الْمَعْدِنِ سَوَاءٌ أَخَذَهُ مِنْ مَوَاتٍ أَوْ مِنْ أَرْضٍ يَمْلِكُهَا عَلَى التَّفْصِيل السَّابِقِ. (١)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْمَعْدِنِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الأَْرْضِ مِمَّا يُخْلَقُ فِيهَا مِنْ غَيْرِهَا مِمَّا لَهُ قِيمَةٌ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحَدِيدِ وَالْيَاقُوتِ وَالْبِلَّوْرِ وَالْكُحْل وَنَحْوِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَعَادِنُ الْجَارِيَةُ كَالْقَارِ وَالنِّفْطِ وَالْكِبْرِيتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لِعُمُومِ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَْرْضِ﴾ (٢)
وَلأَِنَّهُ مَعْدِنٌ قُطِعَتِ الزَّكَاةُ بِالْخَارِجِ مِنْهُ كَالأَْثْمَانِ، وَلأَِنَّهُ مَالٌ لَوْ غَنِمَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ خُمُسُهُ فَإِذَا أَخْرَجَهُ عَنْ مَعْدِنٍ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ كَالذَّهَبِ.
وَالْوَاجِبُ فِي الْمَعْدِنِ رُبُعُ الْعُشْرِ، وَصِفَتُهُ
_________
(١) المجموع ٦ / ٧٥ - ٨٩.
(٢) سورة البقرة / ٢٦٧.