الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٨
الأَْوْتَارِ (١) .
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي حُكْمِهِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ الاِسْتِمَاعُ إِلَى الْمَزَامِيرِ وَلاَ تَجُوزُ الإِِْجَارَةُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا (٢) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ الزَّمَّارَةِ وَالْبُوقِ، وَقِيل: يُكْرَهَانِ، وَهُوَ قَوْل مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهَذَا فِي النِّكَاحِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهِ فَيَحْرُمُ (٣) .
وَقَدِ اخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْيَرَاعِ، فَقَال الرَّافِعِيُّ: فِي الْيَرَاعِ وَجْهَانِ، صَحَّحَ الْبَغَوِيُّ التَّحْرِيمَ، وَالْغَزَالِيُّ الْجَوَازَ وَهُوَ الأَْقْرَبُ، قَالُوا: لأَِنَّهُ يُنَشِّطُ عَلَى السَّيْرِ.
وَقَال النَّوَوِيُّ: الأَْصَحُّ تَحْرِيمُ الْيَرَاعِ، قَالُوا: لأَِنَّهُ مُطْرِبٌ بِانْفِرَادِهِ، بَل قِيل إِنَّهُ آلَةٌ كَامِلَةٌ لِجَمِيعِ النَّغَمَاتِ إِلاَّ يَسِيرًا فَحُرِّمَ كَسَائِرِ الْمَزَامِيرِ (٤) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ آلاَتِ الْمَعَازِفِ تَحْرُمُ سِوَى الدُّفِّ، كَمِزْمَارٍ وَنَايٍ وَزَمَّارَةِ الرَّاعِي سَوَاءٌ اسْتُعْمِلَتْ لِحُزْنٍ أَوْ سُرُورٍ، وَسَأَل ابْنُ الْحَكَمِ الإِِْمَامَ أَحْمَدَ عَنِ النَّفْخِ فِي الْقَصَبَةِ
_________
(١) مغني المحتاج ٤ / ٤٢٩، ونهاية المحتاج ٨ / ٢٨١، وروضة الطالبين ١١ / ٢٢٨، وحاشية القليوبي ٤ / ٣٢٠.
(٢) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٥٢ - ٤ / ٤٤٩.
(٣) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٣٣٩، والشرح الصغير ٢ / ٥٠٢.
(٤) نهاية المحتاج ٨ / ٢٨١، وكف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع بهامش الزواجر عن اقتراف الكبائر ١ / ٩٦ - ٩٧.
كَالْمِزْمَارِ فَقَال: أَكْرَهُهُ (١) .
و الضَّرْبُ بِالْقَضِيبِ
١٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الضَّرْبِ عَلَى الْقَضِيبِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ ضَرْبَ الْقَضِيبِ حَرَامٌ لِقَوْلِهِ ﷺ: الاِسْتِمَاعُ إِلَى الْمَلاَهِي مَعْصِيَةٌ وَالْجُلُوسُ عَلَيْهَا فِسْقٌ وَالتَّلَذُّذُ بِهَا كُفْرٌ (٢) وَالْمَقْصُودُ بِالْكُفْرِ كُفْرُ النِّعْمَةِ (٣) .
وَاخْتَلَفَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الضَّرْبِ بِالْقَضِيبِ عَلَى الْوَسَائِدِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ، لأَِنَّهُ لاَ يُفْرَدُ عَنِ الْغِنَاءِ وَلاَ يُطْرِبُ وَحْدَهُ وَإِِنَّمَا يَزِيدُ الْغِنَاءَ طَرَبًا، فَهُوَ تَابِعٌ لِلْغِنَاءِ الْمَكْرُوهِ فَيَكُونُ مَكْرُوهًا.
وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ حَرَامٌ وَجَرَى عَلَيْهِ الْبَغَوِيُّ وَالْخُرَاسَانِيُونَ (٤) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: قَال ابْنُ قُدَامَةَ: الضَّرْبُ بِالْقَضِيبِ مَكْرُوهٌ إِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ مُحَرَّمٌ أَوْ مَكْرُوهٌ كَالتَّصْفِيقِ وَالْغِنَاءِ وَالرَّقْصِ، وَإِِنْ خَلاَ
_________
(١) كشاف القناع ٥ / ١٨٣، والإنصاف ٨ / ٣٤٢.
(٢) حديث: " الاستماع إلى الملاهي. . " أورده العراقي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (٢ / ٢٦٩) وعزاه لأبي الشيخ الأصبهاني من حديث مكحول مرسلًا.
(٣) الدر المختار ورد المحتار ٥ / ٢٢٣.
(٤) كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع بهامش الزواجر عن اقتراف الكبائر ١ / ٨٨.
عَنْ ذَلِكَ لَمْ يُكْرَهْ، لأَِنَّهُ لَيْسَ بِآلَةِ وَلاَ يُطْرِبُ وَلاَ يُسْمَعُ مُنْفَرِدًا بِخِلاَفِ الْمَلاَهِي.
وَقَال فِي الإِِْنْصَافِ: فِي تَحْرِيمِ الضَّرْبِ بِالْقَضِيبِ وَجْهَانِ، وَجَزَمَ ابْنُ عَبْدُوسٍ بِالتَّحْرِيمِ (١) .
ز - الْعُودُ:
١٣ - مِنْ مَعَانِي الْعُودِ فِي اللُّغَةِ: كُل خَشَبَةٍ دَقِيقَةً كَانَتْ أَوْ غَلِيظَةً، وَضَرْبٌ مِنَ الطِّيبِ يُتَبَخَّرُ بِهِ، وَآلَةٌ مُوسِيقِيَّةٌ وَتَرِيَّةٌ يُضْرَبُ عَلَيْهَا بِرِيشَةٍ وَنَحْوِهَا، وَالْجَمْعُ أَعْوَادٌ وَعِيدَانٌ، وَالْعَوَّادُ: صَانِعُ الْعِيدَانِ وَالضَّارِبُ عَلَيْهَا.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهِ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى تَحْرِيمِ ضَرْبِ الْعُودِ وَاسْتِمَاعِهِ لأَِنَّ الْعُودَ مِنَ الْمَعَازِفِ وَآلاَتِ اللَّهْوِ (٣) .
وَقَال الصَّاوِيُّ: ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى جَوَازِهِ، وَنُقِل سَمَاعَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ
_________
(١) المغني ٩ / ١٧٤، ومطالب أولي النهى ٥ / ٢٥٣.
(٢) القاموس المحيط، والمعجم الوسيط، وقواعد الفقه للبركتي، وجامع العلوم في اصطلاحات الفنون ٢ / ٣٨٤، وكف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع بهامش الزواجر ١ / ١٢٧ - ١٢٨.
(٣) رد المحتار ٥ / ٢٢٢، والشرح الصغير ٢ / ٥٠٣، وحاشية القليوبي ٤ / ٣٢٠، وكشاف القناع ٥ / ١٨٣، وكف الرعاع ١ / ١١٣.
جَعْفَرٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَغَيْرِهِمْ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَعَنْ جُمْلَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى تَحْرِيمِهِ، فَقِيل: كَبِيرَةٌ، وَقِيل: صَغِيرَةٌ، وَالأَْصَحُّ الثَّانِي، وَحَكَى الْمَازِرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ قَال: إِذَا كَانَ فِي عُرْسٍ أَوْ صَنِيعٍ فَلاَ تُرَدُّ بِهِ شَهَادَةٌ.
وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ: إِنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا كَانَ يَخُصُّ الْعُودَ بِالإِِْبَاحَةِ مِنْ بَيْنِ الأَْوْتَارِ (١) .
ح - الصَّفَّاقَتَانِ
١٤ - الصَّفَّاقَتَانِ دَائِرَتَانِ مِنْ صُفْرٍ - أَيْ نُحَاسٍ - تَضْرِبُ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُْخْرَى، وَتُسَمَّيَانِ بِالصَّنْجِ أَيْضًا، وَهُمَا مِنْ آلاَتِ الْمَلاَهِي (٢) .
وَالْمُعْتَمَدُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ اسْتِعْمَالَهُمَا وَاسْتِمَاعَهُمَا حَرَامٌ، لأَِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَادَةِ الْمُخَنَّثِينَ وَالْفَسَقَةِ، وَشَارِبِي الْخَمْرِ، وَفِي الضَّرْبِ بِهِمَا تَشَبُّهٌ بِهِمْ وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ، وَلأَِنَّ اللَّذَّةَ الْحَاصِلَةَ مِنْهُمَا تَدْعُو إِلَى فَسَادٍ كَشُرْبِ الْخَمْرِ لاَ سِيَّمَا مَنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِهَا، وَالاِسْتِمَاعُ هُوَ الْمُحَرَّمُ.
_________
(١) الشرح الصغير ٢ / ٥٠٣، وكف الرعاع ١ / ١٢٨.
(٢) المصباح المنير، والصحاح، وكف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع بهامش الزواجر عن اقتراف الكبائر ١ / ٩٦.
أَمَّا السَّمَاعُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَلاَ يَحْرُمُ (١) .
ط - بَاقِي الْمَعَازِفِ الْوَتَرِيَّةُ.
١٥ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى تَحْرِيمِ اسْتِعْمَال الْمَعَازِفِ الْوَتَرِيَّةِ كَالطُّنْبُورِ وَالرَّبَابِ وَالْكَمَنْجَةِ وَالْقَانُونِ وَسَائِرِ الْمَعَازِفِ الْوَتَرِيَّةِ، وَاسْتِعْمَالُهَا هُوَ الضَّرْبُ بِهَا (٢) .
تَعَلُّمُ الْمُوسِيقَى
١٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى تَحْرِيمِ تَعَلُّمِ الْمَعَازِفِ وَالْمُوسِيقَى وَالإِِْجَارَةِ عَلَى تَعَلُّمِهَا (٣)، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي رَحْمَةً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَمْحَقَ الْمَزَامِيرَ وَالْكَنَّارَاتِ - يَعْنِي الْبَرَابِطَ - وَالْمَعَازِفَ وَالأَْوْثَانَ. . . لاَ يَحِل بَيْعُهُنَّ وَلاَ شِرَاؤُهُنَّ وَلاَ تَعْلِيمُهُنَّ (٤) .
_________
(١) كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع بهامش الزواجر عن اقتراف الكبائر ١ / ٩٦ وما بعدها، ونهاية المحتاج ٨ / ٢٨١، وحاشية القليوبي ٤ / ٣٢٠.
(٢) نهاية المحتاج ٨ / ٢٨١، ومغني المحتاج ٤ / ٤٢٩، والمغني ٩ / ١٧٣، وكشاف القناع ٥ / ١٨٣، والشرح الصغير ٢ / ٥٠٢، ٥٠٣، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٢٢٣.
(٣) الدر المختار ورد المحتار ١ / ٣٠، ٣٢، وجواهر الإكليل ٢ / ١٨٩، ونهاية المحتاج ٨ / ٢٨١، ومغني المحتاج ٤ / ٤٢٩، والمغني ٩ / ١٧٣، وكشاف القناع ٥ / ١٨٣.
(٤) حديث: " إن الله بعثني رحمة وهدى للعالمين. . . " أخرجه أحمد (٥ / ٢٥٧) من حديث أبي أمامة، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٥ / ٦٩) وقال: رواه أحمد والطبراني، وفيه علي بن يزيد وهو ضعيف.
اتِّخَاذُ الْمَعَازِفِ
١٧ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ اتِّخَاذُ آلَةِ اللَّهْوِ (الْمَعَازِفِ) الْمُحَرَّمَةِ وَلَوْ بِغَيْرِ اسْتِعْمَالٍ لأَِنَّ اتِّخَاذَهَا يَجُرُّ إِلَى اسْتِعْمَالِهَا، وَقَالُوا: يَحْرُمُ اتِّخَاذُ آلَةٍ مِنْ شِعَارِ الشَّرْبَةِ كَطُنْبُورِ وَعُودٍ وَمِزْمَارٍ عِرَاقِيٍّ وَنَحْوِ ذَلِكَ (١) .
الاِكْتِسَابُ بِالْمَعَازِفِ
١٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الاِكْتِسَابَ بِالْمَعَازِفِ لاَ يَطِيبُ، وَيُمْنَعُ مِنْهُ الْمُكْتَسِبُ وَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْغِنَاءُ حِرْفَتَهُ الَّتِي يَكْتَسِبُ بِهَا الْمَال، وَنَصُّوا عَلَى أَنَّ التَّغَنِّيَ لِلَّهْوِ أَوْ لِجَمْعِ الْمَال حَرَامٌ بِلاَ خِلاَفٍ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: فِي الْمُنْتَقَى: امْرَأَةٌ نَائِحَةٌ أَوْ صَاحِبَةُ طَبْلٍ أَوْ زَمْرٍ اكْتَسَبَتْ مَالًا رَدَّتْهُ عَلَى أَرْبَابِهِ إِنْ عَلِمُوا وَإِِلاَّ تَتَصَدَّقُ بِهِ، وَإِِنْ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَهُوَ لَهَا (٢) .
وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ: وَيُمْنَعُ - أَيِ الْمُحْتَسِبُ - مِنَ التَّكَسُّبِ بِالْكِهَانَةِ وَاللَّهْوِ وَيُؤَدَّبُ عَلَيْهِ الآْخِذُ وَالْمُعْطِي (٣) .
_________
(١) أسنى المطالب ١ / ٢٧، ومغني المحتاج ٤ / ٤٢٩، والمغني ١ / ٧٧.
(٢) رد المحتار ٥ / ٣٤، ٤ ٣٨٢، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٤٩.
(٣) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٥٨، ومغني المحتاج ٤ / ١٩٢، وحاشية القليوبي ٤ / ٢٠٥.
الْغِنَاءُ مَعَ الْمَعَازِفِ
١٩ - الْغِنَاءُ إِمَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِآلَةِ مُحَرَّمَةٍ مِنْ آلاَتِ الْعَزْفِ أَوْ لاَ يَقْتَرِنَ بِهَا، فَإِِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِأَيِّ آلَةٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهِ عَلَى تَفْصِيلٍ سَبَقَ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِمَاعٌ ف ١٦ - ٢٢) .
وَإِِنِ اقْتَرَنَ الْغِنَاءُ بِآلَةِ مُحَرَّمَةٍ مِنْ آلاَتِ الْعَزْفِ، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَجُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى حُرْمَتِهِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى حُرْمَةِ آلَةِ الْعَزْفِ وَبَقَاءِ الْغِنَاءِ عَلَى الْكَرَاهَةِ (١) .
الاِسْتِمَاعُ إِلَى الْمَعَازِفِ
٣٠ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الاِسْتِمَاعَ إِلَى الْمَعَازِفِ الْمُحَرَّمَةِ حَرَامٌ، وَالْجُلُوسُ فِي مَجْلِسِهَا حَرَامٌ، قَال مَالِكٌ: أَرَى أَنْ يَقُومَ الرَّجُل مِنَ الْمَجْلِسِ الَّذِي يُضْرَبُ فِيهِ الْكَبَرُ وَالْمِزْمَارُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ اللَّهْوِ (٢)، وَقَال أَصْبَغُ: دَعَا رَجُلٌ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إِلَى وَلِيمَةٍ، فَلَمَّا جَاءَ سَمِعَ لَهْوًا فَلَمْ يَدْخُل فَقَال: مَا لَكَ؟ فَقَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ
_________
(١) فتح القدير ٦ / ٣٦، ومواهب الجليل ٦ / ١٥٣، وروضة الطالبين ١١ / ٢٢٨، ومغني المحتاج ٤ / ٤٢٨، وكشاف القناع ٦ / ٤٢٢، وحاشية الجمل ٥ / ٣٨٠ - ٣٨١، ونهاية المحتاج ٨ / ٢٨١.
(٢) رد المحتار ٥ / ٢٢١، ومواهب الجليل ٦ / ٨، وروضة الطالبين ١١ / ٢٢٨، وكشاف القناع ٥ / ١٨٣.
يَقُول: مَنْ كَثَّرَ سَوَادَ قَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ، وَمَنْ رَضِيَ عَمَل قَوْمٍ كَانَ شَرِيكًا لِمَنْ عَمِلَهُ (١) .
بَل إِنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ نَصَّ عَلَى أَنَّ مَنْ يَسْتَمِعُ الْمَعَازِفَ الْمُحَرَّمَةَ فَاسِقٌ، قَال ابْنُ الْقَيِّمِ:
الْعُودُ وَالطُّنْبُورُ وَسَائِرُ الْمَلاَهِي حَرَامٌ، وَمُسْتَمِعُهَا فَاسِقٌ (٢) .
شَهَادَةُ الْعَازِفِ وَالْمُسْتَمِعِ لِلْمَعَازِفِ
٢١ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تُقْبَل شَهَادَةُ الْعَازِفِ أَوِ الْمُسْتَمِعِ لِلْمَعَازِفِ الْمُحَرَّمَةِ كَالْمَزَامِيرِ وَالطَّنَابِيرِ وَالصَّنْجِ وَغَيْرِهَا (٣) .
التَّدَاوِي بِاسْتِمَاعِ الْمَعَازِفِ
٢٢ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى جَوَازِ التَّدَاوِي بِاسْتِمَاعِ الْمَعَازِفِ الْمُحَرَّمَةِ لِلضَّرُورَةِ.
قَال الرَّمْلِيُّ: لَوْ أَخْبَرَ طَبِيبَانِ عَدْلاَنِ بِأَنَّ الْمَرِيضَ لاَ يَنْفَعُهُ لِمَرَضِهِ إِلاَّ الْعُودُ عُمِل بِخَبَرِهِمَا، وَحَل لَهُ اسْتِمَاعُهُ، كَالتَّدَاوِي بِنَجِسِ فِيهِ الْخَمْرُ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَل قَوْل
_________
(١) حديث: " من كَثَّرَ سواد قوم فهو منهم. . " أورده ابن حجر في المطالب العالية (٢ / ٤٢) وعزاه إلى أبي يعلى، ونقل محققه عن البوصيري أنه حكم على سنده بالانقطاع.
(٢) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان ١ / ٢٤٨.
(٣) الدر المختار بهامش رد المحتار ٤ / ٣٨٢، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢ / ١٦٦ - ١٦٧، وشرح الخرشي ٧ / ١٧٨، وحاشية الشهاب الرملي بهامش أسنى المطالب ٤ / ٢٤٢، وكشاف القناع ٦ / ٤٢٤.
الْحَلِيمِيَّ: يُبَاحُ اسْتِمَاعُ آلَةِ اللَّهْوِ إِذَا نَفَعَتْ مِنْ مَرَضٍ، أَيْ لِمَنْ بِهِ ذَلِكَ الْمَرَضُ وَتَعَيَّنَ الشِّفَاءُ فِي سَمَاعِهِ (١) .
وَقَال الشَّبْرَامَلِّسِيُّ: آلَةُ اللَّهْوِ قَدْ يُبَاحُ اسْتِعْمَالُهَا بِأَنْ أَخْبَرَ طَبِيبٌ عَدْلٌ مَرِيضًا بِأَنَّهُ لاَ يُزِيل مَرَضَهُ إِلاَّ سَمَاعُ الآْلَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ إِلاَّ الآْلَةُ الْمُحَرَّمَةُ (٢) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَحْرُمُ التَّدَاوِي بِصَوْتِ مَلْهَاةٍ وَغَيْرِهِ كَسَمَاعِ الْغِنَاءِ وَالْمُحَرَّمِ (٣) لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: وَلاَ تَدَاوَوْا بِالْحَرَامِ (٤) .
الْوَصِيَّةُ بِالطَّبْل
٢٣ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الشَّخْصَ لَوْ أَوْصَى بِطَبْلٍ، وَلَهُ طَبْل لَهْوٍ لاَ يَصْلُحُ لِمُبَاحٍ، وَطَبْلٌ يَحِل الاِنْتِفَاعُ بِهِ، كَطَبْل حَرْبٍ يُقْصَدُ بِهِ التَّهْوِيل، أَوْ طَبْل حَجِيجٍ يُقْصَدُ بِهِ الإِِْعْلاَمُ بِالنُّزُول وَالرَّحِيل، أَوْ غَيْرُهُمَا، - غَيْرَ الْكُوبَةِ الْمُحَرَّمَةِ - حُمِلَتِ الْوَصِيَّةُ عَلَى مَا يَحِل الاِنْتِفَاعُ بِهِ لِتَصِحَّ، لأَِنَّ الظَّاهِرَ قَصْدُهُ لِلثَّوَابِ، وَهُوَ فِيمَا تَصِحُّ بِهِ
_________
(١) نهاية المحتاج ٨ / ٢٨١.
(٢) حاشية الشبراملسي مع نهاية المحتاج ٣ / ٣٨٥.
(٣) كشاف القناع ٢ / ٧٦.
(٤) حديث: " ولا تداووا بالحرام " أخرجه أبو داود (٤ / ٢٠٧) من حديث أبي الدرداء وقال المناوي في فيض القدير (٢ / ٢١٦): فيه إسماعيل بن عياش، وفيه مقال.
الْوَصِيَّةُ، فَإِِنْ صَلَحَ لِمُبَاحٍ تَخَيَّرَ الْوَارِثُ، فَإِِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلاَّ طُبُولٌ لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهَا لَغَتْ، وَلَوْ أَوْصَى بِطَبْل اللَّهْوِ لَغَتِ الْوَصِيَّةُ لأَِنَّهُ مَعْصِيَةٌ - إِلاَّ إِنْ صَلَحَ لِحَرْبٍ أَوْ حَجِيجٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ أُخْرَى مُبَاحَةٍ، لإِِمْكَانِ تَصْحِيحِ الْوَصِيَّةِ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ لَفْظُهَا، وَسَوَاءٌ صَلَحَ عَلَى هَيْئَتِهِ أَمْ بَعْدَ تَغَيُّرٍ يَبْقَى مَعَهُ اسْمُ الطَّبْل، فَإِِنْ لَمْ يَصْلُحْ إِلاَّ بِزَوَال اسْمِ الطَّبْل لَغَتِ الْوَصِيَّةُ (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: وَإِِنْ وَصَّى بِدُفٍّ صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ بِهِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: أَعْلِنُوا النِّكَاحَ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ (٢)، وَلاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمِزْمَارٍ وَلاَ طُنْبُورٍ وَلاَ عُودٍ مِنْ عِيدَانِ اللَّهْوِ لأَِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ فِيهِ الأَْوْتَارُ أَوْ لَمْ تَكُنْ، لأَِنَّهُ مُهَيَّأٌ لِفِعْل الْمَعْصِيَةِ دُونَ غَيْرِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَتْ فِيهِ أَوْتَارٌ (٣) .
بَيْعُ الْمَعَازِفِ
٢٤ - لاَ يَصِحُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - بَيْعُ الْمَعَازِفِ الْمُحَرَّمَةِ كَالطُّنْبُورِ
_________
(١) نهاية المحتاج ٦ / ٥٢، ومغني المحتاج ٣ / ٤٦، والمغني ٦ / ١٥٢ - ١٥٣.
(٢) حديث: " أعلنوا النكاح. . " سبق تخريجه ف ٧.
(٣) المغني لابن قدامة ٦ / ١٥٣.