الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٨
قَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ بَأْسَ أَنْ يَكُونَ لَيْلَةَ الْعُرْسِ دُفٌّ يُضْرَبُ بِهِ لِيُعْلَنَ النِّكَاحُ، وَعَنِ السَّرَّاجِيَّةِ: أَنَّ هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ جَلاَجِل وَلَمْ يُضْرَبْ عَلَى هَيْئَةِ التَّطَرُّبِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَالدُّفُّ الَّذِي يُبَاحُ ضَرْبُهُ فِي الْعُرْسِ. احْتِرَازًا عَنِ الْمُصَنَّجِ، فَفِي النِّهَايَةِ عَنْ أَبِي اللَّيْثِ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا.
وَسُئِل أَبُو يُوسُفَ عَنِ الدُّفِّ: أَتَكْرَهُهُ فِي غَيْرِ الْعُرْسِ بِأَنْ تَضْرِبَ الْمَرْأَةُ فِي غَيْرِ فِسْقٍ لِلصَّبِيِّ؟ قَال: لاَ أَكْرَهُهُ، وَلاَ بَأْسَ بِضَرْبِ الدُّفِّ يَوْمَ الْعِيدِ، كَمَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يُكْرَهُ الْغِرْبَال أَيِ الطَّبْل بِهِ فِي الْعُرْسِ، قَال ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ عَرَفَةَ: اتَّفَقَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى إِجَازَةِ الدُّفِّ وَهُوَ الْغِرْبَال فِي الْعُرْسِ، وَقَال الدُّسُوقِيُّ: يُسْتَحَبُّ فِي الْعُرْسِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ (٢) .
وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْعُرْسِ كَالْخِتَانِ وَالْوِلاَدَةِ فَقَال الدُّسُوقِيُّ: الْمَشْهُورُ عَدَمُ جَوَازِ ضَرْبِهِ، وَمُقَابِل الْمَشْهُورِ جَوَازُهُ فِي كُل فَرَحٍ لِلْمُسْلِمِينَ، قَال الْحَطَّابُ: كَالْعِيدِ وَقُدُومِ الْغَائِبِ وَكُل سُرُورٍ
_________
(١) رد المحتار ٥ / ٣٤، ١٣٥، ٢٢٣، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٥٢.
(٢) حديث: " أعلنوا هذا النكاح، واضربوا عليه بالدفوف ". أخرجه الترمذي (٣ / ٣٩٠) من حديث عائشة، وذكر أن في إسناده راويًا ضعيفًا.
حَادِثٍ، وَقَال الآْبِيُّ: وَلاَ يُنْكَرُ لَعِبُ الصِّبْيَانِ فِيهَا - أَيِ الأَْعْيَادِ - وَضَرْبُ الدُّفِّ، فَقَدْ وَرَدَ إِقْرَارُهُ مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ، وَنَقَل الْحَطَّابُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى جَوَازِ الدُّفِّ فِي الْعُرْسِ، إِلاَّ لِلْجَوَارِي الْعَوَاتِقِ فِي بُيُوتِهِنَّ وَمَا أَشْبَهَهُنَّ فَإِِنَّهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَيَجْرِي لَهُنَّ مَجْرَى الْعُرْسِ إِذَا لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ.
وَاخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الدُّفِّ ذِي الصَّرَاصِرِ أَيِ الْجَلاَجِل، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى جَوَازِ الضَّرْبِ بِهِ فِي الْعُرْسِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ مَحَل الْجَوَازِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ صَرَاصِرُ أَوْ جَرَسٌ وَإِِلاَّ حَرُمَ، قَال الدُّسُوقِيُّ: وَهُوَ الصَّوَابُ لِمَا فِي الْجَلاَجِل مِنْ زِيَادَةِ الإِِْطْرَابِ، هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ ضَرْبِ الرِّجَال بِالدُّفِّ فَقَالُوا: لاَ يُكْرَهُ الطَّبْل بِهِ وَلَوْ كَانَ صَادِرًا مِنْ رَجُلٍ، خِلاَفًا لأَِصْبَغَ الْقَائِل: لاَ يَكُونُ الدُّفُّ إِلاَّ لِلنِّسَاءِ، وَلاَ يَكُونُ عِنْدَ الرِّجَال (١) وَقَال الشَّافِعِيَّةُ يَجُوزُ ضَرْبُ دُفٍّ وَاسْتِمَاعُهُ لِعُرْسٍ لأَِنَّهُ ﷺ أَقَرَّ جُوَيْرَاتٍ ضَرَبْنَ بِهِ حِينَ بَنَى عَلَى الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ وَقَال لِمَنْ قَالَتْ: وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي
_________
(١) حاشية الدسوقي والشرح الكبير ٢ / ٣٣٩، ومواهب الجليل ٤ / ٦، ٧، وجواهر الإكليل ١ / ١٠٣.
غَدٍ: دَعِي هَذَا وَقُولِي بِالَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ (١) أَيْ مِنْ مَدْحِ بَعْضِ الْمَقْتُولِينَ بِبَدْرٍ، وَيَجُوزُ لِخِتَانٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ صَوْتًا أَوْ دُفًّا بَعَثَ قَال: مَا هُوَ؟ فَإِِذَا قَالُوا عُرْسٌ أَوْ خِتَانٌ، صَمَتَ (٢)، وَيَجُوزُ فِي غَيْرِ الْعُرْسِ وَالْخِتَانِ مِمَّا هُوَ سَبَبٌ لإِِظْهَارِ السُّرُورِ كَوِلاَدَةِ وَعِيدٍ وَقُدُومِ غَائِبٍ وَشِفَاءِ مَرِيضٍ وَإِِنْ كَانَ فِيهِ جَلاَجِل لإِِطْلاَقِ الْخَبَرِ، وَهَذَا فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا رَجَعَ مِنْ بَعْضِ مَغَازِيهِ قَالَتْ لَهُ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ إِنْ رَدَّكَ اللَّهُ صَالِحًا أَنْ أَضْرِبَ بَيْنَ يَدَيْكَ بِالدُّفِّ وَأَتَغَنَّى، فَقَال لَهَا: إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي، وَإِِلاَّ فَلاَ (٣)، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ الْمَنْعُ لأَِثَرِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ السَّابِقِ، وَاسْتَثْنَى الْبُلْقِينِيُّ مِنْ مَحَل الْخِلاَفِ ضَرْبَ الدُّفِّ فِي أَمْرٍ مُهِمٍّ مِنْ قُدُومِ عَالِمٍ أَوْ سُلْطَانٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
_________
(١) حديث: " قوله ﷺ لمن قالت: وفينا نبي يعلم ما في غد ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٢٠٢) من حديث الربيع بنت معوذ.
(٢) أثر عمر " أنه كان إذا سمع صوتًا أو دفًا بعث. . . . . ". أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١١ / ٥) .
(٣) حديث: " أن جارية سوداء قالت للنبي ﷺ: يا رسول الله إني كنت نذرت. . . . . " أخرجه الترمذي (٥ / ٦٢١) من حديث بريدة، وقال: حديث حسن.
وَقَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ الدُّفَّ يُسْتَحَبُّ فِي الْعُرْسِ وَالْخِتَانِ، وَبِهِ جَزَمَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ (١) .
أَمَّا مَتَى يُضْرَبُ الدُّفُّ فِي الْعُرْسِ وَالْخِتَانِ، فَقَدْ قَال الأَْذْرَعِيُّ: الْمَعْهُودُ عُرْفًا أَنَّهُ يُضْرَبُ بِهِ وَقْتَ الْعَقْدِ وَوَقْتَ الزِّفَافِ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيل، وَعَبَّرَ الْبَغَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ بِوَقْتِ الْعَقْدِ وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ وَيَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهِ لِلْعَادَةِ، وَيُحْتَمَل ضَبْطُهُ بِأَيَّامِ الزِّفَافِ الَّتِي يُؤْثَرُ بِهَا الْعُرْسُ، وَأَمَّا الْخِتَانُ فَالْمَرْجِعُ فِيهِ الْعُرْفُ، وَيُحْتَمَل أَنَّهُ يُفْعَل مِنْ حِينِ الأَْخْذِ فِي أَسْبَابِهِ الْقَرِيبَةِ مِنْهُ.
وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ شَيْخِهِ الْحَلِيمِيِّ - وَلَمْ يُخَالِفْهُ - أَنَّا إِذْ أَبَحْنَا الدُّفَّ فَإِِنَّمَا نُبِيحُهُ لِلنِّسَاءِ خَاصَّةً، لأَِنَّهُ فِي الأَْصْل مِنْ أَعْمَالِهِنَّ، وَقَدْ لَعَنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَال بِالنِّسَاءِ (٢)، وَنَازَعَهُ السُّبْكِيُّ بِأَنَّ الْجُمْهُورَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ وَالأَْصْل اشْتِرَاكُ الذُّكُورِ وَالإِِْنَاثِ فِي الأَْحْكَامِ إِلاَّ مَا وَرَدَ الشَّرْعُ فِيهِ بِالْفُرْقَةِ وَلَمْ يَرِدْ هُنَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ حَتَّى يُقَال يَحْرُمُ عَلَى الرِّجَال التَّشَبُّهُ بِهِنَّ فِيهِ.
_________
(١) نهاية المحتاج ٨ / ٢٨٢، ومغني المحتاج ٤ / ٤٢٩، والقليوبي ٤ / ٣٢٠.
(٢) حديث: " لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٣٣٢) من حديث ابن عباس.
وَنَقَل الْهَيْتَمِيُّ عَنِ الْمَاوَرْدِيِّ قَوْلَهُ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا، هَل ضَرْبُ الدُّفِّ عَلَى النِّكَاحِ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ وَالأَْزْمَانِ؟ فَقَال بَعْضُهُمْ: نَعَمْ لإِِطْلاَقِ الْحَدِيثِ، وَخَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِالْبُلْدَانِ الَّتِي لاَ يَتَنَاكَرُهُ أَهْلُهَا فِي الْمَنَاكِحِ كَالْقُرَى وَالْبَوَادِي فَيُكْرَهُ فِي غَيْرِهَا، وَبِغَيْرِ زَمَانِنَا، قَال: فَيُكْرَهُ فِيهِ لأَِنَّهُ عَدَل بِهِ إِلَى السَّخْفِ وَالسَّفَاهَةِ.
وَقَال الْهَيْتَمِيُّ: ظَاهِرُ إِطْلاَقِهِمْ أَنَّهُ لاَ فَرْقَ فِي جَوَازِ الضَّرْبِ بِالدُّفِّ بَيْنَ هَيْئَةٍ وَهَيْئَةٍ، وَخَالَفَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِقِيِّ فَقَال: إِنَّمَا يُبَاحُ الدُّفُّ الَّذِي تَضْرِبُ بِهِ الْعَرَبُ مِنْ غَيْرِ زَفَنٍ - أَيْ رَقْصٍ - فَأَمَّا الَّذِي يُزْفَنُ بِهِ وَيُنْقَرُ - أَيْ بِرُءُوسِ الأَْنَامِل وَنَحْوِهَا - عَلَى نَوْعٍ مِنَ الأَْنْغَامِ فَلاَ يَحِل الضَّرْبُ بِهِ لأَِنَّهُ أَبْلَغُ فِي الإِِْطْرَابِ مِنْ طَبْل اللَّهْوِ الَّذِي جَزَمَ الْعِرَاقِيُّونَ بِتَحْرِيمِهِ، وَتَابَعَهُ تِلْمِيذُهُ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ، قَال الأَْذْرَعِيُّ: وَهُوَ حَسَنٌ، فَإِِنَّهُ إِنَّمَا يَتَعَاطَاهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ ذَكَرْنَا مِنْ أَهْل الْفُسُوقِ (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُسْتَحَبُّ إِعْلاَنُ النِّكَاحِ وَالضَّرْبُ فِيهِ بِالدُّفِّ، قَال أَحْمَدُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُظْهَرَ النِّكَاحُ وَيُضْرَبَ فِيهِ بِالدُّفِّ حَتَّى يَشْتَهِرَ
_________
(١) نهاية المحتاج ٨ / ٢٨٢، ومغني المحتاج ٤ / ٤٢٩، وحاشية القليوبي ٤ / ٣٢٠، وروضة الطالبين ١١ / ٢٢٨، وكف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع بهامش الزواجر عن اقتراف الكبائر ١ / ٧٦، ٨٣، ٨٥.
وَيُعْرَفَ وَقَال: يُسْتَحَبُّ الدُّفُّ وَالصَّوْتُ فِي الإِِْمْلاَكِ، فَقِيل لَهُ: مَا الصَّوْتُ؟ قَال: يَتَكَلَّمُ وَيَتَحَدَّثُ وَيَظْهَرُ، وَالأَْصْل فِي هَذَا مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ حَاطِبٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: فَصْل مَا بَيْنَ الْحَلاَل وَالْحَرَامِ الدُّفُّ وَالصَّوْتُ (١)، وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا زَوَّجَتْ يَتِيمَةً كَانَتْ فِي حِجْرِهَا رَجُلًا مِنَ الأَْنْصَارُ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ فِيمَنْ أَهْدَاهَا إِلَى زَوْجِهَا، قَالَتْ: فَلَمَّا رَجَعْنَا قَال لِي رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَا قُلْتُمْ يَا عَائِشَةُ؟ قَالَتْ: سَلَّمْنَا وَدَعَوْنَا اللَّهَ بِالْبَرَكَةِ ثُمَّ انْصَرَفْنَا، فَقَال ﷺ: فَهَل بَعَثْتُمْ مَعَهَا جَارِيَةً تَضْرِبُ بِالدُّفِّ وَتُغَنِّي: أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ فَحَيَّانَا وَحَيَّاكُمْ (٢) .
وَيُسَنُّ عِنْدَهُمْ ضَرْبٌ بِدُفِّ مُبَاحٍ فِي خِتَانٍ وَقُدُومِ غَائِبٍ وَوِلاَدَةٍ كَنِكَاحِ لِمَا فِيهِ مِنَ السُّرُورِ، وَالدُّفُّ الْمُبَاحُ هُوَ مَا لاَ حِلَقَ فِيهِ وَلاَ صُنُوجٌ.
وَاخْتَلَفُوا فِي ضَرْبِ الرِّجَال الدُّفَّ، قَال
_________
(١) حديث: " فصل ما بين الحلال والحرام. . . ". أخرجه النسائي (٦ / ١٢٧) والترمذي (٣ / ٣٨٩) واللفظ للنسائي وقال الترمذي: حديث حسن.
(٢) حديث: " عائشة أنها زوجت يتيمة رجلًا من الأنصار. . . ". أخرج أوله البخاري (فتح الباري ٩ / ٢٢٥)، وأخرجه إلى قولها " ثم انصرفنا " أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب النكاح كما في فتح الباري (٩ / ٢٢٥) وأخرج باقيه الطبراني في الأوسط كما في فتح الباري (٩ / ٢٢٦) .
الْبُهُوتِيُّ: وَظَاهِرُهُ - أَيْ نَدْبُ إِعْلاَنِ النِّكَاحِ وَضَرْبٌ عَلَيْهِ بِدُفِّ مُبَاحٍ - سَوَاءٌ كَانَ الضَّارِبُ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً وَهُوَ ظَاهِرُ نُصُوصِ أَحْمَدَ وَكَلاَمِ الأَْصْحَابِ، وَقَال الْمُوَفَّقُ: ضَرْبُ الدُّفِّ مَخْصُوصٌ بِالنِّسَاءِ، وَفِي الرِّعَايَةِ: يُكْرَهُ لِلرِّجَال مُطْلَقًا.
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: ذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ فِي غَيْرِ النِّكَاحِ لأَِنَّهُ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ صَوْتَ الدُّفِّ بَعَثَ فَنَظَرَ فَإِِنْ كَانَ فِي وَلِيمَةٍ سَكَتَ وَإِِنْ كَانَ فِي غَيْرِهَا عَمَدَ بِالدِّرَّةِ (١) .
ب - الْكُوبَةُ:
٨ - الْكُوبَةُ طَبْلٌ طَوِيلٌ ضَيِّقُ الْوَسَطِ وَاسِعُ الطَّرَفَيْنِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ طَرَفَاهَا مَسْدُودَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا، وَلاَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ اتِّسَاعُهُمَا عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ أَوْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَوْسَعَ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي حُكْمِهَا.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ ضَرْبُ الْكُوبَةِ وَالاِسْتِمَاعُ إِلَيْهَا لِقَوْل الرَّسُول ﷺ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ
_________
(١) المغني ٦ / ٥٣٧، ٥٣٨، ٧ / ١٠، ٩ / ١٧٤، وشرح منتهى الإرادات ٩٢١٣، ومطالب أولي النهى ٥ / ٢٥٢، ٢٥٣.
وَالْكُوبَةَ (١)، وَلأَِنَّ فِي ضَرْبِهَا تَشَبُّهًا بِالْمُخَنَّثِينَ إِذْ لاَ يَعْتَادُهَا غَيْرُهُمْ، وَنَقَل أَبُو الْفَتْحِ الرَّازِيُّ - كَمَا حَكَى الْهَيْتَمِيُّ - الإِِْجْمَاعَ عَلَى حُرْمَتِهَا (٢) .
وَقَال أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: كُرِهَ الطَّبْل وَهُوَ الْمُنْكَرُ وَهُوَ الْكُوبَةُ الَّتِي نَهَى عَنْهَا النَّبِيُّ ﷺ (٣) .
ج - الْكَبَرُ وَالْمِزْهَرُ
٩ - الْكَبَرُ بِفَتْحَتَيْنِ عَلَى وَزْنِ جَبَلٍ، هُوَ الطَّبْل الْكَبِيرُ.
وَالْمِزْهَرُ: هُوَ فِي اللُّغَةِ الْعُودُ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ، وَفِي الاِصْطِلاَحِ قَال الْمَالِكِيَّةُ: هُوَ الدُّفُّ الْمُرَبَّعُ الْمَغْلُوفُ.
قَال الْحَطَّابُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمِزْهَرَ أَلْهَى، وَكُلَّمَا كَانَ أَلْهَى كَانَ أَغْفَل عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَكَانَ مِنَ الْبَاطِل (٤) .
وَلِلْمَالِكِيَّةِ فِي الْكَبَرِ وَالْمِزْهَرِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُمَا يُحْمَلاَنِ مَحْمَل الْغِرْبَال، وَيَدْخُلاَنِ مَدْخَلَهُ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِمَا فِي الْعُرْسِ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ حَبِيبٍ.
_________
(١) حديث: " إن الله حرم عليكم الخمر والميسر والكوبة ". أخرجه أحمد (١ / ٢٨٩) من حديث ابن عباس، وصحح إسناده أحمد شاكر في التعليق عليه (٤ / ٢١٨) .
(٢) نهاية المحتاج ٨ / ٢٨٢، وروضة الطالبين ١١ / ٢٢٨، وكف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع بهامش الزواجر ١ / ٧٩، ٨٥.
(٣) المغني ٦ / ٥٣٨.
(٤) مواهب الجليل ٤ / ٧.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لاَ يُحْمَل وَاحِدٌ مِنْهُمَا مَحْمَلَهُ وَلاَ يَدْخُل مَعَهُ وَلاَ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي عُرْسٍ وَلاَ غَيْرِهِ، وَهُوَ قَوْل أَصْبَغَ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يُحْمَل مَحْمَلَهُ وَيَدْخُل مَدْخَلَهُ فِي الْكَبَرِ وَحْدَهُ دُونَ الْمِزْهَرِ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ (١) .
د - الأَْنْوَاعُ الأُْخْرَى مِنَ الطُّبُول
١٠ - لِلْفُقَهَاءِ فِي الأَْنْوَاعِ الأُْخْرَى مِنَ الطُّبُول تَفْصِيلٌ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الطَّبْل لِغَيْرِ اللَّهْوِ فَلاَ بَأْسَ بِهِ كَطَبْل الْغُزَاةِ وَالْعُرْسِ وَالْقَافِلَةِ، وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ طَبْل الْمُسَحِّرِ فِي رَمَضَانَ لإِِيقَاظِ النَّائِمِينَ لِلسُّحُورِ كَبُوقِ الْحَمَامِ (٢) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى اسْتِثْنَاءِ طُبُول الْحَرْبِ مِنْ سَائِرِ الطُّبُول (٣) .
وَقَال إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: وَالطُّبُول الَّتِي تُهَيَّأُ لِمَلاَعِبِ الصِّبْيَانِ إِنْ لَمْ تُلْحَقْ بِالطُّبُول الْكِبَارِ فَهِيَ كَالدُّفِّ وَلَيْسَتْ كَالْكُوبَةِ بِحَال، قَال الْهَيْتَمِيُّ: وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ مَا يُصْنَعُ فِي الأَْعْيَادِ مِنَ الطُّبُول الصِّغَارِ الَّتِي هِيَ عَلَى هَيْئَةِ
_________
(١) مواهب الجليل ٤ / ٦ - ٧.
(٢) ابن عابدين ٥ / ٣٤، ٢٢٣.
(٣) مواهب الجليل ٤ / ٧.
الْكُوبَةِ وَغَيْرِهَا لاَ حُرْمَةَ فِيهَا، لأَِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إِطْرَابٌ غَالِبًا، وَمَا عَلَى صُورَةِ الْكُوبَةِ مِنْهَا انْتَفَى فِيهِ الْمَعْنَى الْمُحَرَّمُ لِلْكُوبَةِ، لأَِنَّ لِلْفُسَّاقِ فِيهَا كَيْفِيَّاتٌ فِي ضَرْبِهَا، وَغَيْرُهُ لاَ يُوجَدُ فِي تِلْكَ الَّتِي تُهَيِّئُ لِلَعِبِ الصِّبْيَانِ، وَقَال الْقَاضِي حُسَيْنٌ: ضَرْبُ الطُّبُول إِنْ كَانَ طَبْل لَهْوٍ فَلاَ يَجُوزُ، وَاسْتَثْنَى الْحَلِيمِيُّ مِنَ الطُّبُول طَبْل الْحَرْبِ وَالْعِيدِ، وَأَطْلَقَ تَحْرِيمَ سَائِرِ الطُّبُول وَخَصَّ مَا اسْتَثْنَاهُ فِي الْعِيدِ بِالرِّجَال خَاصَّةً، وَطَبْل الْحَجِيجِ مُبَاحٌ كَطَبْل الْحَرْبِ (١) .
وَكَرِهَ أَحَمْدُ الطَّبْل لِغَيْرِ حَرْبٍ وَنَحْوِهِ، وَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ فِي الْحَرْبِ وَقَال: لِتَنْهِيضِ طِبَاعِ الأَْوْلِيَاءِ وَكَشْفِ صُدُورِ الأَْعْدَاءِ (٢) .
هـ - الْيَرَاعُ
١١ - الْيَرَاعُ هُوَ الزَّمَّارَةُ الَّتِي يُقَال لَهَا الشَّبَّابَةُ، وَهِيَ مَا لَيْسَ لَهَا بُوقٌ وَمِنْهَا الْمَأْصُول الْمَشْهُورُ وَالسَّفَّارَةُ وَنَحْوُهَا، وَسُمِّيَ الْيَرَاعُ بِذَلِكَ لِخُلُوِّ جَوْفِهِ، وَيُخَالِفُ الْمِزْمَارَ الْعِرَاقِيَّ فِي أَنَّهُ لَهُ بُوقٌ وَالْغَالِبُ أَنَّهُ يُوجَدُ مَعَ
_________
(١) روضة الطالبين ١١ / ٢٢٨.
(٢) الإنصاف ٨ / ٣٤٣.