الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧ الصفحة 72

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧

مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ فَقَدْ أَقَرَّ بِالْمِحْنَةِ، وَكَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا أَقْرَرْنَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِنَّ قَال لَهُنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ: انْطَلِقْنَ فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ، وَلاَ وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ غَيْرَ أَنَّهُ يُبَايِعُهُنَّ بِالْكَلاَمِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللَّهِ مَا أَخَذَ رَسُول اللَّهِ ﷺ النِّسَاءَ قَطُّ إِلاَّ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَا مَسَّتْ كَفُّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَفَّ امْرَأَةٍ قَطُّ، وَكَانَ يَقُول لَهُنَّ إِذَا أَخَذَ عَلَيْهِنَّ: قَدْ بَايَعْتُكُنَّ كَلاَمًا (١) .

وَقَدْ فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ الْمِحْنَةَ بِقَوْلِهِ: (وَكَانَتِ الْمِحْنَةُ أَنْ تُسْتَحْلَفَ بِاللَّهِ أَنَّهَا مَا خَرَجَتْ مِنْ بُغْضِ زَوْجِهَا وَلاَ رَغْبَةً مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ وَلاَ الْتِمَاسَ دُنْيَا وَلاَ عِشْقًا لِرَجُلٍ مِنَّا بَل حُبًّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ (٢» .

وَبِمَا رُوِيَ عَنْ مَعْقِل بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لأَنْ يُطَعْنَ فِي رَأْسِ أَحَدِكُمْ بِمِخْيَطٍ مِنْ حَدِيدٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لاَ تَحِل لَهُ (٣) وَوَجْهُ دِلاَلَةِ الْحَدِيثِ عَلَى التَّحْرِيمِ مَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ لِمَنْ يَمَسُّ امْرَأَةً لاَ تَحِل لَهُ وَلاَ شَكَّ فِي أَنَّ الْمُصَافَحَةَ مِنَ الْمَسِّ.

_________

(١) حديث: " كانت المؤمنات إذا هاجرن. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٣١٢)، ومسلم (٣ / ١٤٨٩) واللفظ لمسلم.

(٢) تفسير القرطبي ١٨ / ٦٢، وقال النووي: معناه: قد بايع المبايعة الشرعية، وشرح النووي على مسلم ١٣ / ١٠.

(٣) حديث معقل بن يسار: " لأن يطعن. . . ". أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٠ / ٢١٢) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤ / ٣٢٦) رجاله رجال الصحيح.

وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِالْقِيَاسِ عَلَى النَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ، فَإِنَّهُ حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ إِذَا كَانَ مُتَعَمَّدًا وَكَانَ بِغَيْرِ سَبَبٍ مَشْرُوعٍ، لِمَا وَرَدَ فِي النَّهْيِ عَنْهُ مِنَ الأَْحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ (١)، وَوَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ تَحْرِيمَ النَّظَرِ لِكَوْنِهِ سَبَبًا دَاعِيًا إِلَى الْفِتْنَةِ، وَاللَّمْسُ الَّذِي فِيهِ الْمُصَافَحَةُ أَعْظَمُ أَثَرًا فِي النَّفْسِ، وَأَكْثَرُ إِثَارَةً لِلشَّهْوَةِ مِنْ مُجَرَّدِ النَّظَرِ بِالْعَيْنِ، قَال النَّوَوِيُّ: وَقَدْ قَال أَصْحَابُنَا كُل مَنْ حُرِّمَ النَّظَرُ إِلَيْهِ حُرِّمَ مَسُّهُ، بَل الْمَسُّ أَشَدُّ، فَإِنَّهُ يَحِل النَّظَرُ إِلَى أَجْنَبِيَّةٍ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَلاَ يَجُوزُ مَسُّهَا (٢) .

رَابِعًا: مُصَافَحَةُ الصِّغَارِ:

٨ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ لَمْسَ الصِّغَارِ بِشَهْوَةٍ حَرَامٌ، سَوَاءٌ فِي حَالَةِ اتِّحَادِ الْجِنْسِ أَمْ فِي حَالَةِ اخْتِلاَفِهِ، وَسَوَاءٌ أَبَلَغَ الصِّغَارُ حَدَّ الشَّهْوَةِ أَمْ لَمْ يَبْلُغُوهَا، وَمِنَ اللَّمْسِ الْمُصَافَحَةُ، وَمِنْ شُرُوطِ مَشْرُوعِيَّةِ الْمُصَافَحَةِ عَدَمُ خَوْفِ الْفِتْنَةِ.

فَإِنْ كَانَ اللَّمْسُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ وَكَانَ الصَّغِيرُ أَوِ الصَّغِيرَةُ مِمَّنْ لاَ يُشْتَهَى جَازَ لَمْسُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، سَوَاءٌ اتَّحَدَ الْجِنْسُ أَمِ اخْتَلَفَ، لِعَدَمِ خَوْفِ الْفِتْنَةِ فِي هَذِهِ الْحَال، وَهُوَ الأَْصَحُّ

_________

(١) صحيح مسلم بشرح النووي ١٤ / ١٣٩.

(٢) الأذكار ص٢٢٨، وانظر مثل هذا في الهداية ٤ / ٦٤.

عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (١)، وَبِنَاءً عَلَيْهِ تَحِل مُصَافَحَتُهُ مَا دَامَتِ الشَّهْوَةُ مُنْعَدِمَةً، لأَِنَّهَا نَوْعٌ مِنَ اللَّمْسِ فَتَأْخُذُ حُكْمَهُ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْهِدَايَةِ بِجِوَازِ مُصَافَحَةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لاَ تُشْتَهَى (٢)

وَأَمَّا إِذَا بَلَغَ الصَّغِيرُ أَوِ الصَّغِيرَةُ حَدَّ الشَّهْوَةِ فَحُكْمُهُ مِنْ حَيْثُ اللَّمْسُ كَحُكْمِ الْكِبَارِ (٣) .

وَالْمُصَافَحَةُ مِثْلُهُ، فَيُفَرَّقُ فِيهَا بَيْنَ حَالَةِ اتِّحَادِ الْجِنْسِ وَحَالَةِ اخْتِلاَفِهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الصَّغِيرَ ابْنَ ثَمَانِ سَنَوَاتٍ فَأَقَل يَجُوزُ مَسُّهُ وَإِنِ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ، فَإِنْ زَادَ عَنْ هَذِهِ السِّنِّ أَخَذَ حُكْمَ الرِّجَال فِي الْمَسِّ، وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ فَإِنْ لَمْ تَتَجَاوَزْ سِنَّ الرَّضَاعِ جَازَ مَسُّهَا، وَإِنْ جَاوَزَتْ سِنَّ الرَّضَاعِ وَكَانَتْ مُطِيقَةً (أَيْ مُشْتَهَاةً) حَرُمَ مَسُّهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُطِيقَةً فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهَا، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ الْمَنْعُ (٤) .

وَبِنَاءً عَلَيْهِ يُعْرَفُ حُكْمُ مُصَافَحَةِ الصِّغَارِ عِنْدَهُمْ، لأَِنَّهَا نَوْعٌ مِنَ اللَّمْسِ.

وَلِلتَّفْصِيل (ر: عَوْرَةٌ) .

خَامِسًا: مُصَافَحَةُ الأَْمْرَدِ:

٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ مُصَافَحَةِ الأَْمْرَدِ

_________

(١) لفتاوى الهندية ٥ / ٣٢٩، وتكملة فتح القدير ٨ / ٩٩، والمغني ٧ / ٤٦٢، ومغني المحتاج ٣ / ١٣٠، وشرح المنهاج والقليوبي ٣ / ١٠٩، ١١١.

(٢) الهداية ٤ / ٦٢.

(٣) المراجع ذاتها.

(٤) الخرشي ٢ / ١٣١.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (أَمْرَدُ ف ٥) .

سَادِسًا: مُصَافَحَةُ الْكَافِرِ:

١٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى الْقَوْل بِكَرَاهَةِ مُصَافَحَةِ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ اسْتَثْنَوْا مُصَافَحَةَ الْمُسْلِمِ جَارَهُ النَّصْرَانِيَّ إِذَا رَجَعَ بَعْدَ الْغَيْبَةِ وَكَانَ يَتَأَذَّى بِتَرْكِ الْمُصَافَحَةِ (١)، وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ أَطْلَقُوا الْقَوْل بِالْكَرَاهَةِ، بِنَاءً عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ الإِْمَامَ أَحْمَدَ سُئِل عَنْ مُصَافَحَةِ أَهْل الذِّمَّةِ فَقَال: لاَ يُعْجِبُنِي (٢) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ مُصَافَحَةِ الْمُسْلِمِ الْكَافِرِ وَلاَ الْمُبْتَاعِ، لأَِنَّ الشَّارِعَ طَلَبَ هَجْرَهُمَا وَمُجَانَبَتَهُمَا، وَفِي الْمُصَافَحَةِ وَصْلٌ مُنَافٍ لِمَا طَلَبَهُ الشَّارِعُ (٣) .

الْحَالاَتُ الَّتِي تُسَنُّ فِيهَا الْمُصَافَحَةُ:

حِينَ تُشْرَعُ الْمُصَافَحَةُ فَإِنَّهَا تُسْتَحَبُّ فِي مَوَاطِنَ مِنْهَا:

١١ - عِنْدَ التَّلاَقِي سَوَاءٌ مِنْ سَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِ، كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ (ف ٤) .

١٢ - كَذَلِكَ تُسَنُّ عِنْدَ مُبَايَعَةِ الإِْمَامِ الْمُسْلِمِ وَمَنْ فِي حُكْمِهِ حَيْثُ كَانَتِ الْبَيْعَةُ عَلَى عَهْدِ الرَّسُول ﷺ وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ بِالْمُصَافَحَةِ،

_________

(١) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٤٨.

(٢) الآداب الشرعية ٢ / ٢٧٢، وغذاء الألباب ١ / ٣٢٥.

(٣) كفاية الطالب الرباني وحاشية العدوي ٢ / ٤٣٧.

وَفِي مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَرَدَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَال لَهُ فِي السَّقِيفَةِ: ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعَهُ، ثُمَّ بَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَْنْصَارُ، وَهَذَا خَاصٌّ بِالرِّجَال كَمَا تَقَدَّمَ.

(ر: بَيْعَةٌ ف ١٢) .

١٣ - وَقَدِ اخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ فِي حُكْمِ الْمُصَافَحَةِ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ وَبِخَاصَّةِ صَلاَتَيِ الْعَصْرِ وَالصُّبْحِ وَيَظْهَرُ مِنْ عِبَارَاتِهِمْ أَنَّ فِيهَا ثَلاَثَةَ أَقْوَالٍ: قَوْلٌ بِالاِسْتِحْبَابِ، وَآخَرُ بِالإِْبَاحَةِ، وَثَالِثٌ بِالْكَرَاهَةِ.

أَمَا الْقَوْل بِالاِسْتِحْبَابِ فَقَدِ اسْتَنْبَطَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ إِطْلاَقِ عِبَارَاتِ أَصْحَابِ الْمُتُونِ، وَعَمَّ نَصُّهُمْ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْمُصَافَحَةِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ، قَال الْحَصْكَفِيُّ: وَإِطْلاَقُ الْمُصَنِّفِ - التُّمُرْتَاشِيُّ - تَبَعًا لِلدُّرَرِ وَالْكَنْزِ وَالْوِقَايَةِ وَالنُّقَايَةِ وَالْمَجْمَعِ وَالْمُلْتَقَى وَغَيْرِهَا يُفِيدُ جَوَازَهَا مُطْلَقًا وَلَوْ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَقَوْلُهُمْ: إِنَّهُ بِدْعَةٌ، أَيْ مُبَاحَةٌ حَسَنَةٌ كَمَا أَفَادَهُ النَّوَوِيُّ فِي أَذْكَارِهِ، وَعَقَّبَ ابْنُ عَابِدِينَ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ بَعْضَ مَنْ قَال بِاسْتِحْبَابِهَا مُطْلَقًا مِنْ عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ بِقَوْلِهِ: وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ إِطْلاَقِ الْمُتُونِ، وَاسْتَدَل لِهَذَا الْقَوْل بِعُمُومِ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْمُصَافَحَةِ (١) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين والدر المختار وتنوير الأبصار ٩ / ٥٤٧.

وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَوْل مِنَ الشَّافِعِيَّةِ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَحَمْزَةُ النَّاشِرِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَقَالُوا بِاسْتِحْبَابِ الْمُصَافَحَةِ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ مُطْلَقًا (١)، وَاسْتَأْنَسَ الطَّبَرِيُّ بِمَا رِوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَال: خَرَجَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ إِلَى الْبَطْحَاءِ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ تَمُرُّ مِنْ وَرَائِهَا الْمَرْأَةُ وَقَامَ النَّاسُ فَجَعَلُوا يَأْخُذُونَ يَدَيْهِ فَيَمْسَحُونَ بِهَا وُجُوهَهُمْ، قَال أَبُو جُحَيْفَةَ: فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، فَوَضَعْتُهَا عَلَى وَجْهِي، فَإِذَا هِيَ أَبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ وَأَطْيَبُ رَائِحَةً مِنَ الْمِسْكِ (٢)، قَال الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: وَيُسْتَأْنَسُ بِذَلِكَ لِمَا تَطَابَقَ عَلَيْهِ النَّاسُ مِنَ الْمُصَافَحَةِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ فِي الْجَمَاعَاتِ لاَ سِيَّمَا فِي الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ إِذَا اقْتَرَنَ بِهِ قَصْدٌ صَالِحٌ مِنْ تَبَرُّكٍ أَوْ تَوَدُّدٍ أَوْ نَحْوِهِ (٣) .

وَأَمَّا الْقَوْل بِالإِْبَاحَةِ فَقَدْ ذَهَبَ إِلَيْهِ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، حَيْثُ قَسَّمَ الْبِدَعَ إِلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ: وَاجِبَةٌ وَمُحَرَّمَةٌ وَمَكْرُوهَةٌ وَمُسْتَحَبَّةٌ وَمُبَاحَةٌ، ثُمَّ قَال: وَلِلْبِدَعِ الْمُبَاحَةِ أَمْثِلَةٌ مِنْهَا الْمُصَافَحَةُ عُقَيْبَ الصُّبْحِ

_________

(١) نيل الأوطار ٢ / ٣٥٥.

(٢) حديث: " خرج رسول الله ﷺ بالهاجرة. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٦ / ٥٦٥) .

(٣) الفتوحات الربانية ٥ / ٣٩٧.

وَالْعَصْرِ (١) . وَنَقَل ابْنُ عَلاَّنَ عَنِ الْمِرْقَاةِ أَنَّهُ مَعَ كَوْنِهَا مِنَ الْبِدَعِ فَإِذَا مَدَّ مُسْلِمٌ يَدَهُ إِلَيْهِ لِيُصَافِحَهُ فَلاَ يَنْبَغِي الإِْعْرَاضُ عَنْهُ بِجَذْبِ الْيَدِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ أَذًى يَزِيدُ عَلَى مُرَاعَاةِ الأَْدَبِ، وَإِنْ كَانَ يُقَال إِنَّ فِيهِ نَوْعَ إِعَانَةٍ عَلَى الْبِدْعَةِ وَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُجَابَرَةِ (٢) .

وَاسْتَحْسَنَ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ - كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَلاَّنَ - كَلاَمَ ابْنِ عَبْدِ السَّلاَمِ وَاخْتَارَ أَنَّ مُصَافَحَةَ مَنْ كَانَ مَعَهُ قَبْل الصَّلاَةِ مُبَاحَةٌ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ قَبْل الصَّلاَةِ سُنَّةٌ، وَقَال فِي الأَْذْكَارِ: وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمُصَافَحَةَ مُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَ كُل لِقَاءٍ، وَأَمَّا مَا اعْتَادَهُ النَّاسُ مِنَ الْمُصَافَحَةِ بَعْدَ صَلاَتَيِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ فَلاَ أَصْل لَهُ فِي الشَّرْعِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَلَكِنْ لاَ بَأْسَ بِهِ، فَإِنَّ أَصْل الْمُصَافَحَةِ سُنَّةٌ، وَكَوْنُهُمْ حَافَظُوا عَلَيْهَا فِي بَعْضِ الأَْحْوَال وَفَرَّطُوا فِيهَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَْحْوَال أَوْ أَكْثَرِهَا لاَ يُخْرِجُ ذَلِكَ الْبَعْضَ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ الْمُصَافَحَةِ الَّتِي وَرَدَ الشَّرْعُ بِأَصْلِهَا (٣) .

وَأَمَّا الْقَوْل بِالْكَرَاهَةِ فَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ بَعْضِ عُلَمَاءِ الْمَذْهَبِ، وَقَال: قَدْ يُقَال: إِنَّ الْمُوَاظَبَةَ عَلَيْهَا بَعْدَ الصَّلَوَاتِ خَاصَّةً قَدْ يُؤَدِّي

_________

(١) قواعد الأحكام ٢ / ٢٠٥.

(٢) الفتوحات الربانية ٥ / ٣٩٩.

(٣) الأذكار ص٢٦٢.

بِالْجَهَلَةِ إِلَى اعْتِقَادِ سُنِّيَّتِهَا فِي خُصُوصِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، وَأَنَّ لَهَا خُصُوصِيَّةً زَائِدَةً عَلَى غَيْرِهَا، مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ كَلاَمِهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهَا أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، وَذُكِرَ أَنَّ مِنْهُمْ مِنْ كَرِهَهَا لأَِنَّهَا مِنْ سُنَنِ الرَّوَافِضِ (١) .

وَاعْتَبَرَ ابْنُ الْحَاجِّ هَذِهِ الْمُصَافَحَةَ مِنَ الْبِدَعِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تُمْنَعَ فِي الْمَسَاجِدِ، لأَِنَّ مَوْضِعَ الْمُصَافَحَةِ فِي الشَّرْعِ إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ لِقَاءِ الْمُسْلِمِ لأَِخِيهِ لاَ فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، فَحَيْثُ وَضَعَهَا الشَّرْعُ تُوضَعُ، فَيُنْهَى عَنْ ذَلِكَ وَيُزْجَرُ فَاعِلُهُ، لِمَا أَتَى مِنْ خِلاَفِ السُّنَّةِ (٢) .

كَيْفِيَّةُ الْمُصَافَحَةِ الْمُسْتَحَبَّةِ وَآدَابُهَا:

١٤ - تَقَعُ الْمُصَافَحَةُ فِي الأَْصْل بِأَنْ يَضَعَ الرَّجُل صَفْحَ كَفِّهِ فِي صَفْحِ كَفِّ صَاحِبِهِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي كَوْنِ الْمُصَافَحَةِ الْمُسْتَحَبَّةِ بِكِلْتَا الْيَدَيْنِ أَمْ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْمُصَافَحَةِ أَنْ تَكُونَ بِكِلْتَا الْيَدَيْنِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُلْصِقَ كُلٌّ مِنَ الْمُتَصَافِحَيْنِ بَطْنَ كَفِّ يَمِينِهِ بِبَطْنِ كَفِّ يَمِينِ الآْخَرِ، وَيَجْعَل بَطْنَ كَفِّ يَسَارِهِ عَلَى ظَهْرِ كَفِّ يَمِينِ الآْخَرِ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَبِمَا وَرَدَ مِنْ قَوْل ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَلَّمَنِي

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٩ / ٥٤٧.

(٢) المدخل ٢ / ٢٢٣، ٢٩٦.

النَّبِيُّ ﷺ التَّشَهُّدَ وَكَفِي بَيْنَ كَفَّيْهِ (١) وَبِمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ الأَْخْذِ بِالْيَدَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ: صَافَحَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْمُبَارَكِ بِيَدَيْهِ (٢)، إِشَارَةً إِلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِمَا وَرَدَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَزِينٍ قَال: مَرَرْنَا بِالرَّبَذَةِ فَقِيل لَنَا: هَاهُنَا سَلَمَةُ بْنُ الأَْكْوَعِ ﵁، فَأَتَيْتُهُ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَأَخْرَجَ يَدَيْهِ فَقَال: بَايَعْتُ بِهَاتَيْنِ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ (٣) .

كَمَا اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ: مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ الْتَقَيَا فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا بِيَدِ صَاحِبِهِ إِلاَّ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ ﷿ أَنْ يَحْضُرَ دُعَاءَهُمَا وَلاَ يُفَرَّقَ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا حَتَّى يَغْفِرَ لَهُمَا (٤)، قَالُوا: وَرَدَتِ الرِّوَايَاتُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَلاَ يَصْدُقُ إِلاَّ عَلَى الْمُصَافَحَةِ الَّتِي تَكُونُ بِكِلْتَا الْيَدَيْنِ لاَ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ (٥) .

وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ كَيْفِيَّةَ الْمُصَافَحَةِ

_________

(١) حديث: " علمني النبي ﷺ التشهد. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ٥٦)، ومسلم (١ / ٣٠٢) .

(٢) فتح الباري ١١ / ٤٧.

(٣) الأثر: " مررنا بالربذة فقيل لنا: ههنا سلمة بن الأكوع. . . ". أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٢٥٣) .

(٤) حديث: " ما من مسلمين التقيا فأخذ. . . ". أخرجه أحمد (٣ / ١٤٢) وصححه الهيثمي في مجمع الزوائد (٨ / ٣٦) .

(٥) حاشية ابن عابدين ٩ / ٥٤٨، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٦٩، وعمدة القاري ١١ / ٢٥٣، وفتح الباري ١١ / ٥٦، وعون المعبود ١٤ / ١١٨.

الْمَشْرُوعَةِ لاَ تَتَعَدَّى الْمَعْنَى الَّذِي تَدُل عَلَيْهِ فِي اللُّغَةِ، وَيَتَحَقَّقُ بِمُجَرَّدِ إِلْصَاقِ صَفْحِ الْكَفِّ بِالْكَفِّ.

وَاسْتَدَل لِهَذَا الرَّأْيِ بِقَوْل عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ ﵁: تَرَوْنَ كَفِّي هَذِهِ، فَأَشْهَدُ أَنَّنِي وَضَعْتُهَا عَلَى كَفِّ مُحَمَّدٍ ﷺ. . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ (١) .

وَيُسْتَحَبُّ فِي الْمُصَافَحَةِ أَنْ تَكُونَ إِثْرَ التَّلاَقِي مُبَاشَرَةً مِنْ غَيْرِ تَوَانٍ وَلاَ تَرَاخٍ وَأَنْ لاَ يَفْصِل بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللِّقَاءِ سِوَى الْبَدْءُ بِالسَّلاَمِ، لِقَوْل الرَّسُول ﷺ. مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إِلاَّ غُفِرَ لَهُمَا قَبْل أَنْ يَفْتَرِقَا (٢)، حَيْثُ عَطَفَ الْمُصَافَحَةَ عَلَى التَّلاَقِي بِالْفَاءِ، وَهِيَ تُفِيدُ التَّرْتِيبَ وَالتَّعْقِيبَ وَالْفَوْرِيَّةَ، فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْوَقْتَ الْمُسْتَحَبَّ لِلْمُصَافَحَةِ هُوَ أَوَّل اللِّقَاءِ (٣)، وَأَمَّا أَنَّ الْبَدْءَ بِالسَّلاَمِ يَسْبِقُهَا (٤) فَقَدْ دَل عَلَيْهِ مَا وَرَدَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُول:

_________

(١) حديث: " ترون كفي هذه فأشهد. . . ". أخرجه أحمد (٤ / ١٨٩) .

(٢) حديث: " ما من مسلمين يلتقيان. . . ". أخرجه أبو داود (٥ / ٣٨٨)، والترمذي (٥ / ٧٤) من حديث البراء بن عازب ﵁، وقال الترمذي: " حديث حسن غريب ".

(٣) دليل الفالحين ٣ / ٣٦٦، والفتوحات الربانية ٥ / ٣٩٤، وعون المعبود ١٤ / ١٢٠.

(٤) المرقاة ٨ / ٤٥٨، ٤٦١، وحاشية ابن عابدين ٩ / ٥٤٨.