الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧
لِعُمَّال بَيْتِ الْمَال مُسْتَدِلًّا بِأَنَّ عُمَرَ ﵁ صَادَرَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ حِينَ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْبَحْرَيْنِ، وَعَزَلَهُ، وَأَخَذَ مِنْهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا ثُمَّ دَعَاهُ لِلْعَمَل فَأَبَى، قَال: وَأَرَادَ بِعُمَّال بَيْتِ الْمَال: خَدَمَتُهُ الَّذِينَ يَجْبُونَ أَمْوَالَهُ، وَمِنْهُمْ كَتَبَتُهُ إِذَا تَوَسَّعُوا فِي الأَْمْوَال، لأَِنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى خِيَانَتِهِمْ وَيَلْحَقُ بِهِمْ كَتَبَةُ الأَْوْقَافِ وَنُظَّارُهَا، إِذَا تَوَسَّعُوا فِي الأَْمْوَال وَتَعَاطَوْا أَنْوَاعَ اللَّهْوِ، وَبِنَاءَ الأَْمَاكِنِ، فَلِلْحَاكِمِ فِي هَذَا الْحَال: أَخْذُ الأَْمْوَال مِنْهُمْ، وَعَزْلُهُمْ، فَإِنْ عَرَفَ خِيَانَتَهُمْ فِي وَقْفٍ مُعَيَّنٍ رَدَّ الْمَال إِلَيْهِ، وَإِلاَّ وَضَعَهُ فِي بَيْتِ الْمَال (١) .
وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ الْقَيِّمِ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّ الْعُقُوبَةَ بِالْمَال سَائِغَةٌ، وَهُوَ الْقَوْل الْقَدِيمُ لِلإِْمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁ (٢) .
وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ فِي التَّعْزِيرِ بِأَخْذِ الْمَال يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (تَعْزِيرٌ ف ٢٠) .
_________
(١) رد المحتار ٤ / ٢٨٥.
(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ١٧٨ - ١٧٩، وتبيين الحقائق ٣ / ٢٠٨، تبصرة الحكام ٢ / ٢٠٢، وحاشية العدوي على هامش الخرشي ٨ / ١١٠، وكشاف القناع ٦ / ١٢٤ - ١٢٥، والطرق الحكمية لابن قيم الجوزية ٣١٢ - ٣١٣، وحاشية القليوبي ١ / ١٠٠، وحاشية الشرواني ١ / ٣٩٠.
مُصَادَقَةٌ
انْظُرْ: تَصَادَقَ
مَصَارِفُ
انْظُرْ: زَكَاةٌ
مُصَارَفَةٌ
انْظُرْ: صَرْفٌ
مُصَافَحَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْمُصَافَحَةُ فِي اللُّغَةِ الأَْخْذُ بِالْيَدِ كَالتَّصَافُحِ، قَال فِي تَاجِ الْعَرُوسِ: الرَّجُل يُصَافِحُ الرَّجُل إِذَا وَضَعَ صَفْحَ كَفِّهِ فِي صَفْحِ كَفِّهِ، وَصَفَحَا كَفَّيْهِمَا: وَجَّهَاهُمَا، وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ مِنْ إِلْصَاقِ صَفْحِ الْكَفِّ بِالْكَفِّ وَإِقْبَال الْوَجْهِ عَلَى الْوَجْهِ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - اللَّمْسُ:
٢ - مِنْ مَعَانِي اللَّمْسِ فِي اللُّغَةِ الْمَسُّ بِالْيَدِ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٣) .
وَاللَّمْسُ أَعَمُّ مِنَ الْمُصَافَحَةِ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِالْيَدِ أَوْ بِغَيْرِهَا، وَالْمَلْمُوسُ قَدْ يَكُونُ يَدًا أَوْ غَيْرَهَا، وَالْمُصَافَحَةُ لَمْسُ الْيَدِ بِالْيَدِ بِأُسْلُوبٍ
_________
(١) القاموس المحيط وتاج العروس.
(٢) فتح الباري ١١ / ٢٥ - المطبعة البهية المصرية ١٣٤٨ هـ، وغذاء الألباب ١ / ٣٢٥.
(٣) القاموس المحيط ومغني المحتاج ١ / ٣٤.
خَاصٍّ هُوَ وَضْعُ صَفْحَتِهَا عَلَى صَفْحَتِهَا.
ب - الْمُبَاشَرَةُ:
٣ - الْمُبَاشَرَةُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ بَاشَرَ، يُقَال: بَاشَرَ الأَْمْرَ: وَلِيَهُ بِنَفْسِهِ، وَبَاشَرَ الْمَرْأَةَ: جَامَعَهَا أَوْ صَارَا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَبَاشَرَتْ بَشَرَتُهُ بَشَرَتَهَا (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَالْمُبَاشَرَةُ أَعَمُّ مِنَ الْمُصَافَحَةِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْمُصَافَحَةِ بِاخْتِلاَفِ طَرَفَيْهَا، وَذَلِكَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
أَوَّلًا: مُصَافَحَةُ الرَّجُل لِلرَّجُل:
٤ - مُصَافَحَةُ الرَّجُل لِلرَّجُل مُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، قَال النَّوَوِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا عِنْدَ التَّلاَقِي (٢)، وَقَال ابْنُ بَطَّالٍ: أَصْل الْمُصَافَحَةِ حَسَنَةٌ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ (٣) .
وَقَدْ نَصَّ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْمُصَافَحَةِ بَيْنَ الرِّجَال كَثِيرٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِجُمْلَةٍ مِنَ الأَْخْبَارِ الصَّحِيحَةِ وَالْحَسَنَةِ (٤)، مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَى كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ
_________
(١) المصباح المنير.
(٢) الأذكار ص٢٦١.
(٣) فتح الباري ١١ / ٤٦.
(٤) بدائع الصنائع ٥ / ١٢٤، وحاشية القليوبي ٣ / ٢١٣، وغذاء الألباب ١ / ٣٢٥، والفواكه الدواني ٢ / ٤٢٤، وكفاية الطالب الرباني ٢ / ٤٣٦، والآداب الشرعية ٢ / ٢٦٩.
﵁ قَال: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا بِرَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَامَ إِلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِل حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي (١)، وَمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ قَتَادَةَ قَال: قُلْتُ لأَِنَسٍ ﵁: أَكَانَتِ الْمُصَافَحَةُ فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ؟ قَال: نَعَمْ (٢) .
وَمَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: تَصَافَحُوا يَذْهَبُ الْغِل، وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبُ الشَّحْنَاءُ (٣) .
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ الْمُصَافَحَةَ، وَهُوَ قَوْل سَحْنُونٍ وَبَعْضُ عُلَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ (٤)، وَاسْتَدَل لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ بِقَوْلِهِ ﷿ فِي وَصْفِ تَحِيَّةِ الْمَلاَئِكَةِ لِسَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَمًا قَال سَلاَمٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ (٥)، حَيْثُ حَيَّوْهُ بِإِلْقَاءِ السَّلاَمِ، وَلَمْ يُتْبِعُوهُ بِالْمُصَافَحَةِ، لَكِنَّ الْمَشْهُورَ
_________
(١) أثر كعب بن مالك قال: " دخلت المسجد. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٨ / ١١٧) .
(٢) حديث: " أكانت المصافحة في أصحاب النبي ﷺ. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ٥٤) .
(٣) حديث: " تصافحوا يذهب الغل. . . ". أخرجه مالك في الموطأ (٢ / ٩٠٨) من حديث عطاء بن أبي مسلم الخراساني مرسلًا.
(٤) التمهيد ٢١ / ١٧، والمنتقى ٧ / ٢١٦، ٢١٧، وكفاية الطالب الرباني وحاشية العدوي ٢ / ٤٣٦، والفتوحات الربانية ٥ / ٣٩٢.
(٥) سورة الذاريات / ٢٥.
عَنْ مَالِكٍ اسْتِحْبَابُ الْمُصَافَحَةِ (١)، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ دَخَل عَلَيْهِ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فَصَافَحَهُ وَقَال: لَوْلاَ أَنَّهَا بِدْعَةٌ لَعَانَقْتُكَ، فَقَال سُفْيَانُ: عَانَقَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي وَمِنْكَ النَّبِيُّ ﷺ لِجَعْفَرٍ حِينَ قَدِمَ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، قَال مَالِكٌ: ذَلِكَ خَاصٌّ، قَال سُفْيَانُ: بَل هُوَ عَامٌّ مَا يَخُصُّ جَعْفَرًا يَخُصُّنَا، وَمَا يَعُمُّهُ يَعُمُّنَا إذَا كُنَّا صَالِحِينَ (٢) .
ثَانِيًا: مُصَافَحَةُ الْمَرْأَةِ لِلْمَرْأَةِ:
٥ - أَطْلَقَ الْفُقَهَاءُ الْقَوْل بِسُنِّيَّةِ الْمُصَافَحَةِ، وَلَمْ يَقْصُرُوا ذَلِكَ عَلَى مَا يَقَعُ مِنْهَا بَيْنَ الرِّجَال، وَإِنَّمَا اسْتَثْنَوْا مُصَافَحَةَ الرَّجُل لِلْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ فَقَالُوا بِتَحْرِيمِهَا، وَلَمْ يَسْتَثْنُوا مُصَافَحَةَ الْمَرْأَةِ لِلْمَرْأَةِ مِنَ السُّنِّيَّةِ، فَيَشْمَلُهَا هَذَا الْحُكْمُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ فَقَال: وَتُسَنُّ مُصَافَحَةُ الرَّجُلَيْنِ وَالْمَرْأَتَيْنِ (٣)، وَقَال النَّفْرَاوِيُّ: وَإِنَّمَا تُسَنُّ الْمُصَافَحَةُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَوْ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ، لاَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَجَالَّةً (٤) .
وَاسْتُدِل لِذَلِكَ بِأَنَّهُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ عُمُومِ الأَْحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ فِي الْحَثِّ عَلَى الْمُصَافَحَةِ، مِثْل قَوْل الرَّسُول ﷺ: مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ
_________
(١) المراجع السابقة.
(٢) المنتقى ٧ / ٢١٦.
(٣) مغني المحتاج ٣ / ١٣٥.
(٤) الفواكه الدواني ٢ / ٤٢٤.
فَيَتَصَافَحَانِ إِلاَّ غُفِرَ لَهُمَا قَبْل أَنْ يَتَفَرَّقَا (١) .
وَقَوْلِهِ: تَصَافَحُوا يَذْهَبُ الْغِل (٢) . وَمَا رُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا لَقِيَ الْمُؤْمِنَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَأَخَذَ بِيَدِهِ فَصَافَحَهُ تَنَاثَرَتْ خَطَايَاهُمَا كَمَا يَتَنَاثَرُ وَرَقُ الشَّجَرِ (٣) .
فَهَذِهِ الأَْحَادِيثُ وَغَيْرُهَا عَامَّةٌ فِي كُل مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، وَتَشْمَل بِعُمُومِهَا الْمَرْأَةَ تُلاَقِي الْمَرْأَةَ فَتُصَافِحُهَا (٤)، وَلأَِنَّهُ يَحِل لَهَا أَنْ تَنْظُرَ وَتَمَسَّ مِنَ الْمَرْأَةِ مَا يَحِل لِلرَّجُل أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ وَيَمَسُّهُ مِنَ الرَّجُل، وَهُوَ سَائِرُ الْجَسَدِ سِوَى مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، لأَِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ خَوْفُ الشَّهْوَةِ، حَتَّى لَوْ خِيفَتِ الشَّهْوَةُ كَانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا (٥) .
ثَالِثًا: الْمُصَافَحَةُ بَيْنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ:
يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْمُصَافَحَةِ الَّتِي تَقَعُ بَيْنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ بِحَسَبِ كَوْنِهِمَا مِنَ الْمَحَارِمِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ:
٦ - فَأَمَّا مُصَافَحَةُ الْمَحَارِمِ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ
_________
(١) حديث: " ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان. . . ". أخرجه الترمذي (٥ / ٧٤) من حديث البراء بن عازب ﵁، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
(٢) حديث: " تصافحوا يذهب الغل ". تقدم في الفقرة (٤) .
(٣) نصب الراية ٢ / ٢٥٩، غذاء الألباب ١ / ٣٢٦.
(٤) مغني المحتاج ٣ / ١٣٥.
(٥) بدائع الصنائع ٥ / ١٢٤.
وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ إِلَى جِوَازِهَا، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ فِي الْوَالِدَيْنِ مَعَ الأَْبْنَاءِ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَفِي غَيْرِهِمْ فِي رِوَايَةٍ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمْ بِجَوَازِ لَمْسِ الْمَحَارِمِ فِي غَيْرِ مَحَل الْعَوْرَةِ بِشَرْطِ الأَْمْنِ مِنَ الْفِتْنَةِ وَعَدَمِ خَوْفِ الشَّهْوَةِ (١)، لِمَا رُوِيَ أَنَّ الرَّسُول ﷺ كَانَ يُقَبِّل فَاطِمَةَ ﵂ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ، وَتُقَبِّلُهُ إِذَا دَخَل عَلَيْهَا (٢)، وَكَذَلِكَ صَحَّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنَّهُ قَبَّل ابْنَتَهُ عَائِشَةَ ﵂ (٣)، وَلأَِنَّ مَسَّ الْمَحَارِمِ فِي غَيْرِ عَوْرَةٍ يَغْلِبُ فِيهِ الصِّلَةُ وَالرَّحْمَةُ وَالشَّفَقَةُ، وَيَنْدُرُ اقْتِرَانُهُ بِالشَّهْوَةِ (٤) .
وَإِذَا كَانَ لَمْسُ الْمَحَارِمِ عَلَى النَّحْوِ الْمَذْكُورِ مُبَاحًا فَإِنَّ الْمُصَافَحَةَ نَوْعٌ مِنَ اللَّمْسِ، فَتَكُونُ مَشْرُوعَةً فِي حَقِّ الْمَحَارِمِ، وَيَشْمَلُهَا حُكْمُ الاِسْتِحْبَابِ الَّذِي اسْتُفِيدَ مِنَ الأَْحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالْحَنَابِلَةُ فِي غَيْرِ الْوَالِدَيْنِ مَعَ الأَْبْنَاءِ فِي رِوَايَةٍ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ١٢٠، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٢٨، والمبسوط ١٠ / ١٤٩، والهداية ٤ / ٦٣، ٦٤، وحاشية الدسوقي ١ / ٢١٥، والمحلي وحاشية القليوبي ٣ / ٢١٢، والآداب الشرعية ٢ / ٢٦٩، غذاء الألباب ١ / ٣٢٩.
(٢) حديث: " تقبيل النبي ﷺ لفاطمة ﵂ ". أخرجه أبو داود (٥ / ٣٩١)، والترمذي (٥ / ٧٠٠) من حديث عائشة ﵂، وقال الترمذي: " حديث حسن غريب ".
(٣) الآداب الشرعية ٢ / ٢٧٠.
(٤) الهداية ٤ / ٦٤.
مُصَافَحَةِ الْمَحَارِمِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْل بَعَدَمِ جَوَازِ مَسِّهِمْ، وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي الْمَذْهَبَيْنِ كَقَوْل الْجُمْهُورِ الْمُتَقَدِّمِ، وَهُوَ جَوَازُ لَمْسِ الْمَحَارِمِ فِي غَيْرِ عَوْرَةٍ إِذَا انْتَفَتِ الشَّهْوَةُ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بِغَيْرِ حَاجَةٍ وَلاَ شَفَقَةٍ (١) .
٧ - وَأَمَّا الْمُصَافَحَةُ الَّتِي تَقَعُ بَيْنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ مِنْ غَيْرِ الْمَحَارِمِ فَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْل الْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِهَا وَفَرَّقُوا بَيْنَ مُصَافَحَةِ الْعَجَائِزِ وَمُصَافَحَةِ غَيْرِهِمْ:
فَمُصَافَحَةُ الرَّجُل لِلْمَرْأَةِ الْعَجُوزِ الَّتِي لاَ تَشْتَهِي وَلاَ تُشْتَهَى، وَكَذَلِكَ مُصَافَحَةُ الْمَرْأَةِ لِلرَّجُل الْعَجُوزِ الَّذِي لاَ يَشْتَهِي وَلاَ يُشْتَهَى، وَمُصَافَحَةُ الرَّجُل الْعَجُوزِ لِلْمَرْأَةِ الْعَجُوزِ، جَائِزٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ مَا دَامَتِ الشَّهْوَةُ مَأْمُونَةً مِنْ كِلاَ الطَّرَفَيْنِ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ: كَانَ يُصَافِحُ الْعَجَائِزَ (٢)، وَلأَِنَّ الْحُرْمَةَ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُ الْمُتَصَافِحَيْنِ مِمَّنْ لاَ يَشْتَهِي وَلاَ يُشْتَهَى فَخَوْفُ الْفِتْنَةِ مَعْدُومٌ أَوْ نَادِرٌ (٣) .
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ مُصَافَحَةِ الْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ وَإِنْ كَانَتْ مُتَجَالَّةً، وَهِيَ الْعَجُوزُ
_________
(١) حاشية القليوبي ٣ / ٢١٢، والإنصاف ٨ / ٣٢ والآداب الشرعية ٢ / ٢٦٩.
(٢) حديث: " كان يصافح العجائز ". أورده الكاساني في بدائع الصنائع (٥ / ١٢٣) ولم نهتد لمن أخرجه.
(٣) بدائع الصنائع ٥ / ١٢٣، والآداب الشرعية ٢ / ٢٦٩، ومطالب أولي النهى ٥ / ١٤.
الْفَانِيَةُ الَّتِي لاَ إِرَبَ لِلرِّجَال فِيهَا، أَخْذًا بِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ الْمُثْبِتَةِ لِلتَّحْرِيمِ (١) .
وَعَمَّمَ الشَّافِعِيَّةُ الْقَوْل بِتَحْرِيمِ لَمْسِ الْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ وَلَمْ يَسْتَثْنُوا الْعَجُوزَ، فَدَل ذَلِكَ عَلَى اعْتِبَارِهِمُ التَّحْرِيمَ فِي حَقِّ مُصَافَحَتِهَا، وَعَدَمِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الشَّابَّةِ فِي ذَلِكَ (٢) .
وَأَمَّا مُصَافَحَةُ الرَّجُل لِلْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ الشَّابَّةِ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الْمُخْتَارَةِ، وَابْنُ تَيْمِيَّةَ إِلَى تَحْرِيمِهَا، وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ التَّحْرِيمَ بِأَنْ تَكُونَ الشَّابَّةُ مُشْتَهَاةً، وَقَال الْحَنَابِلَةُ: وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ كَثَوْبٍ وَنَحْوِهِ أَمْ لاَ (٣) .
وَاسْتَدَل الْفُقَهَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ مُصَافَحَةِ الْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ الشَّابَّةِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَتِ الْمُؤْمِنَاتُ إِذَا هَاجَرْنَ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ يُمْتَحَنَّ بِقَوْل اللَّهِ ﷿ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ﴾ (٤) - الآْيَةَ - قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا
_________
(١) كفاية الطالب الرباني ٢ / ٤٣٧.
(٢) المحلي والقليوبي وعميرة ٣ / ٢١١ - ٢١٣، ومغني المحتاج ٣ / ١٣٢، ١٣٣، ١٣٥.
(٣) تبيين الحقائق ٦ / ١٨، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٢٩، وحاشية العدوي على الرسالة ٢ / ٤٣٧، وعارضة الأحوذي ٧ / ٩٥ - ٩٦، والمنتقى ٧ / ٣٠٨، والأذكار ص٢٢٨، وشرح النووي على صحيح مسلم ١٣ / ١٠، وفتح الباري ١١ / ٤٦، والآداب الشرعية ٢ / ٢٦٩.
(٤) سورة الممتحنة / ١٢.