الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧
مَشِيئَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْمَشِيئَةُ فِي اللُّغَةِ الإِْرَادَةُ يُقَال شَاءَ زَيْدٌ الأَْمْرَ يَشَاؤُهُ شَيْئًا: أَرَادَهُ، وَالْمُشِيئَةُ اسْمٌ مِنْهُ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِلْمُشِيئَةِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمُشِيئَةِ:
أَوَّلًا: تَعْلِيقُ الطَّلاَقِ بِالْمَشِيئَةِ:
أ - تَعْلِيقُهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ أَوِ الْمَلاَئِكَةِ أَوِ الْجِنِّ:
٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّ الطَّلاَقَ الْمُعَلَّقَ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ وَعَلَى مَشِيئَةِ مَنْ لاَ يُعْلَمُ مَشِيئَتُهُ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ وَالْجِنِّ لاَ يَقَعُ، كَمَا لَوْ قَال الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَهَذَا الطَّلاَقُ لاَ يَقَعُ، لأَِنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعَالَى لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهَا أَحَدٌ، فَكَانَ هَذَا التَّعْلِيقُ كَالتَّعْلِيقِ عَلَى شَرْطٍ مُسْتَحِيلٍ فَيَكُونُ نَفْيًا لِلطَّلاَقِ (٣)، لِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ
_________
(١) المصباح المنير.
(٢) قواعد الفقه للبركتي.
(٣) حاشية ابن عابدين ٢ / ٥١٣ - ٥١٤، والاختيار ٣ / ١٤٢، ومغني المحتاج ٣ / ٣٠٢، ٣٢٥ ط. مصطفى الحلبي، والمغني لابن قدامة ٧ / ٢١٦، وروضة الطالبين ٨ / ٩٦.
فَقَال إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَدِ اسْتَثْنَى فَلاَ حِنْثَ عَلَيْهِ (١) وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ هَذَا الْحُكْمَ بِقَصْدِ التَّعْلِيقِ حَقِيقَةً، وَأَمَّا لَوْ سَبَقَتْ كَلِمَةُ الْمَشِيئَةِ إِلَى لِسَانِهِ لِتَعَوُّدِهِ لَهَا كَمَا هُوَ الأَْدَبُ، أَوْ قَصَدَ التَّبَرُّكَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوِ الإِْشَارَةَ إِلَى أَنَّ الأُْمُورَ كُلَّهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يَقْصِدْ تَعْلِيقًا مُحَقَّقًا لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ وَيَقَعُ الطَّلاَقُ (٢) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَنْ عَلَّقَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَال: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى يَقَعُ الطَّلاَقُ، لِمَا رَوَى أَبُو حَمْزَةَ قَال: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُول: " إِذَا قَال الرَّجُل لاِمْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَهِيَ طَالِقٌ " (٣) .
وَقَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَأَبُو سَعِيدٍ ﵃: كُنَّا مَعَاشِرَ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَرَى الاِسْتِثْنَاءَ جَائِزًا فِي كُل شَيْءٍ إِلاَّ فِي الْعِتَاقِ وَالطَّلاَقِ (٤)، وَلأَِنَّهُ اسْتِثْنَاءُ حُكْمٍ فِي مَحِلٍّ فَلَمْ
_________
(١) حديث: " من حلف على يمين. . . ". أخرجه الترمذي (٤ / ١٠٨)، والنسائي (٧ / ٢٥) واللفظ للترمذي، وقال الترمذي: " حديث حسن ".
(٢) روضة الطالبين ٨ / ٩٦، ومغني المحتاج ٣ / ٣٠٢، وكفاية الأخيار ٢ / ٥٦، نشر دار المعرفة، بيروت، لبنان.
(٣) أثر ابن عباس: " إذا قال الرجل لامرأته. . . ". أورده ابن قدامة في المغني (٧ / ٢١٦) وعزاه إلى أبي حفص ولم نهتد إلى من أخرجه.
(٤) أثر عبد الله بن عمر وأبي سعيد الخدري: " كنا معاشر أصحاب رسول الله ﷺ. . . ". أورده ابن قدامة في المغني (٧ / ٢١٦) وعزاه لابن الخطاب ولم نهتد إلى من أخرجه.
يَرْتَفِعْ بِالْمَشِيئَةِ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ، وَلأَِنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ فَلَمْ يَصِحَّ تَعْلِيقُهُ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ كَمَا لَوْ قَال: أَبْرَأْتُكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ تَعْلِيقًا عَلَى مَا لاَ سَبِيل إِلَى عِلْمِهِ فَأَشْبَهَ تَعْلِيقَهُ عَلَى الْمُسْتَحِيلاَتِ (١) .
وَقَال الصَّاوِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: هَذَا، لَوْ صَرَفَ الْمَشِيئَةَ عَلَى الْمُعَلَّقِ، أَمَا لَوْ صَرَفَ الْمَشِيئَةَ أَيْ مَشِيئَةَ اللَّهِ أَوِ الْمَلاَئِكَةِ أَوِ الْجِنِّ لِمُعَلَّقٍ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَصَرَفَ الْمَشِيئَةَ لِلدُّخُول أَيْ إِنْ دَخَلْتِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ فَيُنَجَّزُ عَلَيْهِ إِنْ وُجِدَ الدُّخُول عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَال أَشْهَبُ وَابْنُ الْمَاجِشُونَ: لاَ يُنَجَّزُ وَلَوْ حَصَل الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إِنْ صَرَفَهَا لِلْمُعَلَّقِ وَهُوَ الطَّلاَقُ أَوْ لَهُمَا أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَيُنَجَّزُ إِنْ وُجِدَ الدُّخُول اتِّفَاقًا (٢) .
ب - تَعْلِيقُهُ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ:
٣ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الرَّجُل لَوْ عَلَّقَ الطَّلاَقَ بِمَشِيئَةِ زَوْجَتِهِ بِأَنْ قَال لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتِ أَوْ إِذَا شِئْتِ أَوْ مَتَى شِئْتِ أَوْ كُلَّمَا شِئْتِ أَوْ كَيْفَ شِئْتِ أَوْ حَيْثُ شِئْتِ أَوْ أَنَّى شِئْتِ لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى تَشَاءَ وَتَنْطِقُ بِالْمُشِيئَةِ بِلِسَانِهَا فَتَقُول: قَدْ
_________
(١) حاشية الدسوقي ٢ / ٣٩٢، والشرح الصغير ٢ / ٥٨١، والمغني لابن قدامة ٧ / ٢١٦.
(٢) الشرح الصغير ٢ / ٥٨١.
شِئْتُ، لأَِنَّ مَا فِي الْقَلْبِ لاَ يُعْلَمُ حَتَّى يُعَبِّرَ عَنْهُ اللِّسَانُ فَيَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ دُونَ مَا فِي الْقَلْبِ، فَلَوْ شَاءَتْ بِقَلْبِهَا دُونَ نُطْقِهَا لَمْ يَقَعِ الطَّلاَقُ، وَلَوْ قَالَتْ قَدْ شِئْتُ بِلِسَانِهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ لَوَقَعَ الطَّلاَقُ اعْتِبَارًا بِالنُّطْقِ، وَيَقَعُ الطَّلاَقُ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ عَلَى التَّرَاخِي، لأَِنَّهُ أَضَافَ الطَّلاَقَ إِلَى مَشِيئَتِهَا فَأَشْبَهَ بِهِ مَا لَوْ قَال حَيْثُ شِئْتِ، وَلأَِنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ صَرِيحَةٌ فِي التَّرَاخِي فَحُمِلَتْ عَلَى مُقْتَضَاهَا، وَلأَِنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلطَّلاَقِ عَلَى شَرْطٍ فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي كَسَائِرِ التَّعْلِيقِ، وَلأَِنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ مُعَلَّقٍ عَلَى الْمَشِيئَةِ فَكَانَ عَلَى التَّرَاضِي كَالْعِتْقِ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ قَال لِزَوْجَتِهِ مُخَاطَبَةً: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتِ اشْتَرَطَ مَشِيئَتَهَا فِي مَجْلِسِ التَّوَاجُبِ فَإِنْ تَأَخَّرَتْ لَمْ تَقَعْ، لأَِنَّ هَذَا تَمْلِيكٌ لِلطَّلاَقِ فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ كَقَوْلِهِ اخْتَارِي، وَهَذَا فِي التَّعْلِيقِ بِغَيْرِ نَحْوِ مَتَى وَأَيَّ وَقْتٍ أَمَّا فِيهِ فَلاَ يُشْتَرَطُ الْفَوْرُ فَإِنْ قَال مَتَى شِئْتِ طَلُقَتْ مَتَى شَاءَتْ وَإِنْ فَارَقَتِ الْمَجْلِسَ.
وَلَوْ قَال لأَِجْنَبِيٍّ: إِنْ شِئْتَ فَزَوْجَتِي طَالِقٌ فَالأَْصَحُّ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ مَشِيئَتُهُ عَلَى الْفَوْرِ،
_________
(١) العناية بهامش فتح القدير ٣ / ٤٣٧، الهداية ٢ / ٢٧١ - ٢٧٢، ومواهب الجليل ٤ / ٩٦ - ٩٧، وروضة الطالبين ٨ / ١٥٧، وكشاف القناع ٥ / ٣٠٩، ومطالب أولي النهى ٥ / ٤٣٦.
وَقِيل: كَالزَّوْجَةِ، وَرَجَّحَهُ الْمُتَوَلِّي وَلَوْ عَلَّقَ بِمَشِيئَتِهَا لاَ مُخَاطَبَةً، فَقَال: زَوْجَتِي طَالِقٌ إِنْ شَاءَتْ لَمْ تُشْتَرَطِ الْمَشِيئَةُ، عَلَى الْفَوْرِ عَلَى الأَْصَحِّ، وَقِيل: يُشْتَرَطُ قَوْلُهَا: شِئْتِ فِي الْحَال إِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً فَتُبَادِرُ بِهَا إِذَا بَلَغَهَا الْخَبَرُ، وَلَوْ قَال: امْرَأَتِي طَالِقٌ إِذَا شَاءَ زَيْدٌ لَمْ يُشْتَرَطْ عَلَى الْفَوْرِ بِاتِّفَاقِ الشَّافِعِيَّةِ، وَلَوْ قَال: إِنْ شِئْتِ وَشَاءَ فُلاَنٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ اشْتُرِطَ مَشِيئَتُهَا عَلَى الْفَوْرِ (١) .
وَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ فِي حُكْمِ مَا لَوْ قَال لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ كَيْفَ شِئْتِ لاَ يَتَعَلَّقُ أَصْل الطَّلاَقِ بِمَشِيئَتِهَا بَل تَقَعُ طَلْقَةً وَاحِدَةً بَائِنَةً وَلاَ مَشِيئَةَ لَهَا إِنْ لَمْ يَدْخُل بِهَا، وَإِنْ دَخَل بِهَا وَقَعَتْ تَطْلِيقَةً رَجْعِيَّةً بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ ذَلِكَ شَاءَتْ أَوْ لاَ، ثُمَّ إِنْ قَالَتْ شِئْتُ بَائِنَةً أَوْ ثَلاَثًا وَقَدْ نَوَى الزَّوْجُ ذَلِكَ تَصِيرُ كَذَلِكَ لِلْمُطَابَقَةِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا بِأَنْ شَاءَتْ بَائِنَةً وَالزَّوْجُ ثَلاَثًا أَوِ الْعَكْسُ فَهِيَ رَجْعِيَّةٌ لأَِنَّهُ لَغَتْ مَشِيئَتُهَا لِعَدَمِ الْمُوَافَقَةِ فَبَقِيَ إِيقَاعُ الزَّوْجِ بِالصَّرِيحِ وَهُوَ رَجْعِيٌّ، وَإِذَا لَمْ يَنْوِ الزَّوْجُ شَيْئًا فَالْقَوْل كَمَا شَاءَتْ هِيَ (٢) .
٤ - وَإِذَا قَال الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنَّ شِئْتِ، فَقَالَتْ: شِئْتُ إِنْ شِئْتَ فَقَال الزَّوْجُ شِئْتُهُ يَنْوِي الطَّلاَقَ لَمْ يَقَعِ الطَّلاَقُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ
_________
(١) روضة الطالبين ٨ / ١٥٧، ومغني المحتاج ٣ / ٣٢٤ - ٣٢٥، والحاوي الكبير ١٢ / ٤٢١.
(٢) العناية بهامش فتح القدير ٣ / ٤٣٧، والهداية ٢ / ٢٧١ - ٢٧٢.
وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَبِهِ قَال أَيْضًا إِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُل مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الرَّجُل إِذَا قَال لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتِ فَقَالَتْ: قَدْ شِئْتُ إِنْ شَاءَ فُلاَنٌ أَنَّهَا قَدْ رَدَّتِ الأَْمْرَ، وَلاَ يَلْزَمُهَا الطَّلاَقُ وَإِنْ شَاءَ فُلاَنٌ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ لَمْ تُوجَدْ مِنْهَا وَإِنَّمَا وُجِدَ مِنْهَا تَعْلِيقُ مَشِيئَتِهَا بِشَرْطٍ، وَلأَِنَّهُ عَلَّقَ طَلاَقَهَا بِالْمَشِيئَةِ الْمُرْسَلَةِ وَهِيَ أَنْتِ بِالْمُعَلَّقَةِ فَلَمْ يُوجَدِ الشَّرْطُ وَهُوَ اشْتِغَالٌ بِمَا لاَ يَعْنِيهَا، فَخَرَجَ الأَْمْرُ مِنْ يَدِهَا، وَلاَ يَقَعُ الطَّلاَقُ بِقَوْلِهِ شِئْتُ وَإِنْ نَوَى الطَّلاَقَ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِي كَلاَمِ الْمَرْأَةِ ذِكْرُ الطَّلاَقِ لِيَصِيرَ الزَّوْجُ شَائِيًا طَلاَقَهَا، وَالنِّيَّةُ لاَ تَعْمَل فِي غَيْرِ الْمَذْكُورِ حَتَّى لَوْ قَال: شِئْتُ طَلاَقَكِ يَقَعُ إِذَا نَوَى لأَِنَّهُ إِيقَاعٌ مُبْتَدَأٌ إِذِ الْمَشِيئَةُ تُنْبِئُ عَنِ الْوُجُودِ.
وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَقَعُ الطَّلاَقُ لِحُصُول مَشِيئَتِهَا بِمَشِيئَةِ الزَّوْجِ (١) .
٥ - وَإِنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إِلاَّ أَنْ تَشَائِي ثَلاَثًا فَلَمْ تَشَأْ أَوْ شَاءَتْ أَقَل مِنْ ثَلاَثٍ طَلُقَتْ وَاحِدَةً، وَإِنْ قَالَتْ قَدْ شِئْتُ ثَلاَثًا، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لاَ تَطْلُقُ إِذَا شَاءَتْ ثَلاَثًا،
_________
(١) فتح القدير ٣ / ٤٣٣ - ٤٣٥ ط. دار إحياء التراث العربي، والهداية ٢ / ٢٧١، ومغني المحتاج ٣ / ٣٢٤ وما بعدها، والقوانين الفقهية ص٢٣ ط. دار الكتاب العربي، والمغني ٣ / ٢١٤، روضة الطالبين ٨ / ١٥٧.
لأَِنَّ الاِسْتِثْنَاءَ مِنَ الإِْثْبَاتِ نَفْيٌ فَتَقْدِيرُهُ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إِلاَّ أَنْ تَشَائِي ثَلاَثًا فَلاَ تَطْلُقِي، وَلأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُل ثَلاَثًا لَمَا طَلُقَتْ بِمَشِيئَتِهَا ثَلاَثًا، فَكَذَلِكَ إِذَا قَال ثَلاَثًا لأَِنَّهُ إِنَّمَا ذَكَرَ الثَّلاَثَ صِفَةً لَمُشِيئَتِهَا الرَّافِعَةِ لِطَلاَقِ الْوَاحِدَةِ، فَيَصِيرُ كَمَا لَوْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ إِلاَّ أَنْ تُكَرِّرِي بِمَشِيئَتِكِ ثَلاَثًا، وَقَال أَبُو بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: تَطْلُقُ ثَلاَثًا.
وَلَوْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثًا إِلاَّ أَنْ تَشَائِي وَاحِدَةً فَقَالَتْ: قَدْ شِئْتُ وَاحِدَةً طَلُقَتْ وَاحِدَةً عَلَى قَوْل أَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَأَبِي بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَعَلَى قَوْل الْجُمْهُورِ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ تَطْلُقُ شَيْئًا (١) .
وَإِنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ لِمَشِيئَةِ فُلاَنٍ أَوْ لِرِضَاهُ أَوْ لَهُ طَلُقَتْ فِي الْحَال، لأَِنَّ مَعْنَاهُ أَنْتِ طَالِقٌ لِكَوْنِهِ قَدْ شَاءَ ذَلِكَ أَوْ رَضِيَهُ أَوْ لِيَرْضَى بِهِ (٢) .
ثَانِيًا - تَعْلِيقُ الظِّهَارِ بِالْمَشِيئَةِ:
٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ عَلَّقَ الظِّهَارَ بِمَشِيئَةِ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا أَوْ مُشِيئَةِ غَيْرِهَا كَزَيْدٍ، وَقَال: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إِنْ شَاءَ فُلاَنٌ، أَوْ قَال: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إِنْ شِئْتِ أَوْ إِذَا شِئْتِ أَوْ
_________
(١) الحاوي الكبير ١٢ / ٤٢١، والمغني ٧ / ٢١٤، وفتح القدير ٣ / ٤٤٠.
(٢) فتح القدير ٣ / ٤٤٠، والحاوي للماوردي ١٢ / ٤٢١، والمغني ٧ / ٢١٤.
مَتَى شِئْتِ أَوْ مَهْمَا شِئْتِ فَهُوَ مُعَلَّقٌ عَلَى الْمَشِيئَةِ، وَقَيَّدَهُ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمَجْلِسِ، وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ لِمَشِيئَتِهَا.
وَنُقِل عَنِ السُّيُورِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلُهُ: لاَ يُخْتَلَفُ فِي إِذَا شِئْتِ أَوْ مَتَى شِئْتِ أَنَّ لَهَا ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ مَا لَمْ تُوطَأْ أَوْ تُوقَفُ - قَال الآْبِيُّ: أَيْ عَلَى يَدِ حَاكِمٍ أَوْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ - بِخِلاَفِ إِنْ شِئْتِ فَقِيل كَذَلِكَ وَقِيل مَا لَمْ يَفْتَرِقَا (١) .
وَإِذَا عَلَّقَ الظِّهَارَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى حَيْثُ قَال: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَطَل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَلاَ يَنْعَقِدُ ظِهَارُهُ، لأَِنَّهَا يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ، وَكَذَا لَوْ قَال: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَشَاءَ زَيْدٌ، فَشَاءَ زَيْدٌ، لاَ يَنْعَقِدُ ظِهَارُهُ لأَِنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى شَيْئَيْنِ فَلاَ يَحْصُل بِأَحَدِهِمَا (٢) .
ثَالِثًا - تَعْلِيقُ الإِْيلاَءِ بِالْمَشِيئَةِ:
٧ - قَال الْحَنَابِلَةُ: لَوْ قَال رَجُلٌ لِزَوْجَتِهِ: وَاللَّهِ لاَ وَطِئْتُكِ إِنْ شِئْتِ فَشَاءَتْ وَلَوْ تَرَاخِيًا فَيُعْتَبَرُ مَشِيئَتُهَا وَيَكُونُ مُولِيًا، لأَِنَّهُ عَلَّقَ الإِْيلاَءَ بِشَرْطٍ
_________
(١) الفتاوى الخانية بهامش الفتاوى الهندية ١ / ٥٤٣، ودرر الحكام ١ / ٣٩٣، والمدونة ٢ / ٥٢، والحطاب ٤ / ١١١، وحاشية الدسوقي ٢ / ٤٤٠، والخرشي ٤ / ١٠٣، وجواهر الإكليل ١ / ٣٧١، والحاوي للماوردي ١٣ / ٣٤٢ ط. دار الفكر، والمغني ٧ / ٣٥٠، وكشاف القناع ٢ / ٣٧٣.
(٢) الفتاوى الخانية بهامش الفتاوى الهندية ١ / ٥٤٣، وكشاف القناع ٥ / ٣٧٣، والحاوي الكبير ١٣ / ٣٤٢.
وَقَدْ وُجِدَ (١)، وَإِنْ قَال: وَاللَّهِ لاَ وَطِئْتُكِ إِلاَّ أَنْ تَشَائِي أَوْ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ أَبُوكِ أَوْ إِلاَّ بِاخْتِيَارِكِ فَلاَ يُعْتَبَرُ مُولِيًا لأَِنَّهُ عَلَّقَهُ بِفِعْلٍ يُمْكِنُ وُجُودُهُ فِي ثُلُثِ سَنَةٍ إِمْكَانًا غَيْرَ بَعِيدٍ وَلَيْسَ بِمُحَرَّمِ وَلاَ فِيهِ مَضَرَّةٌ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَلَّقَهُ عَلَى دُخُولِهَا الدَّارَ (٢) .
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لَوْ قَال مُخَاطِبًا: وَاللَّهِ لاَ أُجَامِعُكِ إِنْ شِئْتِ وَأَرَادَ تَعْلِيقَ الإِْيلاَءِ بِمَشِيئَتِهَا اشْتُرِطَ فِي كَوْنِهِ مُولِيًا مَشِيئَتُهَا وَتُعْتَبَرُ مَشِيئَتُهَا عَلَى الْفَوْرِ عَلَى الأَْصَحِّ، كَمَا يُعْتَبَرُ فِي الطَّلاَقِ عَلَى الْفَوْرِ، وَلَوْ عَلَّقَ لاَ عَلَى سَبِيل خِطَابِهَا بِأَنْ قَال: وَاللَّهِ لاَ أُجَامِعُ زَوْجَتِي إِنْ شَاءَتْ، أَوْ قَال لأَِجْنَبِيٍّ: وَاللَّهِ لاَ أُجَامِعُ زَوْجَتِي إِنْ شِئْتَ لَمْ يُعْتَبَرْ عَلَى الْفَوْرِ عَلَى الأَْصَحِّ.
وَلَوْ قَال إِنْ شَاءَ فُلاَنٌ، أَوْ قَال لَهَا: مَتَى شِئْتِ لَمْ يُعْتَبَرِ الْفَوْرُ مُطْلَقًا (٣) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ قَال إِنْ شِئْتِ فَوَاللَّهِ لاَ أَقْرَبُكِ فَإِنْ شَاءَتْ فِي الْمَجْلِسِ صَارَ مُولِيًا وَكَذَا إِنْ شَاءَ فُلاَنٌ فَهُوَ عَلَى مَجْلِسِهِ (٤) .
رَابِعًا - تَعْلِيقُ الإِْقْرَارِ عَلَى الْمَشِيئَةِ:
٨ - تَعْلِيقُ الإِْقْرَارِ عَلَى الْمَشِيئَةِ قَرِينَةٌ مُغَيِّرَةٌ قَدْ تَدْخُل عَلَى أَصْل الإِْقْرَارِ وَتَكُونُ مُتَّصِلَةً بِهِ، وَالتَّعْلِيقُ عَلَى الْمَشِيئَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى مَشِيئَةِ
_________
(١) كشاف القناع ٥ / ٣٦٠، ٣٦١ ط. دار الفكر، والمغني ٧ / ٣٠٥.
(٢) كشاف القناع ٥ / ٣٦٠.
(٣) روضة الطالبين ٨ / ٢٤٤ ط. المكتب الإسلامي.
(٤) الفتاوى الهندية ١ / ٤٨٧.
اللَّهِ تَعَالَى أَوْ عَلَى مَشِيئَةِ فُلاَنٍ مَثَلًا، وَفِي كُلٍّ تَفْصِيلٌ وَاخْتِلاَفٌ يُنْظَرُ (إِقْرَارٌ ف ٤٣) .
خَامِسًا - تَعْلِيقُ النِّيَّةِ عَلَى الْمَشِيئَةِ:
٩ - قَال الْحُلْوَانِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: لَوْ قَال نَوَيْتُ صَوْمَ غَدٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى يَجُوزُ اسْتِحْسَانًا، لأَِنَّ الْمَشِيئَةَ إِنَّمَا تُبْطِل اللَّفْظَ، وَالنِّيَةُ فِعْل الْقَلْبِ.
وَقَال ابْنُ نُجَيْمٍ: لَوْ عَقَّبَ النِّيَّةَ بِالْمَشِيئَةِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالنِّيَّاتِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ لَمْ تَبْطُل وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالأَْقْوَال كَالطَّلاَقِ وَالْعِتَاقِ بَطَل (١) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الاِسْتِثْنَاءُ بِالْمَشِيئَةِ يُفِيدُ فِي الْيَمِينِ بِاللَّهِ إِنْ قَصَدَ الاِسْتِثْنَاءَ وَاتَّصَل الاِسْتِثْنَاءُ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَنَطَقَ بِهِ وَإِنْ سِرًّا وَكَانَ الْيَمِينُ فِي غَيْرِ تَوَثُّقٍ بِحَقِّ، فَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إِنْ حَنِثَ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدِ الاِسْتِثْنَاءَ كَأَنْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ بِلاَ قَصْدٍ أَوْ قَصَدَ التَّبَرُّكَ فَلاَ يُفِيدُ الاِسْتِثْنَاءَ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إِنْ حَنِثَ.
أَمَا الاِسْتِثْنَاءُ فِي غَيْرِ الْيَمِينِ كَالطَّلاَقِ فَلاَ يُقَيِّدُهُ الاِسْتِثْنَاءُ فَإِنْ حَنِثَ لَزِمَهُ الطَّلاَقُ سَوَاءٌ قَصَدَ الاِسْتِثْنَاءَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ عَقَّبَ نِيَّةَ الصَّوْمِ بِقَوْلِهِ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِقَلْبِهِ أَوْ بِلِسَانِهِ فَإِنْ قَصَدَ التَّبَرُّكَ أَوْ
_________
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٥٢، وفتح القدير ٢ / ٥٢ ط. بولاق.
(٢) حاشية الدسوقي ٢ / ١٢٩ - ١٣٠.