الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧ الصفحة 68

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ فِي طَرِيقِهِ إِلَيْهَا مَطَرٌ يَبُل الثِّيَابَ، أَوْ وَحْلٌ يَشُقُّ الْمَشْيُ إِلَيْهَا فِيهِ (١)

الْمَشْيُ لِقَاصِدِ صَلاَةِ الْعِيدِ

١٠ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِقَاصِدِ الْعِيدِ الْمَشْيُ إِنْ قَدَرَ، لِمَا رَوَى الْحَارِثُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى الْعِيدِ مَاشِيًا (٢)، وَلأَِنَّهُ أَقْرَبُ لِلتَّوَاضُعِ، فَإِنْ ضَعُفَ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ فَلَهُ الرُّكُوبُ (٣) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَةُ الْعِيدَيْنِ ف ١٣)

الْمَشْيُ فِي تَشْيِيعِ الْجِنَازَةِ

١١ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ مَاشِيًا، وَالْمَشْيُ أَفَضْل مِنَ الرُّكُوبِ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (جَنَائِزُ ف ١٤) .

الْمَشْيُ فِي الْمَقَابِرِ:

١٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ الْمَشْيُ فِي الْمَقَابِرِ بِنَعْلَيْنِ (٤)

وَقَال الْحَصْكَفِيُّ: يُكْرَهُ وَطْءُ الْقَبْرِ وَالْمَشْيُ

_________

(١) المغني لابن قدامة ٢ / ٣٤٠.

(٢) أثر علي بن أبي طالب: " من السنة أن تخرج إلى العيد ماشيًا. . . ". رواه الترمذي (٢ / ٤١٠)، وقال: حديث حسن.

(٣) غنية المتملي ٥٦٦، وحاشية الزرقاني ٢ / ٧٥، وروضة الطالبين ٢ / ٥٦، ومطالب أولي النهى ١ / ٧٩٧.

(٤) الفتاوى الهندية ١ / ١٦٧.

فِي طَرِيقٍ ظَنَّ أَنَّهُ مُحْدِثٌ حَتَّى إِذَا لَمْ يَصِل إِلَى قَبْرِ قَرِيبِهِ إِلاَّ بِوَطْءِ قَبْرٍ تَرَكَهُ.

وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلًا عَنْ خِزَانَةِ الْفَتَاوَى:

وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لاَ يُوطَأُ الْقَبْرُ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ، وَقَال بَعْضُهُمْ: لاَ بَأْسَ بِأَنْ يَطَأَ الْقَبْرَ وَهُوَ يَقْرَأُ أَوْ يُسَبِّحُ أَوْ يَدْعُو لَهُمْ (١) .

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْقَبْرَ مُحَرَّمٌ فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَمْشِيَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مُسَنَّمًا وَالطَّرِيقُ دُونَهُ، فَأَمَّا إِذَا عَفَا فَوَاسِعٌ (٢) .

وَقَال صَاحِبُ التَّهْذِيبِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِنَّهُ لاَ بَأْسَ بِالْمَشْيِ بِالنَّعْل بَيْنَ الْقُبُورِ (٣)، وَقَالُوا: الْقَبْرُ مُحَرَّمٌ تَوْقِيرًا لِلْمَيِّتِ فَيُكْرَهُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمُ الْجُلُوسُ عَلَيْهِ وَالاِتِّكَاءُ وَوَطْؤُهُ إِلاَّ لِحَاجَةٍ بِأَنْ لاَ يَصِل إِلَى قَبْرِ مَيِّتِهِ إِلاَّ بِوَطْئِهِ (٤) .

وَقَال النَّوَوِيُّ: يَحْرُمُ ذَلِكَ أَخْذًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ: لأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتَحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ (٥) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ بِكَرَاهَةِ وَطْءِ الْقُبُورِ وَالْمَشْيِ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٦٠٦، والفتاوى الهندية ١ / ١٦٦.

(٢) عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لابن شاس ١ / ٢٧٢.

(٣) روضة الطالبين ٢ / ١٣٦.

(٤) مغني المحتاج ١ / ٣٥٤.

(٥) حديث: " لأن يجلس أحدكم على جمرة. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ٦٦٧) من حديث أبي هريرة.

بَيْنَهَا بِنَعْلٍ لِخَبَرِ حَتَّى بِالتُّمُشْكِ - نَوْعٌ مِنَ النِّعَال - وَقَالُوا: لاَ يُكْرَهُ الْمَشْيُ بَيْنَهَا بِخُفٍّ لِمَشَقَّةِ نَزْعِهِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ بِنَعْلٍ، وَيُسَنُّ خَلْعُ النَّعْل إِذَا دَخَل الْمَقْبَرَةَ لِحَدِيثِ بَشِيرِ بْنِ الْخَصَاصِيَةِ قَال: بَيْنَمَا أَنَا أُمَاشِي رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي الْقُبُورِ عَلَيْهِ نَعْلاَنِ فَقَال: يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ، وَيْحَكَ، أَلْقِ سِبْتِيَّتَيْكَ فَنَظَرَ الرَّجُل فَلَمَّا عَرَفَ رَسُول اللَّهِ ﷺ خَلَعَهُمَا فَرَمَى بِهِمَا (١)، وَاحْتِرَامًا لأَِمْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ إِلاَّ خَوْفَ نَجَاسَةٍ وَشَوْكٍ وَحَرَارَةِ أَرْضٍ وَبُرُودَتِهَا فَلاَ يُكْرَهُ - الْمَشْيُ بِنَعْلٍ بَيْنَ الْقُبُورِ - لِلْعُذْرِ (٢) .

الْمَشْيُ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ

١٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ الْمَشْيَ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِمَا وَاجِبٌ مُطْلَقًا.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَاجِبٌ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ الْوَاجِبَيْنِ، وَأَمَّا الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ غَيْرُ الْوَاجِبَيْنِ فَالْمَشْيُ فِيهِمَا سُنَّةٌ عِنْدَهُمْ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى

_________

(١) حديث: بشير بن الخصاصية: " بينما أنا أماشي رسول الله ﷺ. . . ". أخرجه أبو داود (٣ / ٥٥٥)، والحاكم (١ / ٣٧٣) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

(٢) مطالب أولي النهى ١ / ٩١١.

أَنَّ الْمَشْيَ فِي الطَّوَافِ سُنَّةٌ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (طَوَافٌ ف ٢٥، سَعْيٌ ف ١٤) -

نَذْرُ الْمَشْيِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ

١٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ قَال - وَهُوَ فِي الْكَعْبَةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا - عَلَيَّ الْمَشْيُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ إِلَى الْكَعْبَةِ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ مَاشِيًا وَإِنْ شَاءَ رَكِبَ وَأَهْرَقَ دَمًا، وَقَالُوا: مَذْهَبُنَا مَأْثُورٌ عَنْ عَلِيٍّ ﵁، وَلأَِنَّ النَّاسَ تَعَارَفُوا إِيجَابَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِهَذَا اللَّفْظِ فَصَارَ كَمَا إِذَا قَال: عَلَيَّ زِيَارَةُ الْبَيْتِ مَاشِيًا فَيَلْزَمُهُ مَاشِيًا وَإِنْ شَاءَ رَكِبَ وَأَهْرَقَ دَمًا (١) .

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ أَوْ إِلَى جُزْءٍ مِنْهُ كَالرُّكْنِ وَالْحَجَرِ وَالْحَطِيمِ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ إِنْ نَوَى نُسُكًا فَإِنْ لَمْ يَنْوِ النُّسُكَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ.

وَإِذَا لَزِمَهُ الْمَشْيُ مَشَى مِنْ حَيْثُ نَوَى الْمَشْيَ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ مَحِلًّا مَخْصُوصًا فَمِنْ حَيْثُ حَلَفَ أَوْ نَذَرَ وَأَجْزَأَ الْمَشْيُ مِنْ مِثْلِهِ فِي الْمَسَافَةِ، وَيَسْتَمِرُّ مَاشِيًا لِتَمَامِ طَوَافِ الإِْفَاضَةِ أَوْ تَمَامِ السَّعْيِ إِنْ كَانَ سَعْيُهُ بَعْدَ الإِْفَاضَةِ، وَلَزِمَ الرُّجُوعُ فِي عَامٍ قَابِلٍ لِمَنْ رَكِبَ فِي الْعَامِ الَّذِي نَذَرَ فِيهِ الْمَشْيَ فَيَمْشِي مَا رَكِبَ فِيهِ إِنْ عَلِمَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ فَيَجِبُ مَشْيُ جَمِيعِ

_________

(١) الهداية ٢ / ٩٠ ط. الحلبي.

الْمَسَافَةِ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى نَاوِيًا الْكَعْبَةَ أَوْ إِتْيَانَهُ فَالْمَذْهَبُ وُجُوبُ إِتْيَانِهِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَفِي قَوْلٍ مِنْ طَرِيقٍ لاَ يَجِبُ.

وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْكَعْبَةَ فَالأَْصَحُّ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ نَذْرُهُ وَقِيل: يُحْمَل عَلَيْهَا.

فَإِنْ نَذَرَ الإِْتْيَانَ لَمْ يَلْزَمْهُ مَشْيٌ وَلَهُ الرُّكُوبُ.

وَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ أَوْ أَنْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ مَاشِيًا فَالأَْظْهَرُ وُجُوبُ الْمَشْيِ، وَالثَّانِي: لَهُ الرُّكُوبُ وَإِنْ قَال: أَمْشِي إِلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَمْشِي مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ فِي الأَْصَحِّ، وَالثَّانِي: يَمْشِي مِنْ حَيْثُ يُحْرِمُ.

وَإِذَا وَجَبَ الْمَشْيُ فَرَكِبَ لِعُذْرٍ أَجْزَأَهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ فِي الأَْظْهَرِ لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ، وَالثَّانِي: لاَ دَمَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ نَذَرَ الصَّلاَةَ قَائِمًا فَصَلَّى قَاعِدًا لِعَجْزِهِ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ.

وَإِذَا رَكِبَ بِلاَ عُذْرٍ أَجْزَأَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ لأَِنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ إِلاَّ هَيْئَةً الْتَزَمَهَا وَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرَفُّهِهِ بِتَرْكِهَا، وَالثَّانِي: لاَ يُجْزِئُهُ لأَِنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِمَا الْتَزَمَهُ بِالصِّفَةِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا (٢) .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَأَطْلَقَ فَلَمْ يَقُل فِي حَجٍّ وَلاَ

_________

(١) الشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه ٢ / ٢٥٥ - ٢٥٧.

(٢) شرح المحلي على المنهاج ٤ / ٢٩٢.

عُمْرَةٍ وَلاَ غَيْرِهِ أَوْ قَال غَيْرَ حَاجٍّ وَلاَ مُعْتَمِرٍ لَزِمَهُ الْمَشْيُ فِي حَجٍّ أَوْ فِي عُمْرَةٍ حَمْلًا لَهُ عَلَى الْمَعْهُودِ الشَّرْعِيِّ وَإِلْغَاءً لإِرَادَتِهِ غَيْرَهُ، وَيَلْزَمُهُ الْمَشْيُ مِنْ مَكَانِ النَّذْرِ أَيْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ كَمَا فِي حَجِّ الْفَرْضِ إِلَى أَنْ يَتَحَلَّل، وَلاَ يَلْزَمُهُ إِحْرَامٌ قَبْل مِيقَاتِهِ مَا لَمْ يَنْوِ مَكَانًا بِعَيْنِهِ لِلْمَشْيِ مِنْهُ أَوِ الإِْحْرَامِ فَيَلْزَمُهُ لِعُمُومِ حَدِيثِ: مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ (١)، وَمَنْ نَوَى بِنَذْرِهِ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ إِتْيَانَهُ لاَ حَقِيقَةَ الْمَشْيِ فَيَلْزَمُهُ الإِْتْيَانُ وَيُخَيَّرُ بَيْنَ الْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ لِحُصُولِهِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا.

وَإِنْ رَكِبَ نَاذِرُ الْمَشْيِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ لِعَجْزٍ أَوْ غَيْرِهِ كَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ (٢) .

وَلِلتَّفْصِيل فِي أَحْكَامِ نَذْرِ الْمَشْيِ إِلَى أَحَدِ الْمَشَاعِرِ، وَنَذْرِ الْمَشْيِ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَوْ أَحَدِ الْمَسَاجِدِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (نَذْرٌ) .

الْوَاجِبُ فِي إِزَالَةِ مَنْفَعَةِ الْمَشْيِ

١٥ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي إِزَالَةِ مَنْفَعَةِ الْمَشْيِ كَمَال الدِّيَةِ، فَلَوْ ضَرَبَ صُلْبَهُ فَبَطَل مَشْيُهُ وَرِجْلُهُ سَلِيمَةٌ وَجَبَتِ الدِّيَةُ (٣)،

_________

(١) حديث: " من نذر أن يطيع الله فليطعه. . . ". رواه البخاري (الفتح ١١ / ٥٨١) من حديث عائشة ﵂.

(٢) شرح منتهى الإرادات ٣ / ٤٧٩ - ٤٨٠.

(٣) بدائع الصنائع ٧ / ٣١١، وروضة الطالبين ٩ / ٣٠٦ - ٣٠٩، والمغني ٨ / ٣٢.

وَفَصَّل الشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا: وَلاَ تُؤْخَذُ الدِّيَةُ حَتَّى تَنْدَمِل فَإِنِ انْجَبَرَ وَعَادَ مَشْيُهُ فَلاَ دِيَةَ وَتَجِبُ الْحُكُومَةُ إِنْ بَقِيَ أَثَرٌ، وَكَذَا إِنْ نَقَصَ مَشْيُهُ بِأَنِ احْتَاجَ إِلَى عَصًا، أَوْ صَارَ يَمْشِي مُحْدَوْدِبًا، وَلَوْ كُسِرَ صُلْبُهُ وَشُلَّتْ رِجْلُهُ قَال الْمُتَوَلِّي مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: يَلْزَمُهُ دِيَةٌ لِفَوَاتِ الْمَشْيِ، وَحُكُومَةٌ لِكَسْرِ الظَّهْرِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا كَانَتِ الرِّجْل سَلِيمَةً لاَ يَجِبُ مَعَ الدِّيَةِ حُكُومَةٌ؛ لأَِنَّ الْمَشْيَ مَنْفَعَةٌ فِي الرِّجْل فَإِذَا شُلَّتِ الرِّجْل فَفَوَاتُ الْمَنْفَعَةِ لِشَلَل الرِّجْل فَأُفْرِدَ كَسْرُ الصُّلْبِ بِحُكُومَةٍ، أَمَّا إِذَا كَانَتْ سَلِيمَةً فَفَوَاتُ الْمَشْيِ لِخَلَل الصُّلْبِ فَلاَ يُفْرَدُ بِحُكُومَةٍ.

قَال النَّوَوِيُّ: إِنَّ مُجَرَّدَ الْكَسْرِ لاَ يُوجِبُ الدِّيَةَ وَإِنَّمَا تَجِبُ الدِّيَةُ إِذَا فَاتَ بِهِ الْمَشْيُ.

وَلَوْ أَذْهَبَ كَسْرُ الصُّلْبِ مَشْيَهُ وَمَنِيَّهُ، أَوْ مَنِيَّهُ وَجِمَاعَهُ وَجَبَتْ دِيَتَانِ عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَقِيل: دِيَةٌ (١) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ دِيَةَ ذَهَابِ مَنْفَعَةِ الْمَشْيِ تَجِبُ حَتَّى لَوِ انْجَبَرَ كَسْرُ الصُّلْبِ (٢) .

الْمَشْيُ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ:

١٦ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى كَرَاهَةِ الْمَشْيِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَقَال الْحَنَابِلَةُ: وَلَوْ يَسِيرًا سَوَاءٌ كَانَ فِي إِصْلاَحِ

_________

(١) روضة الطالبين ٩ / ٣٠٥ - ٣٠٦.

(٢) كشاف القناع ٦ / ٤٨.

الأُْخْرَى أَوْ لاَ، لِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ (١)، وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَمْشِي فِي الأُْخْرَى حَتَّى يُصْلِحَهَا (٢)، وَقَال أَبُو يَحْيَى زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ: وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ مَشْيَهُ يَخْتَل بِذَلِكَ (٣) .

وَقَال الْخَطَّابِيُّ: الْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ أَنَّ النَّعْل شُرِعَتْ لِوَقَايَةِ الرِّجْل عَمَّا يَكُونُ فِي الأَْرْضِ مِنْ شَوْكٍ أَوْ نَحْوِهِ فَإِذَا انْفَرَدَتْ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ احْتَاجَ الْمَاشِي أَنْ يَتَوَقَّى لإِحْدَى رِجْلَيْهِ مَا لاَ يَتَوَقَّى لِلأُْخْرَى فَيَخْرُجُ بِذَلِكَ مِنْ سَجِيَّةِ مَشْيِهِ (٤) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَمْشِي أَحَدٌ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ وَلاَ يَقِفُ فِيهِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْخَفِيفُ، فِي حَال كَوْنِهِ مُتَشَاغِلًا بِإِصْلاَحِ الأُْخْرَى، وَلْيَلْبَسْهُمَا جَمِيعًا أَوْ فَلْيَنْزِعْهُمَا جَمِيعًا (٥) .

_________

(١) حديث: " لا يمشي أحدكم في نعل واحدة ". أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٣٠٩)، ومسلم (٣ / ١٦٦٠) من حديث أبي هريرة.

(٢) حديث: " إذا انقطع شسع أحدكم، فلا يمشي في الأخرى حتى يصلحها ". رواه مسلم (٣ / ١٦٦٠) من حديث أبي هريرة.

(٣) المجموع ٤ / ٤٦٦، وأسنى المطالب ١ / ٢٧٨، وكشاف القناع ١ / ٢٨٤.

(٤) فتح الباري ١٠ / ٣٠٩ - ٣١٠ ط. السلفية.

(٥) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس ٣ / ٥٢٧، والتفريع لابن الجلاب ٢ / ٣٥٣.

تَسْلِيمُ الرَّاكِبِ عَلَى الْمَاشِي

١٧ - يُسَنُّ تَسْلِيمُ الرَّاكِبِ عَلَى الْمَاشِي وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيل عَلَى الْكَثِيرِ، وَالصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيل عَلَى الْكَثِيرِ (١) .

وَلِلتَّفْصِيل (ر: سَلاَمٌ ف ٢٣) .

آدَابُ الْمَشْيِ مَعَ النَّاسِ

١٨ - قَال ابْنُ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: مَنْ مَشَى مَعَ إِنْسَانٍ فَإِنْ كَانَ أَكْبَرَ مِنْهُ وَأَعْلَمَ مَشَى عَنْ يَمِينِهِ يُقِيمُهُ مَقَامَ الإِْمَامِ فِي الصَّلاَةِ.

قَال ابْنُ مُفْلِحٍ مُقْتَضَى كَلاَمِ ابْنِ عَقِيلٍ:

اسْتِحْبَابُ مَشْيِ الْجَمَاعَةِ خَلْفَ الْكَبِيرِ وَإِنْ مَشَوْا عَنْ جَانِبَيْهِ فَلاَ بَأْسَ كَالإِْمَامِ فِي الصَّلاَةِ، وَفِي مُسْلِمٍ قَوْل يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ أَنَّهُ هُوَ وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَشْيا عَلَى جَانِبَيْ ابْنِ عُمَرَ، قَال فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى مَشْيِ الْجَمَاعَةِ مَعَ فَاضِلِهِمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَكْتَنِفُونَهُ وَيَحُفُّونَ بِهِ (٢) .

قَال الْحَصْكَفِيُّ وَابْنُ عَابِدِينَ: وَلِلشَّابِّ الْعَالِمِ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى الشَّيْخِ الْجَاهِل، لأَِنَّهُ

_________

(١) حديث: " يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد والقليل على الكثير ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ١٥)، ومسلم (٤ / ١٧٠٣) من حديث أبي هريرة.

(٢) الآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ٢٦٦ - ٢٦٧.

أَفْضَل مِنْهُ، وَلِهَذَا يُقَدَّمُ فِي الصَّلاَةِ وَهِيَ إِحْدَى أَرْكَانِ الإِْسْلاَمِ وَهِيَ تَالِيَةُ الإِْيمَانِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَصَرَّحَ الرَّمْلِيُّ فِي فَتَاوَاهُ بِحُرْمَةِ تَقَدُّمِ الْجَاهِل عَلَى الْعَالِمِ حَيْثُ يَشْعُرُ بِنُزُول دَرَجَتِهِ عِنْدَ الْعَامَّةِ لِمُخَالَفَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (١)

وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، فَالْمُتَقَدِّمُ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً فَيُعَزَّرُ (٢) .

_________

(١) سورة المجادلة / ١١.

(٢) ابن عابدين ٥ / ٤٨١.