الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧
مَشْيٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْمَشْيُ لُغَةً السَّيْرُ عَلَى الْقَدَمِ، سَرِيعًا كَانَ أَوْ غَيْرَ سَرِيعٍ، يُقَال: مَشَى يَمْشِي مَشْيًا: إِذَا كَانَ عَلَى رِجْلَيْهِ، سَرِيعًا كَانَ أَوْ بَطِيئًا، فَهُوَ مَاشٍ، وَالْجَمْعُ مُشَاةٌ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ:
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - السَّعْيُ:
٢ - مِنْ مَعَانِي السَّعْيِ فِي اللُّغَةِ الإِْسْرَاعُ فِي الْمَشْيِ (٢) .
وَالسَّعْيُ فِي الاِصْطِلاَحِ يُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ مِنْهَا: قَطْعُ الْمَسَافَةِ الْكَائِنَةِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ ذَهَابًا وَإِيَابًا، وَمِنْهَا: الإِْسْرَاعُ فِي الْمَشْيِ.
قَال الرَّاغِبُ الأَْصْفَهَانِيُّ: السَّعْيُ: الْمَشْيُ السَّرِيعُ وَهُوَ دُونَ الْعَدْوِ (٣) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا هِيَ أَنَّ الْمَشْيَ أَعَمُّ مِنَ
_________
(١) المغرب، والمصباح المنير.
(٢) المصباح المنير، والمغرب.
(٣) المفردات في غريب القرآن.
السَّعْيِ (١) .
ب - الرَّمَل
٣ - الرَّمَل - بِفَتْحِ الْمِيمِ - فِي اللُّغَةِ الْهَرْوَلَةُ (٢)، قَال صَاحِبُ النِّهَايَةِ: رَمَل يَرْمُل رَمَلًا وَرَمَلاَنًا: إِذَا أَسْرَعَ فِي الْمَشْيِ وَهَزَّ مَنْكِبَيْهِ (٣) .
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ، لَكِنَّ النَّوَوِيَّ قَال: الرَّمَل - بِفَتْحِ الرَّاءِ - هُوَ إِسْرَاعُ الْمَشْيِ مَعَ تَقَارُبِ الْخُطَى دُونَ الْوُثُوبِ وَالْعَدْوِ (٤) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا هِيَ أَنَّ الرَّمَل أَخَصُّ مِنَ الْمَشْيِ.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَشْيِ:
تَتَعَلَّقُ بِالْمَشْيِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:
إِمْكَانِيَّةُ مُتَابَعَةِ الْمَشْيِ فِي الْخُفِّ لِجَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ:
٤ - يَشْتَرِطُ الْفُقَهَاءُ لِجَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ شُرُوطًا مِنْهَا:
أَنْ يَكُونَ الْخُفُّ مِمَّا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ (٥) .
_________
(١) الكليات لأبي البقاء الكفوي ٢ / ٢١٤.
(٢) المصباح المنير.
(٣) النهاية لابن الأثير ٢ / ٢٦٥ ولسان العرب.
(٤) تهذيب الأسماء واللغات ٣ / ١٢٧ - ١٢٨.
(٥) الفتاوى الهندية ١ / ٣٢ والقوانين الفقهية ص ٤٣، وشرح المحلي ١ / ٥٩، والمغني لابن قدامة ١ / ٢٩٤.
وَلِلتَّفْصِيل (ر: مَسْحٌ عَلَى الْخُفَّيْنِ) .
الْمَشْيُ فِي الصَّلاَةِ
٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ إِذَا مَشَى فِي صَلاَتِهِ إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ مَشْيًا غَيْرَ مُتَدَارَكٍ
بِأَنْ مَشَى قَدْرَ صَفٍّ، ثُمَّ وَقَفَ قَدْرَ رُكْنٍ، ثُمَّ مَشَى قَدْرَ صَفٍّ آخَرَ، وَهَكَذَا إِلَى أَنْ مَشَى قَدْرَ صُفُوفٍ كَثِيرَةٍ لاَ تَفْسُدُ صَلاَتُهُ، إِلاَّ إِنْ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الصَّلاَةُ فِيهِ، أَوْ تَجَاوَزَ الصُّفُوفَ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الصَّلاَةُ فِي الصَّحْرَاءِ، فَإِنْ مَشَى مَشْيًا مُتَلاَحِقًا بِأَنْ مَشَى قَدْرَ صَفَّيْنِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، أَوْ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، أَوْ تَجَاوَزَ الصُّفُوفَ فِي الصَّحْرَاءِ فَسَدَتْ صَلاَتُهُ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفِعْل الْقَلِيل غَيْرُ مُفْسِدٍ مَا لَمْ يَتَكَرَّرْ مُتَوَالِيًا، وَعَلَى أَنَّ الاِخْتِلاَفَ فِي الْمَكَانِ مُبْطِلٌ لِلصَّلاَةِ مَا لَمْ يَكُنْ لإِصْلاَحِهَا، وَالْمَسْجِدُ مَكَانٌ وَاحِدٌ حُكْمًا، وَمَوْضِعُ الصُّفُوفِ فِي الصَّحْرَاءِ كَالْمَسْجِدِ، هَذَا إِذَا كَانَ قُدَّامَهُ صُفُوفٌ.
أَمَّا لَوْ كَانَ إِمَامًا فَمَشَى حَتَّى جَاوَزَ مَوْضِعَ سُجُودِهِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِقْدَارَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ لاَ تَفْسُدُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَسَدَتْ، وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَالْمُعْتَبَرُ مَوْضِعُ سُجُودِهِ، إِنْ جَاوَزَهُ فَسَدَتْ وَإِلاَّ فَلاَ (١) .
وَهَذَا التَّفْصِيل كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَاشِي فِي
_________
(١) غنية المتملي في شرح منية المصلي ص ٤٥٠ وانظر الفتاوى الهندية ١ / ١٠٣ وحاشية ابن عابدين ١ / ٤٢١.
الصَّلاَةِ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ، بِأَنْ مَشَى قُدَّامَهُ أَوْ يَمِينًا أَوْ يَسَارًا أَوْ إِلَى وَرَائِهِ مِنْ غَيْرِ تَحْوِيلٍ أَوِ اسْتِدْبَارٍ، وَأَمَّا إِذَا اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ فَقَدْ فَسَدَتْ صَلاَتُهُ سَوَاءٌ مَشَى قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا أَوْ لَمْ يَمْشِ، لأَِنَّ اسْتِدْبَارَ الْقِبْلَةِ لِغَيْرِ إِصْلاَحِ الصَّلاَةِ وَحْدَهُ مُفْسِدٌ (١) .
وَقَال بَعْضُ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ فِي رَجُلٍ رَأَى فُرْجَةً فِي الصَّفِّ الَّذِي أَمَامَهُ مُبَاشَرَةً فَمَشَى إِلَى تِلْكَ الْفُرْجَةِ فَسَدَّهَا لاَ تَفْسُدُ صَلاَتُهُ، وَلَوْ مَشَى إِلَى صَفٍّ غَيْرِ الَّذِي أَمَامَهُ مُبَاشَرَةً فَسَدَّ فُرْجَةً فِيهِ تَفْسُدُ صَلاَتُهُ (٢) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الصَّلاَةَ لاَ تَبْطُل بِمَشْيِ الْمُصَلِّي صَفَّيْنِ لِسُتْرَةٍ يَقْرُبُ إِلَيْهَا، أَوْ دَفْعِ مَارٍّ أَوْ لِذَهَابِ دَابَّةٍ أَوْ لَسَدِّ فُرْجَةٍ فِي صَفٍّ، حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَشْيُ بِجَنْبٍ أَوْ قَهْقَرَى: بِأَنْ يَرْجِعَ عَلَى ظَهْرِهِ، بِشَرْطِ أَلاَ يَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ، فِيمَا عَدَا مَسْأَلَةَ الدَّابَّةِ فَإِنَّهُ يُعْذَرُ إِنِ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ (٣) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمَشْيَ أَكْثَرَ مِنْ خُطْوَتَيْنِ مُتَوَسِّطَتَيْنِ مُبْطِلٌ لِلصَّلاَةِ إِنْ تَوَالَتْ لاَ إِنْ تَفَرَّقَتْ، أَمَا الْمَشْيُ خُطْوَتَيْنِ فَلاَ يُبْطِل الصَّلاَةَ وَإِنِ اتَّسَعَتْ، كَمَا تَبْطُل بِالْوَثْبَةِ الْفَاحِشَةِ مُطْلَقًا.
_________
(١) غنية المتملي ص ٤٥١، وانظر حاشية ابن عابدين ١ / ٤٢١.
(٢) غنية المتملي ص ٤٥٠ - ٤٥١.
(٣) الشرح الصغير ١ / ٣٥٤.
وَاخْتَلَفُوا فِي مُسَمَّى الْخُطْوَةِ هَل هُوَ نَقُل رِجْلٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ أَوْ نَقْل الرِّجْل الأُْخْرَى إِلَى مُحَاذَاتِهَا، قَال ابْنُ أَبِي الشَّرِيفِ: كُلٌّ مِنْهُمَا مُحْتَمَلٌ، وَالثَّانِي أَقْرَبُ (١) .
وَالَّذِي يُسْتَفَادُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْمَشْيَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ صِحَّةُ صَلاَةِ الْمَأْمُومِ مَعَ إِمَامِهِ جَائِزٌ، كَمَا إِذَا كَبَّرَ فَذًّا خَلْفَ الإِْمَامِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ تَقَدَّمَ الْمَأْمُومُ إِلَى صَفٍّ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَوْ كَانَا اثْنَيْنِ وَرَاءَ الإِْمَامِ، فَخَرَجَ أَحَدُهُمَا مِنَ الصَّلاَةِ فَمَشَى الْمَأْمُومُ حَتَّى وَقَفَ عَنْ يَمِينِ الإِْمَامِ، أَوْ كَانَ الْمَأْمُومُ وَاحِدًا فَكَبَّرَ آخَرُ عَنْ يَسَارِ الإِْمَامِ أَدَارَهُ الإِْمَامُ عَنْ يَمِينِهِ.
وَالْعِبْرَةُ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمَشْيَ الْكَثِيرَ إِنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ كَخَوْفٍ أَوْ هَرَبٍ مِنْ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ لَمْ تَبْطُل صَلاَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِضَرُورَةٍ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ (٢) .
التَّنَفُّل مَاشِيًا
٦ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى جَوَازِ التَّنَفُّل مَاشِيًا وَلِكُلٍّ مِنَ الْمَذْهَبَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ:
فَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجُوزُ التَّنَفُّل مَاشِيًا، وَعَلَى الرَّاحِلَةِ سَائِرَةً إِلَى جِهَةِ مَقْصِدِهِ فِي السَّفَرِ الطَّوِيل، وَكَذَا الْقَصِيرِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلاَ
_________
(١) حاشية القليوبي ١ / ١٩٠، ومغني المحتاج ١ / ١٩٩.
(٢) شرح منتهى الإرادات ١ / ٢٢٣ - ٢٢٤، المغني ٢ / ٢١٥ - ٢١٦، وكشاف القناع ١ / ٣٩٧ - ٣٩٨.
يَجُوزُ فِي الْحَضَرِ عَلَى الصَّحِيحِ بَل لَهَا فِيهِ حُكْمُ الْفَرِيضَةِ فِي كُل شَيْءٍ إِلاَّ الْقِيَامَ، وَقَال الإِْصْطَخْرِيُّ: يَجُوزُ لِلرَّاكِبِ وَالْمَاشِي فِي الْحَضَرِ مُتَرَدِّدًا فِي جِهَةِ مَقْصِدِهِ، وَاخْتَارَ الْقَفَّال الْجَوَازَ بِشَرْطِ الاِسْتِقْبَال فِي جَمِيعِ الصَّلاَةِ (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: تَصِحُّ الصَّلاَةُ بِدُونِ الاِسْتِقْبَال لِمُتَنَفِّلٍ رَاكِبٍ وَمَاشٍ فِي سَفَرٍ غَيْرِ مُحَرَّمٍ وَلاَ مَكْرُوهٍ، وَلَوْ كَانَ السَّفَرُ قَصِيرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٢)، قَال ابْنُ عُمَرَ ﵄: نَزَلَتْ فِي التَّطَوُّعِ خَاصَّةً، وَلِمَا وَرَدَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ أَيْنَمَا تَوَجَّهَتْ يُومِئُ، وَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ (٣)، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَفْعَلُهُ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ طَوِيل السَّفَرِ وَقَصِيرِهِ، وَأَلْحَقَ الْمَاشِي بِالرَّاكِبِ لأَِنَّ الصَّلاَةَ أُبِيحَتْ لِلرَّاكِبِ لِئَلاَّ يَنْقَطِعَ عَنِ الْقَافِلَةِ فِي السَّفَرِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْمَاشِي (٤) .
وَلاَ تَجُوزُ صَلاَةُ الْمَاشِي عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ (٥) .
_________
(١) روضة الطالبين ١ / ٢١٠.
(٢) سورة البقرة / ١١٥.
(٣) حديث ابن عمر: " كان يصلي في السفر على ظهر راحلته. . . "
(٤) كشاف القناع ١ / ٣٠٢.
(٥) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٦٩، والشرح الصغير ١ / ٢٩٨ - ٢٩٩.
آدَابُ الْمَشْيِ إِلَى صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِقَاصِدِ الْجَمَاعَةِ أَنَّ يَمْشِيَ إِلَى الصَّلاَةِ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ، وَإِنْ سَمِعَ الإِْقَامَةَ لَمْ يَسْعَ إِلَيْهَا، سَوَاءٌ خَافَ فَوْتَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ أَمْ لاَ (١)، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ ائْتُوهَا تَمْشُونَ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا (٢) .
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ الإِْسْرَاعُ لإِدْرَاكِ الصَّلاَةِ مَعَ الْجَمَاعَةِ بِلاَ هَرْوَلَةٍ وَهِيَ مَا دُونَ الْجَرْيِ، وَتُكْرَهُ الْهَرْوَلَةُ لأَِنَّهَا تُذْهِبُ الْخُشُوعَ، إِلاَّ أَنْ يَخَافَ فَوَاتَ الْوَقْتِ فَتَجِبُ (٣) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي (صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ ف ٢٢) .
الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ الْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ لِقَاصِدِ الْجُمُعَةِ
٨ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمُرِيدِ حُضُورِ الْجُمُعَةِ الْمَشْيُ فِي ذَهَابِهِ (٤) لِخَبَرِ:
_________
(١) حديث ابن عمر: " كان يصلي في السفر على ظهر راحلته. . . ". رواه البخاري (الفتح ٢ / ٥٧٤) .
(٢) حديث: " إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون. . . ". رواه البخاري (الفتح ٢ / ٣٩٠)، ومسلم (١ / ٤٢٠) من حديث أبي هريرة، واللفظ لمسلم.
(٣) الشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه ١ / ٤٤٥.
(٤) غنية المتملي ص٥٦٦، وحاشية الدسوقي ١ / ٣٨١، ونهاية المحتاج ٢ / ٣٢٥، وروضة الطالبين ٢ / ٤٥، كشاف القناع ٢ / ٤٢.
٠٠ مَنْ غَسَّل يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَل، ثُمَّ بَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الإِْمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ بِكُل خُطْوَةٍ عَمَل سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا (١)، وَلِمَا فِيهِ مِنَ التَّوَاضُعِ لِلَّهِ ﷿، لأَِنَّهُ عَبْدٌ ذَاهِبٌ لِمَوْلاَهُ، فَيَطْلُبُ مِنْهُ التَّوَاضُعَ لَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا فِي إِقْبَالِهِ عَلَيْهِ (٢) .
قَال الْبُهُوتِيُّ: هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فَلاَ بَأْسَ بِرُكُوبِهِ ذَهَابًا وَإِيَابًا، لَكِنَّ الإِْيَابَ لاَ بَأْسَ بِهِ وَلَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ (٣) .
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ يُنْدَبُ الْمَشْيُ فِي الرُّجُوعِ لأَِنَّ الْعِبَادَةَ قَدِ انْقَضَتْ (٤) .
وَقَال الرَّمْلِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: مَنْ رَكِبَ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ سَيَّرَ دَابَّتَهُ بِسُكُونٍ كَالْمَاشِي مَا لَمْ يَضِقِ الْوَقْتُ، وَيُشْبِهُ أَنَّ الرُّكُوبَ أَفَضْل لِمَنْ يُجْهِدُهُ الْمَشْيُ لِهَرَمٍ أَوْ ضَعْفٍ أَوْ بُعْدِ مَنْزِلِهِ، بِحَيْثُ يَمْنَعُهُ مَا يَنَالُهُ مِنَ التَّعَبِ الْخُشُوعَ وَالْخُضُوعَ فِي الصَّلاَةِ عَاجِلًا (٥) .
اشْتِرَاطُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَشْيِ لِوُجُوبِ الْجُمُعَةِ
٩ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ مِنْ شَرَائِطِ وُجُوبِ
_________
(١) حديث: " من غسل يوم الجمعة واغتسل. . . ". رواه أبو داود (١ / ٢٤٦)، والترمذي (٢ / ٣٦٨) من حديث أوس بن أوس الثقفي واللفظ لأبي داود، وقال الترمذي: " حديث حسن ".
(٢) حاشية الدسوقي ١ / ٣٨١.
(٣) كشاف القناع ٢ / ٤٢.
(٤) حاشية الدسوقي ١ / ٣٨١.
(٥) نهاية المحتاج ٢ / ٣٢٦.
الْجُمُعَةِ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمَشْيِ، فَلاَ تَجِبُ عَلَى الْمَرِيضِ وَلاَ عَلَى الْمُقْعَدِ وَإِنْ وَجَدَ مَنْ يَحْمِلُهُ وَلاَ عَلَى الأَْعْمَى وَإِنْ وَجَدَ قَائِدًا، وَقَالُوا: الشَّيْخُ الْكَبِيرُ مُلْحَقٌ بِالْمَرِيضِ فَلاَ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَالْمَطَرُ الشَّدِيدُ مُسْقِطٌ لِلْجُمُعَةِ عِنْدَهُمْ (١) .
وَلَمْ يَنُصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَإِنَّمَا عَبَّرُوا عَنْهُ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ أَدَاءِ الْجُمُعَةِ، قَال ابْنُ شَاسٍ: وَيَلْتَحِقُ بِعُذْرِ الْمَرَضِ الْمَطَرُ الشَّدِيدُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِيهِمَا (٢) . وَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الْمَرَضَ مِنْ أَعْذَارِ تَرْكِ الْجُمُعَةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَقَالُوا: إِنْ لَمْ يَتَضَرَّرِ الْمَرِيضُ بِإِتْيَانِ الْمَسْجِدِ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا، أَوْ تَبَرَّعَ أَحَدٌ بِأَنْ يُرْكِبَهُ أَوْ يَحْمِلَهُ، أَوْ يَتَبَرَّعَ بِقَوْدِ أَعْمًى لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ (٣) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى الأَْعْمَى إِذَا وَجَدَ قَائِدًا وَلَوْ بِأُجْرَةٍ وَلَهُ مَالٌ وَإِلاَّ فَقَدْ أَطْلَقَ الأَْكْثَرُونَ مِنْهُمْ أَنَّهَا لاَ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَقَال الْقَاضِي حُسَيْنٌ: إِنْ كَانَ الأَْعْمَى يُحْسِنُ الْمَشْيَ بِالْعَصَا مِنْ غَيْرِ قَائِدٍ لَزِمَهُ (٤) .
وَفِي الْوَحْل الشَّدِيدِ لِلشَّافِعِيَّةِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ. وَالْجَمَاعَةِ (٥) .
_________
(١) الفتاوى الهندية ١ / ١٤٤.
(٢) عقد الجواهر الثمينة ١ / ٢٣٢.
(٣) روضة الطالبين ٢ / ٣٤، ٣٦، وكشاف القناع ١ / ٤٩٥.
(٤) روضة الطالبين ٢ / ٣٦.
(٥) روضة الطالبين ٢ / ٣٥.