الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧ الصفحة 65

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧

دَفْعًا لِحَرَجِ ضَيَاعِ الْحُقُوقِ.

وَمِنْهَا قَبُول شَهَادَةِ الْقَابِلَةِ (١)

الْمَشَاقُّ الْمُوجِبَةُ لِلتَّخْفِيفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ

قَال الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: الْمَشَاقُّ ضَرْبَانِ:

١٢ - أَحَدُهُمَا: مَشَقَّةٌ لاَ تَنْفَكُّ الْعِبَادَةُ عَنْهَا كَمَشَقَّةِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْل فِي شِدَّةِ الْبَرْدِ، وَكَمَشَقَّةِ إِقَامَةِ الصَّلاَةِ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَلاَ سِيَّمَا فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ، وَكَمَشَقَّةِ الصَّوْمِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَطُول النَّهَارِ، وَكَمَشَقَّةِ السَّفَرِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ الَّتِي لاَ انْفِكَاكَ عَنْهَا غَالِبًا، وَكَمَشَقَّةِ الاِجْتِهَادِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَالرِّحْلَةِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْمَشَقَّةُ فِي رَجْمِ الزُّنَاةِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى الْجُنَاةِ وَلاَ سِيَّمَا فِي حَقِّ الآْبَاءِ وَالأُْمَّهَاتِ وَالْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ مَشَقَّةً عَظِيمَةً عَلَى مُقِيمِ هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ بِمَا يَجِدُهُ مِنَ الرِّقَّةِ وَالْمَرْحَمَةِ بِهَا لِلسُّرَّاقِ وَالزُّنَاةِ وَالْجُنَاةِ مِنَ الأَْجَانِبِ وَالأَْقَارِبِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ (٢)، وَلِمِثْل هَذَا قَال تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ (٣)، وَقَال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ

_________

(١) غمز عيون البصائر ١ / ٢٧١، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٧٧.

(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٨٤، والأشباه للسيوطي ص ٨٣، ومجلة الأحكام العدلية ص ١٨، وشرح مجلة الأحكام للأتاسي ١ / ٥١ وغمز عيون البصائر ١ / ٢٧٣.

(٣) سورة النور / ٢.

يَدَهَا (١) وَهُوَ ﷺ أَوْلَى بِتَحَمُّل هَذِهِ الْمَشَاقِّ مِنْ غَيْرِهِ؛ لأَِنَّ اللَّهَ ﷾ وَصَفَهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) فَهَذِهِ الْمَشَاقُّ كُلُّهَا لاَ أَثَرَ لَهَا فِي إِسْقَاطِ الْعِبَادَاتِ وَالطَّاعَاتِ (٣) .

١٣ - الضَّرْبُ الثَّانِي: مَشَقَّةٌ تَنْفَكُّ عَنْهَا الْعِبَادَاتُ غَالِبًا وَهِيَ أَنْوَاعٌ:

النَّوْعُ الأَْوَّل: مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ فَادِحَةٌ كَمَشَقَّةِ الْخَوْفِ عَلَى النَّفُوسِ وَالأَْطْرَافِ وَمَنَافِعِ الأَْطْرَافِ، فَهَذِهِ مَشَقَّةٌ مُوجِبَةٌ لِلتَّخْفِيفِ وَالتَّرْخِيصِ لأَِنَّ حِفْظَ الْمُهَجِ وَالأَْطْرَافِ لإِقَامَةِ مَصَالِحِ الدَّارَيْنِ أَوْلَى مِنْ تَعْرِيضِهَا لِلْفَوَاتِ فِي عِبَادَةٍ أَوْ عِبَادَاتٍ ثُمَّ تَفُوتُ أَمْثَالُهَا (٤) .

النَّوْعُ الثَّانِي: مَشَقَّةٌ خَفِيفَةٌ كَأَدْنَى وَجَعٍ فِي إِصْبَعٍ أَوْ أَدْنَى صُدَاعٍ أَوْ سُوءِ مِزَاجٍ خَفِيفٍ، فَهَذَا لاَ أَثَرَ لَهُ وَلاَ الْتِفَاتَ إِلَيْهِ لأَِنَّ تَحْصِيل مَصَالِحِ الْعِبَادَةِ أَوْلَى مِنْ دَفْعِ هَذِهِ الْمَشَقَّةِ الَّتِي لاَ أَثَرَ لَهَا (٥) .

النَّوْعُ الثَّالِثُ: مَشَاقُّ وَاقِعَةٌ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَشَقَّتَيْنِ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْخِفَّةِ وَالشِّدَّةِ فَمَا دَنَا

_________

(١) حديث: " لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ". أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ٥١٣)، ومسلم (٣ / ١٣١٥) من حديث عائشة.

(٢) سورة التوبة / ١٢٨.

(٣) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ٢ / ٧.

(٤) قواعد الأحكام ٢ / ٧ - ٨.

(٥) قواعد الأحكام ٢ / ٧ - ٨.

مِنْهَا مِنَ الْمَشَقَّةِ الْعُلْيَا أَوْجَبَ التَّخْفِيفَ، وَمَا دَنَا مِنْهَا مِنَ الْمَشَقَّةِ الدُّنْيَا لَمْ يُوجِبِ التَّخْفِيفَ.

كَمَرِيضٍ فِي رَمَضَانَ يَخَافُ مِنَ الصَّوْمِ زِيَادَةَ مَرَضٍ أَوْ بُطْءَ الْبُرْءِ، فَيَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، وَهَكَذَا فِي الْمَرَضِ الْمُبِيحِ لِلتَّيَمُّمِ وَالْحُمَّى الْخَفِيفَةِ وَوَجَعِ الضُّرُوسِ الْيَسِيرِ وَمَا وَقَعَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الرُّتْبَتَيْنِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، مِنْهُمْ مَنْ يُلْحِقُهُ بِالْعُلْيَا وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْحِقُهُ بِالدُّنْيَا، وَتُضْبَطُ مَشَقَّةُ كُل عِبَادَةٍ بِأَدْنَى الْمَشَاقِّ الْمُعْتَبَرَةِ فِي تَخْفِيفِ تِلْكَ الْعِبَادَةِ فَإِنْ كَانَتْ مِثْلَهَا أَوْ أَزْيَدَ ثَبَتَتِ الرُّخْصَةُ وَلِذَلِكَ اعْتُبِرَ فِي مَشَقَّةِ الْمَرَضِ الْمُبِيحِ لِلْفِطْرِ فِي الصَّوْمِ أَنْ يَكُونَ كَزِيَادَةِ مَشَقَّةِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ عَلَيْهِ فِي الْحَضَرِ (١) .

وَكَذَلِكَ الْمَشَاقُّ فِي الْحَجِّ وَفِي إِبَاحَةِ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ: أَنْ يَحْصُل بِتَرْكِهَا مِثْل مَشَقَّةِ الْقُمَّل الْوَارِدِ فِيهِ الرُّخْصَةُ، وَأَمَّا أَصْل الْحَجِّ فَلاَ يُكْتَفَى بِتَرْكِهِ بِذَلِكَ، بَل لاَ بُدَّ مِنْ مَشَقَّةٍ لاَ يُحْتَمَل مِثْلُهَا كَالْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَال، وَعَدَمِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَفِي إِبَاحَةِ تَرْكِ الْقِيَامِ إِلَى الْقُعُودِ: أَنْ يَحْصُل بِهِ مَا يُشَوِّشُ الْخُشُوعَ وَإِلَى الاِضْطِجَاعِ أَشَقُّ، لأَِنَّهُ مُنَافٍ لِتَعْظِيمِ الْعِبَادَاتِ.

وَالْمَشَاقُّ فِي الْحَجِّ ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ: مِنْهَا

_________

(١) قواعد الأحكام ٢ / ٨، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٨٢، والأشباه والنظائر للسيوطي ص٨١.

مَا يَعْظُمُ فَيَمْنَعُ وُجُوبَ الْحَجِّ، وَمِنْهَا مَا يَخِفُّ وَلاَ يَمْنَعُ الْوُجُوبَ، وَمِنْهَا مَا يَتَوَسَّطُ فَيُرَدَّدُ فِيهِ، وَمَا قَرُبَ مِنْهُ إِلَى الْمَشَقَّةِ الْعُلْيَا كَانَ أَوْلَى بِمَنْعِ الْوُجُوبِ، وَمَا قَرُبَ مِنْهُ إِلَى الْمَشَقَّةِ الدُّنْيَا كَانَ أَوْلَى بِأَنْ لاَ يَمْنَعَ الْوُجُوبَ.

وَتَخْتَلِفُ الْمَشَاقُّ بِاخْتِلاَفِ الْعِبَادَاتِ فِي اهْتِمَامِ الشَّرْعِ، فَمَا اشْتَدَّ اهْتِمَامُهُ بِهِ شَرَطَ فِي تَخْفِيفِهِ الْمَشَاقَّ الشَّدِيدَةَ أَوِ الْعَامَّةَ، وَمَا لَمْ يَهْتَمَّ بِهِ خَفَّفَهُ بِالْمَشَاقِّ الْخَفِيفَةِ، وَقَدْ تُخَفَّفُ مَشَاقُّهُ مَعَ شَرَفِهِ وَعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ لِتَكَرُّرِ مَشَاقِّهِ، كَيْلاَ يُؤَدِّيَ إِلَى الْمَشَاقِّ الْعَامَّةِ الْكَثِيرَةِ الْوُقُوعِ.

مِثَالُهُ: تَرْخِيصُ الشَّرْعِ فِي الصَّلاَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَفْضَل الأَْعْمَال تُقَامُ مَعَ الْخَبَثِ الَّذِي يَشُقُّ الاِحْتِرَازُ مِنْهُ وَمَعَ الْحَدَثِ فِي حَقِّ الْمُتَيَمِّمِ وَالْمُسْتَحَاضَةِ، وَمَنْ كَانَ عُذْرُهُ كَعُذْرِ الْمُسْتَحَاضَةِ (١) .

أَمَّا الصَّلاَةُ فَيَنْتَقِل فِيهَا الْقَائِمُ إِلَى الْقُعُودِ بِالْمَرَضِ الَّذِي يُشَوِّشُ عَلَيْهِ الْخُشُوعَ وَالأَْذْكَارَ، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهَا الضَّرُورَةُ وَلاَ الْعَجْزُ عَنْ تَصْوِيرِ الْقِيَامِ اتِّفَاقًا، وَيُشْتَرَطُ فِي الاِنْتِقَال مِنَ الْقُعُودِ إِلَى الاِضْطِجَاعِ عُذْرًا أَشَقَّ مِنْ عُذْرِ الاِنْتِقَال مِنَ الْقِيَامِ إِلَى الْقُعُودِ، لأَِنَّ الاِضْطِجَاعَ مُنَافٍ لِتَعْظِيمِ الْعِبَادَاتِ وَلاَ سِيَّمَا وَالْمُصَلِّي مُنَاجٍ رَبَّهُ (٢) .

_________

(١) قواعد الأحكام ٢ / ٨ - ٩، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٨١.

(٢) قواعد الأحكام ٢ / ٩.

وَأَمَّا الأَْعْذَارُ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَاتِ وَالْجُمُعَاتِ فَخَفِيفَةٌ، لأَِنَّ الْجَمَاعَاتِ سُنَّةٌ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِذَلِكَ، وَالْجُمُعَاتِ بَدَلٌ.

وَأَمَّا الصَّوْمُ فَالأَْعْذَارُ فِيهِ خَفِيفَةٌ كَالسَّفَرِ وَالْمَرَضِ الَّذِي يَشُقُّ الصَّوْمُ مَعَهُ لِمَشَقَّةِ الصَّوْمِ عَلَى الْمُسَافِرِ، وَهَذَانِ عُذْرَانِ خَفِيفَانِ، وَمَا كَانَ أَشَدَّ مِنْهُمَا كَالْخَوْفِ عَلَى الأَْطْرَافِ وَالأَْرْوَاحِ كَانَ أَوْلَى بِجَوَازِ الْفِطْرِ.

وَأَمَّا التَّيَمُّمُ: فَقَدْ جَوَّزَهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ تَارَةً بِأَعْذَارٍ خَفِيفَةٍ، وَمَنَعَهُ تَارَةً عَلَى قَوْلٍ بِأَعْذَارٍ أَثْقَل مِنْهَا، وَالأَْعْذَارُ عِنْدَهُ رُتَبٌ مُتَفَاوِتَةٌ فِي الْمَشَقَّةِ.

الرُّتْبَةُ الأُْولَى: مَشَقَّةٌ فَادِحَةٌ كَالْخَوْفِ عَلَى النَّفُوسِ وَالأَْعْضَاءِ، وَمَنَافِعِ الأَْعْضَاءِ فَيُبَاحُ بِهَا التَّيَمُّمُ.

الرُّتْبَةُ الثَّانِيَةُ: مَشَقَّةٌ دُونَ هَذِهِ الْمَشَقَّةِ فِي الرُّتْبَةِ كَالْخَوْفِ مِنْ حُدُوثِ الْمَرَضِ الْمَخُوفِ فَهَذَا مُلْحَقٌ بِالرُّتْبَةِ الْعُلْيَا عَلَى الأَْصَحِّ.

الرُّتْبَةُ الثَّالِثَةُ: خَوْفُ إِبْطَاءِ الْبُرْءِ وَشِدَّةُ الضَّنَى فَفِي إِلْحَاقِهِ بِالرُّتْبَةِ الثَّانِيَةِ خِلاَفٌ وَالأَْصَحُّ الإِْلْحَاقُ.

الرُّتْبَةُ الرَّابِعَةُ: خَوْفُ الشَّيْنِ إِنْ كَانَ بَاطِنًا لَمْ يَكُنْ عُذْرًا، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فَفِيهِ خِلاَفٌ وَالْمُخْتَارُ الإِْبَاحَةُ، وَقَدْ جَوَّزَ الشَّافِعِيُّ التَّيَمُّمَ

بِمَشَاقَّ خَفِيفَةٍ دُونَ هَذِهِ الْمَشَاقِّ (١) .

١٤ - وَلاَ تَخْتَصُّ الْمَشَاقُّ بِالْعِبَادَاتِ بَل تَجْرِي فِي الْمُعَامَلاَتِ مِثَالُهُ: الْغَرَرُ فِي الْبُيُوعِ وَهُوَ أَيْضًا ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ:

أَحَدُهَا: مَا يَعْسُرُ اجْتِنَابُهُ كَبَيْعِ الْفُسْتُقِ وَالْبُنْدُقِ وَالرُّمَّانِ وَالْبِطِّيخِ فِي قُشُورِهَا فَيُعْفَى عَنْهُ.

الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لاَ يَعْسُرُ اجْتِنَابُهُ فَلاَ يُعْفَى عَنْهُ.

الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا يَقَعُ بَيْنَ الرُّتْبَتَيْنِ وَفِيهِ اخْتِلاَفٌ، مِنْهُمْ مَنْ يُلْحِقُهُ بِمَا عَظُمَتْ مَشَقَّتُهُ لاِرْتِفَاعِهِ عَمَّا خَفَّتْ مَشَقَّتُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْحِقُهُ بِمَا خَفَّتْ مَشَقَّتُهُ لاِنْحِطَاطِهِ عَمَّا عَظُمَتْ مَشَقَّتُهُ، إِلاَّ أَنَّهُ تَارَةً يَعْظُمُ الْغَرَرُ فِيهِ فَلاَ يُعْفَى عَنْهُ عَلَى الأَْصَحِّ كَبَيْعِ الْجَوْزِ الأَْخْضَرِ فِي قِشْرَتِهِ (٢) .

١٥ - وَإِذَا كَانَتِ الْمَشَاقُّ تَنْقَسِمُ إِلَى مَا هُوَ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الشِّدَّةِ وَإِلَى مَا هُوَ فِي أَدْنَاهَا، وَإِلَى مَا يَتَوَسَّطُ بَيْنَهُمَا، فَكَيْفَ تُعْرَفُ الْمَشَاقُّ الْمُتَوَسِّطَةُ الْمُبِيحَةُ الَّتِي لاَ ضَابِطَ لَهَا، مَعَ أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ رَبَطَ التَّخْفِيفَاتِ بِالشَّدِيدِ وَالأَْشَدِّ وَالشَّاقِّ وَالأَْشَقِّ، مَعَ أَنَّ مَعْرِفَةَ الشَّدِيدِ وَالشَّاقِّ مُتَعَذِّرَةٌ لِعَدَمِ الضَّابِطِ؟ وَأَجَابَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ بِقَوْلِهِ: لاَ وَجْهَ لِضَبْطِ هَذَا وَأَمْثَالِهِ إِلاَّ

_________

(١) قواعد الأحكام ٢ / ٩ - ١٠.

(٢) المرجع السابق.

بِالتَّقْرِيبِ، فَإِنَّ مَا لاَ يُحَدُّ ضَابِطُهُ لاَ يَجُوزُ تَعْطِيلُهُ وَيَجِبُ تَقْرِيبُهُ، فَالأَْوْلَى فِي ضَابِطِ مَشَاقِّ الْعِبَادَاتِ أَنْ تُضْبَطَ مَشَقَّةُ كُل عِبَادَةٍ بِأَدْنَى الْمَشَاقِّ الْمُعْتَبَرَةِ فِي تِلْكَ الْعِبَادَةِ، فَإِنْ كَانَتْ مِثْلَهَا أَوْ أَزْيَدَ ثَبَتَتِ الرُّخْصَةُ بِهَا، وَلَنْ يُعْلَمَ التَّمَاثُل إِلاَّ بِالزِّيَادَةِ، إِذْ لَيْسَ فِي قُدْرَةِ الْبَشَرِ الْوُقُوفُ عَلَى تَسَاوِي الْمَشَاقِّ، فَإِذَا زَادَتْ إِحْدَى الْمَشَقَّتَيْنِ عَلَى الأُْخْرَى عُلِمَا أَنَّهُمَا قَدِ اسْتَوَتَا، فَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْمَشَقَّةُ الدُّنْيَا مِنْهُمَا كَانَ ثُبُوتُ التَّخْفِيفِ وَالتَّرْخِيصِ بِسَبَبِ الزِّيَادَةِ، وَأَمْثَال ذَلِكَ أَنَّ التَّأَذِّي بِالْقَمْل مُبِيحٌ لِلْحَلْقِ فِي حَقِّ النَّاسِكِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ تَأَذِّيهِ بِالأَْمْرَاضِ بِمِثْل مَشَقَّةِ الْقَمْل (١) .

كَذَلِكَ سَائِرُ الْمَشَاقِّ الْمُبِيحَةِ لِلُّبْسِ وَالطِّيبِ وَالدُّهْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَحْظُورَاتِ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ تُقَرَّبَ الْمَشَاقُّ الْمُبِيحَةُ لِلتَّيَمُّمِ بِأَدْنَى مَشَقَّةٍ أُبِيحَ بِمِثْلِهَا التَّيَمُّمُ، وَفِي هَذَا إِشْكَالٌ، فَإِنَّ مَشَقَّةَ الزِّيَادَةِ الْيَسِيرَةِ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْل وَمَشَقَّةَ الاِنْقِطَاعِ مِنْ سَفَرِ النُّزْهَةِ خَفِيفَةٌ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ بِهَا الأَْمْرَاضُ، وَأَمَّا الْمُبِيحُ لِلْفِطْرِ فَيَنْبَغِي أَنْ تُقَرَّبَ مَشَقَّتُهُ بِمَشَقَّةِ الصِّيَامِ فِي الْحَضَرِ، فَإِذَا شَقَّ الصَّوْمُ مَشَقَّةً تُرْبِي عَلَى مَشَقَّةِ الصَّوْمِ فِي الْحَضَرِ فَلْيَجُزِ الإِْفْطَارُ بِذَلِكَ.

وَلِهَذَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا مَقَادِيرُ الإِْغْرَارِ فِي

_________

(١) قواعد الأحكام ٢ / ١٢ - ١٣.

الْمُعَامَلاَتِ، وَمِنْهَا تَوَقَانُ الْجَائِعِ إِلَى الطَّعَامِ وَقَدْ حَضَرَتِ الصَّلاَةُ، وَمِنْهَا التَّأَذِّي بِالرِّيَاحِ الْبَارِدَةِ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ، كَذَلِكَ التَّأَذِّي بِالْمَشْيِ فِي الْوَحْل (١) .

ضَابِطُ الْمَشَقَّةِ

١٦ - يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْمَشَقَّةُ عَامَّةً، وَوُقُوعُهَا كَثِيرًا، فَلَوْ كَانَ وُقُوعُهَا نَادِرًا لَمْ تُرَاعَ الْمَشَقَّةُ، وَالْمَشَقَّةُ يَخْتَلِفُ ضَابِطُهَا بِاخْتِلاَفِ أَعْذَارِهَا، كَمَا فِي التَّيَمُّمِ، إِذْ يُعْدَل عَنِ الْمَاءِ إِذَا خِيفَ إِتْلاَفُ عُضْوٍ أَوْ بُطْءُ الْبُرْءِ أَوْ شَيْنٌ فَاحِشٌ (٢) .

قَال الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: إِنْ قِيل مَا ضَابِطُ الْفِعْل الشَّاقِّ الَّذِي يُؤْجَرُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا يُؤْجَرُ عَلَى الْخَفِيفِ؟ قُلْتُ: إِذَا اتَّحَدَ الْفِعْلاَنِ فِي الشَّرَفِ وَالشَّرَائِطِ وَالسُّنَنِ وَالأَْرْكَانِ - وَكَانَ أَحَدُهُمَا - شَاقًّا فَقَدِ اسْتَوَيَا فِي أَجْرِهِمَا لِتَسَاوِيهِمَا فِي جَمِيعِ الْوَظَائِفِ وَانْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِتَحَمُّل الْمَشَقَّةِ لأَِجْل اللَّهِ ﷾، فَأُثِيبَ عَلَى تَحَمُّل الْمَشَقَّةِ لاَ عَلَى عَيْنِ الْمَشَاقِّ، إِذْ لاَ يَصِحُّ التَّقَرُّبُ بِالْمَشَاقِّ لأَِنَّ الْقُرَبَ كُلَّهَا تَعْظِيمٌ لِلرَّبِّ ﷾ وَلَيْسَ عَيْنُ الْمَشَاقِّ تَعْظِيمًا وَلاَ تَوْقِيرًا، وَيَدُل عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ تَحَمَّل مَشَقَّةً فِي خِدْمَةِ إِنْسَانٍ فَإِنَّهُ يَرَى ذَلِكَ لَهُ لأَِجْل كَوْنِهِ شَقَّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا

_________

(١) قواعد الأحكام ٢ / ١٣.

(٢) المنثور في القواعد للزركشي ٣ / ١٧١ - ١٧٢.

يَرَاهُ لَهُ بِسَبَبِ تَحَمُّل مَشَقَّةِ الْخِدْمَةِ لأَِجْلِهِ.

وَيَخْتَلِفُ أَجْرُ تَحَمُّل الْمَشَاقِّ بِشِدَّةِ الْمَشَاقِّ وَخِفَّتِهَا (١) .

وَقَال الشَّاطِبِيُّ: كَمَا أَنَّ الْمَشَقَّةَ تَكُونُ دُنْيَوِيَّةً، كَذَلِكَ تَكُونُ أُخْرَوِيَّةً، فَإِنَّ الأَْعْمَال إِذَا كَانَ الدُّخُول فِيهَا يُؤَدِّي إِلَى تَعْطِيل وَاجِبٍ أَوْ فِعْل مُحَرَّمٍ فَهُوَ أَشَدُّ مَشَقَّةً - بِاعْتِبَارِ الشَّرْعِ - مِنَ الْمَشَقَّةِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مُخِلَّةٍ بِدِينٍ، وَاعْتِبَارُ الدِّينِ مُقَدَّمٌ عَلَى اعْتِبَارِ النَّفْسِ وَالأَْعْضَاءِ وَغَيْرِهَا فِي نَظَرِ الشَّارِعِ، فَالْمَشَقَّةُ الدِّينِيَّةُ مُقَدَّمَةٌ فِي الاِعْتِبَارِ عَلَى الدُّنْيَوِيَّةِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ لِلشَّارِعِ قَصْدٌ فِي إِدْخَال الْمَشَقَّةِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ (٢) .

فَالْمَشَقَّةُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ لِلشَّارِعِ تَكُونُ غَيْرَ مَطْلُوبَةٍ وَلاَ الْعَمَل الْمُؤَدِّي إِلَى الْمَشَقَّةِ الْخَارِجَةِ عَنِ الْمُعْتَادِ مَطْلُوبًا، فَقَدْ نَشَأَ هُنَا نَظَرٌ فِي تَعَارُضِ مَشَقَّتَيْنِ، فَإِنَّ الْمُكَلَّفَ إِنْ لَزِمَ مِنِ اشْتِغَالِهِ بِنَفْسِهِ فَسَادٌ وَمَشَقَّةٌ لِغَيْرِهِ فَيَلْزَمُ أَيْضًا مِنَ الاِشْتِغَال بِغَيْرِهِ فَسَادٌ وَمَشَقَّةٌ فِي نَفْسِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ تَصَدَّى النَّظَرُ فِي وَجْهِ اجْتِمَاعِ الْمَصْلَحَتَيْنِ مَعَ انْتِفَاءِ الْمَشَقَّتَيْنِ إِنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَلاَ بُدَّ مِنَ التَّرْجِيحِ، فَإِذَا كَانَتِ الْمَشَقَّةُ الْعَامَّةُ أَعْظَمَ اعْتُبِرَ جَانِبُهَا

_________

(١) قواعد الأحكام ١ / ٣١.

(٢) الموافقات للشاطبي ٢ / ١٥٣ - ١٥٤.

وَأُهْمِل جَانِبُ الْخَاصَّةِ.

ثُمَّ إِنَّ الْمَشَقَّةَ فِي الأَْعْمَال الْمُعْتَادَةِ مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلاَفِ تِلْكَ الأَْعْمَال فَلَيْسَتِ الْمَشَقَّةُ فِي صَلاَةِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ كَالْمَشَقَّةِ فِي رَكْعَتَيِ الصُّبْحِ، وَلاَ الْمَشَقَّةُ فِي الصَّلاَةِ كَالْمَشَقَّةِ فِي الصِّيَامِ وَلاَ الْمَشَقَّةُ فِي الصِّيَامِ كَالْمَشَقَّةِ فِي الْحَجِّ، وَلاَ الْمَشَقَّةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَالْمَشَقَّةِ فِي الْجِهَادِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَال التَّكْلِيفِ وَلَكِنْ كُل عَمَلٍ فِي نَفْسِهِ لَهُ مَشَقَّةٌ مُعْتَادَةٌ فِيهِ، تُوَازِي مَشَقَّةَ مِثْلِهِ مِنَ الأَْعْمَال الْعَادِيَّةِ (١) .

الْمَوَاطِنُ الَّتِي تُظَنُّ فِيهَا الْمَشَقَّةُ وَالأَْحْكَامُ الْمَنُوطَةُ بِهَا:

١٧ - شَرَعَ الإِْسْلاَمُ أَنْوَاعًا مِنَ الرُّخَصِ لِظُرُوفٍ تُوجِدُ لِلْمُكَلَّفِ نَوْعًا مِنَ الْمَشَقَّةِ الَّتِي تُثْقِل كَاهِلَهُ وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَسْبَابَ التَّخْفِيفِ فِي الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا الَّتِي بُنِيَتْ عَلَى الأَْعْذَارِ وَقَدْ رَخَّصَ الشَّارِعُ لأَِصْحَابِهَا بِالتَّخْفِيفِ عَنْهُمْ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلاَتِ وَالْحُدُودِ وَغَيْرِهَا، فَكُل مَا تَعَسَّرَ أَمْرُهُ وَشَقَّ عَلَى الْمُكَلَّفِ وَضْعُهُ خَفَّفَتْهُ الشَّرِيعَةُ وَمِنْ أَهَمِّ هَذِهِ الأَْعْذَارِ الَّتِي جُعِلَتْ سَبَبًا لِلتَّخْفِيفِ عَنِ الْعِبَادِ وَالْمَوَاطِنِ الَّتِي تُظَنُّ فِيهَا الْمَشَقَّةُ هِيَ: السَّفَرُ - الْمَرَضُ - الْحَمْل - الإِْرْضَاعُ - الشَّيْخُوخَةُ وَالْهَرَمُ -

_________

(١) الموافقات ٢ / ١٥٥ - ١٥٦.