الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧ الصفحة 64

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧

مَشَقَّةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْمَشَقَّةُ فِي اللُّغَةِ: بِمَعْنَى الْجُهْدِ وَالْعَنَاءِ وَالشِّدَّةِ وَالثِّقَل، يُقَال: شَقَّ عَلَيْهِ الشَّيْءُ يَشُقُّ شَقًّا وَمَشَقَّةً إِذَا أَتْعَبَهُ (١)، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَْنْفُسِ﴾ (٢) مَعْنَاهُ: إِلاَّ بِجُهْدِ الأَْنْفُسِ، وَالشِّقُّ: الْمَشَقَّةُ، وَقَال فِي الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ: وَشَقَّ الأَْمْرُ عَلَيْنَا يَشُقُّ مِنْ بَابِ قَتَل أَيْضًا فَهُوَ شَاقٌّ، وَشَقَّ عَلَيَّ الأَْمْرُ يَشُقُّ شَقًّا وَمَشَقَّةً أَيْ ثَقُل عَلَيَّ (٣) وَالْمَشَقَّةُ اسْمٌ مِنْهُ.

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْحَرَجُ:

٢ - الْحَرَجُ فِي اللُّغَةِ: بِمَعْنَى الضِّيقِ، وَحَرِجَ صَدْرُهُ حَرَجًا مِنْ بَابِ تَعِبَ: ضَاقَ (٤) .

_________

(١) لسان العرب، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٢ / ٤٩١.

(٢) سورة النحل / ٧.

(٣) المصباح المنير.

(٤) لسان العرب، والمصباح المنير، والقاموس المحيط، والصحاح في اللغة.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الْحَرَجُ مَا فِيهِ مَشَقَّةٌ فَوْقَ الْمُعْتَادِ (١) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمَشَقَّةِ وَالْحَرَجِ هِيَ: أَنَّ الْحَرَجَ أَخَصُّ مِنَ الْمَشَقَّةِ.

ب - الرُّخْصَةُ:

٣ - الرُّخْصَةُ فِي اللُّغَةِ: الْيُسْرُ وَالسُّهُولَةُ يُقَال: رَخُصَ السِّعْرُ إِذَا تَرَاجَعَ وَسَهُل الشِّرَاءُ (٢) .

وَاصْطِلاَحًا: عِبَارَةٌ عَمَّا وُسِّعَ لِلْمُكَلَّفِ فِي فِعْلِهِ لِعُذْرٍ وَعَجْزٍ عَنْهُ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْمُحَرِّمِ: كَتَنَاوُل الْمَيْتَةِ عِنْدَ الاِضْطِرَارِ، وَجَوَازِ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ لِلْمُسَافِرِ (٣) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمَشَقَّةِ وَالرُّخْصَةِ: هِيَ أَنَّ الْمَشَقَّةَ سَبَبٌ لِلرُّخْصَةِ.

ج - الضَّرُورَةُ:

٤ - الضَّرُورَةُ اسْمٌ مِنَ الاِضْطِرَارِ (٤) .

وَفِي الشَّرْعِ: بُلُوغُ الإِْنْسَانِ حَدًّا إِنْ لَمْ يَتَنَاوَل الْمَمْنُوعَ هَلَكَ أَوْ قَارَبَ (٥) .

وَالصِّلَةُ هِيَ أَنَّ الْمَشَقَّةَ أَعَمُّ مِنَ الضَّرُورَةِ.

_________

(١) الموافقات للشاطبي ٢ / ١٥٩.

(٢) التعريفات للجرجاني، والمصباح المنير.

(٣) الموافقات للشاطبي ١ / ٣٠١، والتعريفات للجرجاني والمستصفى للغزالي ١ / ٩٨ - ٩٩.

(٤) المصباح المنير، والمنثور في القواعد للزركشي ٢ / ٣١٩، والأشباه للسيوطي ص ٨٥.

(٥) المنثور في القواعد ٢ / ٣١٩، والأشباه للسيوطي ص ٨٥.

د - الْحَاجَةُ

٥ - الْحَاجَةُ تُطْلَقُ عَلَى الاِفْتِقَارِ، وَعَلَى مَا يُفْتَقَرُ إِلَيْهِ مَعَ مَحَبَّتِهِ (١) .

وَاصْطِلاَحًا: مَا يُفْتَقَرُ إِلَيْهَا مِنْ حَيْثُ التَّوْسِعَةُ وَرَفْعُ الضِّيقِ الْمُؤَدِّي فِي الْغَالِبِ إِلَى الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ اللاَّحِقَةِ بِفَوْتِ الْمَطْلُوبِ.

وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَشَقَّةِ وَالْحَاجَةِ أَنَّ الْحَاجَةَ وَإِنْ كَانَتْ حَالَةَ جُهْدٍ فَهِيَ دُونَ الْمَشَقَّةِ وَمَرْتَبَتُهَا أَدْنَى مِنْهَا (٢) .

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَشَقَّةِ:

أَوَّلًا: أَوْجُهُ الْمَشَقَّةِ

٦ - يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمَشَقَّةِ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ وَرُخَصٌ مُتَعَدِّدَةٌ، تَعْتَمِدُ عَلَى نَوْعِ الْمَشَقَّةِ وَدَرَجَتِهَا.

وَلاَ تَخْلُو جَمِيعُ التَّكَالِيفِ فِي الشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ مِنْ جِنْسِ الْمَشَقَّةِ أَصْلًا، بَل إِنَّ التَّكْلِيفَ مَا سُمِّيَ بِهَذَا إِلاَّ لأَِنَّهُ طَلَبُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ وَمَشَقَّةٌ، فَلاَ يَخْلُو شَيْءٌ مِنَ التَّكَالِيفِ مِنَ الْمَشَقَّةِ وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي أَنَّ أَوْجُهَ الْمَشَقَّةِ أَرْبَعَةٌ.

الْوَجْهُ الأَْوَّل: مَشَقَّةُ مَا لاَ يُطَاقُ

٧ - وَهِيَ الْمَشَقَّةُ الَّتِي لاَ يَقْدِرُ الْعَبْدُ عَلَى حَمْلِهَا أَصْلًا، فَهَذَا النَّوْعُ لَمْ يَرِدِ التَّكْلِيفُ بِهِ فِي الشَّرْعِ أَصْلًا، إِذْ لاَ قُدْرَةَ لِلْمُكَلَّفِ عَلَيْهِ فِي

_________

(١) المفردات للراغب الأصبهاني.

(٢) الموافقات للشاطبي ٢ / ١٠، ١١، والأشباه للسيوطي ص ٨٥.

الْعَادَةِ فَلاَ يَقَعُ التَّكْلِيفُ بِهِ شَرْعًا، وَإِنْ جَازَ عَقْلًا، فَتَكْلِيفُ مَا لاَ يُطَاقُ يُسَمَّى مَشَقَّةً مِنْ حَيْثُ كَانَ تَكَلُّفُ الإِْنْسَانِ نَفْسَهُ بِحَمْلِهِ مُوقِعًا فِي عَنَاءٍ وَتَعَبٍ لاَ يُجْدِي، كَالْمُقْعَدِ إِذَا تَكَلَّفَ الْقِيَامَ، وَالإِْنْسَانُ إِذَا تَكَلَّفَ الطَّيَرَانَ فِي الْهَوَاءِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَحِينَ اجْتَمَعَ مَعَ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ الشَّاقُّ الْحَمْل إِذَا تَحَمَّل فِي نَفْسِ الْمَشَقَّةِ سُمِّيَ الْعَمَل شَاقًّا وَالتَّعَبُ فِي تَكَلُّفِ حَمْلِهِ مَشَقَّةٌ (١) .

الْوَجْهُ الثَّانِي: الْمَشَقَّةُ الَّتِي تُطَاقُ لَكِنْ فِيهَا شِدَّةٌ:

٨ - الْمَشَقَّةُ الَّتِي تُطَاقُ وَيُمْكِنُ احْتِمَالُهَا، لَكِنْ فِيهَا شِدَّةٌ، وَهَذَا الْوَجْهُ يَكُونُ خَاصًّا بِالْمَقْدُورِ عَلَيْهِ إِلاَّ أَنَّهُ خَارِجٌ عَنِ الْمُعْتَادِ فِي الأَْعْمَال الْعَادِيَةِ، بِحَيْثُ يُشَوِّشُ عَلَى النَّفُوسِ فِي تَصَرُّفِهَا وَيُقْلِقُهَا فِي الْقِيَامِ بِمَا فِيهِ تِلْكَ الْمَشَقَّةُ.

إِلاَّ أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الْمَشَقَّةُ مُخْتَصَّةً بِأَعْيَانِ الأَْفْعَال الْمُكَلَّفِ بِهَا، بِحَيْثُ لَوْ وَقَعَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً لَوُجِدَتْ فِيهَا، وَهَذَا هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي وُضِعَتْ لَهُ الرُّخَصُ الْمَشْهُورَةُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ، كَالصَّوْمِ فِي الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ، وَالإِْتْمَامِ فِي السَّفَرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.

_________

(١) الموافقات للشاطبي ٢ / ١٠٧، ١١٩ - ١٢٠، ومسلم الثبوت ١ / ١٢٣، وقواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ٢ / ٧.

وَالثَّانِي: أَنْ لاَ تَكُونَ مُخْتَصَّةً وَلَكِنْ إِذَا نَظَرَ إِلَى كُلِّيَّاتِ الأَْعْمَال وَالدَّوَامِ عَلَيْهَا صَارَتْ شَاقَّةً وَلَحِقَتِ الْمَشَقَّةُ الْعَامِل بِهَا، وَيُوجَدُ هَذَا فِي النَّوَافِل وَحْدَهَا إِذَا تَحَمَّل الإِْنْسَانُ مِنْهَا فَوْقَ مَا يَحْتَمِلُهُ عَلَى وَجْهٍ مَا إِلاَّ أَنَّهُ فِي الدَّوَامِ يُتْعِبُهُ (١) .

وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَقْصِدْ إِلَى التَّكْلِيفِ بِالشَّاقِّ وَالإِْعْنَاتِ فِيهِ، وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ النُّصُوصُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَْغْلاَل الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (٢)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِل عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (٣) وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٤) وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَل عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٥)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِْنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٦)، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلاَّ اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا (٧)

_________

(١) الموافقات ٢ / ١٢٠، ومسلم الثبوت ١ / ١٢٣، وقواعد الأحكام ٢ / ٧.

(٢) سورة الأعراف / ١٥٧.

(٣) سورة البقرة / ٢٨٦.

(٤) سورة البقرة / ٢٨٦.

(٥) سورة الحج / ٧٨.

(٦) سورة النساء / ٢٨.

(٧) حديث عائشة: " أن النبي ﷺ ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ". أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ٨٦) ومسلم (٤ / ١٨١٣) واللفظ لمسلم.

وَإِنَّمَا قَالَتْ: مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا لأَِنَّ تَرْكَ الإِْثْمِ لاَ مَشَقَّةَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ كَانَ مُجَرَّدَ تَرْكٍ إِلَى أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا فِي هَذَا الْمَعْنَى وَلَوْ كَانَ قَاصِدًا لِلْمَشَقَّةِ لَمَا كَانَ مُرِيدًا لِلْيُسْرِ وَلاَ لِلتَّخْفِيفِ وَلَكَانَ مُرِيدًا لِلْحَرَجِ وَالْعُسْرِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ.

كَمَا يُسْتَدَل عَلَى ذَلِكَ بِمَا ثَبَتَ أَيْضًا مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الرُّخَصِ، وَهُوَ أَمْرٌ مَقْطُوعٌ بِهِ وَمِمَّا عُلِمَ مِنْهُ دِينُ الأُْمَّةِ بِالضَّرُورَةِ: كَرُخَصِ السَّفَرِ، وَالْفِطْرِ، وَالْجَمْعِ، وَتَنَاوُل الْمُحَرَّمَاتِ فِي الاِضْطِرَارِ (١)، فَإِنَّ هَذَا نَمَطٌ يَدُل قَطْعًا عَلَى مُطْلَقِ رَفْعِ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ، وَكَذَلِكَ بِمَا جَاءَ فِي النَّهْيِ عَنِ التَّعَمُّقِ وَالتَّكَلُّفِ وَالتَّسَبُّبِ فِي الاِنْقِطَاعِ عَنْ دَوَامِ الأَْعْمَال، وَلَوْ كَانَ الشَّارِعُ قَاصِدًا لِلْمَشَقَّةِ فِي التَّكْلِيفِ لَمَا كَانَ ثَمَّ تَرْخِيصٌ وَلاَ تَخْفِيفٌ وَهُوَ يَدُل عَلَى عَدَمِ قَصْدِ الشَّارِعِ إِلَيْهِ (٢)، فَإِنَّهُ لاَ يُنَازَعُ فِي أَنَّ الشَّارِعَ قَاصِدٌ لِلتَّكْلِيفِ بِمَا يَلْزَمُ فِيهِ كُلْفَةٌ وَمَشَقَّةٌ مَا، وَلَكِنْ لاَ تُسَمَّى فِي الْعَادَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ مَشَقَّةً كَمَا لاَ يُسَمَّى فِي الْعَادَةِ مَشَقَّةً طَلَبُ الْمَعَاشِ بِالتَّحَرُّفِ وَسَائِرِ الصَّنَائِعِ، لأَِنَّهُ مُمْكِنٌ مُعْتَادٌ لاَ يَقْطَعُ مَا فِيهِ مِنَ الْكُلْفَةِ عَنِ الْعَمَل فِي الْغَالِبِ الْمُعْتَادِ، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى يَرْجِعُ الْفَرْقُ بَيْنَ

_________

(١) الموافقات للشاطبي ٢ / ١٢٢.

(٢) الموافقات ٢ / ١٢٢ - ١٢٣.

الْمَشَقَّةِ الَّتِي لاَ تُعَدُّ مَشَقَّةً عَادَةً، وَالَّتِي تُعَدُّ مَشَقَّةً، وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْعَمَل يُؤَدِّي الدَّوَامُ عَلَيْهِ إِلَى الاِنْقِطَاعِ عَنْهُ أَوْ عَنْ بَعْضِهِ وَإِلَى وُقُوعِ خَلَلٍ فِي صَاحِبِهِ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالٍ، أَوْ حَالٍ مِنْ أَحْوَالِهِ فَالْمَشَقَّةُ هُنَا خَارِجَةٌ عَنِ الْمُعْتَادِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ فَلاَ يُعَدُّ فِي الْعَادَةِ مَشَقَّةً وَإِنْ سُمِّيَتْ كُلْفَةً (١) .

فَمَا تَضَمَّنَ التَّكْلِيفَ الثَّابِتَ عَلَى الْعِبَادِ مِنَ الْمَشَقَّةِ الْمُعْتَادَةِ أَيْضًا لَيْسَ بِمَقْصُودِ الطَّلَبِ لِلشَّارِعِ مِنْ جِهَةِ نَفْسِ الْمَشَقَّةِ، بَل مِنْ جِهَةِ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَائِدَةِ عَلَى الْمُكَلَّفِ (٢) .

الْوَجْهُ الثَّالِثُ: الزِّيَادَةُ فِي الْفِعْل عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ:

٩ - وَهُوَ إِذَا كَانَ الْفِعْل خَاصًّا بِالْمَقْدُورِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ فِيهِ مِنَ التَّأْثِيرِ فِي تَعَبِ النَّفْسِ خُرُوجٌ عَنِ الْمُعْتَادِ فِي الأَْعْمَال الْعَادِيَّةِ، وَلَكِنَّ نَفْسَ التَّكْلِيفِ بِهِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَاتُ قَبْل التَّكْلِيفِ شَاقٌّ عَلَى النَّفْسِ، وَلِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ التَّكْلِيفِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ يَقْتَضِي مَعْنَى الْمَشَقَّةِ لأَِنَّ الْعَرَبَ تَقُول: كَلَّفْتُهُ تَكْلِيفًا إِذَا حَمَّلْتَهُ أَمْرًا يَشُقُّ عَلَيْهِ وَأَمَرْتُهُ بِهِ، وَتَكَلَّفْتُ الشَّيْءَ: إِذَا تَحَمَّلْتَهُ عَلَى مَشَقَّةٍ، وَحَمَلْتُ الشَّيْءَ تَكَلَّفْتُهُ: إِذَا لَمْ تُطِقْهُ إِلاَّ تَكَلُّفًا، فَمِثْل

_________

(١) الموافقات ٢ / ١٢٣.

(٢) الموافقات ٢ / ١٢٣ - ١٢٤.

هَذَا يُسَمَّى مَشَقَّةً بِهَذَا الاِعْتِبَارِ، لأَِنَّهُ إِلْقَاءٌ بِالْمَقَالِيدِ وَدُخُول أَعْمَالٍ زَائِدَةٍ عَلَى مَا اقْتَضَتْهُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا (١) .

الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مُلْزِمًا بِمَا قَبْلَهُ:

١٠ - وَهُوَ أَنْ يَكُونَ التَّكْلِيفُ خَاصًّا بِمَا يَلْزَمُ مَا قَبْلَهُ، فَإِنَّ التَّكْلِيفَ إِخْرَاجُ الْمُكَلَّفِ عَنْ هَوَى نَفْسِهِ، وَمُخَالَفَةُ الْهَوَى شَاقَّةٌ عَلَى صَاحِبِ الْهَوَى مُطْلَقًا، وَيَلْحَقُ الإِْنْسَانَ بِسَبَبِهَا تَعَبٌ وَعَنَاءٌ، وَذَلِكَ مَعْلُومٌ فِي الْعَادَاتِ الْجَارِيَةِ فِي الْخَلْقِ، وَذَلِكَ أَنَّ مُخَالَفَةَ مَا تَهْوَى الأَْنْفُسُ شَاقٌّ عَلَيْهَا، وَالشَّارِعُ إِنَّمَا قَصَدَ بِوَضْعِ شَرِيعَةٍ إِخْرَاجَ الْمُكَلَّفِ عَنِ اتِّبَاعِ هَوَاهُ حَتَّى يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ، فَإِذًا مُخَالَفَةُ الْهَوَى لَيْسَتْ مِنَ الْمَشَقَّاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي التَّكْلِيفِ (٢) .

ثَانِيًا: الْقَوَاعِدُ الْفِقْهِيَّةُ الْمُنَظِّمَةُ لأَِحْكَامِ الْمَشَقَّةِ:

١١ - وَضَعَ الْفُقَهَاءُ مَجْمُوعَةً مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ لِضَبْطِ أَحْكَامِ الْمَشَقَّةِ، وَمِنْ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ (الْمَشَقَّةُ تَجْلُبُ التَّيْسِيرَ) يَعْنِي أَنَّ الصُّعُوبَةَ تَصِيرُ سَبَبًا لِلتَّسْهِيل، وَيَلْزَمُ التَّوْسِيعُ فِي وَقْتِ الْمُضَايَقَةِ.

وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الأَْصْل كَثِيرٌ مِنَ الأَْحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ كَالْقَرْضِ وَالْحَوَالَةِ وَالْحَجْرِ وَغَيْرِ

_________

(١) الموافقات ٢ / ١٢١.

(٢) الموافقات ٢ / ١٢١ - ١٥٣.

ذَلِكَ، وَمَا جَوَّزَهُ الْفُقَهَاءُ مِنَ الرُّخَصِ وَالتَّخْفِيفَاتِ فِي الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مُسْتَنْبَطٌ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ:

وَتُعْتَبَرُ الْمَشَقَّةُ سَبَبًا هَامًّا مِنْ أَسْبَابِ الرُّخَصِ، وَهِيَ تَخْتَلِفُ بِالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، بِحَسَبِ الأَْحْوَال، وَبِحَسَبِ قُوَّةِ الْعَزَائِمِ وَضَعْفِهَا، وَبِحَسَبِ الأَْعْمَال، فَلَيْسَ لِلْمَشَقَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي التَّخْفِيفَاتِ ضَابِطٌ مَخْصُوصٌ، وَلاَ حَدٌّ مَحْدُودٌ يَطَّرِدُ فِي جَمِيعِ النَّاسِ، وَلِذَلِكَ أَقَامَ الشَّرْعُ السَّبَبَ مَقَامَ الْعِلَّةِ وَاعْتَبَرَ السَّفَرَ لأَِنَّهُ أَقْرَبُ مَظَانِّ وُجُودِ الْمَشَقَّةِ. وَلَيْسَتْ أَسْبَابُ الرُّخَصِ بِدَاخِلَةٍ تَحْتَ قَانُونٍ أَصْلِيٍّ، وَلاَ ضَابِطٍ مَأْخُوذٍ بِالْيَدِ، بَل هِيَ إِضَافِيَّةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُل مُخَاطَبٍ فِي نَفْسِهِ (١) .

وَالأَْصْل فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (&# x٦٦٢ ;) .

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَل عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣)، وَقَوْلُهُ ﷺ: بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَاءِ (٤)، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: أَحَبُّ الأَْدْيَانِ

_________

(١) الموافقات ١ / ٣١٤، ٣ / ١٥٥، ومجلة الأحكام العدلية ص ١٨، وشرح المجلة للأتاسي ١ / ٥١، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٧٥، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٧٦.

(٢) سورة البقرة / ١٨٥.

(٣) سورة الحج / ٧٨.

(٤) حديث: " بعثت بالحنيفية السمحاء ". أخرجه أحمد (٥ / ٢٦٦) من حديث أبي أمامة.

إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ (١) .

وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ وَغَيْرُهُ قَوْلَهُ ﷺ: إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ (٢) .

وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: مَا خُيِّرَ رَسُول اللَّهِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلاَّ اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا (٣) .

وَيَتَخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ جَمِيعُ رُخَصِ الشَّرْعِ وَتَخْفِيفَاتِهِ.

هَذَا وَقَدْ خَرَجَ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَا نُصَّ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَشَقَّةٌ وَعَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى، قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: الْمَشَقَّةُ وَالْحَرَجُ إِنَّمَا يُعْتَبَرَانِ فِي مَوْضِعٍ لاَ نَصَّ فِيهِ وَأَمَّا مَعَ النَّصِّ بِخِلاَفِهِ فَلاَ (٤) .

وَبِمَعْنَى قَاعِدَةِ: الْمَشَقَّةُ تَجْلُبُ التَّيْسِيرَ قَوْل الشَّافِعِيِّ ﵀: " إِذَا ضَاقَ الأَْمْرُ اتَّسَعَ " وَمَعْنَاهَا: إِذَا ظَهَرَتْ مَشَقَّةٌ فِي أَمْرٍ يُرَخَّصُ فِيهِ وَيُوَسَّعُ، فَعَكْسُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ " إِذَا اتَّسَعَ الأَْمْرُ ضَاقَ "، وَمِنْ فُرُوعِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فِي الْحَمَّامَاتِ وَالْمَوَاضِعِ الَّتِي لاَ يَحْضُرُهَا الرِّجَال

_________

(١) حديث: " أحب الأديان إلى الله الحنيفية السمحة ". أخرجه أحمد (١ / ٢٣٦) من حديث ابن عباس، وحسن إسناده ابن حجر في الفتح (١ / ٩٤) .

(٢) حديث: " إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ". أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٥٢٥) .

(٣) حديث عائشة: " ما خير رسول الله. . ". سبق تخريجه في التعليق على ف ٨.

(٤) غمز عيون البصائر ١ / ٢٧١، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٧٧.