الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ لِجَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ إِمْكَانِيَّةَ مُتَابَعَةِ الْمَشْيِ فِيهِ عَادَةً فَلاَ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى خُفٍّ وَاسِعٍ لاَ يَسْتَمْسِكُ عَلَى الْقَدَمِ.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ لِجَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ إِمْكَانِيَّةَ التَّرَدُّدِ فِيهِمَا لِقَضَاءِ الْحَاجَاتِ مُدَّةَ الْمَسْحِ الْمُقَرَّرَةِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُتَّخَذِ مِنْ جِلْدٍ أَوْ غَيْرِهِ كَلِبْدٍ وَزُجَاجٍ وَنَحْوِهِمَا.
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنْ يَكُونَ الْخُفَّانِ مِنْ جِلْدٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ نَحْوِهِ، بِشَرْطِ إِمْكَانِيَّةِ مُتَابَعَةِ الْمَشْيِ فِيهِمَا عُرْفًا، بِشَرْطِ أَنْ يَسْتَمْسِكَ عَلَى الْقَدَمِ (١) . ١٣ ١٥
الشُّرُوطُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا
٩ - أ - أَنْ يَكُونَ الْخُفُّ سَلِيمًا مِنَ الْخُرُوقِ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي مِقْدَارِ الْخَرْقِ الَّذِي مَنَعَ مِنَ الْمَسْحِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ الَّذِي بِهِ خَرْقٌ يَسِيرٌ دَفْعًا لِلْحَرَجِ عَنِ الْمُكَلَّفِينَ، إِذْ أَنَّ الْخِفَافَ لاَ تَخْلُو عَنْ خَرْقٍ فِي الْعَادَةِ، وَمِقْدَارُ ثَلاَثِ أَصَابِعَ مِنْ أَصْغَرِ أَصَابِعِ الْقَدَمِ أَوْ قَدْرُ ثُلُثِ الْقَدَمِ مِقْدَارٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ عِنْدَهُمَا عَلَى التَّوَالِي:
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى خُفٍّ بِهِ خَرْقٌ مَهْمَا كَانَ صَغِيرًا لأَِنَّهُ
_________
(١) مغني المحتاج ١ / ٦٦، والشرح الصغير ١ / ٢٢٩ ومنتهى الإرادات ١ / ٢٢.
عِنْدَئِذٍ لاَ يَكُونُ سَاتِرًا لِجَمِيعِ الْقَدَمِ، وَمَا انْكَشَفَ مِنَ الْقَدَمِ حُكْمُهُ الْغَسْل وَمَا اسْتَتَرَ حُكْمُهُ الْمَسْحُ، وَلاَ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْغَسْل وَالْمَسْحِ فِي آنٍ وَاحِدٍ (١) .
ب - أَنْ يَكُونَ الْخُفُّ مِنَ الْجِلْدِ، وَهَذَا الشَّرْطُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَقَدْ تَمَسَّكُوا بِهَذَا الشَّرْطِ فَلاَ يَجُوزُ عِنْدَهُمُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ الْمُتَّخَذِ مِنَ الْقُمَاشِ كَمَا لاَ يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوَارِبِ الْمَصْنُوعَةِ مِنَ الصُّوفِ أَوِ الْقُطْنِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ إِلاَّ إِذَا كُسِيَتْ بِالْجِلْدِ، كَمَا اشْتَرَطُوا أَنْ يَكُونَ الْجِلْدُ مَخْرُوزًا أَوْ مَخِيطًا، فَلاَ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الَّذِي يَتَمَاسَكُ بِاللِّزْقِ. وَيَرَى الْجُمْهُورُ غَيْرُ الْمَالِكِيَّةِ جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ الْمَصْنُوعِ مِنَ الْجِلْدِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْخُفُّ مَانِعًا مِنْ وُصُول الْمَاءِ إِلَى الْقَدَمِ مَعَ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ الأُْخْرَى، لأَِنَّ الْغَالِبَ فِي الْخُفِّ كَوْنُهُ كَذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ يَسْتَمْسِكُ عَلَى الْقَدَمِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِالشَّدِّ بِوَاسِطَةِ الْعُرَى وَالسُّيُورِ وَالرِّبَاطِ (٢) .
ج - أَنْ يَكُونَ الْخُفُّ مُفْرَدًا، بِأَنْ يَلْبَسَهُ وَحْدَهُ، فَلَوْ لَبِسَ فَوْقَهُ غَيْرَهُ كَمَا هُوَ الْحَال بِالنِّسْبَةِ لِلْجُرْمُوقِ - وَهُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يُلْبَسُ فَوْقَ
_________
(١) منتهى الإرادات ١ / ٢٢، والمجموع ١ / ٥٢٢، ومغني المحتاج ١ / ٦٧ وشرح معاني الآثار ١ / ٩٨.
(٢) الشرح الصغير ١ / ٢٢٩، وجواهر الإكليل ١ / ٢٤، وفتح القدير ١ / ١٢٧.
الْخُفِّ - فَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ.
يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى الْجُرْمُوقِ لِحَدِيثِ رُؤْيَةِ بِلاَل بْنِ رَبَاحٍ ﵁ النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى مُوقَيْهِ وَهُوَ الْجُرْمُوقُ عِنْدَهُمْ (١) .
وَيَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ ثَلاَثَةَ شُرُوطٍ لِصِحَّةِ الْمَسْحِ عَلَى الْجُرْمُوقِ
الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ الأَْعْلَى مِنَ الْجِلْدِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ جِلْدٍ صَحَّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ إِنْ وَصَل الْمَاءُ إِلَى الأَْسْفَل.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الأَْعْلَى صَالِحًا لِلْمَشْيِ فِيهِ وَحْدَهُ.
الثَّالِثُ: أَنْ يُلْبَسَا عَلَى طَهَارَةٍ، فَكَمَا لَبِسَ الأَْسْفَل عَلَى طَهَارَةٍ يَجِبُ أَنْ يَلْبَسَ الأَْعْلَى عَلَى طَهَارَةٍ كَذَلِكَ (٢) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَال النَّوَوِيُّ: الْجُرْمُوقُ: هُوَ الَّذِي يُلْبَسُ فَوْقَ الْخُفِّ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ غَالِبًا - فَإِذَا لَبِسَ خُفًّا فَوْقَ خُفٍّ، فَلَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الأَْعْلَى صَالِحًا لِلْمَسْحِ عَلَيْهِ دُونَ الأَْسْفَل، لِضَعْفِهِ أَوْ لِخَرْقِهِ، فَالْمَسْحُ عَلَى الأَْعْلَى خَاصَّةً.
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١٧٩، وجواهر الإكليل ١ / ٢٤، ٢٥ وحديث بلال ﵁: رأيت النبي ﷺ. . الخ. أخرجه أبو داود (١ / ١٠٦ - ١٠٧)، والحاكم في " المستدرك " (١ / ١٧٠) وقال الحاكم: " هذا حديث صحيح ".
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ١٧٩.
الثَّانِي: عَكْسُهُ، فَالْمَسْحُ عَلَى الأَْسْفَل خَاصَّةً، فَلَوْ مَسَحَ الأَْعْلَى فَوَصَل الْبَلَل إِلَى الأَْسْفَل، فَإِنْ قَصَدَ مَسْحَ الأَْسْفَل أَجْزَأَهُ، وَكَذَا إِنْ قَصَدَهُمَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ قَصَدَ الأَْعْلَى لَمْ يَجُزْ. وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ وَاحِدًا، بَل قَصَدَ الْمَسْحَ فِي الْجُمْلَةِ، أَجْزَأَهُ عَلَى الأَْصَحِّ، لِقَصْدِهِ إِسْقَاطَ فَرْضِ الرِّجْل بِالْمَسْحِ.
الثَّالِثُ: أَنْ لاَ يَصْلُحَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَيُتَعَذَّرُ الْمَسْحُ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَصْلُحَا كِلاَهُمَا، فَفِي الْمَسْحِ عَلَى الأَْعْلَى وَحْدَهُ قَوْلاَنِ: الْقَدِيمُ جَوَازُهُ، وَالْجَدِيدُ مَنْعُهُ.
قُلْتُ: الأَْظْهَرُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ الْجَدِيدُ، وَصَحَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي شَرْحِ " الْفُرُوعِ " الْقَدِيمَ (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: وَإِنْ لَبِسَ خُفًّا فَلَمْ يُحْدِثْ حَتَّى لَبِسَ عَلَيْهِ آخَرَ وَكَانَ الْخُفَّانِ صَحِيحَيْنِ مَسَحَ أَيَّهُمَا شَاءَ، إِنْ شَاءَ مَسَحَ الْفَوْقَانِيَّ لأَِنَّهُ خُفٌّ سَاتِرٌ ثَبَتَ بِنَفْسِهِ، أَشْبَهَ الْمُنْفَرِدَ، وَإِنْ شَاءَ مَسَحَ التَّحْتَانِيَّ، بِأَنْ يُدْخِل يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْفَوْقَانِيِّ فَيَمْسَحُ عَلَيْهِ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَحِلٌّ لِلْمَسْحِ فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَبِسَ أَحَدَ الْجُرْمُوقَيْنِ فِي أَحَدِ الرِّجْلَيْنِ فَوْقَ خُفِّهَا دُونَ الرِّجْل الأُْخْرَى فَلَمْ يَلْبَسْ فِيهَا جَوْرَبًا بَل الْخُفَّ فَقَطْ جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ الَّذِي
_________
(١) الروضة ١ / ١٢٧.
لَبِسَهُ فَوْقَ الْخُفِّ وَعَلَى الْخُفِّ الَّذِي فِي الرِّجْل الأُْخْرَى لأَِنَّ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِهِ وَبِالْخُفِّ الَّذِي فِي الرِّجْل الأُْخْرَى، فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ تَحْتَهُ شَيْءٌ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْخُفَّيْنِ صَحِيحًا وَالآْخَرُ مُفَتَّقًا جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْفَوْقَانِيِّ لأَِنَّهُمَا كَخُفٍّ وَاحِدٍ، وَكَذَا إِنْ لَبِسَ عَلَى صَحِيحٍ مُخَرَّقًا نَصَّ عَلَيْهِ، وَلاَ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ التَّحْتَانِيِّ إِذَا كَانَ أَحَدُ الْخُفَّيْنِ صَحِيحًا وَالآْخَرُ مُفَتَّقًا إِلاَّ أَنْ يَكُونَ التَّحْتَانِيُّ هُوَ الصَّحِيحُ فَيَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ سَاتِرٌ بِنَفْسِهِ أَشْبَهَ مَا لَوِ انْفَرَدَ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا كَانَ الْفَوْقَانِيُّ هُوَ الصَّحِيحُ فَلاَ يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى التَّحْتَانِيِّ، لأَِنَّهُ غَيْرُ سَاتِرٍ بِنَفْسِهِ، قَال فِي الإِْنْصَافِ: وَكُلٌّ مِنَ الْخُفِّ الْفَوْقَانِيِّ وَالتَّحْتَانِيِّ بَدَلٌ مُسْتَقِلٌّ مِنَ الْغَسْل عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ كَانَ الْخُفَّانِ مُخَرَّقَيْنِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا فَوْقَ الآْخَرِ وَسَتَرَا مَحِل الْفَرْضِ لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا وَلاَ عَلَى أَحَدِهِمَا، لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ صَالِحٍ لِلْمَسْحِ عَلَى انْفِرَادِهِ، كَمَا لَوْ لَبِسَ مُخَرَّقًا فَوْقَ لِفَافَةٍ وَإِنْ نَزَعَ الْفَوْقَانِيَّ قَبْل مَسْحِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ كَمَا لَوِ انْفَرَدَ، وَإِنْ تَوَضَّأَ وَلَبِسَ خُفًّا ثُمَّ أَحْدَثَ ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّ الآْخَرَ لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ لَبِسَهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، بَل يَمْسَحُ عَلَى الأَْسْفَل أَوْ مَسَحَ الْخُفَّ الأَْوَّل بَعْدَ حَدَثِهِ ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّ الثَّانِيَ وَلَوْ عَلَى طَهَارَةٍ لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَى الثَّانِي، لأَِنَّ الْخُفَّ
الْمَمْسُوحَ بَدَلٌ عَنْ غَسْل مَا تَحْتَهُ، وَالْبَدَل لاَ يَجُوزُ لَهُ بَدَلٌ آخَرُ، بَل يَمْسَحُ عَلَى الأَْسْفَل لأَِنَّ الرُّخْصَةَ تَعَلَّقَتْ بِهِ، وَإِنْ لَبِسَ خُفًّا عَلَى آخَرَ قَبْل الْحَدَثِ وَمَسَحَ الأَْعْلَى، ثُمَّ نَزَعَ الْمَمْسُوحَ الأَْعْلَى لَزِمَهُ نَزْعُ التَّحْتَانِيِّ وَإِعَادَةُ الْوُضُوءِ، لأَِنَّهُ مَحَل الْمَسْحِ، وَنَزْعُهُ كَنَزْعِهِمَا، وَالرُّخْصَةُ تَعَلَّقَتْ بِهِمَا، فَصَارَ كَانْكِشَافِ الْقَدَمِ (١) .
د - أَنْ يَكُونَ لُبْسُ الْخُفِّ مُبَاحًا:
وَهَذَا الشَّرْطُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، فَهُمْ لاَ يُجَوِّزُونَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ الْمَغْصُوبِ أَوِ الْمَسْرُوقِ أَوِ الْمُتَّخَذِ مِنْ جِلْدِ الْخِنْزِيرِ أَوِ الْحَرِيرِ، وَلَوْ كَانَ لُبْسُ الْمُحَرَّمِ لِضَرُورَةِ الْبَرْدِ وَالثَّلْجِ كَمَا يَرَى ذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُبَاحًا (٢)، وَلاَ يَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ الْمَسْحُ لِلْمُحْرِمِ بِحَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ لأَِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ لُبْسِ الْمَخِيطِ.
هـ - أَنْ لاَ يَكُونَ شَفَّافًا تَظْهَرُ الْقَدَمُ مِنْ خِلاَلِهِ عَلَى تَفْصِيلٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي.
يَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْخُفِّ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مِنْ وُصُول الْمَاءِ إِلَى الْقَدَمِ سَوَاءٌ أَكَانَ رَقِيقًا أَمْ سَمِيكًا، لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ وُصُول الْمَاءِ.
_________
(١) كشاف القناع ١ / ١١٧، ١١٨.
(٢) الشرح الصغير ١ / ٢٢٩، والمجموع ١ / ٥٣١ - ٥٣٤، ٥٣٨، ومغني المحتاج ١ / ٦٦، ٦٧.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْخُفُّ مِنْ جِلْدٍ كَمَا سَبَقَ.
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْخُفِّ أَنْ لاَ يَصِفَ الْبَشَرَةَ لِصَفَائِهِ أَوْ خِفَّتِهِ (١) .
وأَنْ يَبْقَى مِنْ مَحَل الْغَسْل فِي الْوُضُوءِ مِنَ الْقَدَمِ شَيْءٌ.
قَال الْحَنَابِلَةُ: مَنْ لَهُ رِجْلٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يَبْقَ مِنْ فَرْضِ الرِّجْل الأُْخْرَى شَيْءٌ فَلَبِسَ مَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ فِي الْبَاقِيَةِ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ لأَِنَّهُ سَاتِرٌ لِفَرْضِهِ.
قَال الْبُهُوتِيُّ: وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ لَبِسَ خُفًّا فِي إِحْدَى رِجْلَيْهِ مَعَ بَقَاءِ الأُْخْرَى أَوْ بَعْضِهَا وَأَرَادَ الْمَسْحَ عَلَيْهِ وَغَسَل الأُْخْرَى أَوْ مَا بَقِيَ مِنْهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ، بَل يَجِبُ غَسْل مَا فِي الْخُفِّ تَبَعًا لِلَّتِي غَسَلَهَا؛ لِئَلاَّ يَجْمَعَ بَيْنَ الْبَدَل وَالْمُبْدَل فِي مَحِلٍّ وَاحِدٍ (٢) .
كَيْفِيَّةُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَمِقْدَارُهُ
١٠ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْوَاجِبَ الْمَسْحُ بِقَدْرِ ثَلاَثِ أَصَابِعَ مِنْ أَصْغَرِ أَصَابِعِ الْيَدِ عَلَى ظَاهِرِ الْخُفِّ فَقَطْ مَرَّةً وَاحِدَةً.
وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يَبْدَأَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الْقَدَمِ خُطُوطًا إِلَى جِهَةِ السَّاقِ، فَيَضَعُ
_________
(١) منتهى الإرادات ١ / ٢٣، والدر المختار ١ / ٥٠، كشف الحقائق ١ / ٢٤، وجواهر الإكليل ١ / ٢٤.
(٢) كشاف القناع ١ / ١١١، ١١٢.
أَصَابِعَ يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى مُقَدَّمِ خُفِّ رِجْلِهِ الْيُمْنَى، وَيَضَعُ أَصَابِعَ يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى مُقَدَّمِ خُفِّ رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَيُفَرِّجُ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدِهِ قَلِيلًا، بِحَيْثُ يَعُمُّ الْمَسْحُ أَكْبَرَ قَدْرٍ مُمْكِنٍ مِنَ الْخُفِّ، وَلَذَلِكَ لاَ يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى بَاطِنِ الْقَدَمِ وَلاَ عَلَى جَوَانِبِهِ وَلاَ عَلَى عَقِبِهِ وَلاَ سَاقِهِ، كَمَا لاَ يُسَنُّ تَكْرَارُ الْمَسْحِ (١) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وُجُوبَ مَسْحِ جَمِيعِ ظَاهِرِ الْخُفِّ، كَمَا يُسْتَحَبُّ مَسْحُ أَسْفَلِهِ أَيْضًا، فَيَضَعُ أَصَابِعَ يَدِهِ الْيُمْنَى فَوْقَ أَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلِهِ الْيُمْنَى وَيَضَعُ أَصَابِعَ يَدِهِ الْيُسْرَى تَحْتَ أَصَابِعِ رِجْلِهِ الْيُمْنَى، وَيَمُرُّ بِكِلْتَا يَدَيْهِ عَلَى خُفِّ رِجْلِهِ الْيُمْنَى بِاتِّجَاهِ الْكَعْبَيْنِ، وَيَضَعُ أَصَابِعَ يَدِهِ الْيُسْرَى فَوْقَ أَطْرَافِ رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَيَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ أَصَابِعِهَا، وَيَمُرُّ بِكِلْتَا يَدَيْهِ عَلَى خُفِّ رِجْلِهِ الْيُسْرَى بِاتِّجَاهِ الْكَعْبَيْنِ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ قَدْ مَسَحَ جَمِيعَ الْخُفِّ ظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ (٢) .
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْمَسْحَ الْوَاجِبَ هُوَ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمَّى مَسْحٍ فِي مَحِل الْفَرْضِ، وَهُوَ مَسْحُ ظَاهِرِ الْخُفِّ، فَلاَ يَمْسَحُ أَسْفَلَهُ وَلاَ عَقِبَهُ وَلاَ جَوَانِبَهُ، لإِطْلاَقِ الْمَسْحِ بِدُونِ تَقْدِيرٍ، فَيُكْتَفَى بِمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسْحِ، إِلاَّ
_________
(١) تحفة الأحوذي ٣ / ٣٢٤، ٣٢٥، والدر المختار ١ / ٤٨، كشف الحقائق ١ / ٢٤، فتح القدير ١ / ١٣١، ١٣٢، وابن عابدين ١ / ٢٦٧.
(٢) الشرح الصغير ١ / ٢٣٥، أوجز المسالك ١ / ٢٥٢، والفواكه الدواني ١ / ١٨٩.
أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يُعَمِّمَ الْمَسْحَ عَلَى ظَاهِرِ وَبَاطِنِ الْخُفِّ خُطُوطًا (١)، كَالْمَالِكِيَّةِ.
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي مَسْحِ الْخُفِّ هُوَ مَسْحُ أَكْثَرِ مُقَدَّمِ ظَاهِرِ الْخُفِّ خُطُوطًا بِالأَْصَابِعِ، وَلاَ يُسَنُّ مَسْحُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ بَاطِنِ الْخُفِّ أَوْ جَوَانِبِهِ أَوْ عَقِبِهِ أَوْ سَاقِهِ (٢)، لأَِنَّ لَفْظَ الْمَسْحِ وَرَدَ مُطْلَقًا فِي الأَْحَادِيثِ وَفَسَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِفِعْلِهِ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَال: تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى خُفِّهِ الأَْيْمَنِ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى خُفِّهِ الأَْيْسَرِ، ثُمَّ مَسَحَ أَعْلاَهُمَا مَسْحَةً وَاحِدَةً، حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَثَرِ أَصَابِعِهِ عَلَى الْخُفَّيْنِ (٣) .
١٤ نَوَاقِضُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
١١ - يُنْتَقَضُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي الْحَالاَتِ التَّالِيَةِ:
١ - نَوَاقِضُ الْوُضُوءِ، فَكُل مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ يَنْقُضُ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، لأَِنَّ الْمَسْحَ بَدَلٌ عَنْ بَعْضِ الْوُضُوءِ، وَالْبَدَل يَنْقُضُهُ نَاقِضُ الأَْصْل، فَإِذَا انْتَقَضَ وُضُوءُ مَنْ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ تَوَضَّأَ مِنْ جَدِيدٍ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ إِنْ
_________
(١) مغني المحتاج ١ / ٦٧، وروضة الطالبين ١ / ١٣٠.
(٢) منتهى الإرادات ١ / ٢٣، وكشاف القناع ١ / ١١٨.
(٣) فتح القدير ١ / ١٣١. وحديث المغيرة بن شعبة: " توضأ النبي ﷺ ومسح على الخفين ". أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " (١ / ٢٩٢) وضعفه ابن حجر في " التلخيص الحبير " (١ / ١٦١) .
كَانَتْ مُدَّةُ الْمَسْحِ بَاقِيَةً، وَإِلاَّ خَلَعَ خُفَّيْهِ وَغَسَل رِجْلَيْهِ.
٢ - وُجُودُ مُوجِبٍ لِلْغُسْل كَالْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُ هَذِهِ الْمُوجِبَاتِ انْتَقَضَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَوَجَبَ نَزْعُهُمَا وَغَسْل جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَيُجَدِّدُ الْمَسْحَ عَلَى خُفَّيْهِ بَعْدَ لُبْسِهِمَا بَعْدَ تَمَامِ الطَّهَارَةِ إِنْ أَرَادَ ذَلِكَ (١) .
٣ - نَزْعُ الْخُفَّيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، فَإِذَا خَرَجَتْ رِجْلاَهُ أَوْ إِحْدَاهُمَا بِنَزْعِ الْخُفِّ أَوْ بِخُرُوجِ قَدَمَيْهِ أَوْ إِحْدَاهُمَا أَوْ خُرُوجِ أَكْثَرِ الْقَدَمِ خَارِجَ الْخُفِّ انْتَقَضَ الْمَسْحُ، وَذَلِكَ لِمُفَارَقَةِ مَحَل الْمَسْحِ - الْقَدَمَيْنِ - مَكَانَهُ، وَالأَْكْثَرُ لَهُ حُكْمُ الْكُل مِنْ بَابِ التَّغْلِيبِ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَجِبُ غَسْل قَدَمَيْهِ جَمِيعًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ غَيْرِ الْحَنَابِلَةِ لِبُطْلاَنِ طُهْرِهِمَا بِزَوَال الْبَدَل وَهُوَ الْمَسْحُ، وَبِزَوَال الْبَدَل نَرْجِعُ إِلَى الأَْصْل وَهُوَ الْغَسْل. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِذَا نَزَعَ خُفَّيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا أَوْ خَرَجَتْ قَدَمَاهُ أَوْ إِحْدَاهُمَا أَوْ أَكْثَرُهَا مِنَ الْخُفِّ وَجَبَ إِعَادَةُ الْوُضُوءِ كُلِّهِ، لأَِنَّ الْمَسْحَ أُقِيمَ مَقَامَ الْغَسْل فَإِذَا أَزَال الْمَمْسُوحَ بَطَلَتِ الطَّهَارَةُ فِي الْقَدَمَيْنِ فَتَبْطُل فِي جَمِيعِهَا
_________
(١) الشرح الصغير ١ / ٢٣٢، والدر المختار ١ / ٤٩، ٥٠، والفواكه الدواني ١ / ١٩٠، ومغني المحتاج ١ / ٦٨، وروضة الطالبين ١ / ١٣٣، وجواهر الإكليل ١ / ٢٥، وفتح القدير ١ / ١٣٢، ١٣٣.