الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧ الصفحة 52

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧

وَالتَّفْصِيل فِي: (جَبِيرَةٌ ف ٤ وَمَا بَعْدَهَا) .

كَيْفِيَّةُ الْمَسْحِ فِي التَّيَمُّمِ

١٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَسْحَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ مِنْ أَرْكَانِ التَّيَمُّمِ (١)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٢) .

وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (تَيَمُّمٌ فِقْرَةُ ١١) .

مَا يَطْهُرُ بِالْمَسْحِ:

أ - الْجِسْمُ الصَّقِيل:

١٧ - فِي طَهَارَةِ الْجِسْمِ الصَّقِيل بِالْمَسْحِ إِذَا أَصَابَهُ نَجَاسَةٌ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ نَقَلَهُ الْبَاجِيُّ عَنْ مَالِكٍ إِلَى أَنَّهُ يَطْهُرُ بِالْمَسْحِ كُل صَقِيلٍ لاَ مَسَامَّ لَهُ كَمِرْآةٍ، وَظُفُرٍ، وَعَظْمٍ، وَزُجَاجٍ، وَآنِيَةٍ مَدْهُونَةٍ، سَوَاءٌ أَصَابَهُ نَجَسٌ لَهُ جُرْمٌ أَوْ لاَ، رَطْبًا كَانَ أَوْ يَابِسًا، لأَِنَّهُ لِصَلاَبَتِهَا لاَ يَتَدَاخَلُهَا شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَةِ، فَيَزُول بِالْمَسْحِ، وَلأَِنَّ أَصْحَابَ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانُوا يَقْتُلُونَ الْكُفَّارَ بِسُيُوفِهِمْ، ثُمَّ يَمْسَحُونَهَا، وَيُصَلُّونَ مَعَهَا، وَلأَِنَّهُ لاَ تَتَدَاخَلُهَا النَّجَاسَةُ، وَمَا عَلَى ظَاهِرِهِ يَزُول بِالْمَسْحِ.

وَأَمَّا الْحَدِيدُ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ صَدَأٌ أَوْ كَانَ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١٦٣، وبدائع الصنائع ١ / ٥٥ وما بعدها، وحاشية الدسوقي ١ / ١٥٤، ومغني المحتاج ١ / ٩٨، وكشاف القناع ١ / ١٧٣ - ١٧٤.

(٢) سورة المائدة / ٦.

مَنْقُوشًا فَلاَ يَطْهُرُ بِالْمَسْحِ لأَِنَّهُ غَيْرُ صَقِيلٍ، وَكَذَلِكَ الثَّوْبُ الصَّقِيل لاَ يَطْهُرُ بِالْمَسْحِ لأَِنَّ لَهُ مَسَامًّا (١) .

وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يُعْفَى مَا أَصَابَ كُل صَقِيلٍ لاَ مَسَامَّ لَهُ كَسَيْفٍ، وَمِرْآةٍ وَجَوْهَرٍ سَوَاءٌ مَسَحَهُ مِنَ الدَّمِ أَمْ لاَ، وَعَلَّلُوا الْحُكْمَ بِفَسَادِ هَذِهِ الأَْشْيَاءِ بِالْغُسْل، وَبَكَوْنِ الدَّمِ مُبَاحًا كَدَمِ جِهَادٍ وَقِصَاصٍ وَذَبْحٍ وَعَقْرِ صَيْدٍ فَإِذَا كَانَ دَمَ عُدْوَانٍ يَجِبُ الْغَسْل (٢) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَصَابَتِ النَّجَاسَةُ شَيْئًا صَقِيلًا كَسَيْفٍ وَسِكِّينٍ وَمِرْآةٍ لَمْ يَطْهُرْ بِالْمَسْحِ بَل لاَ بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ (٣) .

ب - مَوْضِعُ الْحِجَامَةِ:

١٨ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ يَطْهُرُ بِالْمَسْحِ مَوْضِعُ الْحِجَامَةِ إِذَا مَسَحَهَا بِثَلاَثِ خِرَقٍ رَطَبَاتٍ نِظَافٍ، وَقَاسَ صَاحِبُ الْفَتْحِ عَلَيْهِ مَا حَوْل مَحَل الْفَصْدِ إِذَا تَلَطَّخَ، وَيُخَافُ مِنَ الإِْسَالَةِ السَّرَيَانُ إِلَى الثُّقْبِ (٤) .

وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ فِي مَوْضِعِ الْحِجَامَةِ بِقَوْلِهِمْ: يُعْفَى عَنْ أَثَرِ دَمِ مَوْضِعِ الْحِجَامَةِ أَوِ الْفَصَادَةِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٠٦، ٢٠٩، وبدائع الصنائع ١ / ٨٤، ٨٥، والاختيار ١ / ٣٣، وحاشية الدسوقي ١ / ٧٧، ٧٨.

(٢) حاشية الدسوقي ١ / ٧٧، ٧٨.

(٣) حاشية الجمل ١ / ١٩٠، والمغني ١ / ٥٧.

(٤) ابن عابدين ١ / ٢٠٦، والاختيار ١ / ٣٣.

الْمَوْضِعُ مُسِحَ عَنْهُ الدَّمُ، لِتَضَرُّرِ الْمُحْتَجِمِ مِنْ وُصُول الْمَاءِ لِذَلِكَ الْمَحَل، وَيَسْتَمِرُّ الْعَفْوُ إِلَى أَنْ يَبْرَأَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ، فَإِذَا بَرِئَ غُسِل الْمَوْضِعُ، ثُمَّ إِنَّ مَحَل الْعَفْوِ إِذَا كَانَ أَثَرُ الدَّمِ الْخَارِجِ أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمٍ، وَإِلاَّ فَلاَ يُعْتَبَرُ فِي الْعَفْوِ مَسْحٌ (١) .؟

ج - الْخُفُّ وَالنَّعْل:

١٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ أَصَابَ الْخُفَّ وَالنَّعْل نَجَاسَةٌ: فَإِنْ كَانَتْ رَطْبَةً لاَ تَزُول إِلاَّ بِالْغَسْل كَيْفَمَا كَانَتْ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَطْهُرُ بِالْمَسْحِ عَلَى التُّرَابِ كَيْفَمَا كَانَتْ: مُتَجَسِّدَةً أَوْ مَائِعَةً، وَإِنْ كَانَتْ يَابِسَةً: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا جُرْمٌ كَالْبَوْل، وَالْخَمْرِ، وَالْمَاءِ النَّجَسِ، لاَ يَطْهُرُ إِلاَّ بِالْغَسْل، وَإِنْ كَانَ لَهَا جُرْمٌ كَثِيفٌ: فَإِنْ كَانَ مَنِيًّا فَإِنَّهُ يَطْهُرُ بِالْحَتِّ بِالإِْجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ كَالْعَذِرَةِ وَالدَّمِ الْغَلِيظِ، وَالرَّوْثِ يَطْهُرُ بِالْمَسْحِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لاَ يَطْهُرُ إِلاَّ بِالْغَسْل (٢) .

وَلِلْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي: (طَهَارَةٍ ف ٢٤) .

_________

(١) حاشية الدسوقي ١ / ٧٣.

(٢) بدائع الصنائع ١ / ٨٤، ومراقي الفلاح ص ٤٣ - ٤٤.

مَسْحٌ عَلَى الْخُفَّيْنِ

التَّعْرِيفُ

١ - الْمَسْحُ لُغَةً مَصْدَرُ مَسَحَ، وَمَعْنَاهُ: إِمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الشَّيْءِ بَسْطًا (١) .

وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ: إِصَابَةُ الْبَلَّةِ لِخُفٍّ مَخْصُوصٍ فِي مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ وَزَمَنٍ مَخْصُوصٍ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْغَسْل:

٢ - الْغَسْل لُغَةً بِفَتْحِ الْغَيْنِ مَصْدَرُ غَسَل، وَهُوَ سَيَلاَنُ الْمَاءِ عَلَى الشَّيْءِ مُطْلَقًا.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: إِفَاضَةُ الْمَاءِ الطَّهُورِ عَلَى الشَّيْءِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ (٣) .

وَالصِّلَةُ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْغَسْل يَكُونُ سَبَبًا لإِزَالَةِ الْحَدَثِ.

مَشْرُوعِيَّةُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ:

٢ - ثَبَتَتْ مَشْرُوعِيَّةُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ بِالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الْمُطَهَّرَةِ (٤)، وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ

_________

(١) انظر القاموس المحيط، ومقاييس اللغة، والتعريفات للجرجاني.

(٢) الدر المختار ١ / ١٧٤.

(٣) مختار الصحاح واللباب ١ / ١٤.

(٤) شرح السنة ١ / ٤٦٤، والفتح الرباني ٢ / ٦٩، وأبو داود ١ / ٣٦، وصحيح مسلم ٣ / ١٧٥، وتحفة الأحوذي ١ / ٣١٦.

رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ " لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَل الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلاَهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ (١) .

وَمَا رَوَاهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ بَال ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقِيل لَهُ: أَتَفْعَل هَذَا؟ فَقَال: نَعَمْ، رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ بَال ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ (٢)، وَإِسْلاَمُ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُول الْمَائِدَةِ الَّتِي فِيهَا قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٣)، وَالَّتِي قِيل إِنَّهَا نَاسِخَةٌ لِلْمَسْحِ. وَقَدْ رَوَى مَشْرُوعِيَّةَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَانِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مِنْهُمُ الْعَشَرَةُ (٤) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ:

٤ - الأَْصْل فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ الْجَوَازُ، وَالْغَسْل أَفْضَل عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ رُخْصَةٌ مِنَ الشَّارِعِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ أَنْ

_________

(١) حديث: " لو كان الدين بالرأي. . . ". أخرجه أبو داود (١ / ١١٤) وصححه ابن حجر في " التلخيص الحبير " (١ / ١٦٠) .

(٢) نصب الراية ١ / ١٦٢، وسنن النسائي ١ / ٦٩، وسنن ابن ماجه ١ / ١٠٢، وتحفة الأحوذي ٣ / ٣١٣، ٣١٥.

(٣) سورة المائدة / ٦.

(٤) الدر المختار ١ / ١٧٧.

تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُجْتَنَبَ نَوَاهِيهِ.

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: الأَْفْضَل الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَخْذًا بِالرُّخْصَةِ وَلأَِنَّ كُلًّا مِنَ الْغَسْل وَالْمَسْحِ أَمْرٌ مَشْرُوعٌ (١) .

وَقَدْ يَجِبُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ كَأَنْ خَافَ فَوْتَ عَرَفَةَ أَوْ إِنْقَاذَ أَسِيرٍ أَوِ انْصَبَّ مَاؤُهُ عِنْدَ غَسْل رِجْلَيْهِ وَوَجَدَ بَرْدًا لاَ يَذُوبُ يَمْسَحُ بِهِ، أَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ وَلَوِ اشْتَغَل بِالْغَسْل لَخَرَجَ الْوَقْتُ، أَوْ خَشِيَ أَنْ يَرْفَعَ الإِْمَامُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ الثَّانِي فِي الْجُمُعَةِ، أَوْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ عَلَى مَيِّتٍ وَخِيفَ انْفِجَارُهُ لَوْ غَسَل أَوْ كَانَ لاَبِسَ الْخُفِّ بِشَرْطِهِ مُحْدِثًا وَدَخَل الْوَقْتُ وَعِنْدَهُ مَا يَكْفِي الْمَسْحَ فَقَطْ (٢) .

حِكْمَةُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ:

٥ - الْحِكْمَةُ مِنَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ التَّيْسِيرُ وَالتَّخْفِيفُ عَنِ الْمُكَلَّفِينَ الَّذِينَ يُشَقُّ عَلَيْهِمْ نَزْعُ الْخُفِّ وَغَسْل الرِّجْلَيْنِ خَاصَّةً فِي أَوْقَاتِ الشِّتَاءِ وَالْبَرْدِ الشَّدِيدِ، وَفِي السَّفَرِ وَمَا يُصَاحِبُهُ مِنَ الاِسْتِعْجَال وَمُوَاصَلَةِ السَّفَرِ.

_________

(١) مغني المحتاج ١ / ٦٣، منتهى الإرادات ١ / ٢٣، الشرح الصغير ١ / ٢٢٧، والمجموع ١ / ٥٠٢ والفواكه الدواني ١ / ١٨٧، ١٨٨، وفتح القدير ١ / ١٢٦ - ١٢٨، وابن عابدين ١ / ٢٦٤.

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ١٧٦ ط. بولاق، ونهاية المحتاج ١ / ١٨٤ ومطالب أولي النهى ١ / ١٢٥.

مُدَّةُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ:

٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَوْقِيتِ مُدَّةِ الْمَسْحِ عَلَى رَأْيَيْنِ:

الأَْوَّل: يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ تَوْقِيتَ مُدَّةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي الْحَضَرِ، وَثَلاَثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا لِلْمُسَافِرِ (١)، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَال: جَعَل رَسُول اللَّهِ ﷺ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهِنَّ لِلْمُسَافِرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ (٢) " وَسَوَاءٌ كَانَ سَفَرَ طَاعَةٍ أَوْ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَيَرَوْنَ أَنَّ الْمُسَافِرَ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ يَمْسَحُ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَقَطْ كَالْمُقِيمِ، لأَِنَّ مَا زَادَ يَسْتَفِيدُهُ بِالسَّفَرِ وَهُوَ مَعْصِيَةٌ فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَفَادَ بِهَا رُخْصَةٌ (٣) .

الثَّانِي: يَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ وَلَوْ لِمَعْصِيَةٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ بِزَمَانٍ، فَلاَ يَنْزِعُهُمَا إِلاَّ لِمُوجِبِ الْغُسْل، وَيُنْدَبُ لِلْمُكَلَّفِ نَزْعُهُمَا فِي كُل أُسْبُوعٍ مَرَّةً يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَوْ لَمْ يُرِدِ الْغَسْل لَهَا، وَنَزْعُهُمَا مَرَّةً فِي كُل أُسْبُوعٍ فِي مِثْل الْيَوْمِ الَّذِي لَبِسَهُمَا فِيهِ، فَإِذَا نَزَعَهُمَا لِسَبَبٍ أَوْ لِغَيْرِهِ

_________

(١) فتح القدير ١ / ١٢٧، ١٣٠.

(٢) حديث: " جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام. . ". أخرجه مسلم (١ / ٢٣٢) .

(٣) مغني المحتاج ١ / ٦٤، ومنتهى الإرادات ١ / ٢٢، والمجموع ١ / ٥٠٤، ٥١٠، وروضة الطالبين ١ / ١٣١.

وَجَبَ غَسْل الرِّجْلَيْنِ (١) .

وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ أُبَيُّ بْنُ عِمَارَةَ قَال: قُلْتُ يَا رَسُول اللَّهِ، أَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ قَال: نَعَمْ قُلْتُ: يَوْمًا؟ قَال: يَوْمًا قُلْتُ: يَوْمَيْنِ؟ قَال: يَوْمَيْنِ قُلْتُ: وَثَلاَثَةً:؟ قَال: وَمَا شِئْتَ (٢) ".

وَلأَِنَّهُ مَسَحَ فِي طَهَارَةٍ فَلَمْ يَتَوَقَّتْ بِوَقْتٍ كَمَسْحِ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ، وَلأَِنَّ التَّوْقِيتَ لاَ يُؤَثِّرُ فِي نَقْضِ الطَّهَارَةِ، إِنَّمَا النَّاقِضُ لِلطَّهَارَةِ الْحَدَثُ مِنَ الْبَوْل وَالْغَائِطِ وَالْجَنَابَةِ (٣) .

١٣ ١٥ شُرُوطُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغَسْل، بَل يَجِبُ عَلَيْهِ نَزْعُ الْخُفِّ وَالاِغْتِسَال، كَمَا ذَهَبُوا إِلَى جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ مِنَ الْحَدَثِ الأَْصْغَرِ بِشُرُوطٍ مُعَيَّنَةٍ، وَهَذِهِ الشُّرُوطُ تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ، شُرُوطٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَشُرُوطٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، اشْتَرَطَهَا الْبَعْضُ، وَلَمْ يَشْتَرِطْهَا الْبَعْضُ الآْخَرُ.

_________

(١) الشرح الصغير ١ / ١٥٢، ١٥٣، ١٥٨، وجواهر الإكليل ١ / ٢٤.

(٢) حديث: " يا رسول الله، أمسح على الخفين؟: قال: " نعم. . . ". أخرجه أبو داود (١ / ١٠٩) والدارقطني في السنن (١ / ١٩٨) وقال الدارقطني: " هذا إسناد لا يثبت "، وضعفه ابن حجر في " التلخيص الحبير " (١ / ١٦٢) .

(٣) الفتح الرباني ٢ / ٦٧، ونصب الراية ١ / ١٦٧، والفواكه الدواني ١ / ١٨٨، ونيل الأوطار ١ / ٢١٨.

الشُّرُوطُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا:

٨ - أ - أَنْ يَلْبَسَ الْخُفَّيْنِ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ، لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَال: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لأَِنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقَال: دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا (١) ".

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بَعْضِ جُزْئِيَّاتِ هَذَا الشَّرْطِ، فَالْجُمْهُورُ غَيْرُ الشَّافِعِيَّةِ يَشْتَرِطُونَ أَنْ تَكُونَ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ مِنْ وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ، أَمَا الشَّافِعِيَّةُ فَيُجَوِّزُونَ أَنْ تَكُونَ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ أَوْ بِالتَّيَمُّمِ، وَلَكِنْ لَيْسَ لِفَقْدِ الْمَاءِ مَثَلًا، بَل لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ.

وَيَرَى الْجُمْهُورُ غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ تَكُونَ الطَّهَارَةُ كَامِلَةً بِأَنْ يَلْبَسَهُمَا بَعْدَ تَمَامِ الطَّهَارَةِ بِالْوُضُوءِ أَوْ بِالْغُسْل، بَيْنَمَا يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنْ تَكُونَ الطَّهَارَةُ كَامِلَةً وَلَوْ لَمْ يُرَاعِ فِيهَا التَّرْتِيبَ وَقْتَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ، إِذْ أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الْوُضُوءِ لَيْسَ شَرْطًا عِنْدَهُمْ، وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، فَلَوْ غَسَل رِجْلَيْهِ أَوَّلًا ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، وَغَسَل وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّ فَيَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ عِنْدَ انْتِقَاضِ وُضُوئِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ دُونَ

_________

(١) الشرح الصغير ١ / ٢٣٠، والمبسوط ٢ / ١٣٥، مغني المحتاج ١ / ٦٥، وفتح القدير ١ / ١٢٨. وحديث المغيرة بن شعبة: " كنت مع النبي ﷺ. . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٣٠٩) .

الْجُمْهُورِ (١) .

ب - أَنْ يَكُونَ الْخُفُّ طَاهِرًا، فَلاَ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى خُفٍّ نَجِسٍ كَجِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْل الدَّبْغِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَلاَ بَعْدَ الدَّبْغِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّ الدِّبَاغَ مُطَهِّرٌ عِنْدَ الأَْوَّلِينَ غَيْرُ مُطَهِّرٍ عِنْدَ الآْخِرِينَ، وَالنَّجَسُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.

ج - أَنْ يَكُونَ الْخُفُّ سَاتِرًا لِلْمَحَل الْمَفْرُوضِ غَسْلُهُ فِي الْوُضُوءِ فَلاَ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى خُفٍّ غَيْرِ سَاتِرٍ لِلْكَعْبَيْنِ مَعَ الْقَدَمِ (٢) .

د - إِمْكَانِيَّةُ مُتَابَعَةِ الْمَشْيِ فِيهِمَا، وَتَفْصِيل هَذَا الشَّرْطِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

يَرَى الْحَنَفِيَّةُ إِمْكَانِيَّةَ مُتَابَعَةِ الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ فِيهِمَا فَرْسَخًا فَأَكْثَرَ، وَفِي قَوْلٍ: مُدَّةُ السَّفَرِ الشَّرْعِيِّ لِلْمُسَافِرِ، فَلاَ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ الرَّقِيقِ الَّذِي يَتَخَرَّقُ مِنْ مُتَابَعَةِ الْمَشْيِ فِي هَذِهِ الْمَسَافَةِ، كَمَا لاَ يَجُوزُ اتِّخَاذُ الْخُفِّ مِنَ الْخَشَبِ أَوِ الزُّجَاجِ أَوِ الْحَدِيدِ، كَمَا لاَ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ الَّذِي لاَ يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرِّجْل مِنْ غَيْرِ شَدٍّ (٣) .

_________

(١) منتهى الإرادات ١ / ٢٢، والمجموع ١ / ٥٢٢، ومغني المحتاج ١ / ٦٥، وأوجز المسالك ١ / ٢٥١، والفواكه الدواني ١ / ١٨٨، وفتح القدير ١ / ١٣٠.

(٢) مغني المحتاج ١ / ٦٥، ومنتهى الإرادات ١ / ٢٣، والشرح الصغير ١ / ٢٢٩، والدر المختار ١ / ٤٧، ونيل الأوطار ١ / ٧٨، ٧٩، وابن عابدين ١ / ٢٦١، ٢٦٢.

(٣) ابن عابدين ١ / ٢٦٣، ٢٦٤.