الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧ الصفحة 51

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧

ب - التَّيَمُّمُ:

٣ - التَّيَمُّمُ التَّيَمُّمُ لُغَةً: الْقَصْدُ وَالتَّوَخِّي وَالتَّعَمُّدُ، يُقَال: تَيَمَّمَهُ بِالرُّمْحِ، تَقَصَّدَهُ وَتَوَخَّاهُ وَتَعَمَّدَهُ دُونَ مَنْ سِوَاهُ (١)، وَمِثْلُهُ تَأَمَّمَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٢) . وَأَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ: فَهُوَ مَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِتُرَابٍ طَهُورٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ كَمَا قَال الْحَنَابِلَةُ (٣) .

وَالْمَسْحُ أَعَمُّ مِنَ التَّيَمُّمِ.

أَحْكَامُ الْمَسْحِ:

لِلْمَسْحِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:

أَوَّلًا: مَسْحُ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ:

الْكَلاَمُ عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ فِي مَوَاضِعَ كَمَا يَلِي:

أ - مَسْحُ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ

٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ مُطْلَقًا مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٤) .

ب - الْقَدْرُ الْمُجْزِئُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ

٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَسْحِ الْقَدْرِ الْمُجْزِئِ، فَذَهَبَ

_________

(١) تاج العروس، ولسان العرب.

(٢) سورة البقرة / ٢٦٧.

(٣) كشاف القناع ١ / ١٦٠.

(٤) سورة المائدة / ٦.

الْحَنَفِيَّةُ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَاتِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ الْقَدْرَ الْمُجْزِئَ هُوَ مَسْحُ رُبْعِ الرَّأْسِ، كَمَا رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْل زُفَرَ أَيْضًا، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّ الْمُعْتَمَدَ رِوَايَةُ الرُّبْعِ وَعَلَيْهِ مَشَى الْمُتَأَخِّرُونَ.

وَوَجْهُ التَّقْدِيرِ بِالرُّبْعِ أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ اعْتِبَارُ الرُّبْعِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَْحْكَامِ كَمَا فِي حَلْقِ رُبْعِ الرَّأْسِ أَنَّهُ يَحِل بِهِ الْمُحْرِمُ، وَلاَ يَحِل بِدُونِهِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: مِقْدَارُ النَّاصِيَةِ، ذَكَرَهَا الْكَرْخِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ وَبِهِ قَال الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَاخْتَارَهُ الْقُدُورِيُّ، وَفِي الْهِدَايَةِ: وَهِيَ الرُّبْعُ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ النَّاصِيَةَ أَقَل مِنَ الرُّبْعِ. وَوَجْهُ التَّقْدِيرِ بِالنَّاصِيَةِ، أَنَّ مَسْحَ جَمِيعِ الرَّأْسِ لَيْسَ بِمُرَادٍ مِنَ الآْيَةِ بِالإِْجْمَاعِ، فَلاَ يُمْكِنُ حَمْل الآْيَةِ عَلَى جَمِيعِ الرَّأْسِ، وَلاَ عَلَى بَعْضٍ مُطْلَقٍ، فَلاَ بُدَّ مِنَ الْحَمْل عَلَى مِقْدَارٍ يُسَمَّى الْمَسْحُ عَلَيْهِ مَسْحًا فِي الْمُتَعَارَفِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، لَكِنْ بَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ: بِفِعْلِهِ وَهُوَ مَا وَرَدَ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ بَال وَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ (١) ". فَصَارَ فِعْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ بَيَانًا لِمُجْمَل الْكِتَابِ.

وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ: مِقْدَارُ ثَلاَثَةِ أَصَابِعَ، رَوَاهَا هِشَامٌ، وَقِيل هِيَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَذُكِرَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّ عَلَيْهَا الْفَتْوَى.

وَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: أَنَّ الأَْمْرَ بِالْمَسْحِ يَقْتَضِي

_________

(١) حديث المغيرة: " أنه ﷺ بال وتوضأ ومسح على ناصيته ". أخرجه مسلم (١ / ٢٣١) .

آلَةً، إِذِ الْمَسْحُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِالآْلَةِ، وَآلَةُ الْمَسْحِ هِيَ أَصَابِعُ الْيَدِ عَادَةً، وَثَلاَثُ أَصَابِعِ الْيَدِ أَكْثَرُهَا، وَلِلأَْكْثَرِ حُكْمُ الْكُل، فَصَارَ كَأَنَّهُ نَصَّ عَلَى الثَّلاَثِ (١) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ مَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ. وَاسْتَدَل الْمَالِكِيَّةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٢) .

وَالْبَاءُ فِي الآْيَةِ زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وَالْمَعْنَى وَامْسَحُوا رُءُوسَكُمْ (٣) .

كَمَا اسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ بِنَفْسِ الآْيَةِ وَقَالُوا: إِنَّ الآْيَةَ تُفِيدُ الاِسْتِيعَابَ، وَفِعْل النَّبِيِّ ﷺ وَقَعَ بَيَانًا لِلآْيَةِ، وَالْبَاءُ فِي الآْيَةِ لِلإِْلْصَاقِ أَيْ إِلْصَاقِ الْفِعْل بِالْمَفْعُول (٤) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ فِي فَرْضِ الْوُضُوءِ مُسَمَّى مَسْحٍ لِبَعْضِ بَشَرَةِ رَأْسِهِ أَوْ بَعْضِ شَعَرٍ وَلَوْ وَاحِدَةً أَوْ بَعْضَهَا فِي حَدِّ الرَّأْسِ بِأَنْ لاَ يَخْرُجَ الشَّعَرُ بِالْمَدِّ عَنْهُ فَلَوْ خَرَجَ بِهِ عَنْهُ مِنْ جِهَةِ نُزُولِهِ لَمْ يَكْفِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ وَوَرَدَ أَنَّهُ ﷺ مَسَحَ

_________

(١) فتح القدير ١ / ١٥ وما بعدها ط. دار إحياء التراث العربي، وبدائع الصنائع ١ / ٤، والاختيار ١ / ٧ - ٨. وحاشية ابن عابدين ١ / ٦٧.

(٢) سورة المائدة / ٦.

(٣) حاشية الدسوقي ١ / ٨٨، وتفسير القرطبي ٦ / ٨٧، وبداية المجتهد ١ / ٢٧.

(٤) كشاف القناع ١ / ٩٨، والإنصاف ١ / ١٦١.

بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ (١)، وَاكْتَفَى بِمَسْحِ الْبَعْضِ لأَِنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنَ الْمَسْحِ عِنْدَ إِطْلاَقِهِ (٢) . وَلِلْفُقَهَاءِ فِي كَيْفِيَّةِ مَسْحِ الرَّأْسِ وَتَكْرَارِ الْمَسْحِ وَغَسْل الرَّأْسِ بَدَل الْمَسْحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (وُضُوءٍ) .

ثَانِيًا: مَسْحُ الأُْذُنَيْنِ:

٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَسْحِ الأُْذُنَيْنِ هَل هُوَ سُنَّةٌ أَوْ فَرِيضَةٌ، وَهَل يُجَدَّدُ لَهُمَا الْمَاءُ عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (وُضُوءٍ) .

ثَالِثًا: مَسْحُ الرَّقَبَةِ:

٧ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ مَا عَدَا الرَّافِعِيَّ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُنْدَبُ مَسْحُ الرَّقَبَةِ بَل يُكْرَهُ، لأَِنَّهُ مِنَ الْغُلُوِّ فِي الدِّينِ، وَقَال النَّوَوِيُّ: إِنَّهُ بِدْعَةٌ (٣) .

وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ مَسْحُ الرَّقَبَةِ (٤)، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (رَقَبَةٌ ف ٢) .

رَابِعًا: الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ:

٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، وَلأَِنَّهُ لاَ تَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ فِي نَزْعِهَا فَلَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَيْهَا كَالْكُمَّيْنِ، لأَِنَّ الْمَسْحَ

_________

(١) حديث: " أنه ﷺ مسح بناصيته وعلى العمامة ". أخرجه مسلم ١ / ١٣١.

(٢) مغني المحتاج ١ / ٥٣.

(٣) حاشية الدسوقي ١ / ١٠٣، ١٠٤، والجمل ١ / ١٢٩، ١٣٠.

(٤) الاختيار ١ / ٩.

عَلَى الْخُفَّيْنِ لِلْحَرَجِ وَلاَ حَرَجَ فِي نَزْعِ الْعِمَامَةِ، وَقَال مُحَمَّدٌ فِي مُوَطَّئِهِ: بَلَغَنَا أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ كَانَ ثُمَّ تُرِكَ، وَبِهَذَا قَال عُرْوَةُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْقَاسِمُ (١) .

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لاَ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ إِلاَّ إِذَا خِيفَ بِنَزْعِهَا ضَرَرٌ وَلَمْ يُقْدَرْ عَلَى مَسْحِ مَا هِيَ مَلْفُوفَةٌ عَلَيْهِ كَالْقَلَنْسُوَةِ، وَلَوْ أَمْكَنَهُ مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ أَتَى بِهِ وَكَمَّل عَلَى الْعِمَامَةِ وُجُوبًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ (٢) .

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ لأَِدَاءِ فَرْضِ مَسْحِ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ بَل لاَ بُدَّ مِنْ مَسْحِ شَيْءٍ مِنْ شَعَرِ الرَّأْسِ وَالأَْفْضَل أَنْ لاَ يَقْتَصِرَ عَلَى أَقَل مِنَ النَّاصِيَةِ، ثُمَّ يَجُوزُ لأَِدَاءِ سُنَّةِ مَسْحِ كُل الرَّأْسِ مَسْحُ مَا ذُكِرَ وَالتَّكْمِيل عَلَى الْعِمَامَةِ بِشُرُوطٍ ذَكَرَهَا الْجَمَل هِيَ:

أَنْ لاَ يَكُونَ عَلَيْهَا نَحْوُ دَمِ الْبَرَاغِيثِ، وَأَنْ لاَ يَمْسَحَ مِنْهُ مَا حَاذَى الْقَدْرَ الْمَسْمُوحَ مِنَ الرَّأْسِ وَأَنْ لاَ يَكُونَ عَاصِيًا بِلُبْسِ الْعِمَامَةِ (٣) .

وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ، قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَمِمَّنْ مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، وَبِهِ قَال عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَمَكْحُولٌ،

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١٨١، والاختيار ١ / ٢٥، وحاشية الدسوقي ١ / ١٦٤، وبداية المجتهد ١ / ٢٨، ٢٩، والمغني ١ / ٣٠٠ وما بعدها.

(٢) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١ / ١٦٤، ١٦٥.

(٣) حاشية الجمل ١ / ١٢٨، ١٢٩.

وَالأَْوْزَاعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَال: تَوَضَّأَ رَسُول اللَّهِ ﷺ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ (١)، وَلأَِنَّهُ حَائِلٌ فِي مَحَل وُرُودِ الشَّرْعِ بِمَسْحِهِ، فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ كَالْخُفَّيْنِ، وَلأَِنَّ الرَّأْسَ عُضْوٌ يَسْقُطُ فَرْضُهُ فِي التَّيَمُّمِ، فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَى حَائِلِهِ كَالْقَدَمَيْنِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُجْزِئُ مَسْحُ أَكْثَرِ الْعِمَامَةِ لأَِنَّهَا أَحَدُ الْمَمْسُوحَيْنِ عَلَى وَجْهِ الْبَدَل (٢) .

شُرُوطُ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ

٩ - وَيُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِهِ مَا يَلِي:

أ - أَنْ تَكُونَ سَاتِرَةً لِجَمِيعِ الرَّأْسِ إِلاَّ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِكَشَفِهِ كَمُقَدَّمِ الرَّأْسِ وَالأُْذُنَيْنِ، لأَِنَّ هَذَا الْكَشْفَ جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ، وَإِذَا كَانَ بَعْضُ الرَّأْسِ مَكْشُوفًا مِمَّا جَرَتِ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ اسْتُحِبَّ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ مَعَ الْعِمَامَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى عِمَامَتِهِ وَنَاصِيَتِهِ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁.

وَهَل الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَاجِبٌ؟ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْهُ، فَيَخْرُجُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وُجُوبُهُ لِلْخَبَرِ، وَلأَِنَّ الْعِمَامَةَ نَابَتْ عَمَّا اسْتَتَرَ،

_________

(١) حديث: " توضأ رسول الله ﷺ ومسح على الخفين والعمامة ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٣٠٨)، ومسلم (١ / ٢٣٠) .

(٢) المغني ١ / ٣٠٠، والإنصاف ١ / ١٨٧، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٦٢.

فَبَقِيَ الْبَاقِي عَلَى مُقْتَضَى الأَْصْل كَالْجَبِيرَةِ، وَالثَّانِي: لاَ يَجِبُ: لأَِنَّ الْعِمَامَةَ نَابَتْ عَنِ الرَّأْسِ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهَا، وَانْتَقَل الْفَرْضُ إِلَيْهَا، فَلَمْ يَبْقَ لِمَا ظَهَرَ حُكْمٌ، وَلأَِنَّ وُجُوبَهُمَا مَعًا يُفْضِي إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ بَدَلٍ وَمُبْدَلٍ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ، فَلَمْ يَجُزْ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ كَالْخُفِّ. فَإِنْ كَانَ تَحْتَ الْعِمَامَةِ قَلَنْسُوَةٌ يَظْهَرُ بَعْضُهَا، فَالظَّاهِرُ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا لأَِنَّهُمَا صَارَا كَالْعِمَامَةِ الْوَاحِدَةِ.

ب - أَنْ تَكُونَ عَلَى صِفَةِ عَمَائِمِ الْمُسْلِمِينَ، بِأَنْ تَكُونَ تَحْتَ الْحَنَكِ مِنْهَا شَيْءٌ، لأَِنَّ هَذِهِ عَمَائِمُ الْعَرَبِ، وَهِيَ أَكْثَرُ سَتْرًا مِنْ غَيْرِهَا وَيَشُقُّ نَزْعُهَا، فَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ لَهَا ذُؤَابَةٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ تَحْتَ الْحَنَكِ مِنْهَا شَيْءٌ.

ج - أَنْ لاَ تَكُونَ الْعِمَامَةُ مُحَرَّمَةً كَعِمَامَةِ الْحَرِيرِ وَالْمَغْصُوبَةِ.

د - أَنْ يَكُونَ لاَبِسُ الْعِمَامَةِ رَجُلًا، فَلاَ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ لأَِنَّهَا مَنْهِيَّةٌ عَنِ التَّشَبُّهِ بِالرِّجَال، فَكَانَتْ مُحَرَّمَةً فِي حَقِّهَا، وَإِنْ كَانَ لَهَا عُذْرٌ فَهَذَا يُنْدَرُ، وَلاَ يَرْتَبِطُ الْحُكْمُ بِالنَّادِرِ (١) .

التَّوْقِيتُ فِي مَسْحِ الْعِمَامَةِ:

١٠ - التَّوْقِيتُ فِي مَسْحِ الْعِمَامَةِ كَالتَّوْقِيتِ فِي مَسْحِ الْخُفِّ، لِمَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: يُمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ ثَلاَثًا فِي

_________

(١) المراجع السابقة.

السَّفَرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ (١)، وَلأَِنَّهُ مَمْسُوحٌ عَلَى وَجْهِ الرُّخْصَةِ فَتُوَقَّتُ بِذَلِكَ كَالْخُفِّ (٢) .

نَزْعُ الْعِمَامَةِ بَعْدَ الْمَسْحِ:

١١ - نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ نَزَعَ الْعِمَامَةَ بَعْدَ الْمَسْحِ عَلَيْهَا بَطَلَتْ طَهَارَتُهُ، وَكَذَلِكَ إِنِ انْكَشَفَ رَأْسُهُ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا، وَكَذَلِكَ إِنِ انْتَقَضَتْ بَعْدَ مَسْحِهَا، لأَِنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ نَزْعِهَا.

وَإِنِ انْتَقَضَ بَعْضُهَا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: لاَ تَبْطُل طَهَارَتُهُ، لأَِنَّهُ زَال بَعْضُ الْمَمْسُوحِ عَلَيْهِ مَعَ بَقَاءِ الْعُضْوِ مَسْتُورًا، فَلَمْ تَبْطُل الطَّهَارَةُ كَكَشْطِ الْخُفِّ مَعَ بَقَاءِ الْبِطَانَةِ.

وَالأُْخْرَى تَبْطُل طَهَارَتُهُ، قَال الْقَاضِي: وَلَوِ انْتَقَضَ مِنْهَا كَوْرٌ وَاحِدٌ بَطَل الْمَسْحُ، لأَِنَّهُ زَال الْمَمْسُوحُ عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ نَزْعَ الْخُفِّ (٣) .

خَامِسًا: الْمَسْحُ عَلَى الْقَلَنْسُوَةِ فِي الْوُضُوءِ:

١٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْمَسْحُ فِي الْوُضُوءِ عَلَى الْقَلَنْسُوَةِ بَدَلًا مِنَ الرَّأْسِ لِعَدَمِ الْحَرَجِ فِي نَزْعِهَا.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْقَلَنْسُوَةِ إِنْ خِيفَ مِنْ نَزْعِهَا ضَرَرٌ.

_________

(١) حديث أبي أمامة: " يمسح على الخفين والعمامة ثلاثًا في السفر ". أورده ابن قدامة في المغني (١ / ٣٨٣ - ط دار هجر) وعزاه إلى الخلال، وأشار إلى إعلاله.

(٢) المغني ١ / ٣٠٤.

(٣) المغني ١ / ٣٠٣.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ عَسُرَ رَفْعُ قَلَنْسُوَةٍ أَوْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ كَمَّل بِالْمَسْحِ عَلَيْهَا وَحَصَل لَهُ سُنَّةُ مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ وَإِنْ لَبِسَهَا عَلَى حَدَثٍ (١) .

سَادِسًا: الْمَسْحُ عَلَى الْقُفَّازَيْنِ:

١٣ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْقُفَّازَيْنِ لأَِنَّ الْمَسْحَ شُرِعَ دَفْعًا لِلْحَرَجِ لِتَعَذُّرِ النَّزْعِ، وَلاَ حَرَجَ فِي نَزْعِ الْقُفَّازَيْنِ (٢) .

سَابِعًا: مَسْحُ الْمَرْأَةِ عَلَى الْخِمَارِ:

١٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَمْسَحَ عَلَى خِمَارِهَا، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا أَدْخَلَتْ يَدَهَا تَحْتَ الْخِمَارِ، وَمَسَحَتْ بِرَأْسِهَا، وَقَالَتْ: بِهَذَا أَمَرَنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ (٣)، وَبِهِ قَال نَافِعٌ وَالنَّخَعِيُّ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَالأَْوْزَاعِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، لأَِنَّهُ مَلْبُوسٌ لِرَأْسِ الْمَرْأَةِ، فَلَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَيْهِ كَالْوِقَايَةِ وَالْوِقَايَةُ لاَ يُجْزِئُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا بِلاَ خِلاَفٍ كَالطَّاقِيَّةِ لِلرَّجُل.

قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلاَ نَعْلَمُ فِيهِ خِلاَفًا لأَِنَّ الْوِقَايَةَ لاَ يُشَقُّ نَزْعُهَا، إِلاَّ إِذَا كَانَ الْخِمَارُ رَقِيقًا

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١٨١، والشرح الكبير ١ / ١٦٣، ١٦٤، ومغني المحتاج ١ / ٦٠، والمغني ١ / ٣٠٤.

(٢) بدائع الصنائع ١ / ١١، وحاشية ابن عابدين ١ / ١٨١، والاختيار ١ / ٢٥.

(٣) حديث عائشة ﵂ " أنها أدخلت يدها تحت الخمار. . . ". أورده الكاساني في " البدائع " (١ / ٥) ولم نهتد لمن أخرجه.

يُنْفِذُ الْمَاءَ إِلَى شَعَرِهَا، فَيَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لِوُجُودِ الإِْصَابَةِ.

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى خُمُرِ النِّسَاءِ الْمُدَارَةِ تَحْتَ حُلُوقِهِنَّ لأَِنَّ أُمَّ سَلَمَةَ كَانَتْ تَمْسَحُ عَلَى خِمَارِهَا (١)، وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ (٢)، وَلأَِنَّهُ مَلْبُوسٌ لِلرَّأْسِ مُعْتَادٌ يُشَقُّ نَزْعُهُ فَأَشْبَهَ الْعِمَامَةَ (٣) .

ثَامِنًا: الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ:

١٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ فِي حَالَةِ الْعُذْرِ نِيَابَةً عَنِ الْغُسْل أَوِ الْمَسْحِ الأَْصْلِيِّ فِي الْوُضُوءِ أَوِ الْغُسْل أَوِ التَّيَمُّمِ.

وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَال: كُسِرَ زَنْدِي يَوْمَ أُحُدٍ، فَسَقَطَ اللِّوَاءُ مِنْ يَدِي، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: اجْعَلُوهَا فِي يَسَارِهِ، فَإِنَّهُ صَاحِبُ لِوَائِي فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ: مَا أَصْنَعُ بِالْجَبَائِرِ؟ فَقَال: امْسَحْ عَلَيْهَا (٤) ".

_________

(١) أثر أم سلمة ﵂ " أنها كانت تمسح على خمارها ". أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (١ / ٢٥)، وفي إسناده الحسن البصري وهو ثقة مدلس كما في " ميزان الاعتدال " (٢ / ٥٢٧) وقد عنعن.

(٢) حديث: " أنه ﷺ أمر بالمسح على الخفين والخمار ". أخرجه مسلم (١ / ٢٣١) من حديث بلال ﵁.

(٣) الاختيار لتعليل المختار ١ / ٢٥، والبدائع ١ / ٥، وابن عابدين ١ / ١٨١، والمغني ١ / ٣٠٥، وكشاف القناع ١ / ١٢١.

(٤) حديث: " اجعلوها في يساره فإنه صاحب لوائي. . ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٢١٥) مختصرًا، والبيهقي (١ / ٢٢٨) وضعفه البوصيري في الزوائد (١ / ٨٤)، وقال البيهقي في " السنن الكبرى " (١ / ٢٢٨) " ولا يثبت في هذا الباب شيء