الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧ الصفحة 50

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧

الْمَسْجِدِ وَالْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَإِنَّ تَحِيَّتَهُ الطَّوَافُ.

ثُمَّ يَقْصِدَ الْحُجْرَةَ الشَّرِيفَةَ الَّتِي فِيهَا قَبْرُ النَّبِيِّ ﷺ فَيَسْتَقْبِل الْقَبْرَ وَيَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ، وَيَدْعُوَ بِالدُّعَاءِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ (١) .

ر: مُصْطَلَحُ (زِيَارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ ف ٧) .

الأَْحْكَامُ الْخَاصَّةُ بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ

لِلْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ مَا لِلْمَسَاجِدِ مِنْ أَحْكَامٍ، وَيَخْتَصُّ بِأَحْكَامٍ مِنْهَا

١ - شَدُّ الرِّحَال إِلَيْهِ:

١٣ - فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ تُشَدُّ الرِّحَال إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُول ﷺ وَمَسْجِدِ الأَْقْصَى (٢) .

وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ أَحَدُ الْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِمَزِيَّةِ جَوَازِ شَدِّ الرِّحَال إِلَيْهَا.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضِيلَةُ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ وَمَزِيَّتُهَا عَلَى غَيْرِهَا لِكَوْنِهَا مَسَاجِدَ الأَْنْبِيَاءِ، وَلأَِنَّ الأَْوَّل قِبْلَةُ النَّاسِ وَإِلَيْهِ حَجُّهُمْ وَالثَّانِي كَانَ

_________

(١) فتح القدير ٣ / ٩٤، والشرح الصغير ١ / ٤٠٥ - ٤٠٧، وإعلام الساجد ص٣٤٧، والمغني ٣ / ٥٧٧، ٥٥٨.

(٢) حديث: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٦٣)، ومسلم (٢ / ١٠١٤) .

قِبْلَةَ الأُْمَمِ السَّالِفَةِ، وَالثَّالِثُ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى.

وَاخْتُلِفَ فِي شَدِّ الرِّحَال إِلَى غَيْرِهَا كَالذَّهَابِ إِلَى زِيَارَةِ الصَّالِحِينَ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، وَإِلَى الْمَوَاضِعِ الْفَاضِلَةِ لِقَصْدِ التَّبَرُّكِ بِهَا وَالصَّلاَةِ فِيهَا، فَقَال أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ: يَحْرُمُ شَدُّ الرِّحَال إِلَى غَيْرِهَا عَمَلًا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَبِهِ قَال عِيَاضٌ وَطَائِفَةٌ.

وَالصَّحِيحُ عِنْدَ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرِهِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَحْرُمُ (١) .

٢ - ثَوَابُ الصَّلاَةِ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ فَرْضًا وَنَفْلًا

١٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ (٢) .

وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي حُصُول هَذِهِ الأَْفْضَلِيَّةِ وَمُضَاعَفَةِ الثَّوَابِ الْوَارِدَةِ فِي الْحَدِيثِ - لِصَلاَةِ الْفَرْضِ.

أَمَّا فِي صَلاَةِ النَّفْل فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ - عَلَى الصَّحِيحِ - وَالْحَنَابِلَةُ: أَنَّ الأَْفْضَلِيَّةَ وَمُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ الْوَارِدَةَ فِي الْحَدِيثِ خَاصَّةٌ بِالْفَرَائِضِ دُونَ النَّوَافِل، لأَِنَّ صَلاَةَ النَّافِلَةِ فِي

_________

(١) فتح الباري شرح البخاري ٣ / ٣٠٥ - ٣٠٨ ط، مصطفى الحلبي، وصحيح مسلم بشرح النووي ٩ / ١٠٦، وصحيح مسلم بشرح الأبي ٣ / ٤٨٠.

(٢) حديث: " صلاة في مسجدي هذا. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٦٣)، ومسلم (٢ / ١٠١٢) .

الْبَيْتِ أَفْضَل وَأَقْرَبُ إِلَى الإِْخْلاَصِ وَأَبْعَدُ عَنِ الرِّيَاءِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: صَلاَةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَل مِنْ صَلاَتِهِ فِي مَسْجِدِي هَذَا إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ (١)، وَقَوْلِهِ ﷺ: إِذَا قَضَى أَحَدُكُمُ الصَّلاَةَ فِي مَسْجِدِهِ فَلْيَجْعَل لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلاَتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلاَتِهِ خَيْرًا (٢) .

لَكِنَّ الْمَالِكِيَّةَ فَرَّقُوا بَيْنَ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْمَدِينَةِ وَبَيْنَ مَنْ كَانَ مِنَ الْغُرَبَاءِ عَنْهَا، فَقَالُوا إِنَّ صَلاَةَ أَهْل الْمَدِينَةِ النَّفْل الْمُطْلَقَ فِي بُيُوتِهِمْ أَفْضَل مِنْ فِعْلِهَا فِي الْمَسْجِدِ بِخِلاَفِ الرَّوَاتِبِ وَمَا تُسَنُّ لَهُ الْجَمَاعَةُ فَإِنَّ فِعْلَهَا فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَل.

أَمَّا الْغُرَبَاءُ عَنِ الْمَدِينَةِ فَإِنَّ صَلاَتَهُمُ النَّافِلَةَ فِي مَسْجِدِهِ ﷺ أَفْضَل مِنْ صَلاَتِهِمْ لَهَا فِي بُيُوتِهِمْ وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ النَّافِلَةُ مِنَ الرَّوَاتِبِ أَمْ كَانَتْ نَفْلًا مُطْلَقًا.

وَقَالُوا: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْغَرِيبِ عَنِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ مَنْ لاَ يُعْرَفُ فِيهَا، وَإِنَّ الْمُجَاوِرَ بِهَا حُكْمُهُ حُكْمُ أَهْلِهَا حَيْثُ كَانَ يُعْرَفُ (٣) .

_________

(١) حديث: " صلاة المرء في بيته أفضل. . . ". أخرجه أبو داود (١ / ٦٣٢)، والترمذي (٢ / ٣١٢) من حديث زيد بن ثابت، وقال الترمذي: " حديث حسن ".

(٢) حديث: " إذا قضى أحدكم الصلاة. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٥٣٩) .

(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ٦٥٩ ط. دار الفكر، وفتح القدير ٣ / ٩٦، وحاشية الدسوقي ١ / ٣١٤، وكفاية الطالب الرباني وبهامشه حاشية العدوي ٤ / ٥٩ (طبع المدني - الأولى)، والمغني لابن قدامة ٢ / ١٤١ - الرياض.

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ - وَمُطَرِّفٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ - أَنَّ التَّفْضِيل الْوَارِدَ بِالْحَدِيثِ يَعُمُّ صَلاَةَ الْفَرْضِ وَصَلاَةَ النَّفْل.

قَال النَّوَوِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ لاَ يَخْتَصُّ هَذَا التَّفْضِيل بِالصَّلاَةِ فِي هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ - أَيِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ - بِالْفَرِيضَةِ بَل يَعُمُّ الْفَرْضَ وَالنَّفْل جَمِيعًا، وَبِهِ قَال مُطَرِّفٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ التَّحْقِيقَ: أَنَّ صَلاَةَ النَّفْل فِي بَيْتِهِ أَفْضَل مِنَ الْمَسْجِدِ (١) .

٣ - حُكْمُ مَا زِيدَ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ

١٥ - طَرَأَتْ عَلَى بِنَاءِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ تَوْسِعَةٌ وَزِيَادَاتٌ فِي بِنَائِهِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ بَحَثَ الْعُلَمَاءُ حُكْمَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ مِنْ جِهَةِ نَيْل الثَّوَابِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَال إِنَّ الْفَضْل الثَّابِتَ لِمَسْجِدِهِ ﷺ ثَابِتٌ لِمَا زِيدَ فِيهِ.

قَال مُحِبُّ الدِّينِ الطَّبَرِيُّ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَال: زَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ شَامِيِّهِ وَقَال: (لَوْ زِدْنَا فِيهِ حَتَّى تَبْلُغَ الْجَبَّانَةَ كَانَ مَسْجِدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ (٢)، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ

_________

(١) شرح النووي على صحيح مسلم ٩ / ١٦٤، وإعلام الساجد ص٢٤٦، وشرح الأبي على مسلم ٣ / ٤٧٧، دار الكتب العلمية - بيروت.

(٢) أثر عمر: لو زدنا فيه حتى بلغ الجبانة. أورده ابن تيمية في كتاب الرد على الإخنائي (ص١٩٨ - بهامش تلخيص كتاب الاستغاثة)، وعزاه لعمر بن شبة في تاريخ المدينة.

﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لَوْ بُنِيَ هَذَا الْمَسْجِدُ إِلَى صَنْعَاءَ كَانَ مَسْجِدِي (١)، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُول: ظَهْرُ الْمَسْجِدِ كَقَعْرِهِ.

وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: " وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ قَدْ زِيدَ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، فَقَدْ زَادَ فِيهِ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ الْوَلِيدُ ثُمَّ الْمَهْدِيُّ، وَالإِْشَارَةُ بِهَذَا إِلَى الْمَسْجِدِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ ﷺ، وَلاَ شَكَّ أَنَّ جَمِيعَ الْمَسْجِدِ الْمَوْجُودِ الآْنَ يُسَمَّى مَسْجِدَهُ ﷺ، فَقَدِ اتَّفَقَتِ الإِْشَارَةُ وَالتَّسْمِيَةُ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ فَلَمْ تُلْغَ التَّسْمِيَةُ فَتَحْصُل الْمُضَاعَفَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ، فِيمَا زِيدَ فِيهِ " (٢) .

وَنَقَل الْجُرَاعِيُّ عَنِ ابْنِ رَجَبٍ مِثْل ذَلِكَ، وَأَنَّهُ قَدْ قِيل إِنَّهُ لاَ يُعْلَمُ عَنِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ خِلاَفٌ (٣) .

وَرُوِيَ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ التَّوَقُّفُ (٤) .

وَرَجَّحَ السَّمَهُودِيُّ - مِنَ الْمَالِكِيَّةِ - أَنَّ مَا زِيدَ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ دَاخِلٌ فِي الأَْفْضَلِيَّةِ

_________

(١) حديث: " لو بني هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي ". أورده ابن تيمية في الرد على الإخنائي (ص١٩٨ - بهامش تلخيص كتاب الاستغاثة) وعزاه إلى تاريخ المدينة لابن شبة، وقد ضعف غير واحد أحد رواته كما في الميزان للذهبي (٢ / ٤٢٩)

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٢٧، ٦٥٩، والإقناع ١ / ٣٢٣، والفتاوى لابن تيمية ٢٦ / ١٤٦.

(٣) تحفة الراكع والساجد ص١٣٩.

(٤) الإقناع ١ / ٣٢٣.

الْوَارِدَةِ بِالْحَدِيثِ، وَنَقَل عَنِ الإِْمَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِل عَنْ حَدِّ الْمَسْجِدِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ الْخَبَرُ هَل هُوَ عَلَى مَا كَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ هُوَ عَلَى مَا عَلَيْهِ الآْنَ؟ فَقَال بَل هُوَ عَلَى مَا هُوَ الآْنَ، وَقَال لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ بِمَا يَكُونُ بَعْدَهُ وَزُوِيَتْ لَهُ الأَْرْضُ فَأُرِيَ مَشَارِقَ الأَْرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَتَحَدَّثَ بِمَا يَكُونُ بَعْدَهُ فَحَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَنَسِيَ ذَلِكَ مَنْ نَسِيَهُ، وَلَوْلاَ هَذَا مَا اسْتَجَازَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الْمَهْدِيُّونَ أَنْ يَزِيدُوا فِيهِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ مُنْكِرٌ (١) .

لَكِنْ قَال الأُْبِّيُّ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ: صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ. . . (٢) إِنَّ التَّفْضِيل مُخْتَصٌّ بِمَسْجِدِهِ الَّذِي كَانَ فِي زَمَانِهِ ﷺ دُونَ مَا زِيدَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلاَ يَتَنَاوَل التَّفْضِيل مَا زَادَ فِيهِ عُثْمَانُ لأَِنَّهُ مِنَ اتِّخَاذِهِ، وَيَدُل عَلَى أَنَّهُ مِنَ اتِّخَاذِهِ احْتِجَاجُهُ حِينَ أُنْكِرَ عَلَيْهِ فِيهِ الزِّيَادَةُ بِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ بَنَى مَسْجِدًا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ (٣)، فَجَعَلَهُ مِنْ بِنَائِهِ لِنَفْسِهِ (٤) .

_________

(١) وفاء الوفا ١ / ٣٥٧، ٢ / ٤٢٤.

(٢) حديث: " صلاة في مسجدي هذا. . . ". تقدم ف١٤.

(٣) حديث: " من بنى مسجدًا. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٥٤٤) ومسلم (٤ / ٢٢٨٧) .

(٤) شرح صحيح مسلم للآبي ٣ / ٤٧٧ ط. دار الكتب العلمية بيروت.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ مُخْتَصَّةٌ بِنَفْسِ مَسْجِدِهِ ﷺ الَّذِي كَانَ فِي زَمَانِهِ دُونَ مَا زِيدَ فِيهِ بَعْدَهُ (١) .

وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَجَمْعٌ مِنَ الْحَنَابِلَةِ (٢) .

٤ - نَذْرُ الْمَشْيِ إِلَى الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ

١٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْوَفَاءِ عَلَى مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ، لأَِنَّ مِنْ شُرُوطِ النَّذْرِ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً مَقْصُودَةً وَأَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ أَوْ فَرْضٌ، وَالذَّهَابُ إِلَى الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ غَيْرُ وَاجِبٍ بِخِلاَفِ مَا لَوْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ (٣) .

وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ (٤) .

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وُجُوبَ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ إِنْ نَوَى صَلاَةً أَوْ صَوْمًا أَوِ اعْتِكَافًا، لَكِنْ لاَ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ وَلَهُ أَنْ يَذْهَبَ رَاكِبًا (٥) .

وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ لُزُومَ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ مَاشِيًا، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ تُشَدُّ الرِّحَال إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي

_________

(١) إعلام الساجد ص ٢٤٧، ومغني المحتاج ١ / ٥١٣، ونهاية المحتاج ٣ / ٣١١، وحاشية الجمل ٢ / ٤٨٣، والمجموع ٨ / ٢٧٧.

(٢) الإقناع ١ / ٣٢٣.

(٣) حاشية ابن عابدين ٣ / ٧٣٥.

(٤) مغني المحتاج ٤ / ٣٦٣.

(٥) بداية المجتهد ١ / ٤٤٥، والشرح الصغير ٢ / ٢٥٥.

هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الأَْقْصَى (١) .

وَقَالُوا إِنَّهُ يَلْزَمُهُ - حِينَئِذٍ - أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ رَكْعَتَيْنِ لأَِنَّ الْقَصْدَ بِالنَّذْرِ الْقُرْبَةُ وَالطَّاعَةُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ تَحْصِيل ذَلِكَ بِالصَّلاَةِ فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ نَذْرَهُ كَمَا يَلْزَمُ نَاذِرَ الْمَشْيِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ (٢) .

وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (نَذْرٌ)

٥ - زِيَارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ

١٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ زِيَارَةَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ مُسْتَحَبَّةٌ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ إِنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ تَقْرُبُ مِنْ دَرَجَةِ الْوَاجِبَاتِ، وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ (٣) .

وَذَهَبَ الْفَقِيهُ الْمَالِكِيُّ أَبُو عِمْرَانَ مُوسَى بْنُ عِيسَى الْفَاسِيُّ إِلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ (٤) .

وَمِنْ أَدِلَّةِ مَشْرُوعِيَّتِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُول لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (٥)، وَقَوْلُهُ ﷺ: مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَوْتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي (٦) .

_________

(١) حديث: " لا تشد الرحال. . . ". تقدم (ف ١٣) .

(٢) المغني ٩ / ١٦.

(٣) فتح القدير ٣ / ٩٤، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٦٢٦، والمغني ٣ / ٥٥٦.

(٤) الشفا ٢ / ١٥٠.

(٥) سورة النساء / ٦٤.

(٦) حديث: " من زارني بعد موتي. . . ". أخرجه الدارقطني في " السنن " (٢ / ٢٧٨) وضعفه ابن حجر في " التلخيص الحبير " (٢ / ٢٦٦ - ٢٦٧) .

وَلِلتَّفْصِيل: ر: مُصْطَلَحُ (زِيَارَةُ النَّبِيِّ ﷺ ف ٢) .

آدَابُ وَدَاعِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ

١٨ - يُسْتَحَبُّ لِمَنْ عَزَمَ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى بَلَدِهِ أَنْ يُوَدِّعَ الْمَسْجِدَ بِصَلاَةٍ وَيَدْعُوَ بَعْدَهَا بِمَا أَحَبَّ وَأَنْ يَأْتِيَ الْقَبْرَ الشَّرِيفَ فَيُسَلِّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَيَدْعُوَ اللَّهَ بِمَا أَحَبَّ وَيَسْأَلَهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يُوصِلَهُ إِلَى أَهْلِهِ سَالِمًا غَانِمًا وَيَقُول: غَيْرَ مُوَدَّعٍ يَا رَسُول اللَّهِ، وَيَسْأَل اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرُدَّهُ إِلَى حَرَمِهِ وَحَرَمِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي عَافِيَةٍ (١) .

_________

(١) فتح القدير ٣ / ٩٧ وحاشية ابن عابدين ٢ / ٦٢٦، والمغني ٣ / ٥٤٦.

مَسْحٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - لِلْمَسْحِ فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ يُقَال مَسَحَ الشَّيْءَ الْمُتَلَطِّخَ أَوِ الْمُبْتَل مَسْحًا: أَمَرَّ يَدَهُ عَلَيْهِ لإِذْهَابِ مَا عَلَيْهِ مِنْ أَثَرِ مَاءٍ وَنَحْوِهِ، وَمَسَحَ عَلَى الشَّيْءِ بِالْمَاءِ أَوِ الدُّهْنِ: أَمَرَّ يَدَهُ عَلَيْهِ بِهِ، وَيُقَال: مَسَحَ بِالشَّيْءِ، وَفِي التَّنْزِيل الْعَزِيزِ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (١)، وَمَسَحَ اللَّهُ الْعِلَّةَ عَنِ الْعَلِيل: شَفَاهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ (٢) .

وَالْمَسْحُ فِي الاِصْطِلاَحِ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٣) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْغَسْل:

٢ - الْغَسْل لُغَةً: بِفَتْحِ الْغَيْنِ، مَصْدَرُ غَسَل، وَالاِسْمُ: الْغُسْل وَهُوَ تَمَامُ غَسْل الْجَسَدِ كُلِّهِ (٤) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: هُوَ سَيَلاَنُ الْمَاءِ عَلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ بِنِيَّةٍ (٥) .

_________

(١) سورة المائدة / ٦.

(٢) المعجم الوسيط.

(٣) ابن عابدين ١ / ٦٧.

(٤) المصباح المنير والمعجم الوسيط.

(٥) مغني المحتاج ١ / ٦٨.