الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧ الصفحة 45

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧

مَعَ اخْتِصَاصِهِ بِمَوْضِعٍ آخَرَ، فَلَمَّا تَعَذَّرَ تَحْصِيل الْغَرَضِ بِالْكُلِّيَّةِ اسْتَوْفَى مِنْهُ مَا أَمْكَنَ، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ.

وَبِمُجَرَّدِ شِرَاءِ الْبَدَل يَصِيرُ وَقْفًا، وَكَذَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ لَوْ ضَاقَ عَلَى أَهْلِهِ وَلَمْ تُمْكِنْ تَوْسِعَتُهُ فِي مَوْضِعِهِ، أَوْ خَرِبَتْ مَحَلَّتُهُ أَوِ اسْتُقْذِرَ مَوْضِعُهُ، قَال الْقَاضِي: يَعْنِي إِذَا كَانَ ذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ الصَّلاَةِ فِيهِ فَيُبَاعُ.

وَيَجُوزُ نَقْل آلَتِهِ وَحِجَارَتِهِ لِمَسْجِدٍ آخَرَ احْتَاجَ إِلَيْهَا، وَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ بَيْعِهِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَتَبَ إِلَى سَعْدٍ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ بَيْتَ الْمَال الَّذِي فِي الْكُوفَةِ نُقِبَ، أَنِ انْقُل الْمَسْجِدَ الَّذِي بِالتَّمَّارِينَ وَاجْعَل بَيْتَ الْمَال فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُ لَنْ يَزَال فِي الْمَسْجِدِ مُصَلٍّ، وَكَانَ هَذَا بِمَشْهَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَظْهَرْ خِلاَفُهُ فَكَانَ كَالإِْجْمَاعِ (١) .

بَيْعُ الْمَسْجِدِ أَوْ أَنْقَاضِهِ دُونَ أَرْضِهِ

٤٥ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ لاَ يُبَاعُ، وَفِي هَذَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ: مَنِ اتَّخَذَ أَرْضَهُ مَسْجِدًا وَاسْتَوْفَى شُرُوطَ صِحَّةِ وَقْفِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ وَلاَ يَبِيعَهُ وَلاَ يُورَثَ عَنْهُ، لأَِنَّهُ تَجَرَّدَ عَنْ حَقِّ الْعِبَادِ وَصَارَ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا لأَِنَّ الأَْشْيَاءَ كُلَّهَا لِلَّهِ تَعَالَى وَإِذَا أَسْقَطَ

_________

(١) منار السبيل في شرح الدليل ٢ / ١٨ - ١٩.

الْعَبْدُ مَا ثَبَتَ لَهُ مِنَ الْحَقِّ رَجَعَ إِلَى أَصْلِهِ فَانْقَطَعَ تَصَرُّفُهُ عَنْهُ كَمَا فِي الإِْعْتَاقِ.

وَلَوْ خَرِبَ مَا حَوْل الْمَسْجِدِ وَاسْتُغْنِيَ عَنْهُ يَبْقَى مَسْجِدًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لأَِنَّهُ إِسْقَاطٌ مِنْهُ فَلاَ يَعُودُ إِلَى مِلْكِهِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَعُودُ إِلَى مِلْكِ الْبَانِي (الْوَاقِفِ) إِنْ كَانَ حَيًّا أَوْ إِلَى وَارِثِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ بَانِيهِ وَلاَ وَرَثَتُهُ كَانَ لَهُمْ بَيْعُهُ وَالاِسْتِعَانَةُ بِثَمَنِهِ فِي بِنَاءِ مَسْجِدٍ آخَرَ لأَِنَّهُ عَيَّنَهُ لِنَوْعِ قُرْبَةٍ، وَقَدِ انْقَطَعَتْ، فَصَارَ كَحَصِيرِ الْمَسْجِدِ وَحَشِيشِهِ إِذَا اسْتُغْنِيَ عَنْهُ، إِلاَّ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَقُول فِي الْحُصْرِ وَالْحَشِيشِ إِنَّهُ يُنْقَل إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ.

وَلَوْ ضَاقَ الْمَسْجِدُ وَبِجَنْبِهِ أَرْضٌ وَقْفٌ عَلَيْهِ أَوْ حَانُوتٌ جَازَ أَنْ يُؤْخَذَ وَيَدْخُل فِيهِ، وَلَوْ كَانَ مِلْكَ رَجُلٍ أُخِذَ بِالْقِيمَةِ كَرْهًا، فَلَوْ كَانَ طَرِيقًا لِلْعَامَّةِ أُدْخِل بَعْضُهُ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَضُرَّ بِالطَّرِيقِ.

وَفِي كِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ مِنَ الْخُلاَصَةِ عَنِ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَل شَيْءٌ مِنَ الطَّرِيقِ مَسْجِدًا، أَوْ يُجْعَل شَيْءٌ مِنَ الْمَسْجِدِ طَرِيقًا لِلْعَامَّةِ، يَعْنِي إِذَا احْتَاجُوا إِلَى ذَلِكَ.

وَلأَِهْل الْمَسْجِدِ أَنْ يَجْعَلُوا الرَّحْبَةَ مَسْجِدًا وَكَذَا عَلَى الْقُلُبِ، وَيُحَوِّلُوا الْبَابَ أَوْ يُحْدِثُوا لَهُ بَابًا آخَرَ، وَلَوِ اخْتَلَفُوا يُنْظَرُ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ وِلاَيَةً لَهُ ذَلِكَ.

وَلَهُمْ أَنْ يَهْدِمُوهُ وَيُجَدِّدُوهُ، وَلَيْسَ لِمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْمَحَلَّةِ ذَلِكَ، وَكَذَا لَهُمْ أَنْ يَضَعُوا الْحَبَابَ وَيُعَلِّقُوا الْقَنَادِيل وَيَفْرِشُوا الْحُصْرَ كُل ذَلِكَ مِنْ مَال أَنْفُسِهِمْ، وَأَمَّا مِنْ مَال الْوَقْفِ فَلاَ يَفْعَل غَيْرُ الْمُتَوَلِّي إِلاَّ بِإِذْنِ الْقَاضِي.

وَمِنْ كِتَابِ التَّجْنِيسِ: قَيِّمُ الْمَسْجِدِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ حَوَانِيتَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي فِنَائِهِ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَفْعَل، لأَِنَّهُ إِذَا جَعَل الْمَسْجِدَ سَكَنًا تَسْقُطُ حُرْمَةُ الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا الْفِنَاءُ فَلأَِنَّهُ تَبَعٌ لِلْمَسْجِدِ، وَلَوْ خَرِبَ مَا حَوْل الْمَسْجِدِ وَاسْتَغْنَى عَنْهُ أَيِ اسْتَغْنَى عَنِ الصَّلاَةِ فِيهِ أَهْل تِلْكَ الْمَحَلَّةِ أَوِ الْقَرْيَةِ بِأَنْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ فَخَرِبَتْ وَحُوِّلَتْ مَزَارِعَ يَبْقَى مَسْجِدًا عَلَى حَالِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ (١) .

وَيَقُول الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ خَرِبَ أَمْ لاَ وَلَوِ انْتَقَلَتِ الْعِمَارَةُ عَنْ مَحَلِّهِ، وَمِثْل عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الْمَسْجِدِ نَقْضُهُ، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ نَقْضِ الْمَسْجِدِ بِمَعْنَى أَنْقَاضِهِ.

وَفِي الْقُرْطُبِيِّ: لاَ يَجُوزُ نَقْضُ الْمَسْجِدِ وَلاَ بَيْعُهُ وَلاَ تَعْطِيلُهُ وَإِنْ خَرِبَتِ الْمَحَلَّةُ (٢) .

وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ: مَنْ وَقَفَ مَسْجِدًا فَخَرِبَ

_________

(١) فتح القدير ٥ / ٦٤.

(٢) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك ٣ / ١٠٤ دار الفكر، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٠٨ - ٢٠٩، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢ / ٧٨.

الْمَكَانُ وَانْقَطَعَتِ الصَّلاَةُ فِيهِ لَمْ يَعُدْ إِلَى الْمِلْكِ وَلَمْ يَجُزِ التَّصَرُّفُ فِيهِ، لأَِنَّ مَا زَال الْمِلْكُ فِيهِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَلاَ يَعُودُ إِلَى الْمِلْكِ بِالاِخْتِلاَل كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا ثُمَّ زَمِنَ (١) .

وَإِنْ وَقَفَ جُذُوعًا عَلَى مَسْجِدٍ فَتَكَسَّرَتْ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَالثَّانِي: يَجُوزُ بَيْعُهُ، لأَِنَّهُ لاَ يُرْجَى مَنْفَعَتُهُ، فَكَانَ بَيْعُهُ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ بِخِلاَفِ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّ الْمَسْجِدَ يُمْكِنُ الصَّلاَةُ فِيهِ مَعَ خَرَابِهِ، وَقَدْ يُعْمَرُ الْمَوْضِعُ فَيُصَلَّى فِيهِ.

وَإِنْ وَقَفَ شَيْئًا عَلَى مَسْجِدٍ فَاخْتَل الْمَكَانُ حُفِظَ الاِرْتِفَاعُ (الْغَلَّةُ) وَلاَ يُصْرَفُ إِلَى غَيْرِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَرْجِعَ كَمَا كَانَ (٢) .

وَيَقُول الْحَنَابِلَةُ بِتَحْرِيمِ بَيْعِ الْمَسْجِدِ إِلاَّ أَنْ تَتَعَطَّل مَنَافِعُهُ بِخَرَابٍ أَوْ غَيْرِهِ كَخَشَبٍ تَشَعَّثَ وَخِيفَ سُقُوطُهُ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُعْمَرُ بِهِ، فَيُبَاعُ وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ أَوْ بَعْضِ مِثْلِهِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، قَال: وَإِذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ خَشَبَاتٌ لَهَا قِيمَةٌ جَازَ بَيْعُهَا وَصَرْفُ ثَمَنِهَا عَلَيْهِ (٣) .

غَرْسُ الشَّجَرِ فِي الْمَسْجِدِ وَالزَّرْعُ فِيهِ وَحَفْرُ بِئْرٍ فِيهِ

٤٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ غَرْسُ

_________

(١) المهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٤٥٢.

(٢) المهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٤٥٢.

(٣) منار السبيل ٢ / ١٨ المكتب الإسلامي.

الأَْشْجَارِ فِي الْمَسْجِدِ إِلاَّ إِذَا كَانَ ذَا نَزٍّ، والأُسْطُوَانَاتُ لاَ تَسْتَقِرُّ بِهِ، فَيَجُوزُ لِتَشْرَبَ ذَلِكَ الْمَاءَ فَيَحْصُل بِهَا النَّفْعُ، وَلاَ يُحْفَرُ فِيهِ بِئْرٌ، وَلَوْ كَانَتْ قَدِيمَةً - كَبِئْرِ زَمْزَمَ - تُرِكَتْ، وَلَوْ حَفَرَ فَتَلِفَ فِيهِ شَيْءٌ إِنْ حَفَرَ أَهْل الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرُهُمْ بِإِذْنِهِمْ لاَ يُضْمَنُ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ ضُمِنَ أَضَرَّ ذَلِكَ بِأَهْلِهِ أَوْ لاَ (١) .

وَحَرَّمَ الْحَنَابِلَةُ حَفْرَ الْبِئْرِ وَغَرْسَ الشَّجَرِ بِالْمَسَاجِدِ لأَِنَّ الْبُقْعَةَ مُسْتَحَقَّةٌ لِلصَّلاَةِ فَتَعْطِيلُهَا عُدْوَانٌ، فَإِنْ فَعَل طُمَّتِ الْبِئْرُ وَقُلِعَتِ الشَّجَرَةُ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَال: هَذِهِ غُرِسَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ وَالَّذِي غَرَسَهَا ظَالِمٌ غَرَسَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ.

وَتَحْرِيمُ حَفْرِ الْبِئْرِ فِي الْمَسْجِدِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، فَإِنْ كَانَ فِي حَفْرِهِ مَصْلَحَةٌ وَلَمْ يَحْصُل بِهِ ضِيقٌ لَمْ يَكْرَهْ أَحْمَدُ حَفْرَهَا فِيهِ، وَالزَّرْعُ فِيهِ مَكْرُوهٌ (٢) .

وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ يَجُوزُ أَنْ يُغْرَسَ فِي الْمَسْجِدِ شَجَرَةٌ وَإِنْ كَانَتِ النَّخْلَةُ فِي أَرْضٍ فَجَعَلَهَا صَاحِبُهَا مَسْجِدًا وَالنَّخْلَةُ فِيهَا فَلاَ بَأْسَ وَيَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهَا مِنَ الْجِيرَانِ، وَفِي رِوَايَةٍ: لاَ تُبَاعُ وَتُجْعَل لِلْمُسْلِمِينَ وَأَهْل الدَّرْبِ يَأْكُلُونَهَا، وَقِيل: إِنَّ الْمَسْجِدَ إِذَا احْتَاجَ إِلَى

_________

(١) فتح القدير ١ / ٢٩٩.

(٢) منار السبيل في شرح الدليل ٢ / ٢٠، والآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ٤٠٥.

ثَمَنِ ثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ بِيعَتْ وَصُرِفَ ثَمَنُهَا فِي عِمَارَتِهِ، أَمَّا إِنْ قَال صَاحِبُهَا: هَذِهِ وَقْفٌ عَلَى الْمَسْجِدِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَاعَ ثَمَرُهَا وَيُصْرَفَ إِلَيْهِ (١) .

وَالْمَالِكِيَّةُ لاَ يُجِيزُونَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ وَقَعَ قُلِعَ (٢) .

وَالشَّافِعِيَّةُ قَالُوا بِكَرَاهَةِ غَرْسِ الشَّجَرِ وَالنَّخْل وَحَفْرِ الآْبَارِ فِي الْمَسَاجِدِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّضْيِيقِ عَلَى الْمُصَلِّينَ، وَلأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْل السَّلَفِ، وَالصَّحِيحُ تَحْرِيمُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْجِيرِ مَوْضِعِ الصَّلاَةِ وَالتَّضْيِيقِ وَجَلْبِ النَّجَاسَاتِ مِنْ ذَرْقِ الطُّيُورِ، وَقَال الْغَزَالِيُّ: لاَ يَجُوزُ الزَّرْعُ فِيهِ، وَإِنْ غَرَسَ غَرْسًا يَسْتَظِل بِهِ فَهَلَكَ بِهِ إِنْسَانٌ فَلاَ ضَمَانَ.

وَقَال الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ: وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُغْرَسَ فِي الْمَسْجِدِ شَجَرٌ لأَِنَّهُ يَمْنَعُ الْمُصَلِّينَ، قَال فِي الرَّوْضَةِ فِي بَابِ السَّجَدَاتِ: فَإِنْ غُرِسَ قَلَعَهُ الإِْمَامُ، وَقَال الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ فِي الصَّلاَةِ: لاَ يَجُوزُ الْغَرْسُ فِي الْمَسْجِدِ وَلاَ الْحَفْرُ فِيهِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَشْغَل الْمُصَلِّيَ.

وَقَال فِي آخِرِ كِتَابِ الْوَقْفِ: سُئِل أَبُو عَلِيٍّ عَبْدُ اللَّهِ الْحَنَّاطِيُّ عَنْ رَجُلٍ غَرَسَ شَجَرَةً فِي

_________

(١) المغني لابن قدامة ٥ / ٦٣٤، ٦٣٥.

(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤ / ٧٠ - ٧١.

الْمَسْجِدِ كَيْفَ يَصْنَعُ بِثِمَارِهَا؟ فَقَال: إنْ جَعَلَهَا لِلْمَسْجِدِ لَمْ يَجُزْ أَكْلُهَا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، وَيَجِبُ صَرْفُهَا إِلَى مَصَالِحِ الْمَسْجِدِ، وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُغْرَسَ فِي الْمَسَاجِدِ الأَْشْجَارُ لأَِنَّهَا تَمْنَعُ الصَّلاَةَ، فَإِنْ غَرَسَهَا مُسَبَّلَةً لِلأَْكْل جَازَ أَكْلُهَا بِلاَ عِوَضٍ وَكَذَا إِنْ جُهِلَتْ نِيَّتُهُ حَيْثُ جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ (١) .

انْتِفَاعُ جَارِ الْمَسْجِدِ بِوَضْعِ خَشَبَةٍ عَلَى جِدَارِهِ

٤٧ - لِلْمَالِكِيَّةِ قَوْلاَنِ فِي أَنَّهُ هَل لِنَاظِرِ وَقْفِ الْمَسْجِدِ أَنْ يُعِيرَ جَارَ الْمَسْجِدِ مَوْضِعًا لِغَرْزِ خَشَبَةٍ فِيهِ أَوْ لَيْسَ لَهُ هَذَا الْحَقُّ؟ أَحَدُهُمَا بِإِعْطَائِهِ هَذَا الْحَقَّ، وَالآْخَرُ بِمَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ (٢) .

وَيَشْتَرِطُ الْحَنَابِلَةُ لِجَوَازِ وَضْعِ تِلْكَ الْخَشَبَةِ عَلَى جِدَارِ الْمَسْجِدِ أَنْ لاَ تَضُرَّ بِحَائِطِهِ فَيَضْعُفَ عَنْ حَمْلِهَا، وَأَنْ لاَ يُمْكِنَ التَّسْقِيفُ بِدُونِ وَضْعِهَا وَأَنْ لاَ يَكُونَ عِنْدَ صَاحِبِهَا غَنَاءٌ بِوَضْعِهَا عَلَى غَيْرِ جِدَارِ الْمَسْجِدِ، وَأَنْ تَكُونَ الْحَاجَةُ دَاعِيَةً إِلَى وَضْعِ تِلْكَ الْخَشَبَةِ عَلَى جِدَارِهِ، فَمَتَى كَانَ ذَلِكَ جَازَ وَضْعُ تِلْكَ الْخَشَبَةِ عَلَى جِدَارِهِ، وَقِيل: يُشْتَرَطُ لِلْجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَلاَثَةُ حِيطَانٍ وَلِجَارِهِ حَائِطٌ وَاحِدٌ.

فَإِنْ كَانَ غَرْزُهَا فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ يَضُرُّ

_________

(١) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي ٣٤١ - ٣٤٢.

(٢) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك للكشناوي ٣ / ٥٨.

بِحَائِطِهِ فَيُضْعِفُهُ عَنْ حَمْلِهَا، أَوْ أَمْكَنَ التَّسْقِيفُ بِدُونِ وَضْعِهَا عَلَيْهِ، أَوْ كَانَ عِنْدَهُ غَنَاءٌ بِوَضْعِهَا عَلَى غَيْرِ جِدَارِهِ، أَوْ لَمْ تَدْعُ الْحَاجَةُ إِلَى وَضْعِهَا عَلَى جِدَارِهِ لَمْ يَجُزْ وَضْعُهَا عَلَيْهِ (١) .

إِغْلاَقُ الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ الصَّلاَةِ

٤٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِإِغْلاَقِ الْمَسَاجِدِ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ الصَّلاَةِ، صِيَانَةً لَهَا وَحِفْظًا لِمَا فِيهَا مِنْ مَتَاعٍ، وَتَحَرُّزًا عَنْ نَقْبِ بُيُوتِ الْجِيرَانِ مِنْهَا، وَخَوْفًا مِنْ سَرِقَةِ مَا فِيهَا (٢) .

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ تَحْرِيمًا إِغْلاَقُ بَابِ الْمَسْجِدِ لأَِنَّهُ يُشْبِهُ الْمَنْعَ مِنَ الصَّلاَةِ وَالْمَنْعُ مِنَ الصَّلاَةِ حَرَامٌ (٣) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ (٤) .

تَعْطِيل الْمَسَاجِدِ

٤٩ - قَال الزَّرْكَشِيُّ: إِذَا تَعَطَّل الْمَسْجِدُ بِتَفَرُّقِ النَّاسِ عَنِ الْبَلَدِ أَوْ خَرَابِهَا أَوْ بِخَرَابِ الْمَسْجِدِ فَلاَ يَعُودُ مَمْلُوكًا وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِحَالٍ وَلاَ التَّصَرُّفُ فِيهِ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا ثُمَّ زَمِنَ

_________

(١) المغني لابن قدامة ٤ / ٥٠٢ - ٥٠٣.

(٢) فتح القدير والعناية بهامشه ١ / ٢٩٩، وإعلام الساجد بأحكام المساجد ٣٤٠، ٣٤٤، والآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ٤٠٦.

(٣) فتح القدير والعناية بهامشه ١ / ٢٩٩.

(٤) سورة البقرة / ١١٤.

لاَ يَعُودُ مَمْلُوكًا.

ثُمَّ إِنْ خِيفَ أَنْ تَنْقُضَهُ الشَّيَاطِينُ، نُقِضَ وَحُفِظَ، وَإِنْ رَأَى الْقَاضِي أَنْ يَبْنِيَ بِنَقْضِهِ مَسْجِدًا آخَرَ، قَال الْقَاضِي وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي: يَجُوزُ، وَقَال الْمُتَوَلِّي: الأَْوْلَى أَنْ يُنْقَل إِلَى أَقْرَبِ الْجِهَاتِ إِلَيْهِ، فَإِنْ نُقِل إِلَى الْبَعِيدِ جَازَ، وَلاَ يُصْرَفُ النَّقْضُ إِلَى غَيْرِ الْمَسْجِدِ كَالرِّبَاطَاتِ وَالْقَنَاطِرِ وَالآْبَارِ، كَمَا لاَ يَجُوزُ عَكْسُهُ، لأَِنَّ الْوَقْفَ لاَزِمٌ، وَقَدْ دَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى تَبْدِيل الْمَحَل دُونَ الْجِهَةِ (١) .

وَقَال الْقُرْطُبِيُّ: لاَ يَجُوزُ نَقْضُ الْمَسْجِدِ وَلاَ بَيْعُهُ وَلاَ تَعْطِيلُهُ وَإِنْ خَرِبَتِ الْمَحَلَّةُ (٢) .

وَإِذَا تَعَطَّلَتْ مَنَافِعُ الْمَسْجِدِ بِخَرَابٍ أَوْ غَيْرِهِ كَخَشَبٍ تَشَعَّثَ وَخِيفَ سُقُوطُهُ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُعْمَرُ بِهِ فَيُبَاعُ وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ أَوْ بَعْضِ مِثْلِهِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، قَال: إِذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ خَشَبَاتٌ لَهَا قِيمَةٌ جَازَ بَيْعُهَا وَصَرْفُ ثَمَنِهَا عَلَيْهِ، وَقَال يُحَوَّل الْمَسْجِدُ خَوْفًا مِنَ اللُّصُوصِ، وَإِذَا كَانَ مَوْضِعُهُ قَذِرًا (٣) .

_________

(١) إعلام الساجد ٣٤٥.

(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢ / ٧٨.

(٣) منار السبيل في شرح الدليل ٢ / ١٨.

مَسْجِدُ إبْرَاهِيمَ

التَّعْرِيفُ:

١ - مَسْجِدُ إِبْرَاهِيمَ مُرَكَّبٌ مِنْ كَلِمَتَيْنِ: مَسْجِدُ وَإِبْرَاهِيمُ، فَالْمَسْجِدُ فِي اللُّغَةِ: بَيْتُ الصَّلاَةِ، وَمَوْضِعُ السُّجُودِ مِنْ بَدَنِ الإِْنْسَانِ. وَالْمَسْجِدُ فِي الاِصْطِلاَحِ: الأَْرْضُ الَّتِي جَعَلَهَا الْمَالِكُ مَسْجِدًا وَأَذِنَ بِالصَّلاَةِ فِيهَا (١) .

قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ نَبِيُّ اللَّهِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَلَى الصَّحِيحِ (٢) .

وَقِيل: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ هُوَ أَحَدُ أُمَرَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ وَهُوَ الَّذِي يُنْسَبُ إِلَيْهِ بَابُ إِبْرَاهِيمَ بِمَكَّةَ (٣) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ

٢ - الْمَقَامُ - بِفَتْحِ الْمِيمِ - اسْمُ مَكَانٍ مِنْ قَامَ يَقُومُ قَوْمًا وَقِيَامًا: أَيِ انْتَصَبَ، وَقَال أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ: الْحَجَرُ الَّذِي تَعْرِفُهُ النَّاسُ الْيَوْمَ، يُصَلُّونَ عِنْدَهُ رَكْعَتَيِ

_________

(١) لسان العرب، وقواعد الفقه للبركتي.

(٢) مغني المحتاج ١ / ٤٩٦، ونهاية المحتاج ٣ / ٢٨٧، وحاشية القليوبي ٢ / ١١٣.

(٣) المراجع السابقة.