الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧
أَقَامَ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِذَا تَوَضَّأَ الْجُنُبُ فَلَهُ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ، وَقَال أَكْثَرُ أَهْل الْعِلْمِ: لاَ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ (١) .
تَخَطِّي الرِّقَابِ فِي الْمَسْجِدِ
٣٧ - لِتَخَطِّي الرِّقَابِ فِي الْمَسْجِدِ أَحْكَامٌ تَخْتَلِفُ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمُتَخَطِّي إِنْ كَانَ إِمَامًا أَوْ غَيْرَهُ، أَوْ كَانَ لِلصَّلاَةِ أَوْ لِغَيْرِهَا، وَمَعَ وُجُودِ فُرْجَةٍ أَوْ عَدَمِ وُجُودِهَا.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (تَخَطِّي الرِّقَابِ ف ٢ وَمَا بَعْدَهَا) .
وَقْفُ الْمَسْجِدِ وَالْوَقْفُ عَلَيْهِ
٣٨ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ وَقْفِ الْمَسْجِدِ وَالْوَقْفِ عَلَيْهِ مِمَّنْ كَانَ مِنْ أَهْل التَّبَرُّعِ، لأَِنَّهُ قُرْبَةٌ وَعَلَى جِهَةِ بِرٍّ، إِلاَّ أَنَّهُمْ وَضَعُوا قَوَاعِدَ لِزَوَال مِلْكِ وَاقِفِهِ عَنْهُ وَلُزُومِهِ.
وَفِي هَذَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لَمْ يَزَل مِلْكُهُ عَنْهُ حَتَّى يُفْرِزَهُ عَنْ مِلْكِهِ بِطَرِيقِهِ، وَيَأْذَنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلاَةِ فِيهِ، فَإِذَا صَلَّى فِيهِ وَاحِدٌ زَال عَنْ مِلْكِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ عَنْهُمَا، وَفِي الأُْخْرَى: لاَ يَزُول إِلاَّ بِصَلاَةِ جَمَاعَةٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَزُول مِلْكُهُ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ: جَعَلْتُهُ مَسْجِدًا، لأَِنَّ التَّسْلِيمَ عِنْدَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، كَمَا يَصِحُّ الْوَقْفُ
_________
(١) المغني لابن قدامة ١ / ١٤٦.
عَلَيْهِ وَالْمَسْجِدُ جُعِل لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخُلُوصِ مُحَرَّرًا عَنْ أَنْ يَمْلِكَ الْعِبَادُ فِيهِ شَيْئًا غَيْرَ الْعِبَادَةِ فِيهِ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ خَرَجَ عَنْ مِلْكِ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ (١) .
وَمَتَى زَال مِلْكُهُ عَنْهُ وَلَزِمَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ وَلاَ يَبِيعَهُ وَلاَ يُورَثَ عَنْهُ، لأَِنَّهُ تَجَرَّدَ عَنْ حَقِّ الْعِبَادِ وَصَارَ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا لأَِنَّ الأَْشْيَاءَ كُلَّهَا لِلَّهِ وَإِذَا أَسْقَطَ الْعَبْدُ مَا ثَبَتَ لَهُ مِنَ الْحَقِّ رَجَعَ إِلَى أَصْلِهِ فَانْقَطَعَ تَصَرُّفُهُ عَنْهُ كَمَا فِي الإِْعْتَاقِ (٢) .
وَيَقُول الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا، وَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ لِلصَّلاَةِ فِيهِ صَحَّ وَقْفُهُ وَلَزِمَ، فَإِذَا لَمْ يُخَل الْوَاقِفُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ بَطَل وَقْفُهُ، كَمَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ (٣) .
وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا وَصَلَّى فِيهِ، أَوْ أَذِنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلاَةِ، وَقَال: وَقَفْتُهُ مَسْجِدًا لِلصَّلاَةِ فِيهِ صَحَّ وَقْفُهُ، وَإِنْ لَمْ يَقُل ذَلِكَ لَمْ يَصِرْ مَسْجِدًا، لأَِنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ مَعَ الْقُدْرَةِ كَالْعِتْقِ.
فَإِذَا صَحَّ لَزِمَ وَانْقَطَعَ تَصَرُّفُ الْوَاقِفِ فِيهِ،
_________
(١) فتح القدير ٥ / ٦٤.
(٢) فتح القدير ٥ / ٦٤.
(٣) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٤ / ٨١، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٠٦.
لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لِعُمَرَ ﵁: إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا قَال فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ، إِنَّهُ لاَ يُبَاعُ وَلاَ يُوهَبُ وَلاَ يُورَثُ (١)، وَيَزُول مِلْكُهُ عَنِ الْعَيْنِ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ (٢) .
وَيَقُول الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا وَأَذِنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلاَةِ فِيهِ إِذْنًا عَامًّا كَانَ لاَزِمًا وَمُؤَبَّدًا لاَ يُبَاعُ وَلاَ يُوهَبُ وَلاَ يُورَثُ (٣) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (وَقْفٌ) .
الْوَصِيَّةُ لِلْمَسْجِدِ
٣٩ - الْوَصِيَّةُ لِلْمَسْجِدِ أَجَازَهَا الْفُقَهَاءُ وَيُصْرَفُ الْمُوصَى بِهِ فِي مَصَالِحِهِ كَوُقُودِهِ وَعِمَارَتِهِ، لأَِنَّهُ مَقْصُودُ النَّاسِ بِالْوَصِيَّةِ لَهُ.
وَقَال الدُّسُوقِيُّ: إِنِ اقْتَضَى الْعُرْفُ صَرْفَهَا لِلْمُجَاوِرِينَ كَالْجَامِعِ الأَْزْهَرِ صُرِفَ لَهُمْ لاَ لِمَرَمَّتِهِ وَحُصْرِهِ، وَنَحْوِهِمَا (٤) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (وَصِيَّةٌ) .
_________
(١) حديث: " إن شئت حبست أصلها. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٣٥٤)، ومسلم (٣ / ١٢٥٥)، واللفظ للبخاري.
(٢) المهذب ١ / ٤٤٨ - ٤٤٩، وشرح المحلي على المنهاج ٣ / ١٠٠ - ١٠١.
(٣) منار السبيل في شرح الدليل ٢ / ٦ المكتب الإسلامي.
(٤) جواهر الإكليل ٢ / ٣١٧، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٤ / ٤٢٦، وشرح المحلي على المنهاج ٣ / ١٥٩، ومنار السبيل في شرح الدليل ٢ / ٤٠، والاختيار شرح المختار ٣ / ٢٠١ مصطفى البابي الحلبي ١٩٣٦م.
دُخُول الذِّمِّيِّ الْمَسْجِدَ
٤٠ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِدُخُول الذِّمِّيِّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ أَنْزَل وَفْدَ ثَقِيفٍ فِي الْمَسْجِدِ وَكَانُوا كُفَّارًا وَقَال: إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الأَْرْضِ مِنْ أَنْجَاسِ النَّاسِ شَيْءٌ إِنَّمَا أَنْجَاسُ النَّاسِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ (١)، وَتَأْوِيل الآْيَةِ أَنَّهُمْ لاَ يَدْخُلُونَ مُسْتَوْلِينَ أَوْ طَائِفِينَ عُرَاةً كَمَا كَانَتْ عَادَتُهُمْ (٢) .
وَمَنَعَ الْمَالِكِيَّةُ دُخُول الذِّمِّيِّ الْمَسْجِدَ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي الدُّخُول مَا لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ لِدُخُولِهِ كَعِمَارَةِ وَإِلاَّ فَلاَ (٣) .
وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: يُمَكَّنُ الْكَافِرُ مِنْ دُخُول الْمَسْجِدِ وَاللُّبْثِ فِيهِ وَإِنْ كَانَ جُنُبًا، فَإِنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يَدْخُلُونَ مَسْجِدَهُ ﷺ وَلاَ شَكَّ أَنَّ فِيهِمُ الْجُنُبَ.
وَأَطْلَقَ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْكَافِرِ أَنْ يَدْخُل مَسَاجِدَ غَيْرَ الْحَرَمِ بِإِذْنِ الْمُسْلِمِ، فَإِذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْمُسْلِمُ فِي ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ الدُّخُول عَلَى الصَّحِيحِ، فَإِنْ دَخَل بِغَيْرِ إِذْنٍ عُزِّرَ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا بِتَوَقُّفِهِ عَلَى الإِْذْنِ فَلاَ يُعَزَّرُ (٤) .
_________
(١) حديث: " إنه ليس على الأرض. . . ". أخرجه البخاري في " شرح معاني الآثار " (١ / ١٣) من حديث الحسن البصري مرسلًا.
(٢) الاختيار شرح المختار ٣ / ١٢١.
(٣) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ١ / ١٣٩، وجواهر الإكليل ١ / ٢٣، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢ / ٧٨.
(٤) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي ٣١٨ - ٣٢٠.
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ: أَنَّهُ لَيْسَ لِلذِّمِّيِّ دُخُول مَسَاجِدِ الْحِل (وَهِيَ كُل مَسْجِدٍ خَارِجِ نِطَاقِ حَرَمِ مَكَّةَ) بِغَيْرِ إِذْنِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لَهُمْ دُخُولُهُ (١) .
وَقْفُ الذِّمِّيِّ عَلَى الْمَسْجِدِ
٤١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَقْفِ الذِّمِّيِّ عَلَى الْمَسْجِدِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى صِحَّتِهِ لِعُمُومِ أَدِلَّةِ الْوَقْفِ، وَمَنَعَهُ الْمَالِكِيَّةُ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (وَقْفٌ) .
الزَّكَاةُ لِلْمَسْجِدِ
٤٢ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، لاِنْعِدَامِ التَّمْلِيكِ.
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (زَكَاةٌ ف) .
وَنَقَل الإِْمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ عَنِ الْقَفَّال فِي تَفْسِيرِهِ آيَةَ الزَّكَاةِ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُمْ أَجَازُوا صَرْفَ الصَّدَقَاتِ إِلَى جَمِيعِ وُجُوهِ الْخَيْرِ مِنْ تَكْفِينِ الْمَوْتَى وَبِنَاءِ الْحُصُونِ وَعِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ لأَِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَفِي سَبِيل اللَّهِ﴾ (٢) عَامٌّ فِي الْكُل (٣) .
الصَّدَقَةُ عَلَى السَّائِلِينَ فِي الْمَسْجِدِ
٤٣ - قَال الزَّرْكَشِيُّ: لاَ بَأْسَ أَنْ يُعْطَى السَّائِل
_________
(١) المغني لابن قدامة ٨ / ٥٣٢، والآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ٤٠٦ - ٤٠٧.
(٢) سورة التوبة / ٦٠.
(٣) تفسير الرازي ١٦ / ٨٧.
فِي الْمَسْجِدِ شَيْئًا لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: هَل مِنْكُمْ أَحَدٌ أَطْعَمَ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ فَقَال أَبُو بَكْرٍ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا أَنَا بِسَائِلٍ يَسْأَل فَوَجَدْتُ كِسْرَةَ خُبْزٍ فِي يَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَأَخَذْتُهَا مِنْهُ فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ (١) .
وَنَقَل الزَّرْكَشِيُّ عَنْ كِتَابِ الْكَسْبِ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ السَّائِل لاَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ وَلاَ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي، وَلاَ يَسْأَل النَّاسَ إِلْحَافًا فَلاَ بَأْسَ بِالسُّؤَال وَالإِْعْطَاءِ، لأَِنَّ السُّؤَّال كَانُوا يَسْأَلُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يُرْوَى أَنَّ عَلِيًّا ﵁ تَصَدَّقَ بِخَاتَمِهِ وَهُوَ فِي الرُّكُوعِ (٢) . فَمَدَحَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (٣)، وَإِنْ كَانَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ وَيَمُرُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي فَيُكْرَهُ إِعْطَاؤُهُ، لأَِنَّهُ إِعَانَةٌ لَهُ عَلَى أَذَى النَّاسِ حَتَّى قِيل: هَذَا فَلْسٌ وَاحِدٌ يَحْتَاجُ إِلَى سَبْعِينَ فَلْسًا لِكَفَّارَتِهِ (٤) .
وَقَال ابْنُ مُفْلِحٍ: قَال بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُكْرَهُ السُّؤَال وَالتَّصَدُّقُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَمُرَادُهُمْ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - التَّصَدُّقُ عَلَى السُّؤَّال لاَ مُطْلَقًا،
_________
(١) حديث: " هل منكم أحد أطعم. . . ". أخرجه أبو داود (٢ / ٣٠٩)، ونقل المنذري في " مختصر السنن " (٢ / ٢٥٢) عن أبي بكر البزار أن إسناده مرسل.
(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٦ / ٢٢١.
(٣» سورة المائدة / ٥٥.
(٤)
) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي ٣٥٣ - ٣٥٤.
وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ، وَأَكْثَرُهُمْ لَمْ يَذْكُرِ الْكَرَاهَةَ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ ﵀ عَلَى أَنَّ مَنْ سَأَل قَبْل خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ ثُمَّ جَلَسَ لَهَا تَجُوزُ الصَّدَقَةُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ تَصَدَّقَ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْأَل أَوْ سَأَل الْخَطِيبُ الصَّدَقَةَ عَلَى إِنْسَانٍ جَازَ.
وَنَقَل ابْنُ مُفْلِحٍ عَنِ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ بَدْرٍ قَال: صَلَّيْتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِذَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بِقُرْبٍ مِنِّي، فَقَامَ سَائِلٌ فَسَأَل فَأَعْطَاهُ أَحْمَدُ قِطْعَةً (١) .
وَكَرِهَ الْحَنَفِيَّةُ التَّخَطِّيَ لِلسُّؤَال فَلاَ يَمُرُّ السَّائِل بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي وَلاَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ وَلاَ يَسْأَل النَّاسَ إِلْحَافًا إِلاَّ إِذَا كَانَ لأَِمْرٍ لاَ بُدَّ مِنْهُ (٢) .
اسْتِبْدَال الْمَسْجِدِ
٤٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ اسْتِبْدَال الْمَسْجِدِ.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ بَاعَ كَرْمًا فِيهِ مَسْجِدٌ قَدِيمٌ إِنْ كَانَ عَامِرًا يَفْسُدُ الْبَيْعُ وَإِلاَّ لاَ، وَلَوِ اشْتَرَى دَارًا بِطَرِيقِهَا ثُمَّ اسْتُحِقَّ الطَّرِيقُ: إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا بِحِصَّتِهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا إِنْ كَانَ الطَّرِيقُ مُخْتَلِطًا بِهَا، وَإِنْ كَانَ مُتَمَيِّزًا لَزِمَهُ الدَّارُ بِحِصَّتِهَا، وَمَعْنَى اخْتِلاَطِهِ كَوْنُهُ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ
_________
(١) الآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ٤٠٨ ط. الرياض الحديثة.
(٢) الفتاوى الهندية ١ / ١٤٨، وحاشية ابن عابدين ١ / ٥٥٤.
الْحُدُودَ، وَفِي الْمُنْتَقَى: إِذَا لَمْ يَكُنِ الطَّرِيقُ مَحْدُودًا فَسَدَ الْبَيْعُ، وَالْمَسْجِدُ الْخَاصُّ كَالطَّرِيقِ الْمَعْلُومِ وَلَوْ كَانَ مَسْجِدُ جَمَاعَةٍ فَسَدَ الْبَيْعُ فِي الْكُل، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَلَوْ كَانَ مَسْجِدٌ جَامِعٌ فَسَدَ فِي الْكُل، وَكَذَا لَوْ كَانَ مَهْدُومًا أَوْ أَرْضًا سَاحَةً لاَ بِنَاءَ فِيهَا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ مَسْجِدًا جَامِعًا كَذَا فِي الْمُجْتَبَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مُتَفَرِّعٌ عَلَى قَوْل أَبِي يُوسُفَ فِي الْمَسْجِدِ: إِلاَّ إِنْ كَانَ مِنْ رِيعِهِ مَعْلُومٌ يُعَادُ بِهِ، وَلَوْ بَاعَ قَرْيَةً وَفِيهَا مَسْجِدٌ وَاسْتُثْنِيَ الْمَسْجِدُ جَازَ الْبَيْعُ (١) .
وَفِي هَذَا يَقُول الْمَالِكِيَّةُ: أَمَّا الْمَسْجِدُ فَلاَ خِلاَفَ فِي عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ خَرِبَ أَمْ لاَ، وَإِنِ انْتَقَلَتِ الْعِمَارَةُ عَنْ مَحَلِّهِ، وَمِثْل عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الْمَسْجِدِ نَقْضُهُ، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ نَقْضِ الْمَسْجِدِ بِمَعْنَى أَنْقَاضِهِ.
وَإِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ مَحْفُوفًا بِوُقُوفِ فَافْتَقَرَ إِلَى تَوْسِعَةٍ جَازَ أَنْ يَبْتَاعَ مِنْهَا مَا يُوَسِّعُ بِهِ، يَعْنِي أَنَّ الْمَسْجِدَ إِذَا كَانَ مَحْفُوفًا بِوُقُوفِ وَكَانَ هَذَا الْمَسْجِدُ فِي حَاجَةٍ إِلَى تَوْسِعَةٍ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُوَسِّعُهُ إِلاَّ بِبَيْعِ بَعْضِ تِلْكَ الأَْوْقَافِ أَوْ كُلِّهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ لِتَوْسِعَةِ الْمَسْجِدِ، وَعَلَى هَذَا فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الْحَبْسِ وَلَوْ صَارَ خَرِبًا إِلاَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهِيَ مَا إِذَا ضَاقَ الْمَسْجِدُ بِأَهْلِهِ،
_________
(١) فتح القدير ٥ / ٢٢٧ ط. المطبعة الكبرى الأميرية ١٣١٦هـ.
أَوِ احْتَاجَ إِلَى تَوْسِعَةٍ، وَبِجَانِبِهِ عَقَارُ حَبْسٍ أَوْ مِلْكٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْحَبْسِ لأَِجْل تَوْسِعَةِ الْمَسْجِدِ، وَإِنْ أَبَى صَاحِبُ الْحَبْسِ أَوْ صَاحِبُ الْمِلْكِ بَيْعَ ذَلِكَ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُمَا يُجْبَرَانِ عَلَى بَيْعِ ذَلِكَ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِ الْحَبْسِ مَا يُجْعَل حَبْسًا كَالأَْوَّل، وَمِثْل تَوْسِعَةِ الْمَسْجِدِ تَوْسِعَةُ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَمَقْبَرَتِهِمْ.
وَفِي الْمَوَّاقِ: قَال سَحْنُونٌ: لَمْ يُجِزْ أَصْحَابُنَا بَيْعَ الْحَبْسِ بِحَالٍ إِلاَّ دَارًا بِجِوَارِ مَسْجِدٍ احْتِيجَ أَنْ تُضَافَ إِلَيْهِ لِيَتَوَسَّعَ بِهَا، فَأَجَازُوا بَيْعَ ذَلِكَ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهَا دَارٌ تَكُونُ حَبْسًا، وَقَدْ أُدْخِل فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ دُورٌ مُحَبَّسَةٌ كَانَتْ تَلِيهِ، وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَجُوزُ فِي مَسَاجِدِ الْجَوَامِعِ إِنِ احْتِيجَ إِلَى ذَلِكَ لاَ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ، إِذْ لَيْسَتِ الضَّرُورَةُ فِيهَا كَالْجَوَامِعِ (١) .
وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ: لَوِ انْهَدَمَ مَسْجِدٌ وَتَعَذَّرَتْ إِعَادَتُهُ لَمْ يُبَعْ بِحَالٍ لإِمْكَانِ الصَّلاَةِ فِيهِ فِي الْحَال، وَيَقُول الْقَلْيُوبِيُّ تَعْلِيقًا عَلَى قَوْل صَاحِبِ الْمِنْهَاجِ (وَتَعَذَّرَتْ إِعَادَتُهُ): أَيْ بِنَقْضِهِ، ثُمَّ إِنْ رُجِيَ عَوْدُهُ حُفِظَ نَقْضُهُ وُجُوبًا - وَلَوْ بِنَقْلِهِ إِلَى مَحَلٍّ آخَرَ إِنْ خِيفَ عَلَيْهِ لَوْ بَقِيَ - وَلِلْحَاكِمِ هَدْمُهُ وَنَقْل نَقْضِهِ إِلَى مَحَلٍّ أَمِينٍ
_________
(١) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك ٣ / ١٠٤ - ١٠٥ دار الفكر.
إِنْ خِيفَ عَلَى أَخْذِهِ لَوْ لَمْ يُهْدَمْ، فَإِنْ لَمْ يُرْجَ عَوْدُهُ بُنِيَ بِهِ مَسْجِدٌ آخَرُ لاَ نَحْوُ مَدْرَسَةٍ، وَكَوْنُهُ بِقُرْبِهِ أَوْلَى، فَإِنْ تَعَذَّرَ الْمَسْجِدُ بُنِيَ بِهِ غَيْرُهُ.
وَأَمَّا غَلَّتُهُ الَّتِي لَيْسَ لأَِرْبَابِ الْوَظَائِفِ وَحُصْرُهُ وَقَنَادِيلُهُ فَكَنَقْضِهِ وَإِلاَّ فَهِيَ لأَِرْبَابِهَا، وَإِنْ تَعَذَّرَتْ، لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِمْ (١) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِذَا تَعَطَّلَتْ مَنَافِعُ الْمَسْجِدِ بِخَرَابٍ أَوْ غَيْرِهِ، كَخَشَبٍ تَشَعَّثَ وَخِيفَ سُقُوطُهُ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُعْمَرُ بِهِ، فَيُبَاعُ وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ أَوْ بَعْضِ مِثْلِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ قَال: وَإِذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ خَشَبَاتٌ لاَ قِيمَةَ لَهَا جَازَ بَيْعُهَا وَصَرْفُ ثَمَنِهَا عَلَيْهِ، وَقَال: يُحَوَّل الْمَسْجِدُ خَوْفًا مِنَ اللُّصُوصِ وَإِذَا كَانَ مَوْضِعُهُ قَذِرًا، قَال أَبُو بَكْرٍ الْمَعْرُوفُ بِالْخَلاَّل: وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْمَسَاجِدَ لاَ تُبَاعُ إِنَّمَا تُنْقَل آلَتُهَا، قَال: وَبِالْقَوْل الأَْوَّل أَقُول، لإِجْمَاعِهِمْ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْفَرَسِ الْحَبِيسِ إِذَا لَمْ يَصْلُحْ لِلْغَزْوِ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنَ الْفَرَسِ أُعِينَ بِهِ فِي فَرَسٍ حَبِيسٍ، لأَِنَّ الْوَقْفَ مُؤَبَّدٌ، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ تَأْبِيدُهُ بِعَيْنِهِ اسْتَبْقَيْنَا الْفَرَسَ - وَهُوَ الاِنْتِفَاعُ عَلَى الدَّوَامِ - فِي عَيْنٍ أُخْرَى وَاتِّصَال الأَْبْدَال يَجْرِي مَجْرَى الأَْعْيَانِ وَجُمُودُنَا عَلَى الْعَيْنِ مَعَ تَعَطُّلِهَا تَضْيِيعٌ لِلْغَرَضِ كَذَبْحِ الْهَدْيِ إِذَا أَعْطَبَ فِي مَوْضِعِهِ
_________
(١) منهاج الطالبين وحاشية القليوبي عليه ٣ / ١٠٨ ط. دار إحياء الكتب العربية.