الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧ الصفحة 43

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧

فَإِنْ كَانَ بِسَمْسَرَةٍ أَيْ بِمُنَادَاةٍ عَلَى السِّلْعَةٍ بِأَنْ جَلَسَ صَاحِبُ السِّلْعَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَأَتَاهُ الْمُشْتَرِي يُقَلِّبُهَا وَيَنْظُرُ فِيهَا وَيُعْطِي فِيهَا مَا يُرِيدُ مِنْ ثَمَنٍ حَرُمَ لِجَعْل الْمَسْجِدِ سُوقًا، ثُمَّ إِنَّ مَحَل الْكَرَاهَةِ إِذَا جَعَل الْمَسْجِدَ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بِأَنْ أَظْهَرَ السِّلْعَةَ فِيهِ مُعْرِضًا لَهَا لِلْبَيْعِ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ عَقْدِهِمَا فَلاَ يُكْرَهُ (١) .

وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْقَوْل بِكَرَاهَةِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِيهِ (٢)، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لاَ أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ (٣) .

نِشْدَانُ الضَّالَّةِ فِي الْمَسْجِدِ

٣١ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ إِلَى كَرَاهَةِ نِشْدَانِ الضَّالَّةِ فِي الْمَسْجِدِ (٤) فَعَنْ عَمْرِو بْنِ

_________

(١) جواهر الإكليل ٢ / ٢٠٣، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٤ / ٧١.

(٢) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي ٣٢٤.

(٣) حديث: " إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد. . . ". تقدم تخريجه آنفًا.

(٤) فتح القدير ٢ / ١١٢، والشرح الكبير ٤ / ٧١، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٠٣، وإعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي ٣٢٤، والآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ٣٩٩ - ٤٠٠.

شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ يُنْشَدَ فِيهِ ضَالَّةٌ أَوْ يُنْشَدَ فِيهِ شِعْرٌ (١) .

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: لاَ أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فِيهِ ضَالَّةً فَقُولُوا: لاَ رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ (٢)، وَعَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُل: لاَ رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا (٣) .

صَلاَةُ الْعِيدَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ

٣١ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ صَلاَةَ الْعِيدَيْنِ سُنَّةٌ فِي الْمُصَلَّى - وَالْمُرَادُ الْفَضَاءُ وَالصَّحْرَاءُ - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّهَا مَنْدُوبَةٌ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ﵁: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالأَْضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى (٤)، وَكَذَا الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ وَكَرِهُوا صَلاَتَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ

_________

(١) حديث: " أن رسول الله ﷺ نهى عن الشراء. . . ". تقدم تخريجه ف (٣٠) .

(٢) حديث: " إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد. . . ". تقدم تخريجه ف (٣٠) .

(٣) حديث: " من سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٣٩٧) .

(٤) حديث: " كان رسول الله ﷺ يخرج. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٤٤٩)، ومسلم (٢ / ٦٠٥) .

ضَرُورَةٍ دَاعِيَةٍ إِلَى الصَّلاَةِ فِيهِ، وَذَلِكَ كَقِيَامِ عُذْرٍ يَمْنَعُ الْخُرُوجَ إِلَى الْمُصَلَّى مِنْ مَطَرٍ أَوْ وَحْلٍ أَوْ خَوْفٍ مِنْ لُصُوصٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنْ وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الأَْعْذَارِ وَمَثِيلاَتِهَا فَإِنَّهَا تُصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ بِلاَ كَرَاهَةٍ لِوُجُودِ الضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ لِذَلِكَ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: أَصَابَنَا مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ فَصَلَّى بِنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ (١)، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵄ صَلَّيَا فِي الْمَسْجِدِ فِي الْمَطَرِ، وَأَمَّا بِمَكَّةَ فَتُنْدَبُ صَلاَةُ الْعِيدَيْنِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِمُشَاهَدَةِ الْكَعْبَةِ (٢)، وَهِيَ عِبَادَةٌ لِخَبَرِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنَزِّل كُل يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عِشْرِينَ وَمِائَةَ رَحْمَةٍ، يَنْزِل عَلَى هَذَا الْبَيْتِ سِتُّونَ لِلطَّائِفِينَ وَأَرْبَعُونَ لِلْمُصَلِّينَ وَعِشْرُونَ لِلنَّاظِرِينَ (٣) .

_________

(١) حديث: " أصابنا مطر في يوم عيد. . . ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٤١٦) وقال ابن حجر في " التلخيص الحبير " (٢ / ٨٣): " وإسناده ضعيف ".

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٥٥٧، وفتح القدير ١ / ٤٢٣، والاختيار شرح المختار ١ / ٨٤ - ٨٥، ومراقي الفلاح شرح نور الإيضاح ١٦٤ ط. محمد علي صبيح، وجواهر الإكليل ١ / ١٠٣، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ١ / ٣٩٩، وأسهل المدارك شرح إرشاد السالك للكشناوي ١ / ٣٣٦ - ٣٣٧، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ١٢٥، والقليوبي وعميرة على منهاج الطالبين ١ / ٣٠٦ - ٣٠٧، ومنار السبيل في شرح الدليل ١ / ١٤٩، ومغني المحتاج ١ / ٣١٢، والمغني لابن قدامة ٢ / ٣٧٢ - ٣٧٣.

(٣) حديث: " إن الله تعالى ينزل في كل يوم وليلة عشرين ومائة رحمة. . . ". أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير ١١ / ١٩٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣ / ٢٩٢): " وفيه يوسف بن سفر وهو متروك ".

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الْمَسْجِدَ إِنْ كَانَ وَاسِعًا فَهُوَ أَفْضَل مِنَ الْمُصَلَّى لأَِنَّ الأَْئِمَّةَ لَمْ يَزَالُوا يُصَلُّونَ صَلاَةَ الْعِيدِ بِمَكَّةَ فِي الْمَسْجِدِ، وَلأَِنَّ الْمَسْجِدَ أَشْرَفُ وَأَنْظَفُ، وَإِنْ صَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ فَلاَ بَأْسَ، لأَِنَّهُ إِذَا تَرَكَ الْمَسْجِدَ وَصَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ ضَرَرٌ، وَقِيل: فِعْلُهَا فِي الصَّحْرَاءِ أَفْضَل، لأَِنَّهَا أَرْفَقُ بِالرَّاكِبِ وَغَيْرِهِ، إِلاَّ لِعُذْرٍ كَمَطَرٍ وَنَحْوِهِ فَالْمَسْجِدُ أَفْضَل، وَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ ضَيِّقًا فَصَلَّى فِيهِ وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى الْمُصَلَّى كُرِهَ ذَلِكَ لِتَأَذِّي النَّاسِ بِالزِّحَامِ، وَرُبَّمَا فَاتَ بَعْضَهُمُ الصَّلاَةُ (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: وَالْحِكْمَةُ فِي صَلاَةِ الْعِيدَيْنِ فِي الْمُصَلَّى هِيَ مِنْ أَجْل الْمُبَاعَدَةِ بَيْنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ، لأَِنَّ الْمَسَاجِدَ وَإِنْ كَبُرَتْ يَقَعُ الاِزْدِحَامُ فِيهَا وَفِي أَبْوَابِهَا بَيْنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ دُخُولًا وَخُرُوجًا، فَتُتَوَقَّعُ الْفِتْنَةُ فِي مَحَل الْعِبَادَةِ (٢) .

٣٣ - وَهَل لِلْمُصَلَّى حُكْمُ الْمَسْجِدِ: سُئِل الْغَزَالِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ فِي فَتَاوِيهِ عَنِ الْمُصَلَّى الَّذِي بُنِيَ لِصَلاَةِ الْعِيدِ خَارِجَ الْبَلَدِ فَقَال: لاَ يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ فِي الاِعْتِكَافِ وَمُكْثِ الْجُنُبِ وَغَيْرِهِ مِنَ الأَْحْكَامِ، لأَِنَّ الْمَسْجِدَ هُوَ

_________

(١) المهذب ١ / ١٢٥، والقليوبي وعميرة على منهاج الطالبين ١ / ٣٠٦ - ٣٠٧.

(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ١ / ٣٩٩.

الَّذِي أُعِدَّ لِرَوَاتِبِ الصَّلاَةِ وَعُيِّنَ لَهَا، حَتَّى لاَ يُنْتَفَعَ بِهِ فِي غَيْرِهَا، وَمَوْضِعُ صَلاَةِ الْعِيدِ مُعَدٌّ لِلاِجْتِمَاعَاتِ وَلِنُزُول الْقَوَافِل وَلِرُكُوبِ الدَّوَابِّ وَلَعِبِ الصِّبْيَانِ وَلَمْ تَجْرِ عَادَةُ السَّلَفِ بِمَنْعِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِيهِ، وَلَوِ اعْتَقَدُوهُ مَسْجِدًا لَصَانُوهُ عَنْ هَذِهِ الأَْسْبَابِ، وَلَقُصِدَ لإِقَامَةِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَصَلاَةُ الْعِيدِ تَطَوُّعٌ وَهُوَ لاَ يَكْثُرُ تَكَرُّرُهُ، بَل يُبْنَى لِقَصْدِ الاِجْتِمَاعِ وَالصَّلاَةُ تَقَعُ فِيهِ بِالتَّبَعِ (١) .

صَلاَةُ النِّسَاءِ فِي الْمَسَاجِدِ

٣٤ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلنِّسَاءِ أَنْ تَكُونَ صَلاَتُهُنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ، فَذَلِكَ لَهُنَّ أَفْضَل مِنْ صَلاَتِهِنَّ فِي الْمَسْجِدِ، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ (٢)، فَإِنْ أَرَادَتِ الْمَرْأَةُ حُضُورَ الْمَسْجِدِ مَعَ الرِّجَال: فَإِنْ كَانَتْ شَابَّةً أَوْ كَبِيرَةً يُشْتَهَى مِثْلُهَا كُرِهَ لَهَا الْحُضُورُ وَإِنْ كَانَتْ عَجُوزًا لاَ تُشْتَهَى لَمْ يُكْرَهْ لَهَا، لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: وَالَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ مَا صَلَّتِ امْرَأَةٌ صَلاَةً قَطُّ خَيْرٌ لَهَا مِنْ صَلاَةٍ تُصَلِّيهَا فِي بَيْتِهَا، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَوْ مَسْجِدَ الرَّسُول ﷺ

_________

(١) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي ٣٨٦، وراجع الموسوعة في (مصطلح صلاة العيدين ف ١٠) .

(٢) حديث: " لا تمنعوا نساءكم المساجد. . . ". أخرجه أبو داود (١ / ٣٨٣) .

إِلاَّ عَجُوزًا فِي مَنْقَلِهَا (١)، وَذَلِكَ حَيْثُ تَقِل الرَّغْبَةُ فِيهَا، وَلِذَا يَجُوزُ لَهَا حُضُورُ الْمَسَاجِدِ كَمَا فِي الْعِيدِ.

وَإِنْ كَانَتْ شَابَّةً غَيْرَ فَارِهَةٍ فِي الْجَمَال وَالشَّبَابِ جَازَ لَهَا الْخُرُوجُ لِتُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ، بِشَرْطِ عَدَمِ الطِّيبِ، وَأَنْ لاَ يُخْشَى مِنْهَا الْفِتْنَةُ، وَأَنْ تَخْرُجَ فِي رَدِيءِ ثِيَابِهَا، وَأَنْ لاَ تُزَاحِمَ الرِّجَال، وَأَنْ تَكُونَ الطَّرِيقُ مَأْمُونَةً مِنْ تَوَقُّعِ الْمَفْسَدَةِ، فَإِنْ لَمْ تَتَحَقَّقْ فِيهَا تِلْكَ الشُّرُوطُ كُرِهَ لَهَا الصَّلاَةُ فِيهِ، فَقَدْ كَانَتِ النِّسَاءُ يُبَاحُ لَهُنَّ الْخُرُوجُ إِلَى الصَّلَوَاتِ، ثُمَّ لَمَّا صَارَ سَبَبًا لِلْوُقُوعِ فِي الْفِتْنَةِ مُنِعْنَ عَنْ ذَلِكَ (٢)، جَاءَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ (٣)، أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ النِّسْوَةِ

_________

(١) حديث: " والذي لا إله غيره ما صلت امرأة صلاة قط خير لها من صلاة تصليها في بيتها. . . ". أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " (٣ / ١٣١)، وأخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (٩ / ٣٣٩) من حديث عبد الله بن مسعود موقوفًا، قال الهيثمي في مجموع الزوائد (٢ / ٣٥): " رجاله رجال الصحيح ". والمنقل بفتح الميم الخف، ذكره على عادة العجائز في لبس المناقل وهي الخفاف

(٢) فتح القدير والعناية بهامشه ١ / ٢٥٩، والمهذب ١ / ١٠٠، وجواهر الإكليل ١ / ٨٠ - ٨١، والشرح الكبير ١ / ٣٣٥ - ٣٣٦، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢ / ٧٨، ومنار السبيل في شرح الدليل ١ / ١٢٣، وإعلام الساجد بأحكام المساجد ٣٥٩ - ٣٦٠.

(٣) سورة الحجر / ٢٤.

حَيْثُ كَانَ الْمُنَافِقُونَ يَتَأَخَّرُونَ لِلاِطِّلاَعِ عَلَى عَوْرَاتِهِنَّ، وَقَوْل عَائِشَةَ ﵂ فِي الصَّحِيحِ: " لَوْ أَدْرَكَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيل (١)، وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ تَرْفَعُهُ أَيُّهَا النَّاسُ انْهُوا نِسَاءَكُمْ عَنْ لُبْسِ الزِّينَةِ وَالتَّبَخْتُرِ فِي الْمَسَاجِدِ، فَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيل لَمْ يُلْعَنُوا حَتَّى لَبِسَ نِسَاؤُهُمُ الزِّينَةَ وَتَبَخْتَرُوا فِي الْمَسَاجِدِ (٢)، وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: خَيْرُ مَسَاجِدِ النِّسَاءِ قَعْرُ بُيُوتِهِنَّ (٣) .

دُخُول الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ فِي الْمَسْجِدِ وَعُبُورُهُمْ لَهُ

٣٥ - قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: إِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ دُخُول الْمَسْجِدِ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ: جَاءَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَوُجُوهُ بُيُوتِ أَصْحَابِهِ شَارِعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ فَقَال: وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَل وَلَمْ يَصْنَعِ الْقَوْمُ شَيْئًا رَجَاءَ

_________

(١) حديث: " لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدث النساء. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٣٤٩)، ومسلم (١ / ٣٢٩) واللفظ للبخاري

(٢) حديث: " أيها الناس انهوا نساءكم عن لبس الزينة. . . " أورده ابن الهمام في فتح القدير (١ / ٢٥٩)، وعزاه لابن عبد البر في التمهيد ولم نهتد إليه في المطبوع.

(٣) حديث: " خير مساجد النساء قعر بيوتهن ". أخرجه الحاكم في المستدرك (١ / ٢٠٩) وأحمد في المسند (٦ / ٢٩٧) وصححه ابن خزيمة في صحيحه (٣ / ٩٢) .

أَنْ تَنْزِل فِيهِمْ رُخْصَةٌ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَقَال: وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ فَإِنِّي لاَ أُحِل الْمَسْجِدَ لِحَائِضِ وَلاَ جُنُبٍ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ الْعُبُورُ فِيهِ إِنْ خِيفَ تَلْوِيثُ الْمَسْجِدِ وَإِنْ لَمْ يُخَفِ التَّلْوِيثُ جَازَ الْعُبُورُ (٢) .

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (حَيْضٌ ف ٤١، وَجَنَابَةٌ ف ١٨، وَدُخُولٌ ف ٦) .

حَيْضُ الْمَرْأَةِ وَجَنَابَةُ الرَّجُل فِي الْمَسْجِدِ

٣٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ إِذَا حَاضَتْ، وَالرَّجُل إِذَا أَجْنَبَ، وَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ أَنْ يَبْقَيَا فِيهِ وَهُمَا عَلَى مَا هُمَا عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِمَا أَنْ يَخْرُجَا مِنْهُ حَتَّى يَطْهُرَ كُلٌّ مِنْهُمَا، فَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ أُحِل الْمَسْجِدَ لِحَائِضِ وَلاَ جُنُبٍ (٣) .

وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الاِعْتِكَافَ لاَ يَفْسُدُ بِالاِحْتِلاَمِ، ثُمَّ إِنْ أَمْكَنَهُ الاِغْتِسَال فِي الْمَسْجِدِ

_________

(١) حديث: " وجهوا هذه البيوت عن المسجد. . . . " أخرجه أبو داود (١ / ١٥٨ - ١٥٩)، وأخرجه البيهقي في (السنن الكبرى ٢ / ٤٤٢) ونقل عن البخاري تضعيفه.

(٢) فتح القدير ١ / ١١٤ - ١١٥، ومراقي الفلاح شرح نور الإيضاح ٤٢ ط. محمد علي صبيح، وجواهر الإكليل ١ / ٣٢، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ١ / ١٧٣ - ١٧٥، والمهذب ١ / ٤٥، ٥٢، والإقناع للشربيني الخطيب ١ / ١٤٣ - ١٤٤

(٣) حديث: " لا أحل المسجد. . . " سبق تخريجه ف (٣٥)

مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَلَوَّثَ الْمَسْجِدُ فَلاَ بَأْسَ بِهِ، وَإِلاَّ فَيَخْرُجُ وَيَغْتَسِل وَيَعُودُ إِلَى الْمَسْجِدِ (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ وَهِيَ فِي مَسْجِدِ اعْتِكَافِهَا - قَبْل إِتْمَامِ مَا نَوَتْهُ أَوْ نَذَرَتْهُ - خَرَجَتْ وُجُوبًا مِنْهُ وَعَلَيْهَا حُرْمَةُ الاِعْتِكَافِ، فَلاَ تَفْعَل مَا لاَ يَفْعَلُهُ الْمُعْتَكِفُ مِنْ جِمَاعٍ أَوْ مُقَدِّمَاتِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِذَا طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا رَجَعَتْ فَوْرًا لِمُعْتَكَفِهَا لِلْبِنَاءِ، وَالْمُرَادُ بِالْبِنَاءِ: الإِْتْيَانُ بِبَدَل مَا حَصَل فِيهِ الْمَانِعُ وَتَكْمِيل مَا نَذَرَتْهُ وَلَوْ أَخَّرَتْ رُجُوعَهَا إِلَيْهِ وَلَوْ نَاسِيَةً أَوْ مُكْرَهَةً بَطَل اعْتِكَافُهَا وَعَلَيْهَا أَنْ تَسْتَأْنِفَهُ.

وَإِذَا أَجْنَبَ الرَّجُل فِي الْمَسْجِدِ وَكَانَ مُعْتَكِفًا فَسَدَ اعْتِكَافُهُ وَابْتَدَأَهُ بَعْدَ أَنْ يَغْتَسِل، إِذْ يَحْرُمُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ مِنْ أَهْلِهِ بِاللَّيْل مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْهُنَّ بِالنَّهَارِ، وَلاَ يَحِل لِرَجُلٍ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَتَهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ (٢)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٣) .

وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا طَرَأَ الْحَيْضُ وَجَبَ الْخُرُوجُ، وَكَذَا الْجَنَابَةُ إِنْ تَعَذَّرَ الْغُسْل فِي

_________

(١) فتح القدير ٢ / ١١٣ - ١١٤، والاختيار شرح المختار ١ / ١٣٧ ط. مصطفى الحلبي ١٩٣٦، والفتاوى الهندية ١ / ٢١٣، وانظر الدر المختار ورد المحتار عليه ٢ / ١٣١ - ١٣٢.

(٢) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١ / ٥٥٢، وجواهر الإكليل ١ / ١٦٠.

(٣) سورة البقرة / ١٨٧.

الْمَسْجِدِ لِحُرْمَةِ الْمُكْثِ فِيهِ عَلَى الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ، فَلَوْ أَمْكَنَ الْغُسْل فِيهِ جَازَ الْخُرُوجُ لَهُ وَلاَ يَلْزَمُ، بَل يَجُوزُ الْغُسْل فِيهِ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُبَادِرَ بِهِ كَيْلاَ يَبْطُل تَتَابُعُ اعْتِكَافِهِ، وَلاَ يُحْسَبُ زَمَنُ الْحَيْضِ وَلاَ الْجَنَابَةِ فِي الْمَسْجِدِ مِنَ الاِعْتِكَافِ لِمُنَافَاتِهِمَا لَهُ (١) .

وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: إِذَا أَجْنَبَ الرَّجُل فِي الْمَسْجِدِ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُرَاعِيَ أَقْرَبَ الطُّرُقِ إِلَى الْخُرُوجِ (٢) .

وَيَقُول الْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ عَلَى الْحَائِضِ الْمُعْتَكِفَةِ أَنْ تَتَحَيَّضَ فِي خِبَاءٍ فِي رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ إِنْ كَانَ لَهُ رَحْبَةٌ وَأَمْكَنَ ذَلِكَ بِلاَ ضَرَرٍ وَإِلاَّ فَفِي بَيْتِهَا، فَإِنْ طَهُرَتْ وَكَانَ الاِعْتِكَافُ مَنْذُورًا رَجَعَتْ فَأَتَمَّتِ اعْتِكَافَهَا وَقَضَتْ مَا فَاتَهَا وَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهَا (٣) .

وَقَال ابْنُ مُفْلِحٍ: وَفِي جَوَازِ مَبِيتِ الْجُنُبِ فِيهِ مُطْلَقًا بِلاَ ضَرُورَةٍ رِوَايَتَانِ، وَقِيل: يَجُوزُ إِنْ كَانَ مُسَافِرًا أَوْ مُجْتَازًا، وَإِلاَّ فَلاَ (٤) .

وَإِذَا خَافَ الْجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ، أَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ، أَوْ لَمْ يَجِدْ مَكَانًا غَيْرَهُ، أَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْغُسْل وَلاَ الْوُضُوءُ تَيَمَّمَ ثُمَّ

_________

(١) منهاج الطالبين مع شرح المحلي ٢ / ٨٠ ط. دار إحياء الكتب العربية، والمهذب ١ / ٢٠٠.

(٢) إعلام الساجد بأحكام المساجد ٣١٦.

(٣» المغني لابن قدامة ٣ / ٢٠٩.

(٤) الآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ٣٩٩.