الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيِّ قَال: كُنَّا نَأْكُل عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ (١) .
قَال: وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْسُطَ شَيْئًا خَوْفًا مِنَ التَّلَوُّثِ وَلِئَلاَّ يَتَنَاثَرَ شَيْءٌ مِنَ الطَّعَامِ فَتَجْتَمِعَ عَلَيْهِ الْهَوَامُّ، هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ كَالثُّومِ وَالْبَصَل وَالْكُرَّاثِ وَنَحْوِهِ فَيُكْرَهُ أَكْلُهُ فِيهِ وَيُمْنَعُ آكِلُهُ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهُ، فَإِنْ دَخَل الْمَسْجِدَ أُخْرِجَ مِنْهُ لِحَدِيثِ: مَنْ أَكَل ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ لِيَعْتَزِل مَسْجِدَنَا وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ (٢) .
وَقَالُوا أَيْضًا بِجِوَازِ النَّوْمِ فِي الْمَسْجِدِ فَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الأُْمِّ، فَعَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ وَهُوَ شَابٌّ أَعْزَبُ لاَ أَهْل لَهُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ (٣)، وَأَنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ قَال: كُنَّا نَبِيتُ عَلَى عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي الْمَسْجِدِ وَأَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ وَعَطَاءً وَالشَّافِعِيَّ رَخَّصُوا فِيهِ (٤) .
_________
(١) حديث عبد الله بن الحارث " كنا نأكل على عهد. . . ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ١٠٩٧)، وقال البوصيري في " مصباح الزجاجة " (٢ / ١٧٩) " هذا إسناد حسن ".
(٢) حديث: " من أكل ثومًا أو بصلًا. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٣٣٩) ومسلم (١ / ٣٩٤) من حديث جابر بن عبد الله ﵁.
(٣) أثر ابن عمر: " أنه كان ينام وهو شاب. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٥٣٥) .
(٤) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي ٣٠٥ - ٣٠٦ - ٣٢٩.
أَمَّا الْمُعْتَكِفُ فَأَكْلُهُ وَمَبِيتُهُ فِي مَسْجِدِ اعْتِكَافِهِ، وَأُجِيزَ لَهُ أَنْ يَمْضِيَ إِلَى الْبَيْتِ لِيَأْكُل فِيهِ، وَلاَ يَبْطُل اعْتِكَافُهُ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لأَِنَّ الأَْكْل فِي الْمَسْجِدِ يَنْقُصُ مِنَ الْمُرُوءَةِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ (١) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ قَال ابْنُ مُفْلِحٍ: لاَ يَجُوزُ دُخُول الْمَسْجِدِ لِلأَْكْل وَنَحْوِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ، وَذَكَرَ فِي الشَّرْحِ وَالرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِمَا بِأَنَّ لِلْمُعْتَكِفِ الأَْكْل فِي الْمَسْجِدِ وَغَسْل يَدِهِ فِي طَسْتٍ، وَذَكَرَ فِي الشَّرْحِ فِي آخِرِ بَابِ الأَْذَانِ: أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِالاِجْتِمَاعِ فِي الْمَسْجِدِ وَالأَْكْل فِيهِ وَالاِسْتِلْقَاءِ فِيهِ.
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ بَأْسَ أَنْ يَأْكُل الْمُعْتَكِفُ فِي الْمَسْجِدِ وَيَضَعَ سُفْرَةً يَسْقُطُ عَلَيْهَا مَا يَقَعُ مِنْهُ كَيْلاَ يُلَوِّثَ الْمَسْجِدَ (٢) .
الْغِنَاءُ وَالتَّصْفِيقُ وَالرَّقْصُ فِي الْمَسْجِدِ
٢٢ - قَال ابْنُ مُفْلِحٍ: يُسَنُّ أَنْ يُصَانَ الْمَسْجِدُ عَنِ الْغِنَاءِ فِيهِ وَالتَّصْفِيقِ (٣) .
وَأَمَّا لَعِبُ الْحَبَشَةِ بِدَرَقِهِمْ وَحِرَابِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ عِيدٍ وَجَعْل النَّبِيِّ ﷺ يَسْتُرُ عَائِشَةَ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَقَوْلُهُ لَهُمْ: دُونَكُمْ يَا بَنِي
_________
(١) المهذب ١ / ١٩٨ - ١٩٩، ٢٠١.
(٢) الآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ٣٩٩، والمغني لابن قدامة ٣ / ٢٠٦.
(٣) الآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ٤٠٧ - ٤٠٨، والمغني لابن قدامة ٣ / ٢٠٦.
أَرْفَدَةَ (١) (بَنُو أَرْفَدَةَ: جِنْسٌ مِنَ الْحَبَشَةِ يَرْقُصُونَ)، فَقَدْ قَال النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: فِيهِ جَوَازُ اللَّعِبِ بِالسِّلاَحِ وَنَحْوِهِ مِنْ آلاَتِ الْحَرْبِ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَلْحَقُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الأَْسْبَابِ الْمُعِينَةِ عَلَى الْجِهَادِ، وَفِيهِ بَيَانُ مَا كَانَ عَلَيْهِ ﷺ مِنَ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ وَالْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ.
وَلِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: " جَاءَ حَبَشٌ يَزْفِنُونَ (أَيْ يَرْقُصُونَ) فِي يَوْمِ عِيدٍ فِي الْمَسْجِدِ (٢) "، وَنَقَل ابْنُ مُفْلِحٍ عَنْ شَرْحِ مُسْلِمٍ: حَمَلَهُ الْعُلَمَاءُ عَلَى التَّوَثُّبِ بِسِلاَحِهِمْ وَلَعِبِهِمْ بِحِرَابِهِمْ عَلَى قَرِيبٍ مِنْ هَيْئَةِ الرَّاقِصِ لأَِنَّ مُعْظَمَ الرِّوَايَاتِ إِنَّمَا فِيهَا لَعِبُهُمْ بِحِرَابِهِمْ فَتَتَأَوَّل هَذِهِ اللَّفْظَةُ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: بَيْنَمَا الْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ عِنْدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِحِرَابِهِمْ إِذْ دَخَل عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَأَهْوَى إِلَى الْحَصْبَاءِ يَحْصِبُهُمْ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: دَعْهُمْ يَا عُمَرُ (٣)، قَال فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ هَذَا لاَ يَلِيقُ بِالْمَسْجِدِ وَأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ (٤) .
قَال الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ شَارِحُ الْبُخَارِيِّ:
_________
(١) حديث: " دونكم يا بني أرفدة ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٤٤٠)، ومسلم (٢ / ٦٠٩) .
(٢) حديث: " جاء حبش يزفنون في يوم عيد. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ٦٠٩) من حديث عائشة ﵂.
(٣) حديث: " بينما الحبشة يلعبون. . ". أخرجه مسلم (٢ / ٦١٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) الآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ٤٠١ - ٤٠٢.
الْمَسْجِدُ مَوْضُوعٌ لأَِمْرِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَكُل مَا كَانَ مِنَ الأَْعْمَال الَّتِي تَجْمَعُ مَنْفَعَةَ الدِّينِ وَأَهْلِهِ، وَاللَّعِبُ بِالْحِرَابِ مِنْ تَدْرِيبِ الْجَوَارِحِ عَلَى مَعَانِي الْحُرُوبِ فَهُوَ جَائِزٌ فِي الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ (١) .
الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الأَْذَانِ
٢٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ دَخَل مَسْجِدًا قَدْ أُذِّنَ فِيهِ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ حَتَّى يُصَلِّيَ إِلاَّ لِعُذْرِ كَانْتِقَاضِ طَهَارَةٍ أَوْ خَوْفِ فَوَاتِ رُفْقَةٍ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ مِمَّنْ يَنْتَظِمُ بِهِ أَمْرُ جَمَاعَةٍ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: لاَ يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ النِّدَاءِ إِلاَّ مُنَافِقٌ، إِلاَّ رَجُلٌ يَخْرُجُ لِحَاجَتِهِ وَهُوَ يُرِيدُ الرَّجْعَةَ إِلَى الصَّلاَةِ (٢) وَقَوْلُهُ ﷺ: مَنْ أَدْرَكَهُ الأَْذَانُ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ خَرَجَ لَمْ يَخْرُجْ لِحَاجَةٍ وَهُوَ لاَ يُرِيدُ الرَّجْعَةَ فَهُوَ مُنَافِقٌ (٣)، وَعَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَال: كُنَّا مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ رَجُلٌ حِينَ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِلْعَصْرِ فَقَال
_________
(١) عمدة القاري ٤ / ٢٢٠.
(٢) حديث: " لا يخرج من المسجد بعد النداء. . ". أخرجه عبد الرزاق في " المصنف " (١ / ٥٠٨) من حديث سعيد بن المسيب مرسلًا.
(٣) حديث: " من أدركه الآذان في المسجد. . . ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٢٤٢) من حديث عثمان بن عفان وضعفه البوصيري في " مصباح الزجاجة " (١ / ١٥٦ - ١٥٧) .
أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ (١) .
وَأَضَافَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى وَكَانَتِ الظُّهْرُ أَوِ الْعِشَاءُ فَلاَ بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ لأَِنَّهُ أَجَابَ دَاعِيَ اللَّهِ مَرَّةً، إِلاَّ إِذَا أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي الإِْقَامَةِ لأَِنَّهُ يُتَّهَمُ بِمُخَالَفَةِ الْجَمَاعَةِ عِيَانًا، وَإِنْ كَانَتِ الْعَصْرَ أَوِ الْمَغْرِبَ أَوِ الْفَجْرَ خَرَجَ وَإِنْ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فِيهَا لِكَرَاهَةِ التَّنَفُّل بَعْدَهَا (٢) .
وَقَالُوا: إِنَّ مَنْ دَخَل مَسْجِدًا قَدْ أُذِّنَ فِيهِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ صَلَّى أَوْ لاَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ صَلَّى، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَسْجِدَ حَيِّهِ أَوْ لاَ، فَإِنْ كَانَ مَسْجِدَ حَيِّهِ كُرِهَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ قَبْل الصَّلاَةِ لأَِنَّ الْمُؤَذِّنَ دَعَاهُ لِيُصَلِّيَ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسْجِدَ حَيِّهِ فَإِنْ صَلَّى فِي مَسْجِدِ حَيِّهِ فَكَذَلِكَ لأَِنَّهُ صَارَ بِالدُّخُول فِيهِ مِنْ أَهْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يُصَل فِيهِ وَهُوَ يَخْرُجُ لأَِنْ يُصَلِّيَ فِيهِ لاَ بَأْسَ بِهِ لأَِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ حَيِّهِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى وَكَانَتِ الظُّهْرَ أَوِ الْعِشَاءَ فَلاَ بَأْسَ بِالْخُرُوجِ (٣) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَحْرُمُ الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الأَْذَانِ بِلاَ عُذْرٍ أَوْ نِيَّةِ رُجُوعٍ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ
_________
(١) أثر أبي هريرة: " أما هذا فقد عصى. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٤٥٤) .
(٢) فتح القدير ١ / ٣٣٨.
(٣) العناية بهامش فتح القدير ١ / ٣٣٨ - ٣٣٩، وإعلام الساجد بأحكام المساجد ٣٥١، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري ٢ / ١٤٣ ط. الريان للتراث، وجواهر الإكليل ١ / ٩٨، والشرح الكبير ١ / ٣٨٥، والمغني لابن قدامة ١ / ٤٠٨.
قَال: مَنْ أَدْرَكَهُ الأَْذَانُ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ خَرَجَ لَمْ يَخْرُجْ لِحَاجَةِ وَهُوَ لاَ يُرِيدُ الرَّجْعَةَ فَهُوَ مُنَافِقٌ (١)، وَقَال صَالِحٌ: لاَ يَخْرُجُ، وَنَقَل أَبُو طَالِبٍ: لاَ يَنْبَغِي، وَنَقَل ابْنُ الْحَكَمِ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ لاَ يَخْرُجَ، وَكَرِهَهُ أَبُو الْوَفَاءِ وَأَبُو الْمَعَالِي وَقَال ابْنُ تَمِيمٍ: يَجُوزُ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَخْرُجَ بَعْدَ أَذَانِ الْفَجْرِ، قَال الشَّيْخُ: إِنْ كَانَ التَّأْذِينُ لِلْفَجْرِ قَبْل الْوَقْتِ لَمْ يُكْرَهِ الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ قَبْل الصَّلاَةِ (٢) .
صَلاَةُ النَّوَافِل فِي الْمَسْجِدِ
٢٤ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ صَلاَةَ النَّوَافِل فِي الْبَيْتِ أَفَضْل مِنْهَا فِي الْمَسْجِدِ فَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: عَلَيْكُمْ بِالصَّلاَةِ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ خَيْرَ صَلاَةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ (٣) وَقَال: اجْعَلُوا مِنْ صَلاَتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ وَلاَ تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا (٤)، وَقَال: أَفْضَل صَلاَةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ (٥) .
_________
(١) سبق تخريجه في نفس الفقرة.
(٢) كشاف القناع ١ / ٢٤٤.
(٣) حديث: " عليكم بالصلاة في بيوتكم. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٥٤٠) من حديث زيد بن ثابت ﵁.
(٤) حديث: " اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٦٢)، ومسلم (١ / ٥٣٨) واللفظ لمسلم، من حديث ابن عمر ﵄.
(٥) حديث: " أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة ". أخرجه النسائي (٣ / ١٩٨) من حديث زيد بن ثابت ﵁، وجود إسناده المنذري في الترغيب والترهيب (١ / ٣٥٦ - ط. دار ابن كثير) .
وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ مَا شُرِعَتْ لَهُ الْجَمَاعَةُ كَالتَّرَاوِيحِ فَإِنَّهَا تُصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ، وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ الرَّوَاتِبَ أَيْضًا (١) .
الصَّلاَةُ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي الْمَسْجِدِ
٢٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الصَّلاَةِ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي الْمَسْجِدِ فَكَرِهَهَا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَأَجَازَهَا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.
وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ فِيهِ، وَقَال الْحَنَابِلَةُ بِجِوَازِهَا فِي الْمَسْجِدِ وَقَيَّدَ الْحُكْمَ بِأَمْنِ تَلْوِيثِ الْمَسْجِدِ، وَإِلاَّ كُرِهَ (٢) .
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (جَنَائِزٌ ف ٣٨) .
السَّكَنُ وَالْبِنَاءُ فِي الْمَسْجِدِ
٢٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِقَيِّمِ الْمَسْجِدِ أَنْ يَجْعَلَهُ سَكَنًا لأَِنَّهُ إِنْ فَعَل ذَلِكَ تَسْقُطُ حُرْمَتُهُ.
وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ حَوَانِيتَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي فِنَائِهِ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَفْعَل، لأَِنَّ الْفِنَاءَ تَبَعٌ لِلْمَسْجِدِ (٣) .
_________
(١) فتح القدير ١ / ٣١٣، ٢ / ٣٣٨، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٣١٤، والمهذب ١ / ٩١ - ٩٢، ومنار السبيل في شرح الدليل ١ / ١١٠ المكتب الإسلامي والمغني لابن قدامة ٢ / ١٤١.
(٢) فتح القدير ١ / ٤٦٣ - ٤٦٥، وجواهر الإكليل ١ / ١١٣، وحاشية القليوبي ١ / ٣٤٨، والمغني لابن قدامة ٢ / ٤٩٣.
(٣) فتح القدير ٥ / ٦٤.
وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةِ لِرَجُلٍ تَجَرَّدَ لِلْعِبَادَةِ السُّكْنَى بِالْمَسْجِدِ وَذَلِكَ مَا لَمْ يَحْجُرْ فِيهِ وَيُضَيِّقْ عَلَى الْمُصَلِّينَ وَإِلاَّ مُنِعَ، لأَِنَّ السُّكْنَى فِي الْمَسْجِدِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التَّجَرُّدِ لِلْعِبَادَةِ مُمْتَنِعَةٌ، لأَِنَّهَا تَغْيِيرٌ لَهُ عَمَّا حُبِّسَ لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا أَوْ يُكْرَهُ وَلَوْ تَجَرَّدَتْ لِلْعِبَادَةِ لأَِنَّهَا قَدْ تَحِيضُ وَقَدْ يَلْتَذُّ بِهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْل الْمَسْجِدِ فَتَنْقَلِبُ الْعِبَادَةُ مَعْصِيَةً حَتَّى وَلَوْ كَانَتْ عَجُوزًا لاَ إِرَبَ لِلرِّجَال فِيهَا، قَال الدُّسُوقِيُّ: لأَِنَّ كُل سَاقِطَةٍ لَهَا لاَقِطَةٌ (١) .
الاِعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ
٢٧ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ لِلرَّجُل أَنْ يَعْتَكِفَ إِلاَّ فِي الْمَسْجِدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَعْتَكِفْ إِلاَّ فِي الْمَسْجِدِ.
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهَا كَالرَّجُل لاَ يَصِحُّ أَنْ تَعْتَكِفَ إِلاَّ فِي الْمَسْجِدِ، مَا عَدَا الْحَنَفِيَّةَ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّهَا تَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا لأَِنَّهُ هُوَ مَوْضِعُ صَلاَتِهَا، وَلَوِ اعْتَكَفَتْ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (اعْتِكَافٌ ف ١٤ وَمَا بَعْدَهَا) .
_________
(١) الشرح الكبير ٤ / ٧٠، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٠٣.
عَقْدُ النِّكَاحِ فِي الْمَسْجِدِ
٢٨ - اسْتَحَبَّ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَقْدَ النِّكَاحِ فِي الْمَسْجِدِ لِلْبَرَكَةِ، وَلأَِجْل شُهْرَتِهِ فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ (١) .
وَأَضَافَ الْمَالِكِيَّةُ فِي إِجَازَتِهِمْ لِعَقْدِ النِّكَاحِ فِي الْمَسْجِدِ أَنْ يَكُونَ بِمُجَرَّدِ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ شُرُوطٍ وَلاَ رَفْعِ صَوْتٍ أَوْ تَكْثِيرِ كَلاَمٍ وَإِلاَّ كُرِهَ فِيهِ.
وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمُخْتَارِ عِنْدَهُمْ: أَنَّ الزِّفَافَ بِهِ لاَ يُكْرَهُ إِذَا لَمْ يَشْتَمِل عَلَى مَفْسَدَةٍ دِينِيَّةٍ فَإِنِ اشْتَمَل عَلَيْهَا كُرِهَ فِيهِ (٢) .
الْبُصَاقُ فِي الْمَسْجِدِ
٢٩ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي اسْتِحْبَابِ صِيَانَةِ الْمَسْجِدِ عَنِ الْبَصْقَةِ فِيهِ إِذْ هِيَ فِيهِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا لِمَا فِيهَا مِنْ تَقَزُّزِ النَّاسِ مِنْهَا.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (بُصَاقٌ ف ٤) .
_________
(١) حديث: " أعلنوا هذا النكاح. . . ". أخرجه الترمذي (٣ / ٣٨٩ - ٣٩٠) وضعفه ابن حجر في " فتح الباري " (٩ / ٢٢٦) .
(٢) فتح القدير ٢ / ٣٤٣ - ٣٤٤، وجواهر الإكليل ١ / ٢٧٥، ٢ / ٢٠٣، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٤ / ٧٠، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٢٠١، وإعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي ٣٦٠، ٣٦٢، وتحفة الراكع والساجد في أحكام المساجد ص٢٠٨.
الْبَيْعُ فِي الْمَسْجِدِ
٣٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِغَيْرِ الْمُعْتَكِفِ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي الْمَسْجِدِ لِقَوْلِهِ ﷺ: جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ وَشِرَاءَكُمْ وَبَيْعَكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ وَسَل سُيُوفِكُمْ وَاتَّخِذُوا عَلَى أَبْوَابِهَا الْمَطَاهِرَ وَجَمِّرُوهَا فِي الْجُمَعِ (١) .
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ: نَهَى عَنِ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فِي الْمَسْجِدِ وَأَنْ تُنْشَدَ فِيهِ ضَالَّةٌ، وَأَنْ يُنْشَدَ فِيهِ شِعْرٌ (٢)، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُعْتَكِفِ فَإِنَّهُ لاَ بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ وَيَبْتَاعَ فِي الْمَسْجِدِ مَا كَانَ مِنْ حَوَائِجِهِ الأَْصْلِيَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحْضِرَ السِّلْعَةَ لأَِنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ بِأَنْ لاَ يَجِدَ مَنْ يَقُومُ بِحَاجَتِهِ، إِلاَّ أَنَّهُمْ قَالُوا: يُكْرَهُ إِحْضَارُ السِّلْعَةِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، لأَِنَّ الْمَسْجِدَ مُحَرَّرٌ عَنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَفِيهِ شُغْلُهُ بِهَا (٣) .
وَكَذَلِكَ الْحَال عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي كَرَاهَةِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي الْمَسْجِدِ بِغَيْرِ سَمْسَرَةٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: لاَ أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ (٤) .
_________
(١) حديث: " جنبوا مساجدكم صبيانكم. . . ". تقدم تخريجه فقرة (١٧) .
(٢) حديث: " نهى عن الشراء والبيع في المسجد. . . ". أخرجه أبو داود (١ / ٦٥١)، والترمذي (٢ / ١٣٩) واللفظ لأبي داود، وقال الترمذي: " حديث حسن ".
(٣) فتح القدير ٢ / ١١٢، والمغني لابن قدامة ٢ / ٢٠٢، والآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ٣٩٤ - ٣٩٥.
(٤) حديث: " إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد. . . ". أخرجه الترمذي (٣ / ٦٠٣) وقال: " حديث حسن ".