الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧ الصفحة 46

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧

الطَّوَافِ (١) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ وَمَسْجِدِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَنْسُوبٌ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ، غَيْرَ أَنَّ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، وَتُسَنُّ رَكْعَتَا الطَّوَافِ عِنْدَهُ، وَمَسْجِدُ إِبْرَاهِيمَ عِنْدَ عَرَفَاتٍ.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

يَتَعَلَّقُ بِمَسْجِدِ إِبْرَاهِيمَ أَحْكَامٌ مِنْهَا.

أ - الْوُقُوفُ بِمَسْجِدِ إِبْرَاهِيمَ

٣ - قَال أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ مُقَدَّمَ مَسْجِدِ إِبْرَاهِيمَ فِي طَرَفِ وَادِي عُرَنَةَ لاَ فِي عَرَفَاتٍ، وَآخِرُهُ فِي عَرَفَاتٍ قَال: فَمَنْ وَقَفَ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ الْمُسَمَّى بِمُصَلَّى إِبْرَاهِيمَ لاَ يَصِحُّ وُقُوفُهُ، وَمَنْ وَقَفَ فِي آخِرِهِ صَحَّ (٢) .

ب - لُقَطَةُ مَسْجِدِ إِبْرَاهِيمَ

٤ - قَال الزَّرْكَشِيُّ فِي إِعْلاَمِ السَّاجِدِ نَقْلًا عَنِ الْحَاوِي: إِنَّ لُقَطَةَ عَرَفَةَ وَمُصَلَّى إِبْرَاهِيمَ (أَيْ مَسْجِدِ إِبْرَاهِيمَ) فِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: حِل لُقْطَتِهَا قِيَاسًا عَلَى الْحِل، وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَالْحَرَمِ لاَ تَحِل إِلاَّ لِمُنْشِدٍ، لأَِنَّهُ مَجْمَعُ الْحَاجِّ وَيَنْصَرِفُ الْقُصَّادُ مِنْهُ إِلَى سَائِرِ الْبِلاَدِ كَالْحَرَمِ.

وَأَمَّا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فَقَالُوا: لاَ فَرْقَ بَيْنَ

_________

(١) إعلام الساجد بأحكام المساجد ص١٥٤، والحاوي للماوردي ٩ / ٤٢٨، والقليوبي وعميرة ٣ / ١٢٣.

(٢) إعلام الساجد بأحكام المساجد ص٧٢.

لُقَطَةِ الْحِل وَلُقَطَةِ الْحَرَمِ.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (حَرَمٌ ف ١٩) .

ج - صَلاَةُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ بِمَسْجِدِ إِبْرَاهِيمَ

٥ - يُنْدَبُ إِذَا قَصَدَ الْحَجِيجُ عَرَفَاتٍ لِلْوُقُوفِ بِهَا أَنْ يَتَوَجَّهُوا إِلَى مَسْجِدِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ - وَيُسَمَّى الآْنَ مَسْجِدُ نَمِرَةَ وَيُصَلُّوا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمْعًا بَعْدَ خُطْبَتَيْنِ يُلْقِيهِمَا الإِْمَامُ (١) .

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (عَرَفَاتٌ ف ٢)

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ١٧٣، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢ / ٤٣، ٤٤، ومغني المحتاج ١ / ٤٩٦، وشرح المنهاج للمحلي ٢ / ١١٣، كشاف القناع ٢ / ٤٩١.

الْمَسْجِدُ الأَْقْصَى

التَّعْرِيفُ:

١ - الْمَسْجِدُ الأَْقْصَى هُوَ الْمَسْجِدُ الْمَعْرُوفُ فِي مَدِينَةِ الْقُدْسِ، وَقَدْ بُنِيَ عَلَى سَفْحِ الْجَبَل (١) وَيُسَمَّى بَيْتَ الْمَقْدِسِ، أَيِ الْبَيْتُ الْمُطَهَّرُ الَّذِي يُتَطَهَّرُ فِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ.

وَهُوَ أُولَى الْقِبْلَتَيْنِ وَثَالِثُ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وَمَسْرَى رَحْمَةِ اللَّهِ لِلْعَالَمِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَحَدُ الْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ الَّتِي لاَ تُشَدُّ الرِّحَال إِلاَّ إِلَيْهَا، وَالْمَسْجِدُ الَّذِي بَارَكَ اللَّهُ حَوْلَهُ كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ (٢) .

وَيُسَمَّى الأَْقْصَى لِبُعْدِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَكَانَ أَبْعَدَ مَسْجِدٍ عَنْ أَهْل مَكَّةَ فِي الأَْرْضِ يُعَظَّمُ بِالزِّيَارَةِ (٣) .

أَسْمَاءُ الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى

٢ - لِلْمَسْجِدِ الأَْقْصَى أَسْمَاءٌ عِدَّةٌ ذَكَرَ الزَّرْكَشِيُّ مِنْهَا سَبْعَةَ عَشَرَ مِنْ أَهَمِّهَا:

_________

(١) مراصد الإطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع لصفي الدين البغدادي ٣ / ١٢٩٦.

(٢) إعلام الساجد للزركشي ص٢٧٧ - ٢٧٩، وتحفة الراكع والساجد للجراعي ص١٨٤ - ١٨٦.

(٣) تفسير القرطبي ١٠ / ٢١٢.

الأَْوَّل: مَسْجِدُ إِيلِيَاءَ: وَقِيل فِي مَعْنَاهُ: بَيْتُ اللَّهِ، وَعَنْ كَعْبِ الأَْحْبَارِ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُسَمَّى بِإِيلِيَاءَ، وَلَكِنْ بَيْتُ اللَّهِ الْمُقَدَّسِ، وَقَدْ حَكَى ذَلِكَ الْوَاسِطِيُّ فِي فَضَائِلِهِ.

الثَّانِي: بَيْتُ الْمَقْدِسِ: بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ - أَيِ الْمَكَانِ الَّذِي يُطَّهَرُ فِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَالْمَقْدِسُ: الْمُطَهِّرُ.

الثَّالِثُ: الْبَيْتُ الْمُقَدَّسُ: - بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَالدَّال الْمُشَدَّدَةِ - أَيِ الْمُطَهَّرُ، وَتَطْهِيرُهُ إِخْلاَؤُهُ مِنَ الأَْصْنَامِ (١)، وَغَيْرُهَا مِنَ الأَْسْمَاءِ، وَقَدْ أَوْصَلَهَا الْجُرَاعِيُّ إِلَى اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ اسْمًا، فِي كِتَابِهِ تُحْفَةِ الرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ

٣ - الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ هُوَ الْمَسْجِدُ الَّذِي أَسَّسَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، وَهُوَ ثَانِي الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وَثَوَابُ الصَّلاَةِ فِيهِ يَرْبُو عَلَى الصَّلاَةِ فِي غَيْرِهِ بِأَلْفِ صَلاَةٍ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى وَالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ مِنَ الْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ الَّتِي لاَ تُشَدُّ الرِّحَال إِلاَّ إِلَيْهَا (٣) .

_________

(١) تحفة الراكع للجراعي ص١٨٤، وإعلام الساجد للزركشي ص٢٧٨.

(٢) تحفة الراكع للجراعي ص١٨٤ - ١٨٦.

(٣) تحفة الراكع والساجد ص١٣١ - ١٣٧، وإعلام الساجد للزركشي ص٢٤٦.

ب - الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ

٤ - الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ هُوَ بَيْتُ اللَّهِ الْحَرَامُ بِمَكَّةَ الْمُكَرَّمَةَ، وَهُوَ أَوَّل مَسْجِدٍ وُضِعَ عَلَى الأَْرْضِ، كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوَّل بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ (١) .

وَهُوَ أَوَّل الْحَرَمَيْنِ وَثَانِي الْقِبْلَتَيْنِ، وَفَضْل الصَّلاَةِ فِيهِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلاَةٍ عَمَّا سِوَاهُ، وَالصِّلَةُ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنَ الْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ الَّتِي لاَ تُشَدُّ الرِّحَال إِلاَّ إِلَيْهَا (٢) .

فَضَائِل الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى وَمَكَانَتُهُ فِي الإِْسْلاَمِ وَخَصَائِصُهُ

لِلْمَسْجِدِ الأَْقْصَى فَضَائِل أَهَمُّهَا:

١ - أَنَّهُ الْقِبْلَةُ الأُْولَى لِلْمُسْلِمِينَ:

٥ - مِنَ الْفَضَائِل الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا الْمَسْجِدُ الأَْقْصَى، أَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى أُولَى الْقِبْلَتَيْنِ، فَإِلَيْهِ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَتَوَجَّهُونَ فِي صَلاَتِهِمْ قَبْل أَنْ تُحَوَّل الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ.

وَفِي ذَلِكَ دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الْبَيْتَ شَرَّفَهُ اللَّهُ وَكَرَّمَهُ، فَوَجَّهَ أَنْظَارَ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِ فَتْرَةً مِنَ الزَّمَنِ (٣) .

_________

(١) سورة آل عمران / ٩٦.

(٢) إعلام الساجد ص٢٩، ٨٤.

(٣) تفسير القرطبي ٢ / ١٤٩ - ١٥٠.

ب - الإِْسْرَاءُ إِلَيْهِ وَالْمِعْرَاجُ مِنْهُ:

٦ - إِلَى الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى كَانَ إِسْرَاءُ النَّبِيِّ ﷺ قَبْل الْهِجْرَةِ، وَنَزَل فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (١) .

وَهَذِهِ الآْيَةُ هِيَ الْمُعَظِّمَةُ لِقَدْرِهِ بِإِسْرَاءِ سَيِّدِنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِ قَبْل عُرُوجِهِ إِلَى السَّمَاءِ (٢) . وَدَخَل النَّبِيُّ ﷺ وَمَعَهُ جِبْرِيل بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ (٣) .

ج - شَدُّ الرِّحَال إِلَيْهِ:

٧ - جَعَل الإِْسْلاَمُ هَذَا الْمَسْجِدَ أَحَدَ ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ تُشَدُّ إِلَيْهَا الرِّحَال (٤)، فَقَال ﷺ: لاَ تُشَدُّ الرِّحَال إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ، الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الأَْقْصَى (٥) .

د - فَضْل الصَّلاَةِ فِيهِ:

٨ - وَمِنْ خَصَائِصِ الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى وَفَضْلِهِ، مُضَاعَفَةُ الصَّلاَةِ فِيهِ، وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الأَْحَادِيثُ فِي مِقْدَارِهَا، قَال الْجُرَاعِيُّ: وَرَدَ أَنَّ الصَّلاَةَ فِيهِ

_________

(١) سورة الإسراء / ١.

(٢) إعلام الساجد للزركشي ص ٢٨٦.

(٣) تفسير القرطبي ١٠ / ١٠٥ - ١٠٦.

(٤) إعلام الساجد ص٢٨٨، وتحفة الراكع والساجد ص١٨٧.

(٥) حديث: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٦٣)، ومسلم (٢ / ٩٧٦) .

بِخَمْسِمِائَةٍ، وَقَال الشَّيْخُ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِنَّهُ الصَّوَابُ (١) .

هـ - مُبَارَكَةُ الأَْرْضِ حَوْلَهُ:

٩ - أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى أَنَّهُ بَارَكَ حَوْلَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾، وَفِي الآْيَةِ تَأْوِيلاَنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مُبَارَكٌ بِمَنْ دُفِنَ حَوْلَهُ مِنَ الأَْنْبِيَاءِ الْمُصْطَفَيْنَ الأَْخْيَارِ، وَالثَّانِي: بِكَثْرَةِ الثِّمَارِ وَمَجَارِي الأَْنْهَارِ (٢) .

و كَوْنُهُ ثَانِي مَسْجِدٍ فِي الأَْرْضِ:

١٠ - أَوَّل مَسْجِدٍ وُضِعَ عَلَى الأَْرْضِ هُوَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ ثُمَّ الْمَسْجِدُ الأَْقْصَى.

فَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَال: سَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ أَوَّل مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَْرْضِ قَال: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَال: الْمَسْجِدُ الأَْقْصَى، قُلْتُ: وَكَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَال: أَرْبَعُونَ عَامًا، ثُمَّ الأَْرْضُ لَكَ مَسْجِدًا فَحَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاَةُ فَصَل (٣)، وَقَال الْبُخَارِيُّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ

_________

(١) تحفة الراكع والساجد للجراعي ص١٧٨ - ١٧٩، ١٨٠، وإعلام الساجد للزركشي ص٢٨٩.

(٢) إعلام الساجد ص٢٨٦، وتحفة الراكع والساجد ١٧٩، وتفسير القرطبي ١٠ / ٢١٢

(٣) حديث: " المسجد الحرام. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٦ / ٤٥٨)، ومسلم (١ / ٣٧٠) .

الصَّلاَةُ فَصَل فِيهِ، فَإِنَّ الْفَضْل فِيهِ.

وَقَدْ أُشْكِل هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى بَعْضِ الْعُلَمَاءِ كَابْنِ الْجَوْزِيِّ فَقَال: إِنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ هُوَ الَّذِي بَنَى الأَْقْصَى كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو يَرْفَعُهُ: أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ لَمَّا بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ سَأَل اللَّهَ ثَلاَثًا: سَأَل اللَّهَ ﷿ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ فَأُوتِيَهُ، وَسَأَل اللَّهَ ﷿ مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَِحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأُوتِيَهُ، وَسَأَل اللَّهَ ﷿ حِينَ فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى أَلاَّ يَأْتِيَهُ أَحَدٌ لاَ يَنْهَزُهُ يُحَرِّكُهُ إِلاَّ الصَّلاَةُ فِيهِ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ (١) .

وَسُلَيْمَانُ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ كَمَا قَال أَهْل التَّارِيخِ بِأَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ عَامٍ، وَأَجَابَ الزَّرْكَشِيُّ: بِأَنَّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِنَّمَا كَانَ لَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى تَجْدِيدُهُ لاَ تَأْسِيسُهُ، وَالَّذِي أَسَّسَهُ هُوَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بَعْدَ بِنَاءِ إِبْرَاهِيمَ الْكَعْبَةَ بِهَذَا الْقَدْرِ (٢) .

أَحْكَامُهُ

١١ - تَتَعَلَّقُ بِالْمَسْجِدِ الأَْقْصَى أَحْكَامٌ سَبَقَ ذِكْرُ بَعْضِهَا كَمُضَاعَفَةِ أَجْرِ الصَّلاَةِ فِيهِ، وَاسْتِحْبَابِ شَدِّ الرِّحَال إِلَيْهِ لِلْحَدِيثِ الشَّرِيفِ

_________

(١) سنن النسائي ١ / ١١٢، وإعلام الساجد للزركشي ص٢٩.

(٢) إعلام الساجد للزركشي ص٢٩ - ٣٠، وتحفة الراكع والساجد ص١٧٥.

كَمَا تَقَدَّمَ (١) .

وَمِنْهَا مَا يَأْتِي:

الأَْوَّل: اسْتِحْبَابُ خَتْمِ الْقُرْآنِ فِيهِ وَعَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَال: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ لِمَنْ أَتَى الْمَسَاجِدَ الثَّلاَثَةَ، أَنْ يَخْتِمَ بِهَا الْقُرْآنَ قَبْل أَنْ يَخْرُجَ، الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، وَمَسْجِدُ النَّبِيِّ ﷺ، وَمَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.

كَمَا رُوِيَ أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ كَانَ يَخْتِمُ بِهِ الْقُرْآنَ (٢) .

الثَّانِي: اسْتِحْبَابُ الإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مِنْهُ ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَقَال: فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ أَهَل بِحَجَّةِ أَوْ عُمْرَةٍ مِنْ الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ أَوْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ (٣) .

وَأَحْرَمَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ مِنْهُ، كَابْنِ عُمَرَ وَمُعَاذٍ وَكَعْبِ الأَْحْبَارِ وَغَيْرِهِمْ (٤) .

_________

(١) إعلام الساجد ص ٢٨٨.

(٢) إعلام الساجد للزركشي ص٢٨٨، وتحفة الراكع والساجد للجراعي ص١٨٧، وأثر أبي مجلز " كانوا يستحبون. . ". أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " كما عزاه الزركشي في إعلام الساجد ص ٢٨٨.

(٣) حديث: " من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى. . . ". أخرجه أبو داود (٢ / ٣٥٦)، وضعفه البخاري في " التاريخ الكبير " (١ / ١٦١) .

(٤) السنن الكبرى ٥ / ٣، وإعلام الساجد للزركشي ص٢٨٩.

الثَّالِثُ: حُكِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّ السَّيِّئَاتِ تُضَاعَفُ فِي الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ كَعْبِ الأَْحْبَارِ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْوَاسِطِيُّ عَنْ نَافِعٍ قَال: قَال لِي ابْنُ عُمَرَ: اخْرُجْ بِنَا مِنْ هَذَا الْمَسْجِدِ فَإِنَّ السَّيِّئَاتِ تُضَاعَفُ فِيهِ كَمَا تُضَاعَفُ الْحَسَنَاتُ.

وَذَكَرَ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ كَعْبِ الأَْحْبَارِ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي مِنْ حِمْصَ لِلصَّلاَةِ فِيهِ فَإِذَا صَارَ مِنْهُ قَدْرُ مِيلٍ اشْتَغَل بِالذِّكْرِ وَالتِّلاَوَةِ وَالْعِبَادَةِ حَتَّى يَخْرُجَ عَنْهُ بِقَدْرِ مِيلٍ أَيْضًا وَيَقُول: السَّيِّئَاتُ تُضَاعَفُ فِيهِ، (أَيْ تَزْدَادُ قُبْحًا وَفُحْشًا لأَِنَّ الْمَعَاصِيَ فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ شَرِيفٍ أَشَدُّ جُرْأَةً وَأَقَل خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى) (١) .

الرَّابِعُ: أَنَّهُ يُحَذَّرُ مِنَ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ فِيهِ وَكَذَلِكَ فِي الْمَسْجِدَيْنِ فَإِنَّ عُقُوبَتَهَا عَاجِلَةٌ (٢) .

الْخَامِسُ: يُكْرَهُ اسْتِقْبَال بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَاسْتِدْبَارُهُ بِالْبَوْل وَالْغَائِطِ وَلاَ يَحْرُمُ قَالَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ فِي الرَّوْضَةِ مِنْ زَوَائِدِهِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ الأَْصْحَابِ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (قَضَاءُ الْحَاجَةِ ف ٥) .

_________

(١) إعلام الساجد للزركشي ص٢٩٠، وتحفة الراكع والساجد ص١٨٨.

(٢) تحفة الراكع والساجد ص١٨٩، ١٩٠، وإعلام الساجد ص٢٩٠ - ٢٩١، ٢٩٥.