الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧ الصفحة 33

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧

يَجْلِسُ بَعْدَهَا، ثُمَّ بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ جَهْرًا؛ لأَِنَّهَا الثَّانِيَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَوْل - أَيِ الْقِرَاءَةِ - وَيَجْمَعُ بَيْنَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَرَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ لأَِنَّهُ بَانٍ كَالْمُصَلِّي وَحْدَهُ فِي الأَْفْعَال.

وَمَنْ أَدْرَكَ أَخِيرَةَ الْعِشَاءِ أَتَى بَعْدَ سَلاَمِ الإِْمَامِ بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ جَهْرًا لأَِنَّهَا أَوَّل صَلاَتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَوْل، فَيَقْضِي كَمَا فَاتَ وَيَجْلِسُ لِلتَّشَهُّدِ لأَِنَّهَا ثَانِيَتُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلأَْفْعَال، ثُمَّ بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ جَهْرًا لأَِنَّهَا ثَانِيَتُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلأَْقْوَال، وَلاَ يَجْلِسُ بَعْدَهَا لأَِنَّهَا ثَانِيَتُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلأَْقْوَال، وَلاَ يَجْلِسُ بَعْدَهَا لأَِنَّهَا ثَالِثَتُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلأَْفْعَال، ثُمَّ بِرَكْعَةٍ بِالْفَاتِحَةِ فَقَطْ سِرًّا لأَِنَّهَا آخِرُ صَلاَتِهِ، وَمَنْ أَدْرَكَ الأَْخِيرَتَيْنِ مِنْهَا أَتَى بِرَكْعَتَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ جَهْرًا لِمَا تَقَدَّمَ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: مَا أَدْرَكَهُ الْمَسْبُوقُ مَعَ الإِْمَامِ فَهُوَ أَوَّل صَلاَتِهِ، وَمَا يَفْعَلُهُ بَعْدَ سَلاَمِ إِمَامِهِ آخِرُهَا، لِقَوْلِهِ ﷺ: فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا (٢)، وَإِتْمَامُ الشَّيْءِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ أَوَّلِهِ، وَعَلَى هَذَا إِذَا صَلَّى مَعَ الإِْمَامِ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ مِنَ الصُّبْحِ وَقَنَتَ مَعَ الإِْمَامِ، فَإِنَّهُ يُعِيدُ الْقُنُوتَ، وَلَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْمَغْرِبِ مَعَ الإِْمَامِ تَشَهَّدَ فِي ثَانِيَتِهِ نَدْبًا، لأَِنَّهَا مَحِل تَشَهُّدِهِ الأَْوَّل، وَتَشَهُّدُهُ مَعَ الإِْمَامِ لِلْمُتَابَعَةِ، وَذَلِكَ حُجَّةٌ عَلَى

_________

(١) الشرح الصغير ١ / ٤٥٩ - ٤٦١.

(٢) حديث: " فما أدركتم فصلوا. . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ١١٧) من حديث أبي هريرة.

أَنَّ مَا يُدْرِكُهُ أَوَّل صَلاَتِهِ (١) .

سُجُودُ الْمَسْبُوقِ لِلسَّهْوِ

٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمَسْبُوقَ يَسْجُدُ مَعَ إِمَامِهِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ السَّهْوُ قَبْل الاِقْتِدَاءِ أَوْ بَعْدَهُ ثُمَّ يَقْضِي مَا فَاتَهُ وَلَوْ سَهَا فِيهِ سَجَدَ ثَانِيًا (٢) .

وَلَوْ قَامَ الْمَسْبُوقُ إِلَى قَضَاءِ مَا سُبِقَ بِهِ، وَعَلَى الإِْمَامِ سَجْدَتَا سَهْوٍ قَبْل أَنْ يَدْخُل مَعَهُ فَقَالُوا: إِنَّ الْمَسْبُوقَ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ فَيَسْجُدَ مَعَ الإِْمَامِ مَا لَمْ يُقَيِّدَ الرَّكْعَةَ بِسَجْدَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَعُدْ حَتَّى سَجَدَ يَمْضِي، وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ فِي آخِرِ صَلاَتِهِ، بِخِلاَفِ الْمُنْفَرِدِ لاَ يَلْزَمُهُ السُّجُودُ لِسَهْوِ غَيْرِهِ (٣) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: بَطَلَتِ الصَّلاَةُ بِسُجُودِ الْمَسْبُوقِ عَمْدًا مَعَ الإِْمَامِ سُجُودًا بَعْدِيًّا مُطْلَقًا أَوْ قَبْلِيًّا إِنْ لَمْ يَلْحَقْ مَعَهُ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا، وَإِلاَّ بِأَنْ لَحِقَ رَكْعَةً سَجَدَ الْقَبْلِيَّ مَعَهُ قَبْل قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ إِنْ سَجَدَهُ الإِْمَامُ قَبْل السَّلاَمِ (٤) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا سَهَا الْمَأْمُومُ خَلْفَ الإِْمَامِ لَمْ يَسْجُدْ، وَيَتَحَمَّل الإِْمَامُ سَهْوَهُ وَلَوْ سَهَا بَعْدَ سَلاَمِ الإِْمَامِ، لَمْ يَتَحَمَّل لاِنْقِطَاعِ الْقُدْوَةِ، وَكَذَا الْمُنْفَرِدُ إِذَا سَهَا فِي صَلاَتِهِ، ثُمَّ دَخَل فِي جَمَاعَةٍ، وَجَوَّزْنَا ذَلِكَ، فَلاَ يَتَحَمَّل الإِْمَامُ سَهْوَهُ ذَلِكَ.

أَمَّا إِذَا ظَنَّ الْمَأْمُومُ أَنَّ الإِْمَامَ سَلَّمَ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ، فَسَلَّمَ مَعَهُ، فَلاَ سُجُودَ عَلَيْهِ،

_________

(١) مغني المحتاج ١ / ٢٠٦.

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٩٩.

(٣) الفتاوى الهندية ١ / ٩٢.

(٤) حاشية الدسوقي ١ / ٢٩٠، ٢٩١.

لأَِنَّهُ سَهَا فِي حَال الْقُدْرَةِ

وَلَوْ تَيَقَّنَ فِي التَّشَهُّدِ، أَنَّهُ تَرَكَ الرُّكُوعَ أَوِ الْفَاتِحَةَ مِنْ رَكْعَةٍ نَاسِيًا، فَإِذَا سَلَّمَ الإِْمَامُ، لَزِمَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ أُخْرَى، وَلاَ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ؛ لأَِنَّهُ سَهَا فِي حَال الاِقْتِدَاءِ.

وَلَوْ سَلَّمَ الإِْمَامُ، فَسَلَّمَ الْمَسْبُوقُ سَهْوًا، ثُمَّ تَذَكَّرَ، بَنَى عَلَى صَلاَتِهِ وَسَجَدَ؛ لأَِنَّ سَهْوَهُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْقُدْوَةِ.

وَلَوْ ظَنَّ الْمَسْبُوقُ أَنَّ الإِْمَامَ سَلَّمَ، بِأَنْ سَمِعَ صَوْتًا ظَنَّهُ سَلاَمَهُ، فَقَامَ لِيَتَدَارَكَ مَا عَلَيْهِ، وَكَانَ مَا عَلَيْهِ رَكْعَةً مَثَلًا، فَأَتَى بِهَا وَجَلَسَ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ الإِْمَامَ لَمْ يُسَلِّمْ بَعْدُ، تَبَيَّنَ أَنَّ ظَنَّهُ كَانَ خَطَأً، فَهَذِهِ الرَّكْعَةُ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهَا؛ لأَِنَّهَا مَفْعُولَةٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، فَإِنَّ وَقْتَ التَّدَارُكِ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْقُدْوَةِ، فَإِذَا سَلَّمَ الإِْمَامُ، قَامَ إِلَى التَّدَارُكِ، وَلاَ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، لِبَقَاءِ حُكْمِ الْقُدْوَةِ.

وَلَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَسَلَّمَ الإِْمَامُ وَهُوَ قَائِمٌ، فَهَل يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْضِيَ فِي صَلاَتِهِ أَمْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ إِلَى الْقُعُودِ، ثُمَّ يَقُومُ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.

فَإِنْ جَوَّزْنَا الْمُضِيَّ، فَلاَ بُدَّ مِنْ إِعَادَةِ الْقِرَاءَةِ، فَلَوْ سَلَّمَ الإِْمَامُ فِي قِيَامِهِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ حَتَّى أَتَمَّ الرَّكْعَةَ - إِنْ جَوَّزْنَا الْمُضِيَّ - فَرَكْعَتُهُ مَحْسُوبَةٌ، وَلاَ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَإِنْ قُلْنَا: عَلَيْهِ الْقُعُودُ، لَمْ يُحْسَبْ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لِلزِّيَادَةِ بَعْدَ سَلاَمِ الإِْمَامِ.

وَلَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، وَعَلِمَ فِي الْقِيَامِ

أَنَّ الإِْمَامَ لَمْ يُسَلِّمْ بَعْدُ، فَقَال إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إِنْ رَجَعَ فَهُوَ الْوَجْهُ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَتَمَادَى وَيَنْوِيَ الاِنْفِرَادَ قَبْل سَلاَمِ الإِْمَامِ، فَفِيهِ الْخِلاَفُ فِي قَطْعِ الْقُدْوَةِ، فَإِنْ مَنَعْنَاهُ تَعَيَّنَ الرُّجُوعُ، وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجِبُ الرُّجُوعُ؛ لأَِنَّ نُهُوضَهُ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ، فَيَرْجِعُ، ثُمَّ يَقْطَعُ الْقُدْوَةَ إِنْ شَاءَ، وَالثَّانِي: لاَ يَجِبُ الرُّجُوعُ؛ لأَِنَّ النُّهُوضَ لَيْسَ مَقْصُودًا لِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الْقِيَامُ فَمَا بَعْدَهُ، هَذَا كَلاَمُ الإِْمَامِ، فَلَوْ لَمْ يُرِدْ قَطْعَ الْقُدْوَةِ فَمُقْتَضَى كَلاَمِ الإِْمَامِ: وُجُوبُ الرُّجُوعِ.

وَقَال الْغَزَالِيُّ: هُوَ مُخَيَّرٌ، إِنْ شَاءَ رَجَعَ، وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَ قَائِمًا سَلاَمَ الإِْمَامِ، وَجَوَازُ الاِنْتِظَارِ قَائِمًا مُشْكِلٌ؛ لِلْمُخَالَفَةِ الظَّاهِرَةِ، فَإِنْ كَانَ قَرَأَ قَبْل تَبَيُّنِ الْحَال، لَمْ يُعْتَدَّ بِقِرَاءَتِهِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الأَْحْوَال، بَل عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُهَا.

قَال النَّوَوِيُّ: الصَّحِيحُ: وُجُوبُ الرُّجُوعِ فِي الْحَالَتَيْنِ (١) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لَوْ كَانَ الْمَأْمُومُ مَسْبُوقًا وَسَهَا الإِْمَامُ فِيمَا لَمْ يُدْرِكْهُ الْمَسْبُوقُ فِيهِ، بِأَنْ كَانَ الإِْمَامُ سَهَا فِي الأُْولَى وَأَدْرَكَهُ فِي الثَّانِيَةِ مَثَلًا، فَيَسْجُدُ مَعَهُ مُتَابَعَةً لَهُ، لأَِنَّ صَلاَتَهُ نَقَصَتْ حَيْثُ دَخَل مَعَ الإِْمَامِ فِي صَلاَةٍ نَاقِصَةٍ وَكَذَا لَوْ أَدْرَكَهُ فِيمَا لاَ يُعْتَدُّ لَهُ بِهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الْمُتَابَعَةِ فِي السُّجُودِ، كَمَا لَمْ يَمْنَعْهُ فِي بَقِيَّةِ الرَّكْعَةِ (٢) .

_________

(١) روضة الطالبين ١ / ٣١١ - ٣١٢.

(٢) شرح منتهى الإرادات ١ / ٢١٩.

وَقَالُوا: لَوْ قَامَ الْمَسْبُوقُ بَعْدَ سَلاَمِ إِمَامِهِ ظَانًّا عَدَمَ سَهْوِ إِمَامِهِ، فَسَجَدَ إِمَامُهُ رَجَعَ الْمَسْبُوقُ فَسَجَدَ مَعَهُ؛ لأَِنَّهُ مِنْ تَمَامِ صَلاَةِ الإِْمَامِ، أَشْبَهَ السُّجُودَ قَبْل السَّلاَمِ، فَيَرْجِعُ وُجُوبًا قَبْل أَنْ يَسْتَتِمَّ، فَإِنِ اسْتَتَمَّ فَالأَْوْلَى أَنْ لاَ يَرْجِعَ كَمَنْ قَامَ عَنِ التَّشَهُّدِ الأَْوَّل، وَلاَ يَرْجِعُ إِنْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ؛ لأَِنَّهُ تَلَبَّسَ بِرُكْنٍ مَقْصُودٍ فَلاَ يَرْجِعُ إِلَى وَاجِبٍ (١) .

وَإِنْ أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ إِمَامَهُ فِي آخِرِ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ سَجَدَ الْمَسْبُوقُ مَعَ الإِْمَامِ، فَإِنْ سَلَّمَ الإِْمَامُ أَتَى الْمَسْبُوقُ بِالسَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ لِيُوَالِيَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ثُمَّ قَضَى صَلاَتَهُ، وَإِنْ أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ إِمَامَهُ بَعْدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ وَقَبْل السَّلاَمِ لَمْ يَسْجُدِ الْمَسْبُوقُ لِسَهْوِ إِمَامِهِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ بَعْضًا مِنْهُ فَيَقْضِي الْغَائِبَ، وَبَعْدَ السَّلاَمِ لاَ يَدْخُل مَعَهُ؛ لأَِنَّهُ خَرَجَ مِنَ الصَّلاَةِ (٢) .

كَيْفِيَّةُ جُلُوسِ الْمَسْبُوقِ:

٩ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا جَلَسَ الْمَسْبُوقُ مَعَ الإِْمَامِ فِي آخِرِ صَلاَةِ الإِْمَامِ فَفِيهِ أَقْوَالٌ:

الْقَوْل الأَْوَّل: وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ فِي الأُْمِّ، وَبَهْ قَال أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْغَزَالِيُّ: يَجْلِسُ الْمَسْبُوقُ مُفْتَرِشًا؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِآخِرِ صَلاَتِهِ.

وَالثَّانِي: الْمَسْبُوقُ يَجْلِسُ مُتَوَرِّكًا مُتَابَعَةً

_________

(١) شرح منتهى الإرادات ١ / ٢١١، ومطالب أولي النهى ١ / ٥٢٩.

(٢) شرح منتهى الإرادات ١ / ٢١١، ومطالب أولي النهى ١ / ٥٢٩.

لِلإِْمَامِ، حَكَاهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالرَّافِعِيُّ.

وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ جُلُوسُهُ فِي مَحَل التَّشَهُّدِ الأَْوَّل لِلْمَسْبُوقِ افْتَرَشَ، وَإِلاَّ تَوَرَّكَ؛ لأَِنَّ جُلُوسَهُ حِينَئِذٍ لِمُجَرَّدِ الْمُتَابَعَةِ فَيُتَابِعُ فِي الْهَيْئَةِ، حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ.

وَإِذَا جَلَسَ مَنْ عَلَيْهِ سُجُودُ سَهْوٍ فِي آخِرِهِ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجْلِسُ مُتَوَرِّكًا لأَِنَّهُ آخِرُ صَلاَتِهِ، وَالثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ يَفْتَرِشُ وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ الْعِدَّةِ وَنَقَلَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ أَكْثَرِ الأَْئِمَّةِ؛ لأَِنَّهُ مُسْتَوْفِزٌ لِيُتِمَّ صَلاَتَهُ، فَعَلَى هَذَا إِذَا سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ تَوَرَّكَ ثُمَّ يُسَلِّمُ (١) .

اسْتِخْلاَفُ الْمَسْبُوقِ

١٠ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى جِوَازِ اسْتِخْلاَفِ الإِْمَامِ فِي الصَّلاَةِ، وَإِلَى جِوَازِ اسْتِخْلاَفِ الْمَسْبُوقِ، وَذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيل الْمُبَيَّنِ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِخْلاَفٌ ف ٢٨ وَمَا بَعْدَهَا) .

_________

(١) المجموع ٣ / ٤٥١ - ٤٥٢.

مُسْتَأْمِنٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْمُسْتَأْمِنُ فِي اللُّغَةِ بِكَسْرِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ اسْمُ فَاعِلٍ أَيْ: الطَّالِبُ لِلأَْمَانِ، وَيَصِحُّ بِالْفَتْحِ اسْمَ مَفْعُولٍ وَالسِّينُ وَالتَّاءُ لِلصَّيْرُورَةِ، أَيْ صَارَ مُؤَامَنًا (١)، يُقَال: اسْتَأْمَنَهُ: طَلَبَ مِنْهُ الأَْمَانَ، وَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ: دَخَل فِي أَمَانِهِ (٢) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الْمُسْتَأْمِنُ: مَنْ يَدْخُل إِقْلِيمَ غَيْرِهِ بِأَمَانٍ مُسْلِمًا كَانَ أَمْ حَرْبِيًّا (٣) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الذِّمِّيُّ:

٢ - الذِّمِّيُّ فِي اللُّغَةِ: الْمُعَاهَدُ الَّذِي أُعْطِيَ عَهْدًا يَأْمَنُ بِهِ عَلَى مَالِهِ وَعِرْضِهِ وَدِينِهِ، وَالذِّمِّيُّ نِسْبَةٌ إِلَى الذِّمَّةِ، بِمَعْنَى الْعَهْدِ (٤) .

وَالذِّمِّيُّ فِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ الْمُعَاهَدُ مِنَ الْكُفَّارِ لأَِنَّهُ أُومِنَ عَلَى مَالِهِ وَدَمِهِ وَدِينِهِ بِالْجِزْيَةِ (٥) .

_________

(١) ابن عابدين ٣ / ٢٤٧.

(٢) المصباح المنير.

(٣) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٤٧، وقواعد الفقه للبركتي.

(٤) المعجم الوسيط، والمصباح المنير.

(٥) قواعد الفقه للبركتي.

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمُسْتَأْمِنِ وَالذِّمِّيِّ: أَنَّ الأَْمَانَ لِلْمُسْتَأْمِنِ مُؤَقَّتٌ وَلِلذِّمِّيِّ مُؤَبَّدٌ (١) .

ب - الْحَرْبِيُّ:

٣ - الْحَرْبِيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى الْحَرْبِ، وَهِيَ الْمُقَاتَلَةُ وَالْمُنَازَلَةُ، وَدَارُ الْحَرْبِ: بِلاَدُ الأَْعْدَاءِ، وَأَهْلُهَا: حَرْبِيٌّ وَحَرْبِيُّونَ (٢) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا التَّبَايُنُ.

مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَأْمِنِ مِنْ أَحْكَامٍ:

يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَأْمِنِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:

أَمَانُ الْمُسْتَأْمِنِ

١ - مَشْرُوعِيَّةُ الأَْمَانِ وَالْحِكْمَةُ فِيهَا:

٤ - الأَْصْل فِي مَشْرُوعِيَّةِ أَمَانِ الْمُسْتَأْمِنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ (٣)، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ (٤) .

وَأَمَّا الْحِكْمَةُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهَا النَّوَوِيُّ: قَدْ تَقْتَضِي الْمَصْلَحَةُ الأَْمَانَ لاِسْتِمَالَةِ

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ١٠٦، ١١٠.

(٢) قواعد الفقه للبركتي.

(٣) سورة التوبة / ٦.

(٤) ابن عابدين ٣ / ٢٢٦، وفتح القدير ٤ / ٢٩٨، والمغني ٨ / ٣٩٩، وكشاف القناع ٣ / ١٠٤، ومغني المحتاج ٤ / ٢٣٦ وحديث: " ذمة المسلمين واحدة ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣ / ٢٧٥) ومسلم (٢ / ٩٩٨) من حديث علي بن أبي طالب.

الْكَافِرِ إِلَى الإِْسْلاَمِ، أَوْ إِرَاحَةِ الْجَيْشِ، أَوْ تَرْتِيبِ أَمْرِهِمْ، أَوْ لِلْحَاجَةِ إِلَى دُخُول الْكُفَّارِ، أَوْ لِمَكِيدَةٍ وَغَيْرِهَا (١) .

ب - حُكْمُ طَلَبِ الأَْمَانِ أَوْ إِعْطَائِهِ لِلْمُسْتَأْمِنِ

٥ - إِعْطَاءُ الأَْمَانِ لِلْمُسْتَأْمِنِ أَوْ طَلَبِهِ لِلأَْمَانِ مُبَاحٌ وَقَدْ يَكُونُ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا.

وَبِالأَْمَانِ يَثْبُتُ لِلْمُسْتَأْمِنِ الأَْمْنُ عَنِ الْقَتْل وَالسَّبْيِ وَغُنْمِ الْمَال، فَيَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَتْل رِجَالِهِمْ وَسَبْيُ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ وَاغْتِنَامُ أَمْوَالِهِمْ (٢) .

ج - مَنْ يَحِقُّ لَهُ إِعْطَاءُ الأَْمَانِ لِلْمُسْتَأْمَنِ

الأَْمَانُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ أَوْ مِنَ الأَْمِيرِ، أَوْ مِنْ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ.

أَوْلًا - أَمَانُ الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ:

٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يَصِحُّ أَمَانُ الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ وَآحَادِهِمْ، لأَِنَّ وِلاَيَتَهُ عَامَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ الْكُفَّارَ الأَْمَانَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ لِمَصْلَحَةٍ اقْتَضَتْهُ تَعُودُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، لاَ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ (٣) .

_________

(١) روضة الطالبين ١٠ / ٢٧٨.

(٢) بدائع الصنائع ٧ / ١٠٦، ١٠٧.

(٣) الشرح الصغير ٢ / ٢٨٥، ٢٨٦، وروضة الطالبين ١٠ / ٢٧٨، وكشاف القناع ٣ / ١٠٥، وفتح القدير ٤ / ٢٩٨، ٢٩٩، ٣٠٠.

ثَانِيًا - أَمَانُ الأَْمِيرِ:

٧ - نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ أَمَانُ الأَْمِيرِ لأَِهْل بَلْدَةٍ جُعِل بِإِزَائِهِمْ، أَيْ: وَلِيَ قِتَالَهُمْ؛ لأَِنَّ لَهُ الْوِلاَيَةَ عَلَيْهِمْ فَقَطْ، وَأَمَّا فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ فَهُوَ كَآحَادِ الرَّعِيَّةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لأَِنَّ وِلاَيَتَهُ عَلَى قِتَال أُولَئِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ (١) .

ثَالِثًا - أَمَانُ آحَادِ الرَّعِيَّةِ

٨ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ أَمَانُ آحَادِ الرَّعِيَّةِ بِشُرُوطِهِ، لِوَاحِدٍ وَعَشَرَةٍ، وَقَافِلَةٍ وَحِصْنٍ صَغِيرَيْنِ عُرْفًا كَمِائَةٍ فَأَقَل: لأَِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَجَازَ أَمَانَ الْعَبْدِ لأَِهْل الْحِصْنِ، وَلاَ يَصِحُّ أَمَانُ أَحَدِ الرَّعِيَّةِ لأَِهْل بَلْدَةٍ كَبِيرَةٍ، وَلاَ رُسْتَاقٍ، وَلاَ جَمْعٍ كَبِيرٍ؛ لأَِنَّهُ يُفْضِي إِلَى تَعْطِيل الْجِهَادِ، وَالاِفْتِيَاتِ عَلَى الإِْمَامِ.

قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ أَمَّنَ غَيْرُ الإِْمَامِ إِقْلِيمًا أَيْ عَدَدًا غَيْرَ مَحْصُورٍ، أَوْ أَمَّنَ عَدَدًا مَحْصُورًا بَعْدَ فَتْحِ الْبَلَدِ، نَظَرَ الإِْمَامُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ صَوَابًا أَبْقَاهُ وَإِلاَّ رَدَّهُ.

وَقَال النَّوَوِيُّ: وَضَابِطُهُ: أَنَّ لاَ يَنْسَدَّ بَابُ الْجِهَادِ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ فَإِذَا تَأَتَّى الْجِهَادُ بِغَيْرِ تَعَرُّضٍ لِمَنْ أُمِّنَ، نَفَذَ الأَْمَانُ؛ لأَِنَّ الْجِهَادَ شِعَارُ

_________

(١) كشاف القناع ٣ / ١٠٥، والمغني ٨ / ٣٩٨.