الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧ الصفحة 34

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧

الدِّينِ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ مَكَاسِبِ الْمُسْلِمِينَ. وَفِي مُقَابِل الأَْصَحِّ لِلشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَجُوزُ أَمَانُ وَاحِدٍ لأَِهْل قَرْيَةٍ وَإِنْ قَل عَدَدُ مَنْ فِيهَا (١) .

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ الأَْمَانُ مِنَ الْوَاحِدِ سَوَاءٌ أَمَّنَ جَمَاعَةً كَثِيرَةً أَوْ قَلِيلَةً، أَوْ أَهْل مِصْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ، وَعِبَارَةُ فَتْحِ الْقَدِيرِ: أَوْ أَهْل حِصْنٍ أَوْ مَدِينَةٍ (٢) .

د - مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى إِعْطَاءِ الأَْمَانِ

٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ الأَْمَانُ مِنَ الإِْمَامِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ بِشُرُوطِهِ، وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا الْوَفَاءُ بِهِ، فَلاَ يَجُوزُ قَتْلُهُمْ، وَلاَ أَسْرُهُمْ، وَلاَ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِمْ، وَلاَ التَّعَرُّضُ لَهُمْ، لِعِصْمَتِهِمْ، وَلاَ أَذِيَّتُهُمْ بِغَيْرِ وَجْهٍ شَرْعِيٍّ (٣) .

وَأَمَّا سِرَايَةُ حُكْمِ الأَْمَانِ إِلَى غَيْرِ الْمُؤَمَّنِ مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ: فَقَدْ نَصَّ الْحَنَابِلَةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أُمِّنَ مَنْ يَصِحُّ أَمَانُهُ سَرَى الأَْمَانُ إِلَى مَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلٍ، وَمَا مَعَهُ مِنْ مَالٍ، إِلاَّ أَنْ يَقُول مُؤَمِّنُهُ: أَمَّنْتُكَ وَحْدَكَ وَنَحْوَهُ، مِمَّا يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِالأَْمَانِ، فَيَخْتَصُّ بِهِ (٤) .

_________

(١) الشرح الصغير ٢ / ٢٨٥، ٢٨٦، وروضة الطالبين ١٠ / ٢٧٨، وكشاف القناع ٣ / ١٠٥.

(٢) فتح القدير ٤ / ٢٩٨، وبدائع الصنائع ٧ / ١٠٧، وابن عابدين ٣ / ٢٢٦.

(٣) بدائع الصنائع ٧ / ١٠٧، وابن عابدين ٣ / ٣٢٦، والشرح الصغير ٢ / ٢٨٨، وروضة الطالبين ١٠ / ٢٨١، وكشاف القناع ٣ / ١٠٤.

(٤) كشاف القناع ٣ / ١٠٧، ومغني المحتاج ٤ / ٢٣٨.

هَذَا بِالنِّسْبَةِ لأَِهْلِهِ وَمَالِهِ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلاَ يَسْرِي إِلَيْهِ الأَْمَانُ جَزْمًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (١) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَسْرِي الأَْمَانُ إِلَى مَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلٍ وَمَا مَعَهُ مِنْ مَالٍ إِلاَّ بِالشَّرْطِ، لِقُصُورِ اللَّفْظِ عَنِ الْعُمُومِ (٢) .

وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا: الْمُرَادُ بِمَا مَعَهُ مِنْ مَالِهِ غَيْرُ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ مُدَّةَ أَمَانِهِ، أَمَّا الْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ فَيَدْخُل وَلَوْ بِلاَ شَرْطٍ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَسْتَعْمِلُهُ فِي حِرْفَتِهِ مِنَ الآْلاَتِ، وَمَرْكُوبِهِ إِنْ لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْهُ، هَذَا إِذَا أَمَّنَهُ غَيْرُ الإِْمَامِ، فَإِنْ أَمَّنَهُ الإِْمَامُ دَخَل مَا مَعَهُ بِلاَ شَرْطٍ، وَلاَ يَدْخُل مَا خَلَّفَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ إِلاَّ بِشَرْطٍ مِنَ الإِْمَامِ، أَمَّا إِذَا كَانَ الأَْمَانُ لِلْحَرْبِيِّ بِدَارِهِمْ: فَمَا كَانَ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ بِدَارِهِمْ دَخَلاَ وَلَوْ بِلاَ شَرْطٍ إِنْ أَمَّنَهُ الإِْمَامُ، وَإِنْ أَمَّنَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَدْخُل أَهْلُهُ وَلاَ مَا لاَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ إِلاَّ بِشَرْطٍ، وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا مَعَهُ مِنْ مَالِهِ أَوْ مَال غَيْرِهِ (٣) .

هـ - مَا يَنْعَقِدُ بِهِ الأَْمَانُ

١٠ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الأَْمَانَ يَنْعَقِدُ بِكُل لَفْظٍ يُفِيدُ الْغَرَضَ، وَهُوَ اللَّفْظُ الدَّال عَلَى الأَْمَانِ نَحْوُ قَوْل الْمُقَاتِل مَثَلًا: آمَنْتُكُمْ، أَوْ أَنْتُمْ

_________

(١) مغني المحتاج ٤ / ٢٣٨.

(٢) مغني المحتاج ٤ / ٢٣٨، وروضة الطالبين ١٠ / ٢٨١.

(٣) مغني المحتاج ٤ / ٢٣٨.

آمِنُونَ، أَوْ أَعْطَيْتُكُمُ الأَْمَانَ، وَمَا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى.

وَزَادَ الْحَصْكَفِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: وَإِنْ كَانَ الْكُفَّارُ لاَ يَعْرِفُونَهُ، بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْمُسْلِمِينَ كَوْنَ ذَلِكَ اللَّفْظِ أَمَانًا بِشَرْطِ سَمَاعِ الْكُفَّارِ ذَلِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلاَ أَمَانَ لَوْ كَانَ بِالْبُعْدِ مِنْهُمْ. كَمَا ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الأَْمَانُ بِأَيِّ لُغَةٍ كَانَ، بِالصَّرِيحِ مِنَ اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ: أَجَرْتُكَ، أَوْ آمَنْتُكَ، أَوْ أَنْتَ آمِنٌ وَبِالْكِنَايَةِ: كَقَوْلِهِ: أَنْتَ عَلَى مَا تُحِبُّ، أَوْ كُنْ كَيْفَ شِئْتَ وَنَحْوَهُ.

وَزَادَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ كَالرَّمْلِيِّ وَالشِّرْبِينِيِّ الْخَطِيبِ اشْتِرَاطَ النِّيَّةِ فِي الْكِنَايَةِ.

وَيَجُوزُ الأَْمَانُ بِالْكِتَابَةِ لأَِثَرٍ فِيهِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَقَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: وَلاَ بُدَّ فِيهَا مِنَ النِّيَّةِ لأَِنَّهَا كِنَايَةٌ.

كَمَا يَجُوزُ بِالرِّسَالَةِ: لأَِنَّهَا أَقْوَى مِنَ الْكِتَابَةِ، قَال الشِّرْبِينِيُّ: سَوَاءٌ كَانَ الرَّسُول مُسْلِمًا أَمْ كَافِرًا؛ لأَِنَّ بِنَاءَ الْبَابِ عَلَى التَّوْسِعَةِ فِي حَقْنِ الدَّمِ، وَكَذَلِكَ بِإِشَارَةٍ مُفْهِمَةٍ وَلَوْ مِنْ نَاطِقٍ: لِقَوْل عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَشَارَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى السَّمَاءِ إِلَى مُشْرِكٍ، فَنَزَل بِأَمَانِهِ فَقَتَلَهُ، لَقَتَلْتُهُ بِهِ، وَلأَِنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى الإِْشَارَةِ؛ لأَِنَّ الْغَالِبَ فِيهِمْ عَدُمُ فَهْمِ كَلاَمِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَا الْعَكْسُ.

فَلَوْ أَشَارَ مُسْلِمٌ لِكَافِرٍ فَظَنَّ أَنَّهُ أَمَّنَهُ، فَأَنْكَرَ الْمُسْلِمُ أَنَّهُ أَمَّنَهُ بِهَا، فَالْقَوْل قَوْلُهُ؛ لأَِنَّهُ أَعْلَمُ

بِمُرَادِهِ، وَلَكِنْ لاَ يُغْتَال بَل يَلْحَقُ بِمَأْمَنِهِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُشِيرُ قَبْل أَنْ يُبَيِّنَ الْحَال فَلاَ أَمَانَ، وَلاَ اغْتِيَال فَيَبْلُغُ الْمَأْمَنَ (١) .

وَيَصِحُّ إِيجَابُ الأَْمَانِ مُنَجَّزًا كَقَوْلِهِ: أَنْتَ آمِنٌ، وَمُعَلَّقًا بِشَرْطٍ، كَقَوْلِهِ: مَنْ فَعَل كَذَا فَهُوَ آمِنٌ (٢)، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: مَنْ دَخَل دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ (٣) .

وَأَمَّا الْقَبُول فَلاَ يُشْتَرَطُ، وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ الْبُلْقِينِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ فَقَال: إِنَّ الإِْمَامَ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَعْتَبِرِ الْقَبُول وَقَال: وَهُوَ مَا عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ لأَِنَّ بِنَاءَ الْبَابِ عَلَى التَّوْسِعَةِ، فَيَكْفِي السُّكُوتُ، وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ مَعَ السُّكُوتِ مَا يُشْعِرُ بِالْقَبُول، وَهُوَ الْكَفُّ عَنِ الْقِتَال كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ، وَتَكْفِي إِشَارَةٌ مُفْهِمَةٌ لِلْقَبُول وَلَوْ مِنْ نَاطِقٍ.

قَال الشِّرْبِينِيُّ: إِنَّ مَحَل الْخِلاَفِ فِي اعْتِبَارِ الْقَبُول: إِذَا لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ اسْتِيجَابٌ، فَإِنْ سَبَقَ مِنْهُ لَمْ يُحْتَجْ لِلْقَبُول جَزْمًا (٤) .

و شَرْطُ إِعْطَاءِ الأَْمَانِ لِلْمُسْتَأْمِنِ

١١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ شَرْطَ الأَْمَانِ

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ١٠٦، وابن عابدين ٣ / ٢٧٧، والقوانين الفقهية ١٥٩، وجواهر الإكليل ١ / ٢٥٨، وروضة الطالبين ١٠ / ٢٧٩، الوجيز ٢ / ١٩٤، ومغني المحتاج ٤ / ٢٣٧، والقليوبي ٤ / ٢٢٦، وروض الطالب ٤ / ٢٠٣، والمغني ٨ / ٣٩٨ - ٤٠٠، وكشاف القناع ٣ / ١٠٥.

(٢) كشاف القناع ٣ / ١٠٤، والمراجع السابقة.

(٣) حديث: " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ". أخرجه مسلم (٣ / ١٤٠٦) من حديث أبي هريرة.

(٤) مغني المحتاج ٤ / ٢٣٧.

انْتِفَاءُ الضَّرَرِ، وَلَوْ لَمْ تَظْهَرِ الْمَصْلَحَةُ (١) .

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يُشْتَرَطُ فِي الأَْمَانِ أَنْ تَكُونَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ (٢) .

وَالتَّفْصِيل فِي (أَمَانٌ ف ٦) .

ز - شُرُوطُ الْمُؤَمِّنِ

لِلْمُؤَمِّنِ شُرُوطٌ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

الشَّرْطُ الأَْوَّل: الإِْسْلاَمُ:

١٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الأَْمَانُ مِنْ مُسْلِمٍ فَلاَ يَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ، وَزَادَ الْكَاسَانِيُّ: وَإِنْ كَانَ يُقَاتِل مَعَ الْمُسْلِمِينَ؛ لأَِنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ فَلاَ تُؤْمَنُ خِيَانَتُهُ، وَلأَِنَّهُ إِذَا كَانَ مُتَّهَمًا فَلاَ يَدْرِي أَنَّهُ بَنَى أَمَانَهُ عَلَى مُرَاعَاةِ مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ التَّفَرُّقِ عَنْ حَال الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ أَمْ لاَ، فَيَقَعُ الشَّكُّ فِي وُجُودِ شَرْطِ الصِّحَّةِ، فَلاَ يَصِحُّ مَعَ الشَّكِّ (٣)، وَنَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَمَانُ غَيْرِ الْمُسْلِمِ وَلَوْ كَانَ ذِمِّيًّا، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا

_________

(١) حاشية الدسوقي ٢ / ١٨٦، ومغني المحتاج ٤ / ٢٣٨، ٢٣٩، وكشاف القناع ٣ / ١٠٤، والفروع ٦ / ١٤٨، ٢٤٩.

(٢) بدائع الصنائع ٧ / ١٠٦، ١٠٧.

(٣) بدائع الصنائع ٧ / ١٠٧، والشرح الصغير ٢ / ٢٨٧، والقوانين الفقهية / ١٥٩، وروضة الطالبين ١٠ / ٢٧٩، والوجيز ٢ / ١٩٤، وكشاف القناع ٣ / ١٠٤.

أَدْنَاهُمْ (١)، وَوَجْهُ الاِسْتِدْلاَل أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَل الذِّمَّةَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلاَ تَحْصُل لِغَيْرِهِمْ، وَلأَِنَّ كُفْرَهُ يَحْمِلُهُ عَلَى سُوءِ الظَّنِّ، وَلأَِنَّهُ مُتَّهَمٌ عَلَى الإِْسْلاَمِ وَأَهْلِهِ، فَأَشْبَهَ الْحَرْبِيَّ، وَلأَِنَّهُ كَافِرٌ فَلاَ وِلاَيَةَ لَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.

وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ: إِلاَّ إِذَا أَمَرَهُ بِهِ مُسْلِمٌ - سَوَاءٌ كَانَ الآْمِرُ أَمِيرَ الْعَسْكَرِ أَوْ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ - بِأَنْ قَال الْمُسْلِمُ لِلذِّمِّيِّ: آمِنْهُمْ، فَقَال الذِّمِّيُّ: قَدْ آمَنْتُكُمْ، لأَِنَّ أَمَانَ الذِّمِّيِّ إِنَّمَا لاَ يَصِحُّ لِتُهْمَةِ مَيْلِهِ إِلَيْهِمْ، وَتَزُول التُّهْمَةُ إِذَا أَمَرَهُ بِهِ مُسْلِمٌ، وَكَذَلِكَ إِذَا قَال الذِّمِّيُّ: إِنَّ فُلاَنًا الْمُسْلِمَ قَدْ آمَنَكُمْ، لأَِنَّهُ صَارَ مَالِكًا لِلأَْمَانِ بِهَذَا الأَْمْرِ، فَيَكُونُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ مُسْلِمٍ آخَرَ (٢) .

الشَّرْطُ الثَّانِي: الْعَقْل:

١٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَمَانُ الْمَجْنُونِ لأَِنَّ الْعَقْل شَرْطُ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ، وَلأَِنَّ كَلاَمَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَلاَ يَثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ (٣) .

_________

(١) حديث: " ذمة المسلمين واحدة ". تقدم تخريجه في التعليق على فقرة (٤) .

(٢) ابن عابدين ٣ / ٢٢٨، والشرح الصغير ٢ / ٢٨٧، والمغني ٨ / ٣٩٨، وكشاف القناع ٣ / ١٠٤، ومغني المحتاج ٤ / ٢٣٦، ٢٣٧.

(٣) ابن عابدين ٣ / ٢٢٨، والشرح الصغير ٢ / ٢٨٧، والمغني ٨ / ٣٩٨، وكشاف القناع ٣ / ١٠٤، ومغني المحتاج ٤ / ٢٣٦، ٢٣٧، وروضة الطالبين ١٠ / ٢٧٩، والوجيز ٢ / ١٩٤.

الشَّرْطُ الثَّالِثُ: الْبُلُوغُ:

١٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ أَمَانُ الطِّفْل وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ الْمُرَاهِقُ إِذَا كَانَ لاَ يَعْقِل الإِْسْلاَمَ قِيَاسًا عَلَى الْمَجْنُونِ.

وَأَمَّا إِنْ كَانَ مُمَيِّزًا يَعْقِل الإِْسْلاَمَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ مَحْجُورًا عَنِ الْقِتَال، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي وَجْهٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ أَمَانُهُ؛ لأَِنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الأَْمَانِ أَنْ يَكُونَ بِالْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ، وَبِالْكُفْرِ قُوَّةٌ، وَهَذِهِ حَالَةٌ خَفِيَّةٌ وَلاَ يُوقَفُ عَلَيْهَا إِلاَّ بِالتَّأَمُّل وَالنَّظَرِ، وَلاَ يُوجَدُ ذَلِكَ مِنَ الصَّبِيِّ، وَلاِشْتِغَالِهِ بِاللَّهْوِ وَاللَّعِبِ، وَلأَِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ الْعُقُودَ، وَالأَْمَانُ عَقْدٌ، وَمَنْ لاَ يَمْلِكُ أَنْ يَعْقِدَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، فَفِي حَقِّ غَيْرِهِ أَوْلَى، وَلأَِنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ كَطَلاَقِهِ وَعِتَاقِهِ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ آخَرَ وَمُحَمَّدٌ: يَصِحُّ، لأَِنَّ أَهْلِيَّةَ الأَْمَانِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَهْلِيَّةِ الإِْيمَانِ، وَالصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ الَّذِي يَعْقِل الإِْسْلاَمَ مِنْ أَهْل الإِْيمَانِ، فَيَكُونُ مِنْ أَهْل الأَْمَانِ كَالْبَالِغِ (١) .

وَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا فِي الْقِتَال فَالأَْصَحُّ أَنَّهُ يَصِحُّ بِالاِتِّفَاقِ بَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ تَصَرُّفٌ دَائِرٌ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ، فَيَمْلِكُهُ الصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ (٢) .

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ١٠٦، وفتح القدير ٤ / ٣٠٢، والشرح الصغير ٢ / ٢٨٧، والمغني ٨ / ٣٩٧، وروضة الطالبين ١٠ / ٢٧٩.

(٢) ابن عابدين ٣ / ٢٢٦، ٢٢٧، بدائع الصنائع ٧ / ١٠٦، وفتح القدير ٤ / ٣٠٢.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ خِلاَفٌ، قِيل: يَجُوزُ وَيَمْضِي وَقِيل: لاَ يَجُوزُ ابْتِدَاءً، وَيُخَيَّرُ فِيهِ الإِْمَامُ إِنْ وَقَعَ: إِنْ شَاءَ أَمْضَاهُ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَصِحُّ أَمَانُ الصَّبِيِّ وَفِي الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَجْهٌ كَتَدْبِيرِهِ (٢) .

وَمَنْ زَال عَقْلُهُ بِنَوْمٍ أَوْ سُكْرٍ أَوْ إِغْمَاءٍ، فَقَدْ نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ فِي حُكْمِ الصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ؛ لأَِنَّهُمْ لاَ يَعْرِفُونَ الْمَصْلَحَةَ مِنْ غَيْرِهَا، وَلأَِنَّ كَلاَمَهُمْ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَلاَ يَثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ (٣) .

الشَّرْطُ الرَّابِعُ: الاِخْتِيَارُ

١٥ - نَصَّ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الأَْمَانُ مِنْ مُكْرَهٍ لأَِنَّهُ قَوْلٌ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَمْ يَصِحَّ كَالإِْقْرَارِ (٤) .

الشَّرْطُ الْخَامِسُ: عَدَمُ الْخَوْفِ مِنَ الْكَفَرَةِ:

١٦ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ أَمَانُ الأَْسِيرِ إِذَا عَقَدَهُ غَيْرُ مُكْرَهٍ، لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ، وَلأَِنَّهُ مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ مُخْتَارٌ فَأَشْبَهَ غَيْرَ الأَْسِيرِ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَكَذَلِكَ يَصِحُّ أَمَانُ

_________

(١) الشرح الصغير ٢ / ٢٨٧.

(٢) روضة الطالبين ١٠ / ٢٧٩.

(٣) المغني ٨ / ٣٩٨.

(٤) الشرح الصغير ٢ / ٢٨٧، والقوانين الفقهية ١٥٩، وروضة الطالبين ١٠ / ٢٧٩، وكشاف القناع ٣ / ١٠٤، والمغني ٨ / ٣٩٨.

الأَْجِيرِ، وَالتَّاجِرِ فِي دَارِ الْحَرْبِ

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عَدَمَ جِوَازِ أَمَانِ الأَْسِيرِ، قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: مَحَل الْخِلاَفِ فِي الأَْسِيرِ الْمُقَيَّدِ وَالْمَحْبُوسِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكْرَهًا؛ لأَِنَّهُ مَقْهُورٌ بِأَيْدِيهِمْ لاَ يَعْرِفُ وَجْهَ الْمَصْلَحَةِ، وَلأَِنَّ وَضْعَ الأَْمَانِ أَنْ يَأْمَنَ الْمُؤَمَّنُ، وَلَيْسَ الأَْسِيرُ آمِنًا، وَأَمَّا أَسِيرُ الدَّارِ، وَهُوَ الْمُطْلَقُ بِدَارِ الْكُفْرِ الْمَمْنُوعُ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْهَا فَيَصِحُّ أَمَانُهُ (١) .

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَمَانُ مَنْ كَانَ مَقْهُورًا عِنْدَ الْكُفَّارِ كَالأَْسِيرِ وَالتَّاجِرِ فِيهِمْ، وَمَنْ أَسْلَمَ عِنْدَهُمْ وَهُوَ فِيهِمْ؛ لأَِنَّهُمْ مَقْهُورُونَ عِنْدَهُمْ، فَلاَ يَكُونُونَ مِنْ أَهْل الْبَيَانِ، وَلاَ يَخَافُهُمُ الْكُفَّارُ، وَالأَْمَانُ يَخْتَصُّ بِمَحَل الْخَوْفِ، وَلأَِنَّهُمْ يُجْبَرُونَ عَلَيْهِ، فَيُعْرَى الأَْمَانُ عَنِ الْمَصْلَحَةِ، وَلأَِنَّهُ لَوِ انْفَتَحَ هَذَا الْبَابُ لاَنْسَدَّ بَابُ الْفَتْحِ؛ لأَِنَّهُمْ كُلَّمَا اشْتَدَّ الأَْمْرُ عَلَيْهِمْ، لاَ يُخَلُّونَ عَنْ أَسِيرٍ أَوْ تَاجِرٍ فَيَتَخَلَّصُونَ بِهِ، وَفِيهِ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: نُقِل فِي الْبَحْرِ عَنِ الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ أَمَانُ الأَْسِيرِ فِي حَقِّ بَاقِي الْمُسْلِمِينَ حَتَّى كَانَ لَهُمْ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ، أَمَّا

_________

(١) روضة الطالبين ١٠ / ٢٨١، والقليوبي ٤ / ٢٢٦، ومغني المحتاج ٤ / ٢٣٧، والقوانين الفقهية ١٥٣، والمغني ٨ / ٣٩٧.

فِي حَقِّهِ هُوَ فَصَحِيحٌ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّاجِرَ الْمُسْتَأْمِنَ كَذَلِكَ (١) .

ح - أَمَانُ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمَرِيضِ

اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَمَانِ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمَرِيضِ عَلَى التَّفْصِيل الآْتِي:

أَوْلًا - الْعَبْدُ:

١٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَمَانُ الْعَبْدِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ (٢)، وَفَسَّرَهُ مُحَمَّدٌ بِالْعَبْدِ، وَلِقَوْل عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: " الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ذِمَّتُهُ ذِمَّتُهُمْ " وَفِي رِوَايَةٍ " يَجُوزُ أَمَانُهُ "، وَلأَِنَّهُ مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ، فَصَحَّ أَمَانُهُ كَالْحُرِّ.

وَزَادَ النَّوَوِيُّ: يَصِحُّ أَمَانُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ سَيِّدُهُ كَافِرًا.

وَفِي قَوْلٍ لِلْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَمَانُ الْعَبْدِ ابْتِدَاءً وَإِذَا أُمِّنَ فَيُخَيَّرُ الإِْمَامُ بَيْنَ إِمْضَائِهِ وَرَدِّهِ (٣) .

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ١٠٧، وفتح القدير ٤ / ٣٠٠، وشرح السير الكبير ١ / ٢٦٦ ط. مطبعة مصر، وابن عابدين ٣ / ٢٢٨، والاختيار ٤ / ١٢٣.

(٢) حديث: " ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم ". سبق تخريجه في التعليق على فقرة (٤) .

(٣) بدائع الصنائع ٧ / ١٠٦، ١٠٧، وفتح القدير ٤ / ٢٩٩، ٣٠٠، ٣٠١، وابن عابدين ٣ / ٢٦٦، ٢٢٧، والشرح الصغير ٢ / ٢٨٧، وبداية المجتهد ١ / ٣٩٣، والمغني ٨ / ٣٩٧، وكشاف القناع ٣ / ١٠٤، وروضة الطالبين ١٠ / ٢٧٩.