الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧
حُكْمُ الْمَقْبُوضِ حَال الْمُسَاوَمَةِ
٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمَقْبُوضَ حَال الْمُسَاوَمَةِ مَضْمُونٌ بِالْجُمْلَةِ سَوَاءٌ بِالثَّمَنِ أَوِ الْقِيمَةِ عَلَى الْخِلاَفِ، وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ. كَالْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ بَيْنَ الْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ وَالْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ النَّظَرِ (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (ضَمَانٌ ف ٤٠ - ٤١)
_________
(١) ابن عابدين ٧ / ١١٩ - ١٢٢، والفتاوى الهندية ٣ / ١١ - ١٢، والقليوبي وعميرة ٢ / ٢١٤، ونهاية المحتاج ٤ / ٨٩، ومغني المحتاج ٢ / ٧٠، وكشاف القناع ٣ / ٣٧٠، ومجمع الضمانات ٢١٣ - ٢١٤.
مَسْبُوقٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْمَسْبُوقُ فِي اللُّغَةِ: اسْمُ مَفْعُولٍ، فِعْلُهُ سَبَقَ، يُقَال: سَبَقَهُ إِذَا تَقَدَّمَهُ
وَالْمَسْبُوقُ فِي الاِصْطِلاَحِ: مَنْ سَبَقَهُ الإِْمَامُ بِبَعْضِ رَكَعَاتِ الصَّلاَةِ أَوْ بِجَمِيعِهَا، أَوْ هُوَ الَّذِي أَدْرَكَ الإِْمَامَ بَعْدَ رَكْعَةٍ أَوْ أَكْثَرَ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْمُدْرِكُ:
٢ - الْمُدْرِكُ فِي اللُّغَةِ: اسْمُ فَاعِلٍ فِعْلُهُ أَدْرَكَ، يُقَال: أَدْرَكَهُ إِذَا لَحِقَهُ وَتَدَارَكُوا: تَلاَحَقُوا، أَيْ لَحِقَ آخِرُهُمْ أَوَّلَهُمْ (٢)، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ (٣) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ الَّذِي يُدْرِكُ الإِْمَامَ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الاِفْتِتَاحِ، أَيْ يُدْرِكُ جَمِيعَ رَكَعَاتِ الإِْمَامِ (٤) .
_________
(١) القاموس المحيط، وقواعد الفقه، وحاشية ابن عابدين ١ / ٤٠٠.
(٢) القاموس المحيط.
(٣) سورة الأعراف / ٣٨.
(٤) التعريفات للجرجاني، ورد المحتار مع الدر ١ / ٤٠٠، وقواعد الفقه.
فَالْمُدْرِكُ مَنْ لَمْ يَفُتْهُ شَيْءٌ مِنْ رَكَعَاتِ صَلاَتِهِ بِخِلاَفِ الْمَسْبُوقِ.
ب - اللاَّحِقُ:
٣ - اللاَّحِقُ فِي اللُّغَةِ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ لَحِقَ، يُقَال: لَحِقَهُ: أَدْرَكَهُ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ اللاَّحِقُ: مَنْ فَاتَتْهُ الرَّكَعَاتُ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا بَعْدَ الاِقْتِدَاءِ بِالإِْمَامِ (٢) .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ اللاَّحِقِ وَالْمَسْبُوقِ: أَنَّ الْمَسْبُوقَ تَفُوتُهُ رَكْعَةٌ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ أَوَّل الصَّلاَةِ، وَاللاَّحِقُ تَفُوتُهُ رَكْعَةٌ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ آخِرِ الصَّلاَةِ أَوْ وَسَطِهَا.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَسْبُوقِ
تَتَعَلَّقُ بِالْمَسْبُوقِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:
مُتَابَعَةُ الْمَسْبُوقِ إِمَامَهُ فِي الصَّلاَةِ
٤ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْمَسْبُوقَ إِذَا تَخَلَّفَ فِي صَلاَتِهِ بِرَكْعَةٍ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّهُ يَتْبَعُ إِمَامَهُ فِيمَا بَقِيَ مِنَ الصَّلاَةِ، ثُمَّ يَأْتِي بِمَا فَاتَهُ مِنْ صَلاَتِهِ (٣) .
وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: لَوْ قَضَى الْمَسْبُوقُ مَا سُبِقَ بِهِ ثُمَّ تَابَعَ إِمَامَهُ فَفِيهِ قَوْلاَنِ مُصَحَّحَانِ،
_________
(١) لسان العرب، ومختار الصحاح.
(٢) قواعد الفقه للبركتي، وابن عابدين ١ / ٣٩٩.
(٣) الفتاوى الهندية ١ / ٩١، ومواهب الجليل ٢ / ١٣٠، وجواهر الإكليل ١ / ٨٤، وروضة الطالبين ١ / ٣٧٨، والمجموع ٣ / ٤٨٣، وكشاف القناع ١ / ٤٦١.
وَاسْتَظْهَرَ فِي الْبَحْرِ الْقَوْل بِالْفَسَادِ، لِقَوْلِهِمْ: إِنَّ الاِنْفِرَادَ فِي مَوْضِعِ الاِقْتِدَاءِ مُفْسِدٌ، وَنَقَل عَنِ الْبَزَّازِيَّةِ أَنَّ عَدَمَ الْفَسَادِ أَقْوَى لِسُقُوطِ التَّرْتِيبِ، وَعَنْ جَامِعِ الْفَتَاوَى: يَجُوزُ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَقَالُوا: يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ لأَِنَّهُ خَالَفَ السُّنَّةَ (١) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ أَيْضًا: الْمَسْبُوقُ إِذَا أَدْرَكَ الإِْمَامَ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي يَجْهَرُ فِيهَا لاَ يَأْتِي بِالثَّنَاءِ، سَوَاءٌ كَانَ بَعِيدًا أَوْ قَرِيبًا أَوْ لاَ يَسْمَعُ لِصَمَمِهِ، فَإِذَا قَامَ إِلَى قَضَاءِ مَا سُبِقَ يَأْتِي بِالثَّنَاءِ وَيَتَعَوَّذُ لِلْقِرَاءَةِ، وَفِي صَلاَةِ الْمُخَافَتَةِ يَأْتِي بِهِ، وَيَسْكُتُ الْمُؤْتَمُّ عَنِ الثَّنَاءِ إِذَا جَهَرَ الإِْمَامُ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَإِنْ أَدْرَكَ الإِْمَامَ فِي الرُّكُوعِ أَوِ السُّجُودِ يَتَحَرَّى إِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِهِ أَدْرَكَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الرُّكُوعِ أَوِ السُّجُودِ يَأْتِي بِهِ قَائِمًا، وَإِلاَّ يُتَابِعُ الإِْمَامَ وَلاَ يَأْتِي بِهِ، وَإِذَا لَمْ يُدْرِكِ الإِْمَامَ فِي الرُّكُوعِ أَوِ السُّجُودِ لاَ يَأْتِي بِهِمَا، وَإِنْ أَدْرَكَ الإِْمَامَ فِي الْقَعْدَةِ لاَ يَأْتِي بِالثَّنَاءِ بَل يُكَبِّرُ لِلاِفْتِتَاحِ ثُمَّ لِلاِنْحِطَاطِ ثُمَّ يَقْعُدُ (٢) .
وَقَالُوا: إِنَّ الْمَسْبُوقَ بِبَعْضِ الرَّكَعَاتِ يُتَابِعُ الإِْمَامَ فِي التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ، وَإِذَا أَتَمَّ التَّشَهُّدَ لاَ يَشْتَغِل بِمَا
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٠١، والفتاوى الخانية بهامش الفتاوى الهندية ١ / ١٠٣.
(٢) الفتاوى الهندية ١ / ٩١.
بَعْدَهُ مِنَ الدَّعَوَاتِ، قَال ابْنُ الشُّجَاعِ: إِنَّهُ يُكَرِّرُ التَّشَهُّدَ إِلَى قَوْلِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَسْبُوقَ يَتَرَسَّل فِي التَّشَهُّدِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ التَّشَهُّدِ عِنْدَ سَلاَمِ الإِْمَامِ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ الإِْمَامَ فِي غَيْرِ الْقِيَامِ لاَ يَأْتِي بِدُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ، حَتَّى قَال أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي التَّبْصِرَةِ: لَوْ أَدْرَكَ الإِْمَامَ رَافِعًا مِنَ الرُّكُوعِ حَيْنَ كَبَّرَ لِلإِْحْرَامِ لَمْ يَأْتِ بِدُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ، بَل يَقُول: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ. إِلَى آخِرِهِ مُوَافَقَةً لِلإِْمَامِ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي الْقِيَامِ وَعَلِمَ أَنَّهُ يُمْكِنُهُ دُعَاءُ الاِسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذُ وَالْفَاتِحَةُ أَتَى بِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الأُْمِّ، وَقَالَهُ الأَْصْحَابُ، وَقَال أَبُو مُحَمَّدٍ فِي التَّبْصِرَةِ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعَجِّل فِي قِرَاءَتِهِ وَيَقْرَأَ إِلَى قَوْلِهِ: وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ يُنْصِتُ لِقِرَاءَةِ إِمَامِهِ.
وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لاَ يُمْكِنُهُ الْجَمْعُ، أَوْ شَكَّ لَمْ يَأْتِ بِدُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِبَعْضِ دُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ مَعَ التَّعَوُّذِ وَالْفَاتِحَةِ وَلاَ يُمْكِنُهُ كُلُّهُ، أَتَى بِالْمُمْكِنِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الأُْمِّ (٢) .
وَقَالُوا: وَلَوْ أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ الإِْمَامَ فِي التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ، فَكَبَّرَ وَقَعَدَ، فَسَلَّمَ مَعَ أَوَّل قُعُودِهِ قَامَ، وَلاَ يَأْتِي بِدُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ لِفَوَاتِ مَحِلِّهِ، وَذَكَرَ
_________
(١) الفتاوى الهندية ١ / ٩١، وفتاوى قاضيخان بهامش الفتاوى الهندية ١ / ١٠٣ - ١٠٤.
(٢) المجموع ٣ / ٣١٨ - ٣١٩.
الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ الإِْمَامُ قَبْل قُعُودِ الْمَسْبُوقِ لاَ يَقْعُدُ وَيَأْتِي بِدُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ (١) .
وَقَال النَّوَوِيُّ: إِذَا حَضَرَ الْمَسْبُوقُ فَوَجَدَ الإِْمَامَ فِي الْقِرَاءَةِ، وَخَافَ رُكُوعَهُ قَبْل فَرَاغِهِ مِنَ الْفَاتِحَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ لاَ يَقْرَأَ دُعَاءَ الاِسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ، بَل يُبَادِرُ إِلَى الْفَاتِحَةِ؛ لأَِنَّهَا فَرْضٌ فَلاَ يَشْتَغِل عَنْهُ بِالنَّفْل، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إِذَا قَال الدُّعَاءَ وَالتَّعَوُّذَ أَدْرَكَ تَمَامَ الْفَاتِحَةِ اسْتُحِبَّ الإِْتْيَانُ بِهِمَا.
وَلَوْ رَكَعَ الإِْمَامُ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ الْفَاتِحَةِ فَثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: يُتِمُّ الْفَاتِحَةَ، وَالثَّانِي: يَرْكَعُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ قِرَاءَتُهَا؛ لأَِنَّ مُتَابَعَةَ الإِْمَامِ آكَدُ، وَلِهَذَا لَوْ أَدْرَكَهُ رَاكِعًا سَقَطَ عَنْهُ فَرْضُ الْقِرَاءَةِ، قَال الْبَنْدَنِيجِيُّ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَالثَّالِثُ: هُوَ الأَْصَحُّ وَهُوَ قَوْل أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيُّ وَصَحَّحَهُ الْقَفَّال: أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَقُل شَيْئًا مِنْ دُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ رَكَعَ وَسَقَطَ عَنْهُ بَقِيَّةُ الْفَاتِحَةِ، وَإِنْ قَال شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَزِمَهُ أَنْ يَقْرَأَ مِنَ الْفَاتِحَةِ بِقَدْرِهِ لِتَقْصِيرِهِ بِالتَّشَاغُل (٢) .
وَقَال: وَلَوْ سَلَّمَ الإِْمَامُ فَمَكَثَ الْمَسْبُوقُ بَعْدَ سَلاَمِهِ جَالِسًا وَطَال جُلُوسُهُ، إِنْ كَانَ فِي مَوْضِعِ تَشَهُّدِهِ الأَْوَّل جَازَ وَلاَ تَبْطُل صَلاَتُهُ؛ لأَِنَّهُ جُلُوسٌ مَحْسُوبٌ مِنْ صَلاَتِهِ، وَلأَِنَّ التَّشَهُّدَ الأَْوَّل يَجُوزُ تَطْوِيلُهُ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ، وَإِنْ لَمْ
_________
(١) المجموع ٣ / ٣١٨ - ٣١٩.
(٢) روضة الطالبين ١ / ٣٧٢، والمجموع ٤ / ٢١٢، ٢١٣.
يَكُنْ مَوْضِعَ تَشَهُّدِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْلِسَ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ، لأَِنَّ جُلُوسَهُ كَانَ لِلْمُتَابَعَةِ وَقَدْ زَالَتْ، فَإِنْ جَلَسَ مُتَعَمِّدًا بَطَلَتْ صَلاَتُهُ، وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا لَمْ تَبْطُل وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ (١) .
وَلَوْ كَانَ الْمَأْمُومُ مَسْبُوقًا بِرَكْعَةٍ أَوْ شَاكًّا فِي تَرْكِ رُكْنٍ كَالْفَاتِحَةِ، فَقَامَ الإِْمَامُ إِلَى الْخَامِسَةِ لَمْ يَجُزْ لِلْمَأْمُومِ مُتَابَعَتُهُ فِيهَا (٢) .
وَقْتُ قِيَامِ الْمَسْبُوقِ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ
٥ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَقُومُ الْمَسْبُوقُ إِلَى الْقَضَاءِ بَعْدَ التَّسْلِيمَتَيْنِ أَوِ التَّسْلِيمَةِ، بَل يَنْتَظِرُ فَرَاغَ الإِْمَامِ، وَيَمْكُثُ حَتَّى يَقُومَ الإِْمَامُ إِلَى تَطَوُّعِهِ إِنْ كَانَ صَلاَةٌ بَعْدَهَا تَطَوُّعٌ، أَوْ يَسْتَدْبِرُ الْمِحْرَابَ إِنْ كَانَ لاَ تَطَوُّعَ بَعْدَهَا، أَوْ يَنْتَقِل عَنْ مَوْضِعِهِ، أَوْ يَمْضِي مِنَ الْوَقْتِ مِقْدَارُ مَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ سَهْوٌ لَسَجَدَ (٣) .
وَلاَ يَقُومُ الْمَسْبُوقُ قَبْل سَلاَمِ الإِْمَامِ بَعْدَ قَدْرِ التَّشَهُّدِ إِلاَّ فِي مَوَاضِعَ: إِذَا خَافَ الْمَسْبُوقُ الْمَاسِحُ زَوَال مُدَّتِهِ، أَوْ خَافَ صَاحِبُ الْعُذْرِ خُرُوجَ الْوَقْتِ، أَوْ خَافَ الْمَسْبُوقُ فِي صَلاَةِ الْجُمُعَةِ دُخُول وَقْتِ الْعَصْرِ، أَوْ دُخُول الظُّهْرِ فِي الْعِيدَيْنِ، أَوْ فِي الْفَجْرِ طُلُوعَ الشَّمْسِ، أَوْ خَافَ أَنْ يَسْبِقَهُ الْحَدَثُ، فَلَهُ أَنْ لاَ يَنْتَظِرَ فَرَاغَ الإِْمَامِ وَلاَ سُجُودَ السَّهْوِ، وَكَذَلِكَ إِذَا خَافَ
_________
(١) المجموع ٣ / ٤٨٤.
(٢) روضة الطالبين ١ / ٣١٣.
(٣) الفتاوى الهندية ١ / ٩١، وفتاوى قاضيخان بهامش الفتاوى الهندية ١ / ١٠٣.
الْمَسْبُوقُ أَنْ يَمُرَّ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ لَوِ انْتَظَرَ الإِْمَامُ قَامَ إِلَى قَضَاءِ مَا سَبَقَ قَبْل فَرَاغِهِ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَقُومُ الْمَسْبُوقُ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ بَعْدَ سَلاَمِ إِمَامِهِ، فَإِنْ قَامَ لَهُ قَبْل سَلاَمِ الإِْمَامِ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُسْتَحَبُّ لِلْمَسْبُوقِ أَنْ لاَ يَقُومَ لِيَأْتِيَ بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ إِلاَّ بَعْدَ فَرَاغِ الإِْمَامِ مِنَ التَّسْلِيمَتَيْنِ، فَإِنْ قَامَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ قَوْلِهِ:
السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ فِي الأُْولَى جَازَ؛ لأَِنَّهُ خَرَجَ بِالأُْولَى، فَإِنْ قَامَ قَبْل شُرُوعِ الإِْمَامِ فِي التَّسْلِيمَتَيْنِ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ، وَلَوْ قَامَ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي السَّلاَمِ قَبْل أَنْ يَفْرُغَ مِنْ قَوْلِهِ: عَلَيْكُمْ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَامَ قَبْل شُرُوعِهِ (٣) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَقُومُ الْمَسْبُوقُ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ بَعْدَ سَلاَمِ إِمَامِهِ مِنَ الثَّانِيَةِ، فَإِنْ قَامَ قَبْل سَلاَمِ إِمَامِهِ وَلَمْ يَرْجِعْ لِيَقُومَ بَعْدَ سَلاَمِهَا انْقَلَبَتْ صَلاَتُهُ نَفْلًا (٤) .
تَدَارُكُ الْمَسْبُوقِ الرَّكْعَةَ:
٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَسْبُوقَ إِذَا أَدْرَكَ الإِْمَامَ فِي الرُّكُوعِ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ، لِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ (٥) .
_________
(١) المصادر السابقة.
(٢) الدسوقي ١ / ٣٤٥.
(٣) روضة الطالبين ١ / ٣٧٨، والمجموع ٣ / ٤٨٣.
(٤) شرح منتهى الإرادات ١ / ٢٤٨، والإنصاف ٢ / ٢٢٢.
(٥) حديث: " من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة ". ورد بلفظ " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٥٧)، ومسلم (١ / ٤٢٤) من حديث أبي هريرة، واللفظ للبخاري.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: وَهَذَا إِذَا أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ إِمَامَهُ فِي جُزْءٍ مِنَ الرُّكُوعِ وَلَوْ دُونَ الطُّمَأْنِينَةِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: هَذَا إِذَا أَدْرَكَ الإِْمَامَ فِي طُمَأْنِينَةِ الرُّكُوعِ، أَوِ انْتَهَى إِلَى قَدْرِ الإِْجْزَاءِ مِنَ الرُّكُوعِ قَبْل أَنْ يَزُول الإِْمَامُ عَنْ قَدْرِ الإِْجْزَاءِ، فَهَذَا يُعْتَدُّ لَهُ بِالرَّكْعَةِ وَيَكُونُ مُدْرِكًا لَهَا، فَإِذَا أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ الإِْمَامَ بَعْدَ فَوَاتِ الْحَدِّ الْمُجْزِئِ مِنَ الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ، لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ مُتَابَعَةُ الإِْمَامِ فِيمَا أَدْرَكَ وَإِنْ لَمْ يُحْسَبْ لَهُ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا قَامَ الإِْمَامُ إِلَى خَامِسَةٍ جَاهِلًا، فَاقْتَدَى بِهِ مَسْبُوقٌ عَالِمًا بِأَنَّهَا خَامِسَةٌ، فَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الأَْصْحَابُ فِي مُعْظَمِ الطُّرُقِ: أَنَّهُ لاَ تَنْعَقِدُ صَلاَتُهُ؛ لأَِنَّهُ دَخَل فِي رَكْعَةٍ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَغْوٌ (٢) .
٧ - وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ مَا أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ مِنَ الصَّلاَةِ مَعَ الإِْمَامِ فَهُوَ آخِرُ صَلاَتِهِ، وَمَا يَقْضِيهِ أَوَّلُهَا (٣) . وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ: أَنَّ مَا يَقْضِيهِ الْمَسْبُوقُ أَوَّل صَلاَتِهِ حُكْمًا لاَ حَقِيقَةً، بِمَعْنَى أَنَّهُ أَوَّلُهَا فِي حَقِّ الْقِرَاءَةِ وَآخِرُهَا فِي حَقِّ التَّشَهُّدِ (٤) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٨٤، وبداية المجتهد ١ / ١٨٩، والشرح الصغير ١ / ٤٥٨، والمجموع ٤ / ٢١٦، والقوانين الفقهية ص ٧٢ والمغني ١ / ٥٠٦، والإنصاف ٢ / ٢٢٣ - ٢٢٤.
(٢) المجموع ٤ / ٢١٨.
(٣) البحر الرائق ١ / ٣١٣، والشرح الصغير ١ / ٤٥٨، والإنصاف ٤ / ٢٢٥.
(٤) البحر الرائق ١ / ٣١٣.
وَفِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: الْمَسْبُوقُ يَقْضِي أَوَّل صَلاَتِهِ فِي حَقِّ الْقِرَاءَةِ وَآخِرَهَا فِي التَّشَهُّدِ، حَتَّى لَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْمَغْرِبِ قَضَى رَكْعَتَيْنِ، وَيَفْصِل بِقَعْدَةٍ فَيَكُونُ بِثَلاَثِ قَعَدَاتٍ، وَقَرَأَ فِي كُلٍّ فَاتِحَةً وَسُورَةً، وَلَوْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِي إِحْدَاهُمَا تَفْسُدُ صَلاَتُهُ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا قَامَ الْمَسْبُوقُ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ قَضَى الْقَوْل وَالْمُرَادُ بِهِ خُصُوصُ الْقِرَاءَةِ وَصِفَتُهَا مِنْ سِرٍّ أَوْ جَهْرٍ، بِأَنْ يَجْعَل مَا فَاتَهُ قَبْل دُخُولِهِ مَعَ الإِْمَامِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ أَوَّل صَلاَتِهِ وَمَا أَدْرَكَهُ مَعَهُ آخِرَهَا، وَبَنَى الْفِعْل، وَالْمُرَادُ بِالْفِعْل مَا عَدَا الْقِرَاءَةِ بِصِفَتِهَا فَيَشْمَل التَّسْمِيعَ وَالتَّحْمِيدَ وَالْقُنُوتَ، بِأَنْ يَجْعَل مَا أَدْرَكَهُ مَعَهُ أَوَّل صَلاَتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلأَْفْعَال، وَمَا فَاتَهُ آخِرَهَا، فَيَكُونُ فِيهِ كَالْمُصَلِّي وَحْدَهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمُدْرِكُ ثَانِيَةِ الصُّبْحِ مَعَ الإِْمَامِ يَقْنُتُ فِي رَكْعَةِ الْقَضَاءِ؛ لأَِنَّهَا آخِرَتُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْفِعْل الَّذِي مِنْهُ الْقُنُوتُ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ التَّسْمِيعِ وَالتَّحْمِيدِ؛ لأَِنَّهَا آخِرَتُهُ وَهُوَ فِيهَا كَالْمُصَلِّي وَحْدَهُ.
فَمَنْ أَدْرَكَ أَخِيرَةَ الْمَغْرِبِ قَامَ بِلاَ تَكْبِيرٍ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَجْلِسْ فِي ثَانِيَتِهِ، وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ جَهْرًا؛ لأَِنَّهُ قَاضِي الْقَوْل، أَيْ يَجْعَل مَا فَاتَهُ أَوَّل صَلاَتِهِ، وَأَوَّلُهَا بِالْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ جَهْرًا، وَيَجْلِسُ لِلتَّشَهُّدِ؛ لأَِنَّهُ بَانِي الْفِعْل أَيْ جَعَل مَا أَدْرَكَهُ مَعَهُ أَوَّل صَلاَتِهِ وَهَذِهِ الَّتِي أَتَى بِهَا هِيَ الثَّانِيَةُ، وَالثَّانِيَةُ
_________
(١) الفتاوى الهندية ١ / ٩١ - ٩٢.