الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧
غَيْرِهِ وَيُوَفَّى نَصِيبَهُ مِنَ الثَّمَرَةِ، أَوْ أَذِنَ الْمَالِكُ فِي الإِْنْفَاقِ، لَكِنْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا أَنْفَقَ.
أَمَّا إِنْ لَمْ يَقْدِرِ الْمَالِكُ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى الْحَاكِمِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَاكِمٌ، أَوْ رَفَضَ الْحَاكِمُ إِجَابَتَهُ، أَوْ عَجَزَ عَنْ إِثْبَاتِ دَعْوَاهُ مَرَضُ الْعَامِل أَوْ هَرَبُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الْمَالِكِ الإِْشْهَادُ عَلَى مَا يُنْفِقُهُ أَوْ يَعْمَلُهُ إِنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ بِمَا أَنْفَقَ أَوْ بِأُجْرَةِ مَا عَمِل، وَوَجَبَ أَيْضًا التَّصْرِيحُ بِالرُّجُوعِ فِي إِشْهَادِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِشْهَادُهُ كَذَلِكَ فَلاَ رُجُوعَ لَهُ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الإِْشْهَادُ أَيْضًا لاَ رُجُوعَ لَهُ فِي الأَْصَحِّ لأَِنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ، وَلَكِنْ لَهُ الْحَقُّ فِي الْفَسْخِ إِنْ شَاءَ (١) .
ب - سَفَرُ الْعَامِل، لأَِنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، لِمُطَالَبَةِ غَرِيمٍ لَهُ أَوِ الْحَجِّ.
ج - تَرْكُ حِرْفَتِهِ، لأَِنَّ مِنَ الْحِرَفِ مَا لاَ يُغْنِي مِنْ جُوعٍ فَيَحْتَاجُ إِلَى الاِنْتِقَال إِلَى غَيْرِهِ، وَلاَ مَانِعَ يَمْنَعُهُ مِنَ الْعَمَل.
وَمَعَ ذَلِكَ ذُكِرَتْ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - رِوَايَتَانِ فِي الْفَسْخِ بِسَبَبِ هَذِهِ الأُْمُورِ الثَّلاَثَةِ - الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ وَتَرْكِ الْحِرْفَةِ - وَفِي الْهِدَايَةِ وَالْعِنَايَةِ
_________
(١) شرح المحلي على المنهاج وحاشية القليوبي وعميرة ٣ / ٦٦، وانظر أيضًا حاشية الشرقاوي على شرح التحرير ٢ / ٨٥، والوجيز ١ / ٢٢٨ - ٢٢٩، وفتح الوهاب وحاشية البجيرمي عليه ٣ / ٣٨٠، ومغني المحتاج ٢ / ٣٣٠.
عَلَيْهَا أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَرْكِ الْعَمَل، غَيْرَ أَنَّهُمْ صَحَّحُوا التَّوْفِيقَ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِمْ: إِنَّهَا عُذْرٌ يُبِيحُ الْفَسْخَ إِذَا شَرَطَ عَلَى الْعَامِل أَنْ يَعْمَل بِنَفْسِهِ، كَمَا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعُذْرٍ مُبِيحٍ لِلْفَسْخِ إِذَا أَطْلَقَ، لأَِنَّ لَهُ أَنْ يَنِيبَ غَيْرَهُ فِي الْعَمَل مَنَابَهُ.
وَفِي كَيْفِيَّةِ الْفَسْخِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا رِوَايَتَانِ: فَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ الْفَسْخُ بِالْقَضَاءِ.
فَيَنْفَرِدُ ذُو الْعُذْرِ بِالْفَسْخِ، وَفِي رِوَايَةِ الزِّيَادَاتِ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْقَضَاءُ أَوِ التَّرَاضِي (١) .
د - إِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْعَامِل لِصٌّ، يُخَافُ مِنْهُ عَلَى الشَّجَرِ أَوِ الثَّمَرِ فَلِلْمَالِكِ فَسْخُ الْعَقْدِ (٢) . وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَتْ خِيَانَةُ الْعَامِل بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ أَوْ يَمِينٍ مَرْدُودَةٍ مِنَ الْعَامِل عَلَى الْمَالِكِ ضُمَّ إِلَيْهِ مُشْرِفٌ إِلَى أَنْ يَتِمَّ الْعَمَل، وَعَلَى الْعَامِل أُجْرَةُ الْمُشْرِفِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ حِفْظُهُ بِالْمُشْرِفِ اسْتُؤْجِرَ مِنْ مَال الْعَامِل عَامِلٌ يُتِمُّ الْعَمَل، وَعَلَى الْعَامِل أُجْرَةُ الْمُشْرَفِ أَيْضًا (٣) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ:
_________
(١) الهداية وشروحها ٨ / ٤٩، وحاشية ابن عابدين ٥ / ١٨٥، وحاشية الشلبي على تبيين الحقائق ٥ / ٢٨٦.
(٢) بدائع الصنائع ٦ / ١٨٨، والمبسوط ٢٣ / ١٠١.
(٣) الشرح الكبير مع المغني ٥ / ٥٧٣ - ٥٧٤، وكشاف القناع ٣ / ٥٤١.
وَلَوْ ثَبَتَتْ خِيَانَةُ عَامِلٍ فِي الْمُسَاقَاةِ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ أَوْ يَمِينٍ مَرْدُودَةٍ ضُمَّ إِلَيْهِ مُشْرِفٌ إِلَى أَنْ يُتِمَّ الْعَمَل وَلاَ تُزَال يَدُهُ، لأَِنَّ الْعَمَل حَقٌّ عَلَيْهِ وَيُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ، فَتَعَيَّنَ سُلُوكُهُ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ، وَأُجْرَةُ الْمُشْرِفِ عَلَيْهِ، نَعَمْ لَوْ لَمْ تَثْبُتِ الْخِيَانَةُ وَلَكِنِ ارْتَابَ الْمَالِكُ فِيهِ فَإِنَّهُ يُضَمُّ إِلَيْهِ مُشْرِفٌ وَأُجْرَتُهُ حِينَئِذٍ عَلَى الْمَالِكِ، فَإِنْ لَمْ يَتَحَفَّظْ بِالْمُشْرِفِ أُزِيلَتْ يَدُهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَاسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ مِنْ مَال الْعَامِل مَنْ يُتِمُّ الْعَمَل لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ الْعَمَل الْوَاجِبِ عَلَيْهِ مِنْهُ وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بِهَذَا الطَّرِيقِ، نَعَمْ إِنْ كَانَتِ الْمُسَاقَاةُ عَلَى عَيْنِهِ فَظَاهِرٌ كَمَا قَال الأَْذْرَعِيُّ: أَنَّهُ لاَ يَسْتَأْجِرُ عَنْهُ بَل يَثْبُتُ لِلْمَالِكِ الْخِيَارُ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ: إِلَى أَنَّهُ لاَ يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، وَلاَ يُفْسَخُ الْعَقْدُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يُتَحَفَّظَ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ التَّحَفُّظُ سَاقَى الْحَاكِمُ عَلَيْهِ عَامِلًا آخَرَ.
ثُمَّ إِنْ كَانَ الْجُزْءُ الْمُتَّفَقُ عَلَى الْعَامِل الثَّانِي أَقَل مِنَ الأَْوَّل أَوْ أَكْثَرَ فَالزِّيَادَةُ لَهُ وَالنَّقْصُ عَلَيْهِ (٢) .
أَحْكَامُ الْفَسْخِ فِي هَذِهِ الأَْحْوَال:
٥١ - إِذَا حَدَثَتْ هَذِهِ الْعَوَارِضُ قَبْل أَنْ يُثْمِرَ
_________
(١) مغني المحتاج ٢ / ٣٣١.
(٢) بداية المجتهد ٢ / ٣٢١، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٣ / ٥٤٩.
الشَّجَرُ انْتَقَضَ الْعَقْدُ وَلاَ شَيْءَ لِلْعَامِل وَإِنْ كَانَ قَدْ سَقَى الشَّجَرَ وَقَامَ عَلَيْهِ وَحَفِظَهُ، لأَِنَّ الْمُسَاقَاةَ شَرِكَةٌ فِي الْخَارِجِ، وَلَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ بِهِ تَتَحَقَّقُ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا فِي شَيْءٍ، قَال الْكَاسَانِيُّ: وَقِيل هَذَا الْحُكْمُ فِي الْقَضَاءِ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْوَاجِبِ اسْتِرْضَاءُ الْعَامِل فِي الدِّيَانَةِ.
وَإِنْ حَدَثَتْ بَعْدَ أَنْ أَزْهَرَ الشَّجَرُ أَوْ أَثْمَرَ وَلَمَّا يَنْضَجْ بَعْدُ فَالْحُكْمُ مَا يَأْتِي:
أ - يَبْقَى الْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَا فِي الْعَقْدِ حَتَّى يَكْتَمِل نُضْجُهُ.
ب - الْعَمَل فِي الشَّجَرِ فِيمَا بَقِيَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمَا، لأَِنَّهُ عَمَلٌ فِي مَالٍ مُشْتَرَكٍ لَمْ يُشْتَرَطِ الْعَمَل فِيهِ عَلَى أَحَدِهِمَا فَيَكُونُ عَلَيْهِمَا.
ج - عَلَى الْعَامِل أَنْ يَدْفَعَ أَجْرَ مِثْل نِصْفِ الشَّجَرِ إِلَى الْمَالِكِ، لاِنْتِهَاءِ الْعَقْدِ بِالْفَسْخِ، وَفِي قَطْفِ الثَّمَرِ فِي حَالِهِ الرَّاهِنَةِ إِضْرَارٌ بِهِ، وَفِي تَرْكِهِ بِلاَ أَجْرٍ إِضْرَارٌ بِصَاحِبِ الأَْرْضِ فَكَانَ فِي التَّرْكِ بِأَجْرِ الْمِثْل نَظَرٌ لِلطَّرَفَيْنِ.
د - وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ الشَّجَرِ فِي هَذِهِ الْحَال، رِعَايَةً لِحَقِّ الْعَامِل إِلاَّ أَنْ يُجِيزَهُ وَيُسْقِطَ حَقَّهُ (١) .
وَالْمَالِكِيَّةُ يُجِيزُونَ بَيْعَ الشَّجَرِ وَهُوَ مُسَاقًى وَلَوْ كَانَتِ الْمُسَاقَاةُ إِلَى سِنِينَ كَمَا تُبَاعُ الدَّارُ عَلَى أَنَّهَا مُسْتَأْجَرَةٌ (٢) .
_________
(١) المبسوط ٢٣ / ٥٧ - ٥٨، وبدائع الصنائع ٦ / ١٨٤، ودرر الحكام وحاشية الشرنبلالي عليه ٢ / ٣٢٧.
(٢) الشرح الكبير للدردير ٣ / ٥٤٦.
هـ - إِنِ اسْتُحِقَّتِ الأَْرْضُ أَوِ الشَّجَرُ كَانَ الثَّمَرُ لِلْمُسْتَحِقِّ لِتَبَعِيَّتِهِ لِلشَّجَرِ وَيَرْجِعُ الْعَامِل عَلَى الَّذِي دَفَعَ إِلَيْهِ الشَّجَرَ مُسَاقَاةً بِأَجْرِ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِل، لِفَسَادِ عَقْدِ الشَّرِكَةِ فِي الْمُسَاقَاةِ فَيَسْقُطُ حَقُّهُ فِي الثَّمَرِ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ مُسْتَوْفًى بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، فَيَسْتَوْجِبُ أَجْرَ الْمِثْل.
وَإِنْ حَدَثَتْ هَذِهِ الْعَوَارِضُ بَعْدَ نُضْجِ الثَّمَرِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ (١) .
حُكْمُ الْجَائِحَةِ وَغَيْرِهَا فِي الْمُسَاقَاةِ
٥٢ - إِذَا أُجِيحَ الْحَائِطُ كُلُّهُ انْفَسَخَتْ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ، وَهَذَا مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ حَيْثُ ذَكَرَ أَنَّ الْبَغَوِيَّ قَال: إِنَّهُ إِذَا تَلِفَتِ الثِّمَارُ كُلُّهَا بِالْجَائِحَةِ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ.
وَقَال النَّوَوِيُّ: نَقَل الْمُتَوَلِّي: أَنَّهُ إِذَا لَمْ تُثْمِرِ الأَْشْجَارُ أَصْلًا أَوْ تَلِفَتِ الثِّمَارُ كُلُّهَا بِجَائِحَةٍ أَوْ غَصْبٍ، فَعَلَى الْعَامِل إِتْمَامُ الْعَمَل وَإِنْ تَضَرَّرَ بِهِ، كَمَا أَنَّ عَامِل الْقِرَاضِ يُكَلَّفُ التَّنْضِيضَ وَإِنْ ظَهَرَ خُسْرَانٌ وَلَمْ يَنَل إِلاَّ التَّعَبَ، وَهَذَا أَصَحُّ مِمَّا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ: أَنَّهُ إِذَا تَلِفَتِ الثِّمَارُ كُلُّهَا بِالْجَائِحَةِ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ، إِلاَّ أَنْ يُرِيدَ بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَل وَتَكَامُل الثِّمَارِ (٢) .
_________
(١) المبسوط ١٣ / ٥٧ - ٥٨، وبدائع الصنائع ٦ / ١٨٤، ودرر الحكام وحاشية الشرنبلالي عليه ٢ / ٣٢٧.
(٢) روضة الطالبين ٥ / ١٦٣.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا هَلَكَ بَعْضُهُ عَلَى تَفْصِيلٍ ذَكَرَهُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ.
قَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَإِذَا أُجِيحَ بَعْضُ الْحَائِطِ سَقَطَ عَنْهُ بَعْضُ مَا أُجِيحَ مِنْهُ، إِذَا كَانَ لاَ يُرْجَى مِنْهُ ثَمَرَةٌ، وَمَا جُذَّ مِنَ النَّخْل لَمْ يَلْزَمْهُ سَقْيُهَا، وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْقِيَ مَا لَمْ يَجُذَّ حَتَّى يَجُذَّ وَإِنْ جَذَّ غَيْرُهُ قَبْلَهُ.
وَإِنْ أُجِيحَ ثُلُثُهُ فَصَاعِدًا فَعَنْ مَالِكٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الْعَامِل بِالْخِيَارِ بَيْنَ فَسْخِ الْمُسَاقَاةِ وَالإِْقَامَةِ عَلَيْهَا، وَالأُْخْرَى: أَنَّ الْمُسَاقَاةَ لاَزِمَةٌ لَهُمَا، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ الْجَائِحَةُ أَتَتْ عَلَى قِطْعَةٍ مِنَ النَّخْل وَالشَّجَرِ بِعَيْنِهَا، فَتَنْفَسِخُ الْمُسَاقَاةُ فِيهَا وَحْدَهَا دُونَ مَا سِوَاهَا.
وَإِنْ أَتْلَفَتِ الْجَائِحَةُ أَقَل مِنْ ثُلُثِ الْحَائِطِ، فَالْمُسَاقَاةُ صَحِيحَةٌ لاَزِمَةٌ.
وَلَوِ انْهَارَتِ الْبِئْرُ انْفَسَخَتِ الْمُسَاقَاةُ إِلاَّ أَنْ يُرِيدَ الْعَامِل أَنْ يُنْفِقَ مِنْ مَالِهِ فِي صَلاَحِ الْبِئْرِ، وَيَكُونُ عَلَى مُسَاقَاتِهِ، وَيَرْتَهِنُ صَاحِبُ الْحَائِطِ مِنَ الثَّمَرَةِ بِمَا أَنْفَقَ، فَذَلِكَ لَهُ (١) .
وَقَال النَّوَوِيُّ: وَإِنْ هَلَكَ بَعْضُهَا فَلِلْعَامِل الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ وَلاَ شَيْءَ لَهُ، وَبَيْنَ أَنْ يُجِيزَ وَيُتِمَّ الْعَمَل وَيَأْخُذَ نَصِيبَهُ (٢) .
_________
(١) الكافي ٢ / ١٠٩.
(٢) روضة الطالبين ٥ / ١٦٣.
مُسَاكَنَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْمُسَاكَنَةُ - فِي اللُّغَةِ - عَلَى مِيزَانِ الْمُفَاعَلَةِ (١) . مِنْ سَاكَنَهُ: أَيْ سَكَنَ مَعَهُ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ، وَيُقَال: تَسَاكَنُوا فِي الدَّارِ، أَيْ: سَكَنُوا فِيهَا مَعًا (٢) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ نَقَل النَّوَوِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَوْلَهُ: الْمُسَاكَنَةُ: أَنْ يَكُونَا فِي بَيْتٍ أَوْ بَيْتَيْنِ حُجْرَتُهُمَا وَاحِدَةٌ وَمَدْخَلُهُمَا وَاحِدٌ، قَال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: أَرَادَ بِالْحُجْرَةِ الصَّحْنَ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
١ - الإِْقَامَةُ:
٢ - الإِْقَامَةُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ أَقَامَ، وَاسْمُ الْمَوْضِعِ الْمُقَامُ بِالضَّمِّ، وَأَقَامَ بِالْمَوْضِعِ إِقَامَةً اتَّخَذَهُ وَطَنًا فَهُوَ مُقِيمٌ (٤) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ تُطْلَقُ الإِْقَامَةُ عَلَى مَا يَأْتِي:
١ - الثُّبُوتُ فِي الْمَكَانِ.
٢ - الإِْعْلاَمُ بِالشُّرُوعِ فِي الصَّلاَةِ بِأَلْفَاظٍ
_________
(١) المبسوط للسرخسي ٣٠ / ٢٣٢.
(٢) المعجم الوسيط مادة " سكن ".
(٣) روضة الطالبين ١١ / ٣١.
(٤) المصباح المنير، والمعجم الوسيط مادة " قوم ".
عَيَّنَهَا الشَّارِعُ (١) .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الإِْقَامَةِ وَالْمُسَاكَنَةِ كَمَا قَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّ الإِْقَامَةَ مَتَى قُيِّدَتْ بِالْمُدَّةِ لَزِمَ فِي مَفْهُومِهَا الاِمْتِدَادُ، وَتَقَيَّدَتْ بِالْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ كُلِّهَا، بِخِلاَفِ الْمُسَاكَنَةِ، فَإِنَّهُ لاَ يَلْزَمُ فِي تَحَقُّقِهَا الاِمْتِدَادُ مُطْلَقًا، لِصِدْقِهَا عَلَى الْقَلِيل وَالْكَثِيرِ، فَلاَ تَكُونُ الْمُدَّةُ قَيْدًا لَهَا (٢) .
ب - الْمُجَالَسَةُ
٣ - الْمُجَالَسَةُ مِنْ جَالَسَهُ: جَلَسَ مَعَهُ، فَهُوَ مُجَالِسٌ وَجَلِيسٌ، وَتَجَالَسُوا: جَلَسَ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ (٣) .
وَبَيْنَ الْمُسَاكَنَةِ وَالْمُجَالَسَةِ - كَمَا ذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ - وَجْهُ اشْتِرَاكٍ وَافْتِرَاقٍ:
أَمَّا الأَْوَّل: فَهُوَ أَنَّ الْوَقْتَ ظَرْفٌ لَهُمَا لاَ مِعْيَارٌ، لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِالْوَقْتِ، لِصِحَّتِهَا فِي جَمِيعِ الأَْوْقَاتِ وَإِنْ قَلَّتْ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُسَاكَنَةَ تَكُونُ بِالاِسْتِقْرَارِ وَالدَّوَامِ وَذَلِكَ بِأَهْلِهِ وَمَتَاعِهِ (٤)، بِخِلاَفِ الْمُجَالَسَةِ حَيْثُ تَتَحَقَّقُ بِمَا دُونَ ذَلِكَ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
تَتَعَلَّقُ بِالْمُسَاكَنَةِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:
_________
(١) قواعد الفقه للبركتي والقليوبي ٣ / ٣٠٠.
(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٧٨، ٢٠٩.
(٣) المعجم الوسيط.
(٤) ابن عابدين ٣ / ٧٨.
أ - مُسَاكَنَةُ الْمُعْتَدَّةِ أَثْنَاءَ الْعِدَّةِ
٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جِوَازِ مُسَاكَنَةِ الْمُطَلِّقِ الْمُعْتَدَّةَ عَلَى أَقْوَالٍ:
فَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلرَّجُل الْمُطَلِّقُ مُسَاكَنَةَ الْمُعْتَدَّةِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا فِي ذَلِكَ بَيْنَ الرَّجْعِيَّةِ وَالْبَائِنِ (١) .
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ بَأْسَ أَنْ يَسْكُنَا فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ مُطْلَقًا إِذَا وَجَبَ الاِعْتِدَادُ فِي مَنْزِل الزَّوْجِ إِذَا كَانَ الْمُطَلِّقُ عَدْلًا (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُطَلِّقِ أَنْ يَسْكُنَ مَعَ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ دُونَ الْبَائِنِ (٣) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلِحِ (سُكْنَى ف ١٦) .
ب - الْحَلِفُ عَلَى الْمُسَاكَنَةِ
٥ - لَوْ قَال الْحَالِفُ: وَاللَّهِ لاَ أَسَاكِنُ فُلاَنًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِبَعْضِ الْمَوَاضِعِ لَفْظًا مِثْل: لاَ أَسَاكِنُهُ فِي هَذَا الْبَيْتِ، أَوْ هَذِهِ الدَّارِ.
أَوْ لاَ يَكُونُ مُقَيَّدًا.
فَفِي الْحَالَةِ الأُْولَى: وَهِيَ أَنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا لَفْظًا: ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَا فِيهِ عِنْدَ
_________
(١) الخرشي ٤ / ٨٥، ٨٦ ط. دار صادر، وروضة الطالبين ٨ / ٤١٨، ٤١٩، والقليوبي ٤ / ٥٧.
(٢) ابن عابدين ٢ / ٦٢١، ٦٢٢، وتبيين الحقائق ٣ / ٣٧ ط. دار المعرفة.
(٣) المغني ٨ / ٥٣٠، وكشاف القناع ٥ / ٤٣٤.
الْحَلِفِ فَانْتَقَل الْحَالِفُ أَوِ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ، أَوِ انْتَقَلاَ مَعًا مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي كَانَا سَاكِنَيْنِ فِيهِ انْتِقَالًا يَزُول مَعَهُ اسْمُ الْمُسَاكَنَةِ عُرْفًا، لَمْ يَحْنَثْ، لاِنْقِطَاعِ الْمُسَاكَنَةِ.
وَإِنْ مَكَثَا فِيهِ بِلاَ عُذْرٍ حَنِثَ.
وَكَذَلِكَ لاَ يَحْنَثُ الْحَالِفُ إِذَا شَرَعَ هُوَ أَوِ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ إِثْرَ الْيَمِينِ، فِي بِنَاءِ جِدَارٍ، أَوْ غَيْرِهِ بِحَيْثُ يَكُونُ لِكُل مَحِلٍّ مِرْفَقٌ وَمَدْخَلٌ عَلَى حِدَةٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ رَجَّحَهُ الْبَغَوِيُّ وَهُوَ خِلاَفُ الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ، لاِشْتِغَالِهِ بِرَفْعِ الْمُسَاكَنَةِ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَكَرِهَ الْجِدَارَ.
وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ لِكِفَايَةِ الْجِدَارِ فِي عَدَمِ الْحِنْثِ فِيهَا قَيْدًا آخَرَ، وَهُوَ: أَنْ يَكُونَ الْحَلِفُ لأَِجْل مَا يَحْصُل بَيْنَ الْعِيَال، وَأَنَّهُ إِنْ كَانَ لِكَرَاهَةِ جِوَارِهِ فَلاَ بُدَّ مِنَ الاِنْتِقَال.
وَقَال ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لاَ يُعْتَدُّ بِالْجِدَارِ إِذَا كَانَ جَرِيدًا.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يَحْنَثُ، لِحُصُول الْمُسَاكَنَةِ إِلَى تَمَامِ الْبِنَاءِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَلأَِنَّهُمَا بِتَشَاغُلِهِمَا بِبِنَاءِ الْجِدَارِ قَدْ تَسَاكَنَا قَبْل انْفِرَادِ إِحْدَى الدَّارَيْنِ عَنِ الأُْخْرَى، بِخِلاَفِ مَا إِذَا خَرَجَ أَحَدُهُمَا فِي الْحَال فَبَنَى الْجِدَارَ ثُمَّ عَادَ، لَمْ يَحْنَثِ الْحَالِفُ (١) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٧٨، ٧٩ ط. بولاق، وتنقيح الفتاوى الحامدية ١ / ٤٢ ط. دار المعرفة، وجواهر الإكليل ١ / ٢٣٧، ٢٣٨، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٤٩، وروضة الطالبين ١١ / ٣١، ٣٢، ٣٣، وأسنى المطالب ٤ / ٢٥٣، والمغني ٨ / ٧٦٩، ٧٧٠، وكشاف القناع ٦ / ٢٦٨.