الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧
وَيُسَلِّمَ لَهُ الْمَشْرُوطَ.
قَال الْغَزَالِيُّ (١): فَإِنْ أَبَى لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَرِكَةٌ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ أُجْرَةَ الْعَمَل الْمَاضِي وَفُسِخَ الْعَقْدُ لِلْمُسْتَقْبَل.
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ، فَالْمُسَاقَاةُ فِي ظَاهِرِ كَلاَمِ أَحْمَدَ عَقْدٌ جَائِزٌ غَيْرُ لاَزِمٍ يَنْفَسِخُ بِمَوْتِ كُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا فِي الْمُضَارَبَةِ وَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهَا كَمَا لَوْ فَسَخَهَا أَحَدُهُمَا.
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْل بِلُزُومِهَا - وَهُوَ غَيْرُ الظَّاهِرِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - فَلاَ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا، وَيَجْرِي الْحُكْمُ عَلَى نَحْوِ التَّفْصِيل الْمَذْكُورِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ فِي مَوْتِ الْعَامِل وَلَمْ يَتْرُكْ تَرِكَةً، قَالُوا: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرِكَةٌ أَوْ تَعَذَّرَ الاِسْتِئْجَارُ مِنْهَا بِيعَ مِنْ نَصِيبِ الْعَامِل مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِتَكْمِيل الْعَمَل وَاسْتُؤْجِرَ مَنْ يَعْمَلُهُ وَإِنْ بَاعَهُ أَيْ نَصِيبَ الْعَامِل هُوَ أَوْ وَارِثُهُ لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ بِالْعَمَل جَازَ لأَِنَّهُ مِلْكُهُ (٢) .
ب - مُضِيُّ الْمُدَّةِ:
٤٥ - الْغَالِبُ أَنْ تَنْقَضِيَ مُدَّةُ الْمُسَاقَاةِ وَقَدْ نَضِجَ الثَّمَرُ فَيَنْتَهِي الْعَقْدُ وَيُقْسَمُ الثَّمَرُ عَلَى الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ يَحْدُثُ أَنْ تَنْقَضِيَ مُدَّةُ الْمُسَاقَاةِ وَالثَّمَرُ فِجٌّ، وَالْقِيَاسُ يَقْضِي بِبُطْلاَنِ
_________
(١) الوجيز للغزالي ١ / ٢٢٩.
(٢) كشاف القناع ٢ / ٥٣٨، وانظر: الشرح الكبير مع المغني لابن قدامة ٥ / ٥٦٨ - ٥٦٩.
الْعَقْدِ كَمَا يَقْضِي بِبُطْلاَنِهِ لِمَوْتِ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ، لَكِنَّ الاِسْتِحْسَانَ يَقْضِي بِبَقَائِهِ حُكْمًا هُنَا كَمَا قَضَى بِبَقَائِهِ هُنَاكَ بِسَبَبِ الْمَوْتِ، وَذَلِكَ دَفْعًا لِلضَّرَرِ وَفْقَ الأَْحْكَامِ التَّالِيَةِ:
أ - يَتَخَيَّرُ الْعَامِل بَيْنَ الْمُضِيِّ فِي الْعَمَل عَلَى الشَّرْطِ حَتَّى يُدْرِكَ وَبَيْنَ تَرْكِهِ.
ب - إِذَا اخْتَارَ الْمُضِيَّ فِي الْعَمَل لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَجْرُ حِصَّتِهِ حَتَّى يُدْرِكَ الثَّمَرُ، لأَِنَّ الشَّجَرَ لاَ يَجُوزُ اسْتِئْجَارُهُ، وَهُوَ بِخِلاَفِ الْمُزَارَعَةِ حَيْثُ يَجِبُ الأَْجْرُ عَلَيْهِ لِجَوَازِ اسْتِئْجَارِ الأَْرْضِ (١) .
ج - الْعَمَل كُلُّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْعَامِل وَحْدَهُ هُنَا، لِعَدَمِ وُجُوبِ الأَْجْرِ عَلَيْهِ لِصَاحِبِ الشَّجَرِ بِخِلاَفِ الْمُزَارَعَةِ، فَإِنَّ الْعَمَل فِيهَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا بِنِسْبَةِ - حِصَصِهِمَا، لأَِنَّهُ لَمَّا وَجَبَ عَلَى الْعَامِل مِنْ أَجْرِ الأَْرْضِ بِنِسْبَةِ نَصِيبِهِ مِنَ الْخَارِجِ وَجَبَ عَلَى الْمَالِكِ عَمَل مِثْل نِسْبَةِ نَصِيبِهِ مِنَ الْخَارِجِ، لأَِنَّ بِانْتِهَاءِ الْعَقْدِ أَصْبَحَ الزَّرْعُ مَالًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا (٢) .
وَإِنِ اخْتَارَ الْعَامِل التَّرْكَ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى
_________
(١) الهداية ٤ / ٦١، والاختيار ٣ / ٨١.
(٢) درر الحكام ٣ / ٥١٥، والمبسوط ٢٣ / ٥٧، وبدائع الصنائع ٦ / ١٨٤ - ١٨٥.
الْعَمَل، لَكِنَّهُ لاَ يُمَكَّنُ مِنْ قَطْفِ الثَّمَرِ فِجًّا دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنِ الْمَالِكِ وَيَتَخَيَّرُ هَذَا عِنْدَئِذٍ بَيْنَ الأُْمُورِ الثَّلاَثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ سَابِقًا عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى أَحْكَامِ انْفِسَاخِ الْمُسَاقَاةِ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَفْصِيلٌ فِي هَذَا الأَْمْرِ:
فَإِنِ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَلَمْ يَحْصُل الطَّلْعُ، فَلاَ شَيْءَ لِلْعَامِل فِيمَا عَمِل وَيَضِيعُ تَعَبُهُ فِي الْمُدَّةِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا ثَمَرَةٌ، لأَِنَّهُ دَخَل عَلَى ذَلِكَ.
وَإِنِ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَعَلَى الشَّجَرِ الطَّلْعُ فَعِنْدَ الْبَغَوِيِّ وَالرَّافِعِيِّ يَكُونُ التَّعَهُّدُ إِلَى الإِْدْرَاكِ عَلَى الْمَالِكِ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي عَصْرُونَ عَلَيْهِمَا، وَلاَ يَلْزَمُ الْعَامِل لِتَبْقِيَتِهَا أُجْرَةً.
وَلأَِنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْعَامِل يَمْلِكُ حِصَّتَهُ مِنَ الثَّمَرِ بِظُهُورِهِ وَانْعِقَادِهِ بَعْدَ الظُّهُورِ (١) .
وَإِنْ أَدْرَكَتِ الثِّمَارُ قَبْل انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ وَجَبَ عَلَى الْعَامِل أَنْ يَعْمَل بَقِيَّتَهَا بِغَيْرِ أُجْرَةٍ (٢) .
ج - الاِسْتِحْقَاقُ:
٤٦ - إِذَا اسْتُحِقَّ الشَّجَرُ الْمُسَاقَى عَلَيْهِ وَفَسَخَ الْمُسْتَحِقُّ الْمُسَاقَاةَ تَنْفَسِخُ وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُنْظَرُ: فَإِذَا كَانَ الاِسْتِحْقَاقُ حَصَل بَعْدَ ظُهُورِ الثَّمَرِ فَلِلْعَامِل أَجْرُ مِثْلِهِ مِنْ صَاحِبِ الشَّجَرِ،
_________
(١) شرح المحلي على المنهاج وحاشية القليوبي ٣ / ٦٨، ومغني المحتاج ٢ / ٣٢٨، وروضة الطالبين ٥ / ١٥٦.
(٢) مغني المحتاج ٢ / ٣٢٨، وحاشية عميرة على شرح المنهاج ٣ / ٦٨.
وَإِذَا كَانَ قَبْل ظُهُورِ الثَّمَرِ فَلاَ يَأْخُذُ الْعَامِل شَيْئًا.
وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ قَدْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأُجْرَةِ الْمِثْل عَلَى تَفْصِيلٍ ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ الأُْخْرَى (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا اسْتَحَقَّ الْحَائِطَ بَعْدَ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ فِيهِ خُيِّرَ الْمُسْتَحِقُّ بَيْنَ إِبْقَاءِ الْعَمَل وَفَسْخِ عَقْدِهِ، لِكَشْفِ الْغَيْبِ أَنَّ الْعَاقِدَ لَهُ غَيْرُ مَالِكٍ، وَحِينَئِذٍ فَيَدْفَعُ لَهُ أُجْرَةَ عَمَلِهِ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: وَلَوْ خَرَجَ الثَّمَرُ بَعْدَ الْعَمَل مُسْتَحَقًّا لِغَيْرِ الْمُسَاقِي كَأَنْ أَوْصَى بِثَمَنِ الشَّجَرِ الْمُسَاقَى عَلَيْهِ أَوْ خَرَجَ الشَّجَرُ مُسْتَحَقًّا فَلِلْعَامِل عَلَى الْمُسَاقِي أُجْرَةُ الْمِثْل لِعَمَلِهِ، لأَِنَّهُ فَوَّتَ مَنَافِعَهُ بِعِوَضٍ فَاسِدٍ فَيَرْجِعُ بِبَدَلِهَا، هَذَا إِذَا عَمِل جَاهِلًا بِالْحَال، فَإِنْ عَلِمَ الْحَال فَلاَ شَيْءَ لَهُ، وَكَذَا إِذَا كَانَ الْخُرُوجُ قَبْل الْعَمَل (٣) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ ظَهَرَ الشَّجَرُ مُسْتَحَقًّا بَعْدَ الْعَمَل أَخَذَ الشَّجَرَ رَبُّهُ وَأَخَذَ ثَمَرَتَهُ لأَِنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ وَلاَ حَقَّ لِلْعَامِل فِي ثَمَرَتِهِ وَلاَ أُجْرَةَ لَهُ عَلَى رَبِّ الشَّجَرِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الْعَمَل وَلِلْعَامِل عَلَى الْغَاصِبِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ لأَِنَّهُ غَرَّهُ وَاسْتَعْمَلَهُ.
_________
(١) درر الحكام ٣ / ٥١٥، وانظر حاشية ابن عابدين ٥ / ١٨١.
(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ٥٤٦.
(٣) المنهاج مع شرحه مغني المحتاج ٢ / ٣٣١.
وَقَالُوا أَيْضًا: وَإِنِ اسْتُحِقَّتِ الثَّمَرَةُ بَعْدَ أَنِ اقْتَسَمَهَا الْغَاصِبُ وَالْعَامِل وَأَكَلاَهَا فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، فَإِنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ فَلَهُ تَضْمِينُهُ الْكُل وَلَهُ تَضْمِينُهُ قَدْرَ نَصِيبِهِ لأَِنَّ الْغَاصِبَ سَبَبُ يَدِ الْعَامِل فَلَزِمَهُ ضَمَانُ الْجَمِيعِ، وَلَهُ تَضْمِينُ الْعَامِل قَدْرَ نَصِيبِهِ لِتَلَفِهِ تَحْتَ يَدِهِ فَإِنْ ضَمَّنَ الْمَالِكُ الْغَاصِبَ الْكُل رَجَعَ عَلَى الْعَامِل بِقَدْرِ نَصِيبِهِ، وَيَرْجِعُ الْعَامِل عَلَى الْغَاصِبِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ لأَِنَّهُ غَرَّهُ (١) .
د - تَصَرُّفُ الْمَالِكِ:
٤٧ - الْمُرَادُ بِتَصَرُّفِ الْمَالِكِ: بَيْعُ الْمَالِكِ الْحَدِيقَةَ الَّتِي سَاقَى عَلَيْهَا فِي الْمُدَّةِ أَوْ هِبَتُهَا؛ أَوْ رَهْنُهَا، أَوْ وَقْفُهَا.
قَال الشَّافِعِيَّةُ: بَيْعُ الْحَدِيقَةِ الَّتِي سَاقَى عَلَيْهَا فِي الْمُدَّةِ يُشْبِهُ بَيْعَ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، لَكِنْ فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيُّ: أَنَّ الْمَالِكَ إِنْ بَاعَهَا قَبْل خُرُوجِ الثَّمَرَةِ لَمْ يَصِحَّ، لأَِنَّ لِلْعَامِل حَقًّا فِي ثِمَارِهَا، فَكَأَنَّهُ اسْتَثْنَى بَعْضَ الثَّمَرَةِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ خُرُوجِ الثَّمَرَةِ صَحَّ الْبَيْعُ فِي الأَْشْجَارِ وَنَصِيبُ الْمَالِكِ مِنَ الثِّمَارِ، وَلاَ حَاجَةَ إِلَى شَرْطِ الْقَطْعِ لأَِنَّهَا مَبِيعَةٌ مَعَ الأُْصُول، وَيَكُونُ الْعَامِل مَعَ الْمُشْتَرِي كَمَا كَانَ مَعَ الْبَائِعِ.
وَإِنْ بَاعَ نَصِيبَهُ مِنَ الثَّمَرَةِ وَحْدَهَا، لَمْ يَصِحَّ
_________
(١) المغني لابن قدامة ٥ / ٤١٥، وكشاف القناع ٣ / ٥٣٩.
لِلْحَاجَةِ إِلَى شَرْطِ الْقَطْعِ وَتَعَذُّرِهِ فِي الشَّائِعِ.
قَال النَّوَوِيُّ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْبَغَوِيُّ حَسَنٌ (١) .
قَال الطَّبَرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْهُ قَال: سُئِل مَالِكٌ عَنِ الرَّجُل يَبْتَاعُ الأَْرْضَ وَقَدْ سَاقَاهَا صَاحِبُهَا رَجُلًا قَبْل ذَلِكَ سِنِينَ، فَقَال الْمُسَاقِي: أَنَا أَحَقُّ بِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَنِي (فَقَال) لَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ سِقَائِهِ إِلاَّ أَنْ يَتَرَاضَيَا (٢) .
هـ - الْفَسْخُ بِالإِْقَالَةِ وَالْعُذْرِ
٤٨ - لَمَّا كَانَتِ الْمُسَاقَاةُ عَقْدًا لاَزِمًا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ كَمَا سَبَقَ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَنْ يَسْتَبِدَّ بِفَسْخِهَا، وَإِنَّمَا تُفْسَخُ بِمَا تَنْفَسِخُ بِهِ الْعُقُودُ اللاَّزِمَةُ وَذَلِكَ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ:
الأَْمْرُ الأَْوَّل: الاِتِّفَاقُ الصَّرِيحُ عَلَى الْفَسْخِ وَالإِْقَالَةِ، وَلاَ يُخَالِفُ فِي هَذَا أَحَدٌ.
وَالَّذِينَ يَرَوْنَ مِنَ الْفُقَهَاءِ - كَالْحَنَابِلَةِ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِمْ - أَنَّ الْمُسَاقَاةَ عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ، يَسْتَجِيزُونَ لِكِلاَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ الْفَسْخَ، فَإِنْ وَقَعَ بَعْدَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ، فَالثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ وَعَلَى الْعَامِل إِتْمَامُ الْعَمَل، وَإِنْ وَقَعَ الْفَسْخُ قَبْل ظُهُورِ الثَّمَرَةِ: فَإِنْ كَانَ الَّذِي فَسَخَ هُوَ الْعَامِل فَلاَ شَيْءَ لَهُ، لأَِنَّهُ رَضِيَ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ،
_________
(١) روضة الطالبين ٥ / ١٦٧، ٢٥٢ - ٢٥٥.
(٢) اختلاف الفقهاء للطبري ص ١٤٣.
وَإِنْ كَانَ الْمَالِكَ فَعَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْل لِلْعَامِل لأَِنَّهُ مَنَعَهُ إِتْمَامَ عَمَلِهِ (١) .
الأَْمْرُ الثَّانِي: الْفَسْخُ بِالْعُذْرِ: وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ عَلَى مَذْهَبَيْنِ:
الْمَذْهَبُ الأَْوَّل: جَوَازُ الْفَسْخِ لِحُدُوثِ عُذْرٍ بِأَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ، لأَِنَّهُ لَوْ لَزِمَ الْعَقْدُ حَيْنَ الْعُذْرِ لَلَزِمَ صَاحِبَ الْعُذْرِ ضَرَرٌ لَمْ يَلْتَزِمْهُ بِالْعَقْدِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَيَقْرُبُ مِنْهُمُ الْمَالِكِيَّةُ فِي أَصْل جَوَازِ الْفَسْخِ بِالْعُذْرِ.
الْمَذْهَبُ الثَّانِي: عَدَمُ جَوَازِ الْفَسْخِ بِالأَْعْذَارِ، وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَقْدَ لاَزِمٌ وَهُوَ بِاتِّفَاقِهِمَا فَلاَ يَنْفَسِخُ إِلاَّ بِاتِّفَاقِهِمَا (٢) .
(ر: إِجَارَةٌ ف ٦٤ - ٦٥) .
نَوْعَا الْفَسْخِ بِالْعُذْرِ
الْعُذْرُ لِجِهَةِ الْعَاقِدَيْنِ نَوْعَانِ: عُذْرُ الْمَالِكِ، وَأَعْذَارُ الْعَامِل.
الأَْوَّل: عُذْرُ الْمَالِكِ:
٤٩ - فَمِنْ عُذْرِ الْمَالِكِ أَنْ يَفْدَحَهُ دَيْنٌ لاَ يَجِدُ لَهُ قَضَاءً إِلاَّ بِبَيْعِ الشَّجَرِ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ أَمْكَنَ الْفَسْخُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِالْعَامِل، كَأَنْ يَفْسَخَ قَبْل أَنْ يَعْمَل الْعَامِل أَوْ بَعْدَ أَنْ عَمِل
_________
(١) مغني المحتاج ٢ / ٣٣١، والشرح الكبير مع المغني ٥ / ٥٦٥ - ٥٦٦، وكشاف القناع ٣ / ٥٣٧.
(٢) القليوبي ٣ / ٨٠.
وَقَدْ أَدْرَكَ الثَّمَرُ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَبِيعُ الأَْرْضَ بِدَيْنِهِ أَوَّلًا، ثُمَّ يَفْسَخُ الْعَقْدَ وَلاَ تَنْفَسِخُ الْمُسَاقَاةُ بِمُجَرَّدِ طُرُوءِ الْعُذْرِ.
وَتَجْوِيزُ الْفَسْخِ فِي هَذِهِ الْحَال لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الْمَالِكِ إِذَا كَانَ لاَ يُمْكِنُهُ الْمُضِيُّ فِي الْعَقْدِ إِلاَّ بِضَرَرٍ يَلْحَقُهُ، فَلاَ يَلْزَمُهُ الضَّرَرُ وَذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى فَسْخِ الإِْجَارَةِ بِهِ.
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْفَسْخُ إِلاَّ بِضَرَرٍ، كَمَا لَوْ كَانَ بَعْدَ أَنْ عَمِل الْعَامِل وَقَبْل أَنْ يُدْرِكَ الثَّمَرُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ وَلاَ أَنْ يَبِيعَ الشَّجَرَ، بَل يَبْقَى حُكْمُ الْعَقْدِ حَتَّى يَبْلُغَ الثَّمَرُ، فَعِنْدَئِذٍ يَبِيعُ نَصِيبَهُ مِنَ الثَّمَرِ، وَيَبِيعُ الشَّجَرَ فِي دَيْنِهِ، وَيُفْسَخُ الْعَقْدُ فِيمَا بَقِيَ، لأَِنَّ الشَّرِكَةَ انْعَقَدَتْ بَيْنَهُمَا فِي الثَّمَرِ، وَلإِدْرَاكِهِ نِهَايَةٌ مَعْلُومَةٌ فَفِي الاِنْتِظَارِ تَوْفِيرُ الْمَنْفَعَةِ، وَدَفْعُ الضَّرَرِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَفِي نَقْضِ الْمُعَامَلَةِ إِضْرَارٌ بِالْعَامِل مِنْ حَيْثُ إِنَّ فِيهِ إِبْطَال حَقِّهِ مِنْ نَصِيبِ الثَّمَرِ، فَلِدَفْعِ الضَّرَرِ قُلْنَا: يُمْنَعُ الْمَالِكُ مِنْ بَيْعِ الشَّجَرِ، وَيَبْقَى الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا إِلَى أَنْ يُدْرِكَ مَا خَرَجَ مِنَ الثَّمَرِ (١) .
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْمُسَاقَاةَ لاَ تَنْفَسِخُ بِإِفْلاَسِ الْمَالِكِ إِذَا طَرَأَ الْفَلَسُ عَلَى الْعَقْدِ قَبْل الْعَمَل أَوْ بَعْدَهُ، بَل يُبَاعُ الشَّجَرُ عَلَى
_________
(١) المبسوط ٢٣ / ١٠١ - ١٠٢، وبدائع الصنائع ٦ / ١٨٣، والاختيار ٣ / ٨١.
أَنَّهُ مُسَاقًى وَلَوْ كَانَتِ الْمُسَاقَاةُ سِنِينَ، كَمَا تُبَاعُ الدَّارُ عَلَى أَنَّهَا مُسْتَأْجَرَةٌ (١) .
الثَّانِي: أَعْذَارُ الْعَامِل:
٥٠ - مِنْ أَهَمِّ أَعْذَارِ الْعَامِل:
أ - عَجْزُ الْعَامِل عَنِ الْعَمَل.
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا عَجَزَ الْعَامِل عَنِ الْعَمَل بِسَبَبِ الْمَرَضِ أَوِ الشَّيْخُوخَةِ.
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا عَجَزَ الْعَامِل عَنِ الْعَمَل بِسَبَبِ الْمَرَضِ الَّذِي يُضْعِفُهُ عَنِ الْعَمَل، أَوِ الشَّيْخُوخَةِ، جَازَ فَسْخُ الْعَقْدِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ إِلْزَامَهُ بِالْعَمَل بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ زِيَادَةُ ضَرَرٍ لَمْ يَلْزَمْهُ فِي الْعَقْدِ، كَمَا لاَ يُؤْمَرُ بِاسْتِئْجَارِ مَنْ يَعْمَل عَمَلَهُ لأَِنَّ فِيهِ أَيْضًا إِلْحَاقَ ضَرَرٍ لَمْ يَلْتَزِمْهُ فِي الْعَقْدِ (٢) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا عَجَزَ الْعَامِل وَقَدْ حَل بَيْعُ الثَّمَرِ لَمْ يَكُنْ لِلْمَالِكِ أَنْ يُسَاقِيَ غَيْرَهُ، بَل عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَعْمَل أَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَعْمَل وَإِنْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ اسْتُؤْجِرَ مِنْ حَظِّهِ مِنَ الثَّمَرِ (٣) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا ضَعُفَ الْعَامِل وَهُوَ أَمِينٌ، ضُمَّ إِلَيْهِ عَامِلٌ قَوِيٌّ أَمِينٌ وَلاَ تُنْزَعُ يَدُهُ، لأَِنَّ
_________
(١) حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير ٣ / ٥٤٦، ومواهب الجليل ٥ / ٣٨٣.
(٢) المبسوط ٢٣ / ١٠٢.
(٣) بداية المجتهد ٢ / ٢٧١.
الْعَمَل مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ وَلاَ ضَرَرَ فِي بَقَاءِ يَدِهِ.
أَمَّا إِنْ عَجَزَ بِالْكُلِّيَّةِ فَإِنَّهُ يُقَامُ مَقَامَهُ مَنْ يَعْمَل عَلَيْهِ وَلاَ يُفْسَخُ الْعَقْدُ، لأَِنَّ عَلَيْهِ تَوْفِيَةَ الْعَمَل وَهَذَا مِنْ تَوْفِيَتِهِ (١) .
وَلِلشَّافِعِيَّةِ تَفْصِيلٌ فِي جَوَازِ الْفَسْخِ لِطُرُوءِ الْمَرَضِ عَلَى عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ وَكَذَا الْهَرَبُ أَوِ الْحَبْسُ أَوِ الاِمْتِنَاعُ عَنِ الْعَمَل، سَوَاءٌ كَانَتْ قَبْل الْفَرَاغِ مِنَ الْعَمَل أَوْ قَبْل الشُّرُوعِ فِيهِ.
قَالُوا: إِنْ تَبَرَّعَ غَيْرُهُ بِعَمَلِهِ وَلَوْ كَانَ الْمُتَبَرِّعُ الْمَالِكَ، بَقِيَ حَقُّ الْعَامِل، لأَِنَّ مَا يُنْفِقُهُ أَحَدُهُمَا مِمَّا يَجِبُ عَلَى صَاحِبِهِ يُعْتَبَرُ مُتَبَرِّعًا فِيهِ.
لَكِنْ إِنْ كَانَ الْمُتَبَرِّعُ أَجْنَبِيًّا فَلِلْمَالِكِ فَسْخُ الْعَقْدِ، إِذْ قَدْ لاَ يَرْضَى بِدُخُولِهِ مِلْكَهُ.
وَإِنْ لَمْ يَتَبَرَّعْ غَيْرُهُ رُفِعَ الأَْمْرُ إِلَى الْحَاكِمِ إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ لِلْعَامِل مَالٌ وَالْمُسَاقَاةُ عَلَى ذِمَّتِهِ: اسْتَأْجَرَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ مَنْ يُتِمُّ الْعَمَل، وَإِلاَّ بِأَنْ كَانَتِ الْمُسَاقَاةُ عَلَى عَيْنِ الْعَامِل لاَ يَسْتَأْجِرُ عَلَيْهِ، لأَِنَّ الْمَالِكَ مُخَيَّرٌ فِي هَذِهِ الْحَال بَيْنَ الْفَسْخِ وَبَيْنَ الإِْبْقَاءِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَامِل مَالٌ فَإِنْ ظَهَرَتِ الثَّمَرَةُ اسْتَأْجَرَ مِنْهَا، وَإِلاَّ فَإِنْ أَمْكَنَ اسْتِئْجَارُ عَامِلٍ يَعْمَل بِمُؤَجَّلٍ إِلَى ظُهُورِ الثَّمَرَةِ فَعَل، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ اقْتَرَضَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِكِ أَوْ
_________
(١) المغني مع الشرح الكبير ٥ / ٥٧٤ - ٥٧٥.