الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧
قِسْمَةِ الْمَحْصُول عَلَى الْعَامِل، لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَمَل الْمُسَاقَاةِ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ الْفَسَادَ بِهَا إِذَا كَانَتْ فِيهِ كُلْفَةٌ أَوْ مَشَقَّةٌ (١)، قَال الدَّرْدِيرُ: أَوِ اشْتَرَطَ الْعَامِل عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ حَمْل نَصِيبِ الْعَامِل لِمَنْزِل الْعَامِل إِذَا كَانَ فِيهِ كُلْفَةٌ وَمَشَقَّةٌ، وَإِلاَّ جَازَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَدْفَعَ لَهُ أُجْرَةَ الْحَمْل فِي الْمَمْنُوعَةِ مَعَ أُجْرَةِ الْمِثْل (٢)، وَكَذَا عَكْسُهُ، وَهُوَ اشْتِرَاطُ رَبِّ الْحَائِطِ عَلَى الْعَامِل ذَلِكَ (٣) .
٤١ - سَابِعًا: تَحْدِيدُ مُدَّةٍ لاَ يُثْمِرُ الشَّجَرُ خِلاَلَهَا، وَهَذَا يَمْنَعُ الْمَقْصُودَ فَيَكُونُ مُفْسِدًا لِلْعَقْدِ، وَمَنْ يَشْتَرِطُ التَّوْقِيتَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ لاَ يُجِيزُهُ بِمَا زَادَ عَلَى الْجُذَاذِ فِي الْعَادَةِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَجُوزُ فِيهَا الإِْطْلاَقُ وَلاَ التَّأْبِيدُ وَلاَ التَّوْقِيتُ بِإِدْرَاكِ الثَّمَرِ فِي الأَْصَحِّ، لأَِنَّهُ يَتَقَدَّمُ وَيَتَأَخَّرُ كَمَا سَبَقَ عِنْدَ شَرْطِ الْمُدَّةِ وَأَحْكَامِهَا.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ سَاقَاهُ عَلَى مُدَّةٍ لاَ تَكْمُل فِيهَا الثَّمَرَةُ فَالْمُسَاقَاةُ فَاسِدَةٌ (٤) .
٤٢ - ثَامِنًا: شَرِكَةُ الْعَامِل فِيمَا يَعْمَل فِيهِ، كَمَا
_________
(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٨٦.
(٢) حاشية الدسوقي ٣ / ٥٤٩.
(٣) الشرح الكبير للدردير ٣ / ٥٤٠.
(٤) حاشية ابن عابدين ٥ / ١٨٢، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤ / ٥٤٢، ومغني المحتاج ٢ / ٣٢٧، ٣٢٨، والمغني ٥ / ٤٠٦.
لَوْ كَانَ بُسْتَانًا مُشْتَرَكًا بَيْنَ اثْنَيْنِ فَدَفَعَهُ أَحَدُهُمَا إِلَى الآْخَرِ مُسَاقَاةً مُدَّةً مَعْلُومَةً عَلَى أَنْ يَكُونَ الثَّمَرُ بَيْنَهُمَا مُثَالَثَةً، ثُلُثَاهُ لِلْعَامِل وَثُلُثُهُ لِلْمَالِكِ، فَإِنَّهُ تَفْسُدُ الْمُسَاقَاةُ، وَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْمِلْكِ، وَلاَ شَيْءَ لِلْعَامِل، وَهَذَا لأَِنَّ الْمُسَاقَاةَ إِجَارَةٌ فِي الْمَعْنَى، وَلاَ يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الإِْنْسَانِ لِلْعَمَل فِي شَيْءٍ هُوَ فِيهِ شَرِيكٌ، وَلأَِنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الإِْجَارَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَسْلِيمَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَتَسْلِيمُهُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ، لأَِنَّ كُل جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْبُسْتَانِ الَّذِي يَعْمَل فِيهِ هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ، فَيَكُونُ عَامِلًا فِيهِ لِنَفْسِهِ فَلاَ يَتَحَقَّقُ التَّسْلِيمُ (١) .
وَخَالَفَ الشَّافِعِيَّةُ فِي ذَلِكَ: فَأَجَازُوا مُسَاقَاةَ الشَّرِيكِ بِشَرْطَيْنِ: أَوَّلُهُمَا: أَنْ يَشْرِطَ لَهُ زِيَادَةً عَلَى حِصَّتِهِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَشْرِطْ لَهُ زِيَادَةً عَلَيْهَا لَمْ تَصِحَّ، لِخُلُوِّهَا عَنِ الْعِوَضِ وَلاَ أُجْرَةَ لَهُ بِالْعَمَل لأَِنَّهُ مُتَبَرِّعٌ، وَالآْخَرُ: أَنْ يَسْتَبِدَّ الْعَامِل بِالْعَمَل وَيَسْتَقِل بِهِ حَتَّى لَوْ شَارَكَهُ الْمَالِكُ بِالْعَمَل لَمْ تَصِحَّ (٢) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: وَإِنْ سَاقَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ شَرِيكَهُ وَجَعَل لَهُ مِنَ الثَّمَرِ أَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِهِ مِثْل أَنْ يَكُونَ الأَْصْل بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَجَعَل لَهُ ثُلُثَيِ
_________
(١) الهداية ٣ / ١٧٨.
(٢) الوجيز ١ / ٢٢٧، ومغني المحتاج ٢ / ٣٢٧.
الثَّمَرَةِ صَحَّ، وَكَانَ السُّدُسُ حِصَّتَهُ مِنَ الْمُسَاقَاةِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَال: سَاقَيْتُكَ عَلَى نَصِيبِي بِالثُّلُثِ وَإِنْ جَعَل الثَّمَرَةَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ أَوْ جَعَل لِلْعَامِل الثُّلُثَ فَهِيَ مُسَاقَاةٌ فَاسِدَةٌ؛ لأَِنَّ الْعَامِل يَسْتَحِقُّ نِصْفَهَا بِمِلْكِهِ فَلَمْ يَجْعَل لَهُ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ شَيْئًا، وَإِذَا شَرَطَ لَهُ الثُّلُثَ فَقَدْ شَرَطَ أَنَّ غَيْرَ الْعَامِل يَأْخُذُ مِنْ نَصِيبِ الْعَامِل ثُلُثَهُ، وَيَسْتَعْمِلُهُ بِلاَ عِوَضٍ فَلاَ يَصِحُّ، فَإِذَا عَمِل فِي الشَّجَرِ بِنَاءً عَلَى هَذَا كَانَتِ الثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا بِحُكْمِ الْمِلْكِ وَلاَ يَسْتَحِقُّ الْعَامِل بِعَمَلِهِ شَيْئًا، لأَِنَّهُ تَبَرَّعَ بِهِ لِرِضَاهُ بِالْعَمَل بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَال لَهُ: أَنَا أَعْمَل فِيهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، لأَِنَّهُ عَمِل فِي مَال غَيْرِهِ مُتَبَرِّعًا فَلَمْ يَسْتَحِقَّ عِوَضًا كَمَا لَوْ لَمْ يَعْقِدِ الْمُسَاقَاةَ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَجْرَ الْمِثْل، لأَِنَّ الْمُسَاقَاةَ تَقْتَضِي عِوَضًا فَلَمْ تَسْقُطْ بِرِضَاهُ بِإِسْقَاطِهِ كَالنِّكَاحِ إِذَا لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ الْمُسَمَّى يَجِبُ فِيهِ مَهْرُ الْمِثْل (١) .
أَحْكَامُ الْمُسَاقَاةِ الْفَاسِدَةِ
٤٣ - إِذَا وَقَعَتِ الْمُسَاقَاةُ فَاسِدَةً، وَاطَّلَعَ عَلَى الْفَسَادِ وَقَبِل الشُّرُوعَ فِي الْعَمَل وَجَبَ فَسْخُهَا هَدَرًا بِلاَ شَيْءٍ يَجِبُ عَلَى الْمَالِكِ أَوِ الْعَامِل،
_________
(١) الشرح الكبير مع المغني ٥ / ٥٨٠.
لأَِنَّ الْوُجُوبَ أَثَرٌ لِلْعَقْدِ الصَّحِيحِ وَلَمْ يُوجَدْ (١) .
أَمَّا إِذَا اطَّلَعَ عَلَى الْفَسَادِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّاتِجِ وَنَصِيبِ الْعَامِل وَالْمَالِكِ، أَوْ مَا يَكُونُ لِلْعَامِل وَلِلْمَالِكِ وَفْقَ الْبَيَانِ التَّالِي:
١ - أَطْلَقَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْحَنَفِيَّةُ الْقَوْل بِوُجُوبِ الأُْجْرَةِ لِلْعَامِل وَاسْتِحْقَاقِ الْمَالِكِ لِلثَّمَرِ فِي الْمُسَاقَاةِ الْفَاسِدَةِ وَهُوَ قِيَاسُ رِوَايَةٍ عَنْ مَالِكٍ (٢) .
ب - أَنَّهُ لاَ يُجْبَرُ الْعَامِل عَلَى الْعَمَل لأَِنَّ الْجَبْرَ عَلَى الْعَمَل بِحُكْمِ الْعَقْدِ وَلَمْ يَصِحَّ.
ج - أَنَّ أَجْرَ الْمِثْل لاَ يَجِبُ فِي الْمُعَامَلَةِ الْفَاسِدَةِ مَا لَمْ يُوجَدِ الْعَمَل.
٥ - أَنَّ أَجْرَ الْمِثْل فِيهَا يَجِبُ مُقَدَّرًا بِالْمُسَمَّى لاَ يَتَجَاوَزُ عَنْهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: يَجِبُ تَامًّا.
وَهَذَا الاِخْتِلاَفُ فِيمَا إِذَا كَانَتْ حِصَّةُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسَمَّاةً فِي الْعَقْدِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُسَمَّاةً فِي الْعَقْدِ يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْل تَامًّا بِلاَ خِلاَفٍ
_________
(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٨٢ - ١٨٨، وبداية المجتهد ٢ / ٣٢١، والقوانين الفقهية ١٨٤، وكشاف القناع ٣ / ٥٤٤، ومواهب الجليل ٥ / ٣٨٥، وحاشية الشرقاوي على التحرير ٢ / ٨٥.
(٢) حاشية الشرقاوي على التحرير ٢ / ٨٥، وبداية المجتهد ٢ / ٣٢١، وكشاف القناع ٣ / ٥٤٤، وبدائع الصنائع ٦ / ١٨٣، ١٨٨.
، قَال الْكَاسَانِيُّ (١): وَوَجْهُ قَوْل مُحَمَّدٍ: أَنَّ الأَْصْل فِي الإِْجَارَةِ وُجُوبُ أَجْرِ الْمِثْل لأَِنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، وَمَبْنَى الْمُعَاوَضَاتِ عَلَى الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْبَدَلَيْنِ، وَذَلِكَ فِي وُجُوبِ أَجْرِ الْمِثْل، لأَِنَّهُ الْمِثْل الْمُمْكِنُ فِي الْبَابِ إِذْ هُوَ قَدْرُ قِيمَةِ الْمَنَافِعِ الْمُسْتَوْفَاةِ إِلاَّ أَنَّ فِيهِ ضَرْبَ جَهَالَةٍ وَجَهَالَةُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ تَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ فَلاَ بُدَّ مِنْ تَسْمِيَةِ الْبَدَل تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ، فَوَجَبَ الْمُسَمَّى عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَنَافِعِ أَيْضًا، فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ لِفَوَاتِ شَرْطٍ مِنْ شَرَائِطِهِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَى الْبَدَل الأَْصْلِيِّ لِلْمَنَافِعِ وَهُوَ أَجْرُ الْمِثْل وَلِهَذَا إِذَا لَمْ يُسَمَّ الْبَدَل أَصْلًا فِي الْعَقْدِ وَجَبَ أَجْرُ الْمِثْل بَالِغًا مَا بَلَغَ.
وَوَجْهُ قَوْل أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ الأَْصْل مَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ وَهُوَ وُجُوبُ أَجْرِ الْمِثْل بَدَلًا عَنِ الْمَنَافِعِ قِيمَةً لَهَا لأَِنَّهُ هُوَ الْمِثْل بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ لَكِنْ مُقَدَّرًا بِالْمُسَمَّى، لأَِنَّهُ كَمَا يَجِبُ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْبَدَل فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ يَجِبُ اعْتِبَارُ التَّسْمِيَةِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ، لأَِنَّ اعْتِبَارَ تَصَرُّفِ الْعَاقِل وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ، وَأَمْكَنَ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ أَجْرِ الْمِثْل بِالْمُسَمَّى، لأَِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ مَا رَضِيَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْمُسَمَّى وَالآْجِرَ مَا رَضِيَ بِالنُّقْصَانِ عَنْهُ، فَكَانَ اعْتِبَارُ الْمُسَمَّى فِي تَقْدِيرِ أَجْرِ الْمِثْل بِهِ عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ وَرِعَايَةً لِلْجَانِبَيْنِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ
_________
(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٨٣، ١٨٨.
فَكَانَ أَوْلَى، بِخِلاَفِ مَا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْبَدَل سُمِّيَ فِي الْعَقْدِ لأَِنَّ الْبَدَل إِذَا لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى أَصْلًا لاَ حَاجَةَ إِلَى اعْتِبَارِ التَّسْمِيَةِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُ أَجْرِ الْمِثْل فَهُوَ الْفَرْقُ (١) .
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَفَصَّلُوا فِي الاِطِّلاَعِ عَلَى الْفَسَادِ بَعْدَ الشُّرُوعِ، قَال ابْنُ رُشْدٍ (٢) فِي بَيَانِ الْمَذْهَبِ، بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ وَالْمَذْكُورَةُ عِنْدَ بَيَانِ مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ قَال: وَقِيل: إِنَّهَا تُرَدُّ إِلَى مُسَاقَاةِ الْمِثْل بِإِطْلاَقٍ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ، وَأَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ فَقَال فِي بَعْضِهَا: تُرَدُّ إِلَى مُسَاقَاةٍ مِثْلِهَا، وَفِي بَعْضِهَا: إِلَى إِجَارَةِ الْمِثْل.
انْفِسَاخُ الْمُسَاقَاةِ
تَنْفَسِخُ الْمُسَاقَاةِ بِالْمَوْتِ، وَمُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَالاِسْتِحْقَاقِ، وَتَصَرُّفِ الْمَالِكِ، وَالْفَسْخِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي:
أ - الْمَوْتُ:
٤٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي فَسْخِ الْمُسَاقَاةِ بِالْمَوْتِ.
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: تَبْطُل الْمُسَاقَاةُ بِالْمَوْتِ لأَِنَّهَا فِي مَعْنَى الإِْجَارَةِ، فَلَوْ طَرَأَ الْمَوْتُ قَبْل
_________
(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٨٣.
(٢) بداية المجتهد ٢ / ٣٢١ - ٣٢٢، والقوانين الفقهية ١٨٤، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٣ / ٥٤٧ - ٥٤٩، ومواهب الجليل ٥ / ٣٨٥ - ٣٨٧.
الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل انْفَسَخَ الْعَقْدُ وَلاَ يُلْزَمُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ لِلآْخَرِ.
وَلَوْ طَرَأَ الْمَوْتُ بَعْدَ نُضْجِ الثَّمَرِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ وَقُسِمَ الثَّمَرُ بَيْنَهُمَا عَلَى حَسَبِ الشَّرْطِ فِي الْعَقْدِ.
وَلَوْ طَرَأَ الْمَوْتُ وَالثَّمَرُ فِجٌّ فَقَالُوا بِبَقَاءِ الْعَقْدِ حُكْمًا وَإِنْ بَطَل قِيَاسًا، وَفَرَّقُوا بَيْنَ ثَلاَثَةِ أَحْوَالٍ:
الْحَال الأَْوَّل: أَنْ يَمُوتَ رَبُّ الأَْرْضِ وَلَمَّا يَنْضَجِ الثَّمَرُ، بِأَنْ كَانَ بُسْرًا أَوْ فِجًّا، فَيَجُوزُ لِلْعَامِل أَنْ يَقُومَ بِهِ حَتَّى يَنْضَجَ وَإِنْ أَبَى ذَلِكَ وَرَثَتُهُ لأَِنَّ فِي فَسْخِ الْعَقْدِ إِضْرَارًا بِهِ وَإِبْطَالًا لِمَا كَانَ مُسْتَحَقًّا بِالْعَقْدِ وَهُوَ تَرْكُ الثِّمَارِ فِي الأَْشْجَارِ إِلَى وَقْتِ الإِْدْرَاكِ، فَإِذَا انْتَقَضَ الْعَقْدُ، تَكَلَّفَ الْجُذَاذَ قَبْل الإِْدْرَاكِ وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ وَإِذَا جَازَ نَقْضُ الإِْجَارَةِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ فَلأَِنْ يَجُوزَ بَقَاؤُهَا لِدَفْعِهِ أَوْلَى، وَلاَ ضَرَرَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْوَرَثَةِ (١)، فَلَوْ أَرَادَ الْعَامِل تَحَمُّل الضَّرَرَ وَرَضِيَ بِقَطْعِ الثَّمَرِ فِجًّا أَوْ بُسْرًا، تَخَيَّرَ وَرَثَةُ الْمَالِكِ بَيْنَ أُمُورٍ ثَلاَثَةٍ:
الأَْوَّل: أَنْ يَقْسِمُوا الْبُسْرَ عَلَى الشَّرْطِ.
الثَّانِي: أَنْ يُعْطُوهُ قِيمَةَ نَصِيبِهِ يَوْمَئِذٍ فِجًّا،
_________
(١) الاختيار ٣ / ٨٠، والمبسوط ٢٣ / ٥٨، ودرر الحكام ٣ / ٥١٤.
وَيَبْقَى الثَّمَرُ لَهُمْ.
الثَّالِثُ: أَنْ يُنْفِقُوا عَلَيْهِ بِأَمْرِ الْقَاضِي ثُمَّ يَرْجِعُوا عَلَى الْعَامِل بِجَمِيعِ مَا أَنْفَقُوا، لأَِنَّ الْعَمَل عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ، وَلأَِنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِلْحَاقُ الضَّرَرِ بِهِمْ (١) وَهَذَا لأَِنَّ الْعَامِل لَمَّا امْتَنَعَ عَنِ الْعَمَل لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ إِبْقَاءَ الْعَقْدِ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِ الْبُطْلاَنِ وَهُوَ الْمَوْتُ اسْتِحْسَانًا لِلنَّظَرِ لَهُ وَقَدْ تَرَكَ هُوَ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ، فَيُخَيَّرُ الْوَرَثَةُ بَيْنَ الأُْمُورِ الثَّلاَثَةِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُمْ بِقَدْرِ الإِْمْكَانِ (٢) .
الْحَال الثَّانِي: أَنْ يَمُوتَ الْعَامِل وَالثَّمَرُ كَذَلِكَ بُسْرٌ، فَيَقُومُ وَارِثُهُ مَقَامَهُ، إِنْ شَاءَ يَسْتَمِرَّ عَلَى الْعَمَل حَتَّى نُضُوجِ الثَّمَرِ وَلاَ يَحِقُّ لِصَاحِبِ الأَْشْجَارِ مَنْعُهُ؛ لأَِنَّهُ نَظَرَ فِي ذَلِكَ إِلَى الْجَانِبَيْنِ، وَإِذَا امْتَنَعَ الْوَارِثُ عَنِ الاِسْتِمْرَارِ عَلَى الْعَمَل فَلاَ يُجْبَرُ عَلَى الْعَمَل، وَلَكِنْ يَكُونُ صَاحِبُ الشَّجَرِ مُخَيَّرًا بِأَحَدِ الْوُجُوهِ الثَّلاَثَةِ التَّالِيَةِ:
الْوَجْهُ الأَْوَّل: إِنْ شَاءَ اقْتَسَمَ الثَّمَرَ الْغَيْرَ النَّاضِجِ مَعَ الْوَارِثِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوطِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: وَإِنْ شَاءَ أَدَّى لِلْوَارِثِ حِصَّتَهُ مِنْ قِيمَةِ الثَّمَرِ الْغَيْرِ النَّاضِجِ.
_________
(١) الاختيار ٣ / ٨٠.
(٢) تبيين الحقائق مع حاشية الشلبي ٥ / ٢٨٤ - ٢٨٥، والمبسوط ٢٣ / ٥٦ - ٥٨، وابن عابدين ٥ / ١٨٤.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَإِنْ شَاءَ يَصْرِفْ قَدْرًا مَعْرُوفًا بِإِذْنِ الْقَاضِي وَيَسْتَمِرُّ عَلَى الْعَمَل، وَيَأْخُذُ الْمَبْلَغَ الْمَصْرُوفَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْوَارِثِ، وَلَكِنْ لاَ يَتَجَاوَزُ هَذَا الْمَبْلَغُ الْمَصْرُوفُ فِي أَيِّ حَالٍ حِصَّتَهُ مِنَ الثَّمَرِ (١) .
الْحَال الثَّالِثُ: إِذَا تُوُفِّيَ كِلاَهُمَا فَيَكُونُ وَرَثَةُ الْعَامِل مُخَيَّرِينَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ آنِفًا لأَِنَّهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَ الْعَامِل، وَقَدْ كَانَ لَهُ فِي حَيَاتِهِ هَذَا الْخِيَارُ بَعْدَ مَوْتِ رَبِّ الأَْرْضِ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَال الدَّرْدِيرُ: وَإِذَا لَمْ تَنْفَسِخْ - أَيِ الْمُسَاقَاةُ - بِالْفَلَسِ الطَّارِئِ فَكَذَا بِالْمَوْتِ؛ لأَِنَّ الْمَوْتَ كَالْفَلَسِ، وَالْمُسَاقَاةَ كَالْكِرَاءِ لاَ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْمُتَكَارِيَيْنِ (٢) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى الْقَوْل بِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ تَنْفَسِخُ بِالْمَوْتِ فِي أَحْوَالٍ خَاصَّةٍ وَفَرَّقُوا بَيْنَ مَوْتِ الْمَالِكِ وَمَوْتِ الْعَامِل:
فَإِنْ مَاتَ مَالِكُ الشَّجَرِ فِي أَثَنَاءِ الْمُدَّةِ لَمْ تَنْفَسِخِ الْمُسَاقَاةُ بَل يَسْتَمِرُّ الْعَامِل وَيَأْخُذُ نَصِيبَهُ (٣) .
وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ الْوَارِثُ، أَيْ إِذَا سَاقَى الْمُوَرِّثُ مَنْ يَرِثُهُ ثُمَّ مَاتَ فَإِنَّ الْمُسَاقَاةَ تَنْفَسِخُ (٤)، وَكَذَا لَوْ سَاقَى الْبَطْنُ الأَْوَّل الْبَطْنَ
_________
(١) درر الحكام ٣ / ٥١٤، ٥١٥.
(٢) الشرح الكبير ٣ / ٢٨٣، ٥٤٦.
(٣) روضة الطالبين ٥ / ١٦٢.
(٤) مغني المحتاج ٢ / ٣٣١.
الثَّانِيَ ثُمَّ مَاتَ الأَْوَّل فِي أَثَنَاءِ الْمُدَّةِ وَكَانَ الْوَقْفُ وَقْفَ تَرْتِيبٍ فَيَنْبَغِي أَنْ تَنْفَسِخَ كَمَا قَال الزَّرْكَشِيُّ، لأَِنَّهُ لاَ يَكُونُ عَامِلًا لِنَفْسِهِ (١) .
وَإِنْ مَاتَ الْعَامِل يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْمُسَاقَاةُ عَلَى عَيْنِهِ أَوْ عَلَى ذِمَّتِهِ: فَإِنْ كَانَتِ الْمُسَاقَاةُ عَلَى عَيْنِهِ انْفَسَخَتِ الْمُسَاقَاةُ بِمَوْتِهِ كَمَا تَنْفَسِخُ الإِْجَارَةُ بِمَوْتِ الأَْجِيرِ الْمُعَيَّنِ، وَقَيَّدَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ بِمَا إِذَا مَاتَ قَبْل تَمَامِ الْعَمَل وَإِلاَّ بِأَنْ لَمْ يَبْقَ إِلاَّ نَحْوُ التَّجْفِيفِ فَلاَ تَنْفَسِخُ (٢) .
وَإِنْ كَانَتِ الْمُسَاقَاةُ عَلَى الذِّمَّةِ، فَوَجْهَانِ:
الأَْوَّل: تَنْفَسِخُ، لأَِنَّهُ لاَ يَرْضَى بِيَدِ غَيْرِهِ، وَالثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ التَّفْرِيعُ: لاَ تَنْفَسِخُ كَالإِْجَارَةِ بَل يُنْظَرُ:
أ - إِنْ خَلَّفَ تَرِكَةً تَمَّمَ وَارِثُهُ الْعَمَل، بِأَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَعْمَل وَإِلاَّ، فَإِنْ أَتَمَّ الْعَمَل بِنَفْسِهِ أَوِ اسْتَأْجَرَ مِنْ مَالِهِ مَنْ يُتَمِّمُ، فَعَلَى الْمَالِكِ تَمْكِينُهُ إِنْ كَانَ مُهْتَدِيًا إِلَى أَعْمَال الْمُسَاقَاةِ وَيُسَلِّمُ لَهُ الْمَشْرُوطَ، وَإِنْ أَبَى لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ.
ب - وَإِنْ لَمْ يُخَلِّفْ تَرِكَةً لَمْ يَقْتَرِضْ عَلَى الْمَيِّتِ وَلِلْوَارِثِ أَنْ يُتِمَّ الْعَمَل بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَالِهِ
_________
(١) مغني المحتاج ٢ / ٣٣١.
(٢) القليوبي والمحلي ٣ / ٦٦.