الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧
٩ - وَلَوْ فَاتَتْ سُنَّةُ الْوُقُوفِ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ لَمْ تُجْبَرْ بِدَمٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ كَسَائِرِ الْهَيْئَاتِ وَالسُّنَنِ، وَلاَ إِثْمَ عَلَى الْحَاجِّ بِهَذَا التَّرْكِ، وَإِنَّمَا فَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ.
وَلاَ تَحْصُل هَذِهِ الْفَضِيلَةُ بِالْوُقُوفِ فِيهِ قَبْل صَلاَةِ الصُّبْحِ، لأَِنَّهُ خِلاَفُ السُّنَّةِ.
١٠ - وَالسُّنَّةُ الدَّفْعُ مِنَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ إِلَى مِنًى قَبْل طُلُوعِ الشَّمْسِ وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُ السَّيْرِ مِنْهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ (١)، لِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزَل وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا فَدَفَعَ قَبْل أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ (٢) .
قَال عُمَرُ ﵁: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لاَ يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْمَا نُغِيرُ، وَأَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ خَالَفَهُمْ فَأَفَاضَ قَبْل أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ (٣) وَعَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ﵄ أَخَّرَ فِي الْوَقْتِ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَطْلُعُ، فَقَال ابْنُ عُمَرَ ﵄: إِنِّي أَرَاهُ يُرِيدُ أَنْ يَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ فَدَفَعَ وَدَفَعَ النَّاسُ مَعَهُ (٤) .
_________
(١) مغني المحتاج ١ / ٤٩٩ - ٥٠١، والمجموع ٨ / ١٢٣، ١٤٢، ١٥١، وجواهر الإكليل ١ / ١٨١، والقوانين الفقهية ص ١٣٢، والمغني ٣ / ٤٢٣.
(٢) سبق تخريجه ف (٧) .
(٣) حديث: " إن المشركين كانوا. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٥٣١) .
(٤) الأثر: " إن عبد الله بن الزبير أخر في الوقت حتى كادت الشمس أن تطلع. . . ". أورده ابن قدامة في المغني (٣ / ٤٢٣) ولم يعزه لأي مصدر ولم نهتد لمن أخرجه.
وَقَال النَّوَوِيُّ وَقَدِ اسْتَبْدَل النَّاسُ بِالْوُقُوفِ عَلَى قُزَحَ " الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ " الْوُقُوفَ عَلَى بِنَاءٍ مُسْتَحْدَثٍ فِي وَسَطِ الْمُزْدَلِفَةِ، وَفِي حُصُول أَصْل هَذِهِ السُّنَّةِ بِالْوُقُوفِ فِي ذَلِكَ الْمُسْتَحْدَثِ وَغَيْرِهِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ مِمَّا سِوَى قُزَحَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لاَ يَحْصُل بِهِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَفَ عَلَى قُزَحَ وَقَدْ قَال ﷺ: لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ (١)، وَالثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ بَل الصَّوَابُ أَنَّهَا تَحْصُل، وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِهِ الْمُجَرَّدِ، وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: نَحَرْتُ هَاهُنَا وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ وَوَقَفْتُ هَاهُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَوَقَفْتُ هَاهُنَا وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ (٢)، وَجَمْعٌ هِيَ الْمُزْدَلِفَةُ وَالْمُرَادُ: وَقَفْتُ عَلَى قُزَحَ (٣)، وَجَمِيعُ الْمُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ لَكِنَّ أَفَضْلَهَا قُزَحُ، لِمَا أَنَّ عَرَفَاتٍ كُلَّهَا مَوْقِفٌ وَأَفْضَلُهَا مَوْقِفُ رَسُول اللَّهِ ﷺ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوُقُوفَ بِمُزْدَلِفَةَ
_________
(١) حديث: " لتأخذوا عني مناسككم ". أخرجه مسلم (٢ / ٩٤٣) .
(٢) حديث جابر: " نحرت ههنا ومنى كلها منحر. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ٨٩٣) .
(٣) المجموع ٨ / ١٤١ - ١٤٢، وانظر المغني ٣ / ٤٢٣.
وَاجِبٌ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الْوُقُوفُ بِمُزْدَلِفَةَ وَاجِبٌ لاَ سُنَّةٌ وَالْبَيْتُوتَةُ بِمُزْدَلِفَةَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ إِلَى الْفَجْرِ لاَ وَاجِبَةٌ (١) .
وَرُكْنُ الْوُقُوفِ الْكَيْنُونَةُ فِي مُزْدَلِفَةَ سَوَاءٌ كَانَ بِفِعْل نَفْسِهِ أَوْ بِفِعْل غَيْرِهِ بِأَنْ كَانَ مَحْمُولًا وَهُوَ نَائِمٌ أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ، لِحُصُولِهِ كَائِنًا بِهَا، عَلِمَ بِهَا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَمَكَانُ الْوُقُوفِ أَجْزَاءُ الْمُزْدَلِفَةِ أَيُّ جُزْءٍ كَانَ وَلَهُ أَنْ يَنْزِل فِي أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ مِنْهَا، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَنْزِل فِي وَادِي مُحَسِّرٍ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِلاَّ وَادِيَ مُحَسِّرٍ (٢)، وَلَوْ وَقَفَ بِهِ أَجْزَأَهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
وَالأَْفْضَل أَنْ يَكُونَ وُقُوفُهُ خَلْفَ الإِْمَامِ عَلَى الْجَبَل الَّذِي يَقِفُ عَلَيْهِ الإِْمَامُ وَهُوَ جَبَل قُزَحَ. وَأَمَّا زَمَانُ الْوُقُوفِ فَمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ، فَمَنْ حَصَل بِمُزْدَلِفَةَ فِي هَذَا الْوَقْتِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْوُقُوفَ، سَوَاءٌ بَاتَ بِهَا أَوْ لاَ، فَإِذَا فَاتَهُ الْوُقُوفُ عَنْ وَقْتِهِ إِنْ كَانَ لِعُذْرٍ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَقَدْرُ الْوَاجِبِ مِنْ هَذَا الْوُقُوفِ عِنْدَهُمْ سَاعَةٌ وَلَوْ لَطِيفَةً وَقَدْرُ السُّنَّةِ امْتِدَادُ الْوُقُوفِ إِلَى الإِْسْفَارِ جِدًّا (٣) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ١٧٨.
(٢) حديث: " إلا وادي محسر ". تقدم تخريجه في فقرة (٥) .
(٣) بدائع الصنائع ٢ / ٢٣٦، والفتاوى الهندية ١ / ٢٣٠ - ٢٣١، وحاشية ابن عابدين ٢ / ١٧٨ - ١٨٩.
وَذَهَبَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْوُقُوفَ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ مِنْ فَرَائِضِ الْحَجِّ لاَ مِنْ سُنَنِهِ، قَال الأُْبِّيُّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى هَذَا الْقَوْل: وَالسُّنِّيَّةُ هِيَ الَّتِي تُفْهَمُ مِنْ قَوَاعِدِ عِيَاضٍ (١) .
لَقْطُ حَصَيَاتِ الرَّجْمِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ
١١ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْحَاجِّ أَخْذُ حَصَى الْجِمَارِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ (٢)، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ غَدَاةَ الْعَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ: الْقُطْ لِي حَصًى فَلَقَطْتُ لَهُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ. . . (٣) " الْحَدِيثَ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَمَرَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄: أَنْ يَأْخُذَ الْحَصَى مِنْ مُزْدَلِفَةَ (٤) .
وَلأَِنَّ بِالْمُزْدَلِفَةِ جَبَلًا فِي أَحْجَارِهِ رَخَاوَةٌ، وَلأَِنَّ مِنَ السُّنَّةِ إِذَا أَتَى الْحَاجُّ إِلَى مِنًى أَنْ لاَ يُعَرِّجَ عَلَى غَيْرِ الرَّمْيِ، فَسُنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْحَصَى مِنْ مُزْدَلِفَةَ حَتَّى لاَ يَشْغَلَهُ عَنْهُ، لأَِنَّ
_________
(١) جواهر الإكليل ١ / ١٨١.
(٢) بدائع الصنائع ٢ / ١٥٦، وجواهر الإكليل ١ / ١٨١، والمجموع للنووي ٨ / ١٣٧، ومغني المحتاج ١ / ٥٠٠، والمغني لابن قدامة ٣ / ٤٢٤.
(٣) حديث: " التقط لي حصى ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ١٠٠٨)، والحاكم في المستدرك (١ / ٤٦٦) وقال: " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ".
(٤) حديث: " أمر ابن عباس أن يأخذ الحصى. . . ". أورده الكاساني في بدائع الصنائع (٢ / ١٥٦) ولم نهتد لمن أخرجه.
الرَّمْيَةَ تَحِيَّةٌ لَهُ كَمَا أَنَّ الطَّوَافَ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
قَال الْكَاسَانِيُّ: وَعَلَيْهِ فِعْل الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ أَحَدُ نَوْعَيِ الإِْجْمَاعِ، وَإِنْ رَمَى بِحَصَاةٍ أَخَذَهَا مِنَ الطَّرِيقِ، أَوْ مِنَ الْجَمْرَةِ أَجْزَأَهُ وَقَدْ أَسَاءَ.
وَالإِْسَاءَةُ مُقَيَّدَةٌ بِالأَْخَذِ مِنَ الْجَمْرَةِ، أَمَّا الأَْخْذُ مِنَ الطَّرِيقِ أَوْ مِنْ مِنًى فَلَيْسَ فِيهَا إِسَاءَةٌ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُنْدَبُ لَقْطُ الْحَصَيَاتِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ مِنْ أَيِّ مَحَلٍّ إِلاَّ الْعَقَبَةَ فَمِنَ الْمُزْدَلِفَةِ (٢) .
وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ لَقْطَهَا مِنَ الطَّرِيقِ أَوْ مِنْ أَيِّ مَكَانٍ كَانَ وَقَالُوا: يُكْرَهُ لَقْطُهَا مِنَ الْحِل لِعُدُولِهِ عَنِ الْحَرَمِ الْمُحْتَرَمِ، وَلَقْطُهَا مِنْ كُل مَكَانٍ نَجِسٍ وَمِمَّا رُمِيَ بِهِ (٣) .
وَقَال أَحْمَدُ: خُذِ الْحَصَى مِنْ حَيْثُ شِئْتَ (٤) .
_________
(١) انظر المراجع المذكورة.
(٢) حاشية الدسوقي ٢ / ٤٦، والشرح الصغير ٢ / ٥٩.
(٣) مغني المحتاج ١ / ٥٠٠.
(٤) المغني ٣ / ٤٢٥.
مُزَفَّتٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْمُزَفَّتُ - بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَالْفَاءِ - فِي اللُّغَةِ: الْوِعَاءُ الْمَطْلِيُّ بِالزِّفْتِ - بِكَسْرِ الزَّايِ - وَهُوَ الْقَارُ.
وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ هَذَا اللَّفْظَ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ نَفْسِهِ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْحَنْتَمُ:
٢ - الْحَنْتَمُ فِي اللُّغَةِ: جِرَارٌ مَدْهُونَةٌ خُضْرٌ كَانَتْ تُحْمَل الْخَمْرُ فِيهَا إِلَى الْمَدِينَةِ ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهَا فَقِيل لِلْخَزَفِ كُلِّهِ حَنْتَمٌ، وَاحِدَتُهَا حَنْتَمَةٌ (٢) .
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
قَال الْعَدَوِيُّ: الْحَنْتَمُ مَا طُلِيَ مِنَ الْفَخَّارِ بِالزُّجَاجِ كَالأَْصْحُنِ الْخُضْرِ الْمَعْرُوفَةِ (٣) .
_________
(١) القاموس المحيط وقواعد الفقه للبركتي، وكفاية الطالب الرباني ٢ / ٣٩٠ ط. دار المعرفة.
(٢) النهاية لابن الأثير، والمغرب.
(٣) حاشية العدوي على شرح الرسالة ٢ / ٣٩٠.
وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَنْتَمَ وَالْمُزَفَّتَ يَشْتَرِكَانِ فِي سُرْعَةِ اشْتِدَادِ الأَْنْبِذَةِ فِيهِمَا (١) .
النَّقِيرُ:
٣ - النَّقِيرُ عَلَى وَزْنِ فَعِيلٍ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ فِي اللُّغَةِ: خَشَبَةٌ تُنْقَرُ وَيُنْبَذُ فِيهَا (٢) .
وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ هَذَا اللَّفْظَ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ نَفْسِهِ، قَال الْعَدَوِيُّ: النَّقِيرُ هُوَ جِذْعُ النَّخِيل يُنْقَرُ وَيُجْعَل ظَرْفًا كَالْقَصْعَةِ (٣) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ النَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ هُوَ إِسْرَاعُ الإِْسْكَارِ إِلَى مَا انْتُبِذَ فِيهِمَا (٤) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
الاِنْتِبَاذُ فِي الْمُزَفَّتِ
٤ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الاِنْتِبَاذُ - وَهُوَ أَنْ يُجْعَل فِي الْمَاءِ حَبَّاتٌ مِنْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ نَحْوِهِمَا لِيَحْلُوَ وَيُشْرَبَ (٥) - فِي الْمُزَفَّتِ وَغَيْرِهِ مِنَ الأَْوْعِيَةِ وَيَجُوزُ الشُّرْبُ مِنْهَا مَا لَمْ يَصِرْ مُسْكِرًا، لِمَا رَوَى بُرَيْدَةُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال كُنْتُ
_________
(١) النهاية لابن الأثير ١ / ٤٤٨، والعناية بهامش تكملة فتح القدير ٨ / ١٦٦ ط. الأميرية.
(٢) المصباح المنير، والنهاية لابن الأثير ٥ / ١٠٤.
(٣) حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني ٢ / ٣٩٠ ط. دار المعرفة.
(٤) صحيح مسلم بشرح النووي ١ / ١٨٥.
(٥) صحيح مسلم بشرح النووي ١ / ١٨٥.
نَهَيْتُكُمْ عَنِ الأَْشْرِبَةِ أَنْ لاَ تَشْرَبُوا إِلاَّ فِي ظُرُوفِ الأُْدُمِ فَاشْرَبُوا فِي كُل وِعَاءٍ غَيْرَ أَنْ لاَ تَشْرَبُوا مُسْكِرًا (١) ". وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى نَسْخِ النَّهْيِ وَلاَ حُكْمَ لِلْمَنْسُوخِ (٢) .
قَال النَّوَوِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْمُزَفَّتِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ (٣) كَانَ الاِنْتِبَاذُ فِي هَذِهِ الأَْوْعِيَةِ (الْمُزَفَّتِ وَالدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ) مَنْهِيًّا عَنْهُ فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَصِيرَ مُسْكِرًا فِيهَا وَلاَ نَعْلَمُ بِهِ لِكَثَافَتِهَا فَتُتْلِفُ مَالِيَّتَهُ، وَرُبَّمَا شَرِبَهُ الإِْنْسَانُ ظَانًّا أَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مُسْكِرًا فَيَصِيرُ شَارِبًا لِلْمُسْكِرِ وَكَانَ الْعَهْدُ قَرِيبًا بِإِبَاحَةِ الْمُسْكِرِ فَلَمَّا طَال الزَّمَانُ وَاشْتُهِرَ تَحْرِيمُ الْمُسْكِرِ وَتَقَرَّرَ ذَلِكَ فِي نَفُوسِهِمْ نُسِخَ ذَلِكَ وَأُبِيحَ لَهُمُ الاِنْتِبَاذُ فِي كُل وِعَاءٍ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَشْرَبُوا مُسْكِرًا، وَهَذَا صَرِيحُ قَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةُ الْمَذْكُورِ (٤) .
قَال ابْنُ بَطَّالٍ: النَّهْيُ عَنِ الأَْوْعِيَةِ إِنَّمَا كَانَ قَطْعًا لِلذَّرِيعَةِ فَلَمَّا قَالُوا: لاَ نَجِدُ بُدًّا مِنَ الاِنْتِبَاذِ فِي الأَْوْعِيَةِ قَال: " انْتَبِذُوا وَكُل مُسْكِرٍ
_________
(١) حديث بريدة: " كنت نهيتكم عن الأشربة. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٥٨٥) .
(٢) المجموع ٢ / ٥٦٦ نشر المكتبة السلفية، والمغني لابن قدامة ٨ / ٣١٨ نشر مكتبة الرياض الحديثة.
(٣) حديث أبي هريرة: " إنه نهى عن المزفت. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٥٣٧ - ١٥٣٨) .
(٤) صحيح مسلم بشرح النووي ١٣ / ١٥٩.
حَرَامٌ (١) وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُل شَيْءٍ نُهِيَ عَنْهُ بِمَعْنَى النَّظَرِ إِلَى غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ لِلضَّرُورَةِ، كَالنَّهْيِ عَنِ الْجُلُوسِ فِي الطُّرُقَاتِ (٢)، فَلَمَّا قَالُوا لاَ بُدَّ لَنَا مِنْهَا، قَال: أَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ (٣) ".
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ إِلَى كَرَاهَةِ الاِنْتِبَاذِ فِي الْمُزَفَّتِ (٤) .
قَال الْعَدَوِيُّ بَعْدَ أَنْ نَقَل مَذْهَبَ الْمَالِكِيَّةِ بِكَرَاهَةِ الاِنْتِبَاذِ فِي الْمُزَفَّتِ، وَالنَّهْيُ فِي هَاتَيْنِ: أَعْنِي الدُّبَّاءَ وَالْمُزَفَّتَ وَلَوْ كَانَ الْمَنْبُوذُ شَيْئًا وَاحِدًا، وَأَمَّا تَنْبِيذُ شَيْئَيْنِ فَمَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَلَوْ فِي نَحْوِ الصِّينِيِّ، وَمَحَل نَهْيِ الْكَرَاهَةِ حَيْثُ احْتَمَل الإِْسْكَارَ لاَ أَنْ قُطِعَ بِهِ أَوْ بِعَدَمِهِ بِأَنْ قَصُرَ الزَّمَنُ وَإِلاَّ حَرُمَ فِي الأَْوَّل وَجَازَ فِي الثَّانِي (٥) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْمُزَفَّتَ إِنِ انْتُبِذَ فِيهِ قَبْل
_________
(١) حديث: " انتبذوا وكل مسكر حرام ". أخرجه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " كما في كنز العمال (٥ / ٥٣٠، ٥٣١) وأخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " (٨ / ٣١١) بلفظ: " فانبذوا ولا أحل مسكرا ".
(٢) نيل الأوطار للشوكاني ٩ / ٧١ ط. دار الجيل.
(٣) حديث: " اعطوا الطريق حقه ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ٨، ومسلم ٣ / ١٦٧٥) .
(٤) صحيح مسلم بشرح النووي ١ / ١٨٦، وفتح الباري ١٠ / ٥٨ ط. السلفية، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني ٢ / ٣٩٠، المغني لابن قدامة ٨ / ٣١٨.
(٥) حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني ٢ / ٣٩٠.
اسْتِعْمَالِهِ فِي الْخَمْرِ فَلاَ إِشْكَال فِي حِلِّهِ وَطَهَارَتِهِ، وَإِنِ اسْتُعْمِل فِيهِ الْخَمْرُ ثُمَّ انْتُبِذَ فِيهِ، يُنْظَرُ: فَإِنْ كَانَ الْوِعَاءُ عَتِيقًا يَطْهُرُ بِغَسْلِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَإِنْ كَانَ جَدِيدًا لاَ يَطْهُرُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِتُشْرَبَ الْخَمْرُ فِيهِ بِخِلاَفِ الْعَتِيقِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُغْسَل ثَلاَثًا وَيُجَفَّفُ فِي كُل مَرَّةٍ، وَهِيَ مِنْ مَسَائِل غَسْل مَا لاَ يَنْعَصِرُ بِالْعَصْرِ، وَقِيل عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُمْلأَُ مَاءً مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى حَتَّى إِذَا خَرَجَ الْمَاءُ صَافِيًا غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ لَوْنًا أَوْ طَعْمًا أَوْ رَائِحَةً حُكِمَ بِطَهَارَتِهِ (١) .
وَقَال شَيْخُ الإِْسْلاَمِ أَبُو بَكْرٍ الْمَعْرُوفُ بِخُوَاهَرْ زَادَهْ (٢): هَذَا مِثْل ظَرْفِ الْخَمْرِ بَعْدَمَا صُبَّ مِنْهُ الْخَمْرُ، أَمَّا إِذَا لَمْ يُصَبَّ مِنْهُ الْخَمْرَ حَتَّى صَارَ الْخَمْرُ خَلًّا مَا حَال الظَّرْفِ؟ لَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ هَذَا فِي الأَْصْل (٣) .
وَقَدْ حُكِيَ عَنِ الْحَاكِمِ أَبِي نَصْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ مَهْرَوَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُول: مَا يُوَارِي الإِْنَاءَ مِنَ الْخَل لاَ شَكَّ أَنَّهُ يَطْهُرُ، لأَِنَّ مَا يُوَارِي الْخَل مِنَ الإِْنَاءِ فِيهِ أَجْزَاءُ الْخَل وَأَنَّهُ طَاهِرٌ، وَأَمَّا أَعْلَى الْحَبِّ الَّذِي انْتُقِصَ مِنَ الْخَمْرِ قَبْل صَيْرُورَتِهِ خَلًّا فَإِنَّهُ يَكُونُ نَجِسًا، لأَِنَّ مَا يُدَاخِل أَجْزَاءَ الْحَبِّ مِنَ الْخَمْرِ لَمْ يَصِرْ خَلًّا بَل يَبْقَى
_________
(١) تبيين الحقائق ٦ / ٤٨، وانظر البحر الرائق ٨ / ٢٤٩.
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٨.
(٣) البناية ٩ / ٥٥٦.