الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧ الصفحة 19

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧

فَتَمَّ حَجُّهُ (١)، يَعْنِي: مَنْ جَاءَ عَرَفَةَ.

٥ - وَيَحْصُل الْمَبِيتُ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِالْحُضُورِ فِي أَيَّةِ بُقْعَةٍ كَانَتْ مِنْ مُزْدَلِفَةَ، لِحَدِيثِ: مُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ (٢) .

كَمَا أَنَّ هَذَا الْمَبِيتَ يَحْصُل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ بِالْحُضُورِ فِي مُزْدَلِفَةَ فِي سَاعَةٍ مِنَ النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَأَنَّهُ لَوْ دَفَعَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْل أَجْزَأَهُ وَحَصَل الْمَبِيتُ وَلاَ دَمَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الدَّفْعُ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَأَنَّهُ لَوْ دَفَعَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ قَبْل نِصْفِ اللَّيْل وَلَوْ بِيَسِيرٍ وَلَمْ يَعُدْ إِلَيْهَا فَقَدْ تَرَكَ الْمَبِيتَ، فَإِنْ عَادَ قَبْل طُلُوعِ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُ الْمَبِيتُ وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يُوَافِقْ مُزْدَلِفَةَ إِلاَّ فِي النِّصْفِ الأَْخِيرِ مِنَ اللَّيْل فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ (٣) .

وَوُجُوبُ الدَّمِ بِتَرْكِ الْمَبِيتِ خَاصٌّ فِيمَنْ تَرَكَهُ بِلاَ عُذْرٍ، أَمَّا مَنْ تَرَكَهُ لِعُذْرٍ كَمَنِ انْتَهَى إِلَى عَرَفَاتٍ لَيْلَةَ النَّحْرِ وَاشْتَغَل بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ

_________

(١) حديث: " الحج عرفة، من جاء قبل الصبح من ليلة. . ". أخرجه أبو داود (٢ / ٤٨٦)، والترمذي (٣ / ٢٢٨)، والحاكم في المستدرك (٢ / ٢٧٨)، واللفظ لأبي داود، ونقل الترمذي عن وكيع أنه قال: " هذا الحديث أم المناسك "، وقال الحاكم: " هذا حديث صحيح ".

(٢) حديث: " مزدلفة كلها موقف، وارتفعوا. . . ". أخرجه أحمد في المسند (١ / ٢١٩)، والطبراني في " المعجم الكبير " (١١ / ٤٢٤)، واللفظ للطبراني، وقال أحمد محمد شاكر في تعليقه على مسند الإمام أحمد (٣ / ٢٧٤): " إسناده صحيح ".

(٣) المجموع للنووي ٨ / ١٣٥، والمغني لابن قدامة ٣ / ٤٢٢.

عَنِ الْمَبِيتِ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَالْمَرْأَةِ لَوْ خَافَتْ طُرُوءَ الْحَيْضِ أَوِ النِّفَاسِ، فَبَادَرَتْ إِلَى مَكَّةَ بِالطَّوَافِ، وَكَمَنْ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَاتٍ إِلَى مَكَّةَ وَطَافَ لِلرُّكْنِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الدَّفْعُ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ بِلاَ مَشَقَّةٍ فَفَاتَهُ الْمَبِيتُ وَكَالرُّعَاةِ وَالسُّقَاةِ فَلاَ دَمَ عَلَيْهِمْ لِتَرْكِ الْمَبِيتِ (١)، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ: رَخَّصَ لِلرُّعَاةِ فِي تَرْكِ الْمَبِيتِ لِحَدِيثِ عَدِيٍّ ﵁: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَرْخَصَ لِرِعَاءِ الإِْبِل فِي الْبَيْتُوتَةِ خَارِجِينَ عَنْ مِنًى (٢)، وَأَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ اسْتَأْذَنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْل سِقَايَتِهِ فَأَذِنَ لَهُ (٣) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُنْدَبُ الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ بِقَدْرِ حَطِّ الرِّحَال، سَوَاءٌ حَطَّتْ بِالْفِعْل أَمْ لاَ، وَإِنْ لَمْ يَنْزِل فِيهَا بِهَذَا الْقَدْرِ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ بِلاَ عُذْرٍ وَجَبَ عَلَيْهِ دَمٌ، أَمَّا إِنْ تَرَكَهُ بِعُذْرٍ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ (٤) .

_________

(١) المجموع للنووي ٨ / ١٣٦، ومغني المحتاج ١ / ٥٠٠، وكشاف القناع ٢ / ٤٩٧.

(٢) حديث: " أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة. . ". أخرجه مالك في الموطأ (١ / ٤٠٨)، وأبو داود (٢ / ٤٩٨) والترمذي (٣ / ٢٨١) واللفظ لمالك، وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ".

(٣) حديث: " رخص النبي ﷺ للعباس ﵁. . ". أخرجه البخاري " فتح الباري " (٣ / ٤٩٠ - ٤٩١)، ومسلم (٢ / ٩٥٣) .

(٤) جواهر الإكليل ١ / ١٨٠ - ١٨١، والقوانين الفقهية ص ١٣٢.

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: الْمَبِيتُ فِي مُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ إِلَى الْفَجْرِ، لاَ وَاجِبَةٌ (١) .

قَال الْكَاسَانِيُّ: وَالسُّنَّةُ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَةَ النَّحْرِ بِمُزْدَلِفَةَ وَالْبَيْتُوتَةُ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ إِنَّمَا الْوَاجِبُ هُوَ الْوُقُوفُ، وَالأَْفْضَل أَنْ يَكُونَ وُقُوفُهُ بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَيُصَلِّي صَلاَةَ الْفَجْرِ بِغَلَسٍ، ثُمَّ يَقِفُ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ فَيَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى وَيَسْأَلُهُ حَوَائِجَهُ إِلَى أَنْ يُسْفِرَ، ثُمَّ يُفِيضَ مِنْهَا قَبْل طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى مِنًى (٢) .

تَقْدِيمُ النِّسَاءِ وَالضَّعَفَةِ إِلَى مِنًى:

٦ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ تَقْدِيمُ الضُّعَفَاءِ مِنَ النِّسَاءِ وَغَيْرِهِنَّ مِنْ مُزْدَلِفَةَ إِلَى مِنًى قَبْل طُلُوعِ الْفَجْرِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْل لِيَرْمُوا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَبْل زَحْمَةِ النَّاسِ (٣)، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ تَدْفَعُ قَبْلَهُ، وَقَبْل حُطَمَةِ النَّاسِ، وَكَانَتِ امْرَأَةً ثَبِطَةً فَأَذِنَ لَهَا (٤)، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال:

_________

(١) بدائع الصنائع ٢ / ١٣٦، ورد المحتار على الدر المختار ٢ / ١٧٨ وما بعدها.

(٢) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ٢ / ١٣٦، ورد المحتار على الدر المختار ٢ / ١٧٨ وما بعدها.

(٣) بدائع الصنائع ٢ / ١٣٦، وحاشية ابن عابدين ٢ / ١٧٨، وجواهر الإكليل ١ / ١٨٠، والمجموع للنووي ٨ / ١٣٩ - ١٤٠، ومغني المحتاج ١ / ٥٠٠، وروضة الطالبين ٣ / ٩٩، والمغني لابن قدامة ٣ / ٤٢٢، وكشاف القناع ٢ / ٤٩٧.

(٤) حديث: " استأذنت سودة رسول الله ﷺ. . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٥٢٦)، ومسلم (٢ / ٩٣٩) .

﴿أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ (١) .

الْجَمْعُ بَيْنَ صَلاَتَيِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي الْمُزْدَلِفَةِ:

٧ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لِلْحَاجِّ فِي مُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ التَّفَاصِيل.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْحَاجَّ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ فِي مُزْدَلِفَةَ جَمْعًا بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، لأَِنَّ الْعِشَاءَ فِي وَقْتِهَا فَلاَ تَحْتَاجُ لِلإِْعْلاَمِ فَيَقْتَصِرُ عَلَى إِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلاَ يُشْتَرَطُ لِهَذَا الْجَمْعِ عِنْدَهُمْ جَمَاعَةٌ، فَلَوْ صَلاَّهُمَا مُنْفَرِدًا جَازَ وَلَكِنَّ الْجَمَاعَةَ فِيهِ سُنَّةٌ.

وَلِلْجَمْعِ بِمُزْدَلِفَةَ عِنْدَهُمْ شُرُوطٌ هِيَ:

أ - الإِْحْرَامُ بِالْحَجِّ.

ب - تَقْدِيمُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ عَلَيْهِ.

ج - الزَّمَانُ، وَالْمَكَانُ، وَالْوَقْتُ، فَالزَّمَانُ لَيْلَةَ النَّحْرِ، وَالْمَكَانُ مُزْدَلِفَةُ، وَالْوَقْتُ وَقْتُ الْعِشَاءِ مَا لَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرُ، فَلاَ يَجُوزُ هَذَا الْجَمْعُ لِغَيْرِ الْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ، وَلاَ فِي غَيْرِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْوَقْتِ الْمَذْكُورِ.

فَلَوْ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ فِي عَرَفَاتٍ أَوْ فِي الطَّرِيقِ أَعَادَهُمَا، لِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ

_________

(١) حديث: " أنا ممن قدّم النبي ﷺ ليلة المزدلفة. . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٥٢٦)، ومسلم (٢ / ٩٤١) .

﵄ قَال: دَفَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ، فَنَزَل الشِّعْبَ فَبَال، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلاَةُ فَقَال: الصَّلاَةُ أَمَامَكَ فَجَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ، ثُمَّ أَقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُل إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أَقِيمَتِ الصَّلاَةُ، فَصَلَّى وَلَمْ يُصَل بَيْنَهُمَا (١) .

قَال الشَّهَاوِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: هَذَا فِيمَا إِذَا ذَهَبَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ مِنْ طَرِيقِهَا، أَمَّا إِذَا ذَهَبَ إِلَى مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْمُزْدَلِفَةِ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ فِي الطَّرِيقِ (٢) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ عَرَفَةَ دَفَعَ الإِْمَامُ وَالنَّاسُ مَعَهُ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ وَجَمَعَ الإِْمَامُ وَالنَّاسُ مَعَهُ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِمُزْدَلِفَةَ جَمْعَ تَأْخِيرٍ وَقَصَرُوا الْعِشَاءَ، إِلاَّ أَهْل الْمُزْدَلِفَةِ فَيُتِمُّونَهَا مَعَ جَمْعِهَا بِالْمَغْرِبِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ سُنَّةٌ إِنْ وَقَفَ مَعَ الإِْمَامِ، فَإِنْ لَمْ يَقِفْ مَعَهُ بِأَنْ لَمْ يَقِفْ أَصْلًا، أَوْ وَقَفَ وَحْدَهُ فَلاَ يَجْمَعُ، لاَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَلاَ بِغَيْرِهَا وَيُصَلِّي كُل صَلاَةٍ فِي مُخْتَارِهَا مِنْ غَيْرِ جَمْعٍ.

وَإِنْ عَجَزَ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ مَعَ الإِْمَامِ عَنِ السَّيْرِ مَعَهُ، لِضَعْفِهِ أَوْ ضَعْفِ دَابَّتِهِ، فَيَجْمَعُ

_________

(١) حديث: " دفع رسول الله ﷺ من عرفة. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٥٢٣) .

(٢) رد المحتار على الدر المختار ٢ / ١٧٦ - ١٧٩.

بَيْنَهُمَا بَعْدَ مَغْيِبِ الشَّفَقِ الأَْحْمَرِ فِي مُزْدَلِفَةَ أَوْ قَبْلَهَا إِنْ كَانَ وَقَفَ بِعَرَفَةَ وَنَفَرَ مِنْهَا مَعَ الإِْمَامِ وَتَأَخَّرَ عَنْهُ لِعُذْرٍ بِهِ (١) .

وَإِنْ قَدَّمَ الْعِشَاءَيْنِ عَلَى الشَّفَقِ الأَْحْمَرِ، أَوْ عَلَى النُّزُول بِمُزْدَلِفَةَ أَعَادَهُمَا نَدْبًا إِنْ صَلاَّهُمَا بَعْدَ الشَّفَقِ قَبْل وُصُولِهِ مُزْدَلِفَةَ، وَوُجُوبًا إِنْ قَدَّمَهُمَا عَلَى الشَّفَقِ بِالنِّسْبَةِ لِصَلاَةِ الْعِشَاءِ، لأَِنَّهَا بَاطِلَةٌ، لِصَلاَتِهَا قَبْل وَقْتِهَا، أَمَّا الْمَغْرِبُ فَيُعِيدُهَا نَدْبًا إِنْ بَقِيَ وَقْتُهَا.

وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ إِذَا صَلَّى فِي الْمُزْدَلِفَةِ فَلاَ يُعِيدُ، وَإِنَّمَا الإِْعَادَةُ عِنْدَهُ لِمَنْ صَلَّى قَبْل الْمُزْدَلِفَةِ (٢)، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الصَّلاَةُ أَمَامَكَ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: السُّنَّةُ أَنْ يُؤَخِّرَ الْحُجَّاجُ صَلاَةَ الْمَغْرِبِ وَيَجْمَعُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ فِي الْمُزْدَلِفَةِ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ مَا لَمْ يَخْشَ الْحَاجُّ فَوَاتَ وَقْتِ الاِخْتِيَارِ لِلْعِشَاءِ، وَهُوَ ثُلُثُ اللَّيْل فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَنِصْفُهُ فِي الْقَوْل الآْخَرِ.

وَجَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِمُزْدَلِفَةَ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ لِلْحَاجِّ الْمُسَافِرِ دُونَ غَيْرِهِ، لأَِنَّ الْجَمْعَ عِنْدَهُمْ بِسَبَبِ السَّفَرِ لاَ بِسَبَبِ النُّسُكِ.

قَالُوا: وَالسُّنَّةُ إِذَا وَصَلُوا مُزْدَلِفَةَ أَنْ يُصَلُّوا

_________

(١) جواهر الإكليل ١ / ١٨٠ - ١٨١، والقوانين الفقهية ص ١٣٢.

(٢) جواهر الإكليل ١ / ١٨١.

قَبْل حَطِّ الرِّحَال وَيُنِيخُ كُل إِنْسَانٍ جَمَلَهُ وَيَعْقِلُهُ، ثُمَّ يُصَلُّونَ (١)، لِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ تَوَضَّأَ، ثُمَّ أَقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثُمَّ أَنَاخَ كُل إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ ثُمَّ أَقِيمَتِ الْعِشَاءُ فَصَلاَّهَا وَلَمْ يُصَل بَيْنَهُمَا شَيْئًا.

قَال الشَّافِعِيُّ: وَلَوْ تَرَكَ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا وَصَلَّى كُل وَاحِدٍ فِي وَقْتِهَا أَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ أَوْ جَمَعَ وَحْدَهُ لاَ مَعَ الإِْمَامِ، أَوْ صَلَّى إِحْدَاهُمَا مَعَ الإِْمَامِ وَالأُْخْرَى وَحْدَهُ جَامِعًا بَيْنَهُمَا، أَوْ صَلاَّهُمَا فِي عَرَفَاتٍ، أَوْ فِي الطَّرِيقِ قَبْل الْمُزْدَلِفَةِ جَازَ، وَفَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ.

وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْمُزْدَلِفَةِ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ أَقَامَ لِكُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَلاَ يُؤَذِّنُ لِلثَّانِيَةِ، وَيُؤَذِّنُ لِلأُْولَى فِي الأَْصَحِّ (٢)، لِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ وَصَلَّى الْفَجْرَ (٣) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: السُّنَّةُ لِمَنْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ أَنْ

_________

(١) المجموع للنووي ٨ / ١٣٣ - ١٣٤، ومغني المحتاج ١ / ٤٩٨، وروضة الطالبين ٣ / ٩٨ - ١٠٠.

(٢) المجموع للنووي ٨ / ١٣٣ وما بعدها.

(٣) حديث: " أن النبي ﷺ أتى بالمزدلفة. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ٨٩١) .

لاَ يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَصِل مُزْدَلِفَةَ، فَيَجْمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَيُقِيمَ لِكُل صَلاَةٍ إِقَامَةً لِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ قَال: دَفَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَل فَبَال، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلاَةُ يَا رَسُول اللَّهِ، قَال: الصَّلاَةُ أَمَامَكَ فَرَكِبَ فَلَمَّا جَاءَ مُزْدَلِفَةَ نَزَل، فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُل إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَل بَيْنَهُمَا.

وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْل عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄.

وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَةِ الأُْولَى فَلاَ بَأْسَ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا، وَبِهِ قَال الثَّوْرِيُّ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَال: جَمَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ: صَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلاَثًا وَالْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ (١)، وَإِنْ أَذَّنَ لِلأُْولَى وَأَقَامَ ثُمَّ أَقَامَ لِلثَّانِيَةِ فَحَسَنٌ، فَإِنَّهُ يُرْوَى فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِلزِّيَادَةِ، وَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِسَائِرِ الْفَوَائِتِ وَالْمَجْمُوعَاتِ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْمُنْذِرِ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَالَّذِي اخْتَارَ الْخِرَقِيُّ إِقَامَةً لِكُل صَلاَةٍ مِنْ غَيْرِ أَذَانٍ، قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَهُوَ آخِرُ

_________

(١) حديث: " جمع رسول الله ﷺ بين المغرب والعشاء. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ٩٣٨) .

قَوْلَيْ أَحْمَدَ، لأَِنَّهُ رِوَايَةُ أُسَامَةَ ﵁، وَهُوَ أَعْلَمُ بِحَال النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ كَانَ رَدِيفَهُ، وَقَدِ اتَّفَقَ هُوَ وَجَابِرٌ ﵄ فِي حَدِيثِهِمَا عَلَى إِقَامَةٍ لِكُل صَلاَةٍ، وَاتَّفَقَ أُسَامَةُ وَابْنُ عُمَرَ ﵃ عَلَى الصَّلاَةِ بِغَيْرِ أَذَانٍ (١) .

الْوُقُوفُ فِي الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَالدُّعَاءُ فِيهِ

٨ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْحَاجِّ بَعْدَ بَيَاتِهِ بِمُزْدَلِفَةَ فِي لَيْلَةِ النَّحْرِ أَنْ يُصَلِّيَ صَلاَةَ الْفَجْرِ مُغَلِّسًا فِي أَوَّل وَقْتِهَا (٢)، لِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ وَفِيهِ: حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الْفَجْرَ حَيْنَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَل الْقِبْلَةَ، فَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ فَلَمْ يَزَل وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْل أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ (٣) .

ثُمَّ يَأْتِي الْحَاجُّ الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ (جَبَل قُزَحَ) وَيَقِفُ عِنْدَهُ فَيَدْعُو اللَّهَ ﷾ وَيَحْمَدُهُ

_________

(١) المغني ٣ / ٤١٩ ط. الرياض.

(٢) جواهر الإكليل ١ / ١٨١، والمجموع للنووي ٨ / ١٢٣، ١٤١، ١٤٢، ومغني المحتاج ١ / ٤٩٩ - ٥٠١، والمغني لابن قدامة ٣ / ٤٢٠ - ٤٢١، وكشاف القناع ٢ / ٤٩٦ - ٤٩٨.

(٣) حديث جابر. . . سبق تخريجه ف (٧) .

وَيُكَبِّرُهُ وَيُهَلِّلُهُ، وَيُوَحِّدُهُ، وَيُكْثِرُ مِنَ التَّلْبِيَةِ، وَمِنَ الذِّكْرِ، لِمَا رَوَاهُ جَابِرٌ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ فَرَقِيَ عَلَيْهِ فَدَعَا اللَّهَ وَهَلَّلَهُ وَكَبَّرَهُ وَوَحَّدَهُ (١) .

وَيَدْعُو اللَّهَ بِمَا أَحَبَّ، وَيَخْتَارُ الدَّعَوَاتِ الْجَامِعَةَ وَالأُْمُورَ الْمُبْهَمَةَ وَيُكَرِّرُ دَعَوَاتِهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ كَمَا وَقَفْتَنَا فِيهِ وَأَرَيْتَنَا إِيَّاهُ فَوَفِّقْنَا بِذِكْرِكَ كَمَا هَدَيْتَنَا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا كَمَا وَعَدْتَنَا بِقَوْلِكَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢)

وَيُكْثِرُ مِنْ قَوْلِهِ: " اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآْخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ "، ثُمَّ لاَ يَزَال يَدْعُو مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ رَافِعًا يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ إِلَى أَنْ يُسْفِرَ جِدًّا (٣)، لِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: فَلَمْ يَزَل وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا (٤) .

_________

(١) حديث جابر: " أن النبي ﷺ أتى المعشر الحرام فرقى عليه. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ٨٩١) .

(٢) سورة البقرة / ١٩٨ - ١٩٩.

(٣) انظر المراجع السابقة كلها.

(٤) حديث جابر. . . سبق تخريجه ف (٧) .