الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧
النِّدَاءِ وَرَكَنَ إِلَى مَا طَلَبَ مِنْهُ ذَلِكَ الرَّجُل، فَلَيْسَ لِلْغَيْرِ أَنْ يَزِيدَ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا اسْتِيَامٌ عَلَى سَوْمِ الْغَيْرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُفَّ عَنِ النِّدَاءِ فَلاَ بَأْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَزِيدَ.
وَإِنْ كَانَ الدَّلاَّل هُوَ الَّذِي يُنَادِي عَلَى السِّلْعَةِ وَطَلَبَهَا إِنْسَانٌ بِثَمَنٍ فَقَال الدَّلاَّل: حَتَّى أَسْأَل الْمَالِكَ فَلاَ بَأْسَ لِلْغَيْرِ أَنْ يَزِيدَ، فَإِنْ أَخْبَرَ الدَّلاَّل الْمَالِكَ فَقَال: بِعْهُ وَاقْبِضِ الثَّمَنَ، فَلَيْسَ لأَِحَدٍ أَنْ يَزِيدَ بَعْدَ ذَلِكَ، قَال الْحَطَّابُ: وَسَوَاءٌ تَرَكَ السِّمْسَارُ الثَّوْبَ عِنْدَ التَّاجِرِ أَوْ كَانَ فِي يَدِهِ وَجَاءَ بِهِ إِلَى رَبِّهِ فَقَال لَهُ رَبُّهُ: بِعْهُ، ثُمَّ زَادَ فِيهِ تَاجِرٌ آخَرُ أَنَّهُ لِلأَْوَّل، وَأَمَّا لَوْ قَال لَهُ رَبُّ الثَّوْبِ لَمَّا شَاوَرَهُ: اعْمَل فِيهِ بِرَأْيِكَ فَرَجَعَ السِّمْسَارُ وَنَوَى أَنْ يَبِيعَهُ مِنَ التَّاجِرِ فَزَادَ فِيهِ تَاجِرٌ آخَرُ، فَإِنَّهُ يَعْمَل فِيهِ بِرَأْيِهِ وَيَقْبَل الزِّيَادَةَ إِنْ شَاءَ وَلاَ يَلْزَمُ الْبَيْعُ بِالنِّيَّةِ (١) .
وَاسْتَظْهَرَ الشَّرْوَانِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لاَ تَحْرُمُ الزِّيَادَةُ حَيْثُ لَمْ يُعَيِّنِ الدَّلاَّل الْمُشْتَرِيَ، ثُمَّ قَال: بَل لاَ يَبْعُدُ عَدَمُ التَّحْرِيمِ وَإِنْ عَيَّنَهُ (٢) .
زِيَادَةُ اثْنَيْنِ مَبْلَغًا مُتَمَاثِلًا:
١٢ - ذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ
_________
(١) الفتاوى الهندية ٣ / ٢١٠ - ٢١١، وفتح القدير ٦ / ١٠٧، والحطاب ٤ / ٢٣٩، والروضة للنووي ٣ / ٤١٣، والمبدع ٤ / ٤٤.
(٢) الشرواني على تحفة المحتاج ٤ / ٣١٣.
لَوْ زَادَ اثْنَانِ مَبْلَغًا مُتَمَاثِلًا وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِمَا غَيْرُهُمَا فَإِنَّهُمَا يَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِي السِّلْعَةِ، وَقَال عِيسَى: هِيَ لِلأَْوَّل، وَلاَ أَرَى لِلصَّائِحِ أَنْ يَقْبَل مِنْ أَحَدٍ مِثْل الثَّمَنِ الَّذِي قَدْ أَعْطَاهُ غَيْرُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا قَدْ أَعْطَيَاهُ فِيهِ دِينَارًا مَعًا فَهُمَا فِيهِ شَرِيكَانِ (١) .
خِيَارُ الْعَيْبِ فِي بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ
١٣ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ خِيَارَ الْعَيْبِ يَثْبُتُ بِحُكْمِ الشَّرْعِ وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْمُشْتَرِي لأَِنَّ الأَْصْل فِي الْبَيْعِ السَّلاَمَةُ.
وَبَيْعُ الْمُزَايَدَةِ مِنَ الْبُيُوعِ الَّتِي يَثْبُتُ فِيهَا خِيَارُ الْعَيْبِ كَبَقِيَّةِ الْبُيُوعِ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (خِيَارُ الْعَيْبِ ف ٢٠ - ٢٥) .
الْمُطَالَبُ بِخِيَارِ الْعَيْبِ فِي بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ
١٤ - نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الرُّجُوعَ بِخِيَارِ الْعَيْبِ يَكُونُ عَلَى أَصْحَابِ السِّلَعِ، جَاءَ فِي الْمُدَوَّنَةِ:
أَفَرَأَيْتَ الَّذِي يَبِيعُ فِيمَنْ يَزِيدُ يَسْتَأْجِرُ عَلَى الصِّيَاحِ، فَيُوجَدُ مِنْ ذَلِكَ مَسْرُوقٌ أَوْ خَرْقٌ أَوْ عَيْبٌ، قَال: لَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ، وَإِنَّمَا هُوَ أَجِيرٌ آجَرَ نَفْسَهُ وَبَدَنَهُ، وَإِنَّمَا وَقَعَتِ الْعُهْدَةُ عَلَى أَرْبَابِ السِّلَعِ فَلْيَتْبَعُوهُمْ، فَإِنْ وَجَدُوا
_________
(١) البيان والتحصيل ٨ / ٤٧٥.
أَرْبَابَهَا وَإِلاَّ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ تِبَاعَةٌ (١) .
دَعْوَى الْغَبْنِ فِي الْمُزَايَدَةِ
١٥ - مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لاَ حَقَّ لِمُدَّعِي الْغَبْنِ فِي الرُّجُوعِ عَلَى الْبَائِعِ وَلَوْ كَانَ الْغَبْنُ خَارِجًا عَنِ الْمُعْتَادِ إِلاَّ إِذَا تَوَافَرَتْ ثَلاَثَةُ شُرُوطٍ هِيَ:
أ - أَنْ يَكُونَ الْمَغْبُونُ جَاهِلًا بِثَمَنِ الْمِثْل فِي السُّوقِ لِمَا بَاعَهُ أَوِ اشْتَرَاهُ، أَمَّا الْعَارِفُ بِالْقِيَمِ فَلاَ يُخْتَلَفُ فِي إِمْضَائِهِ عَلَيْهِ لأَِنَّهُ - كَمَا قَال الْمَازِرِيُّ - إِنَّمَا فَعَلَهُ لِغَرَضٍ، وَأَقَل مَرَاتِبِهِ أَنْ يَكُونَ كَالْوَاهِبِ لِمَالِهِ.
ب - أَنْ يَدَّعِيَ قَبْل مُضِيِّ سَنَةٍ مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ، وَقَدْ نَصَّ الْوَزَّانِيُّ فِي إِحْدَى فَتَاوِيهِ عَلَى عَدَمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ وَغَيْرِهِ، وَأَيَّدَ فَتْوَاهُ بِكَلاَمٍ نَقَلَهُ عَنِ ابْنِ عَرَفَةَ فِي ذَلِكَ، وَذَكَرَ التَّسُولِيُّ أَنَّهُ لاَ يُسْمَعُ الاِدِّعَاءُ بِالْغَبْنِ فِي بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ، لِمَا يَتَوَافَرُ فِيهِ مِنَ الإِْشْهَارِ وَحُضُورِ الْمُتَزَايِدِينَ، قَال ابْنُ عَاتٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ أَكْرَى نَاظِرُ الْحَبْسِ (الْوَقْفِ) عَلَى يَدِ الْقَاضِي رِيعَ الْحَبْسِ بَعْدَ النِّدَاءِ عَلَيْهِ وَالاِسْتِقْصَاءِ ثُمَّ جَاءَتْ زِيَادَةٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَقْضُ الْكِرَاءِ، وَلاَ قَبُول الزِّيَادَةِ إِلاَّ أَنْ يَثْبُتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ فِي الْكِرَاءِ غَبْنًا عَلَى الْحَبْسِ فَتُقْبَل الزِّيَادَةُ وَلَوْ مِمَّنْ كَانَ
_________
(١) المدونة ٣ / ٣٣٩، ولباب اللباب لابن راشد القفصي ١٥٦.
حَاضِرًا، وَإِذَا حَصَل التَّنَاكُرُ فِي دَعْوَى الْجَهْل فَتُقْبَل بَيِّنَةُ مَنْ يَدَّعِي الْمَعْرِفَةَ، لأَِنَّهَا بَيِّنَةٌ نَاقِلَةٌ عَنِ الأَْصْل الَّذِي هُوَ الْجَهْل فَتَقَدَّمَ (١) .
ج - أَنْ يَكُونَ الْغَبْنُ فَاحِشًا بِحَيْثُ يَزِيدُ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْل قَدْرَ الثُّلُثِ فَأَكْثَرَ.
وَلَمْ نَجِدْ لِغَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ لِلْغَبْنِ وَحْدَهُ تَأْثِيرًا مَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ التَّغْرِيرُ، وَهُوَ لاَ يَخْتَلِفُ فِيهِ الْحُكْمُ بَيْنَ الْمُزَايَدَةِ وَغَيْرِهَا عِنْدَهُمْ.
النَّجْشُ فِي الْمُزَايَدَةِ:
١٦ - النَّجْشُ فِي بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ - كَالنَّجْشِ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْبُيُوعِ، حَرَامٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ خَدِيعَةِ الْمُسْلِمِ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِذَا بَلَغَتِ السِّلْعَةُ قِيمَتَهَا.
وَفِي حُكْمِهِ التَّكْلِيفِيِّ وَحُكْمِهِ الْوَضْعِيِّ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (بَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ف ١٢٨) .
مُشَارَكَةُ الدَّلاَّل فِي الشِّرَاءِ مَعَ بَعْضِ مَنْ يَزِيدُ دُونَ عِلْمِ الْبَائِعِ
١٧ - قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: لاَ يَجُوزُ لِلدَّلاَّل الَّذِي هُوَ
_________
(١) الحطاب ٤ / ٣٧١، والمواق ٤ / ٤٦٨ - ٤٧٢، والمعيار للونشريسي ٥ / ٣٨، وميارة على تحفة الحكام لابن عاصم ٢ / ٣٨، وتحفة الحذاق بنشر ما تضمنته لامية الزقاق ٣٠٣.
وَكِيل الْبَائِعِ فِي الْمُنَادَاةِ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا لِمَنْ يَزِيدُ بِغَيْرِ عِلْمِ الْبَائِعِ، فَإِنَّ هَذَا يَكُونُ هُوَ الَّذِي يَزِيدُ وَيَشْتَرِي فِي الْمَعْنَى، وَهَذَا خِيَانَةٌ لِلْبَائِعِ، وَمَنْ عَمِل مِثْل هَذَا لَمْ يَجِبْ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَلَمْ يُنْصَحْ لِلْبَائِعِ فِي طَلَبِ الزِّيَادَةِ وَإِنْهَاءِ الْمُنَادَاةِ، ثُمَّ إِنَّ هَذَا يَئُول إِلَى بَيْعِ الْوَكِيل مِنْ نَفْسِهِ مَا وُكِّل بِبَيْعِهِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهَا الْفُقَهَاءُ فَمَنَعَهَا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَأَجَازَهَا الشَّافِعِيَّةُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، لأَِنَّ الْعُرْفَ فِي الْبَيْعِ أَنْ يُوجَبَ لِغَيْرِهِ فَحَمَل الْوَكَالَةَ عَلَيْهِ، وَلأَِنَّ إِذْنَ الْمُوَكَّل يَقْتَضِي الْبَيْعَ مِمَّنْ يَسْتَقْصِي فِي الثَّمَنِ عَلَيْهِ، وَفِي الْبَيْعِ لِنَفْسِهِ لاَ يَسْتَقْصِي فِي الثَّمَنِ فَلَمْ يَدْخُل فِي الإِْذْنِ وَصَرَّحَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِاسْتِثْنَاءِ مَا لَوِ اشْتَرَى بَعْضَ مَا وُكِّل بِبَيْعِهِ بِسِعْرِهِ، وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلاَ يَجُوزُ لِلْوَكِيل أَنْ يَبِيعَ لِنَفْسِهِ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أَنَّهُ يَجُوزُ إِذَا زَادَ عَلَى مَبْلَغِ ثَمَنِهِ فِي النِّدَاءِ أَوْ وَكَّل مَنْ يَبِيعُ وَكَانَ هُوَ أَحَدَ الْمُشْتَرِينَ (١) وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَيْضًا: إِذَا تَوَاطَأَ جَمَاعَةٌ مِنَ الدَّلاَّلِينَ عَلَى أَنْ يَشْتَرِكُوا فِي شِرَاءِ مَا يَبِيعُونَهُ، فَإِنَّ عَلَى وَلِيِّ الأَْمْرِ أَنْ يُعَزِّرَهُمْ تَعْزِيرًا بَلِيغًا يَرْدَعُهُمْ وَأَمْثَالَهُمْ عَنْ هَذِهِ الْخِيَانَةِ، وَمِنْ تَعْزِيرِهِمْ أَنْ يُمْنَعُوا مِنْ
_________
(١) تكملة فتح القدير ٧ / ٦٩، والكافي لابن عبد البر ٢ / ٧٩١، وانظر المهذب مع تكملة المجموع ١٤ / ١٢٢، والمبدع شرح المقنع ٤ / ٣٦٧، والمغني ٥ / ١١٩. ومجموع فتاوى ابن تيمية ٢٩ / ٣٠٥.
مِهْنَةِ الدَّلاَلَةِ فِي السُّوقِ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُمْ (١) .
التَّوَاطُؤُ عَلَى تَرْكِ الْمُزَايَدَةِ بَعْدَ سِعْرٍ مُحَدَّدٍ
١٨ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَتَابَعَهُمُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ إِلَى أَنَّ التَّوَاطُؤَ عَلَى تَرْكِ الْمُزَايَدَةِ إِنْ تَمَّ بَيْنَ أَحَدِ الْحَاضِرِينَ وَآخَرَ، بِأَنْ يَسْأَلَهُ تَرْكَ الْمُزَايَدَةِ فَهُوَ لاَ بَأْسَ بِهِ. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي نَظِيرِ شَيْءٍ مِنَ الْمَال يَجْعَلُهُ لِمَنْ كَفَّ عَنِ الزِّيَادَةِ، كَمَا لَوْ قَال لَهُ: كُفَّ عَنِ الزِّيَادَةِ وَلَكَ دِينَارٌ أَوْ قَال لَهُ: كُفَّ عَنِ الزِّيَادَةِ وَنَحْنُ شَرِيكَانِ فِي السِّلْعَةِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ بَابَ الْمُزَايَدَةِ مَفْتُوحٌ وَإِنَّمَا تَرَكَ أَحَدُهُمَا مُزَايَدَةَ الآْخَرِ.
أَمَّا إِنْ تَمَّ التَّوَاطُؤُ بَيْنَ جَمِيعِ الْحَاضِرِينَ عَلَى الْكَفِّ عَنِ الزِّيَادَةِ فَلاَ يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ عَلَى الْبَائِعِ. وَمِثْل تَوَاطُؤِ الْجَمِيعِ تَصَرُّفُ مَنْ حُكْمُهُمْ كَمَجْمُوعَةٍ مُتَحَكِّمَةٍ فِي سُوقِ الْمُزَايَدَةِ أَوْ شَيْخِ السُّوقِ.
وَالْهَدَفُ مِنَ التَّوَاطُؤِ قَدْ يَكُونُ الاِشْتِرَاكُ بَيْنَهُمْ فِي تَمَلُّكِ السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ بِأَقَل مِنْ قِيمَتِهَا لاِقْتِسَامِهَا بَيْنَهُمْ، وَقَدْ يَكُونُ بِتَخْصِيصِ سِلْعَةٍ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ، لِيَشْتَرِيَهَا بِأَقَل مِنْ قِيمَتِهَا دُونَ مُنَازَعَةِ الآْخَرِينَ لَهُ، وَفِي الْحَالَتَيْنِ ضَرَرٌ بِالْبَائِعِ وَبَخْسٌ لِسِلْعَتِهِ قَال اللَّهُ تَعَالَى:
_________
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٩ / ٣٠٥.
٠٠ ﴿وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ (١) فَإِنْ وَقَعَ التَّوَاطُؤُ الْمَمْنُوعُ خُيِّرَ الْبَائِعُ بَيْنَ الرَّدِّ وَالإِْمْضَاءِ، فَإِنْ هَلَكَتِ السِّلْعَةُ فَلَهُ الأَْكْثَرُ مِنَ الثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ (٢) .
مَزْبَلَةٌ
انْظُرْ: زِبْلٌ
_________
(١) سورة هود / ٨٥.
(٢) فتاوى ابن تيمية ٢٩ / ٣٠٤، والشرح الصغير للدردير ٣ / ١٠٦، والتيسير في أحكام التسعير للمجيلدي ٨٧.
مُزْدَلِفَةُ
التَّعْرِيفُ:
١ - قَال أَهْل اللُّغَةِ: الزُّلْفَةُ وَالزُّلْفَى: الْقُرْبَةُ وَالْحُظْوَةُ، وَأَزْلَفَهُ: قَرَّبَهُ، وَفِي الْحَدِيثِ: ازْدَلَفَ إِلَى اللَّهِ بِرَكْعَتَيْنِ وَمِنْهُ: مُزْدَلِفَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لاِقْتِرَابِهَا إِلَى عَرَفَاتٍ.
وَقِيل: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لاِجْتِمَاعِ النَّاسِ بِهَا، مِنْ قَوْلِهِمْ: أَزْلَفْتُ الشَّيْءَ جَمَعْتُهُ.
وَحَدُّهَا فِي الاِصْطِلاَحِ: هِيَ مَكَانٌ بَيْنَ مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ وَوَادِي مُحَسِّرٍ، وَبَعْضُهُمْ يَقُول: مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ إِلَى قَرْنِ مُحَسِّرٍ، فَمَا عَلَى يَمِينِ ذَلِكَ وَشِمَالِهِ مِنَ الشِّعَابِ فَهُوَ مِنًى.
قَال الإِْمَامُ النَّوَوِيُّ: قَال أَصْحَابُنَا: الْمُزْدَلِفَةُ مَا بَيْنَ وَادِي مُحَسِّرٍ وَمَأْزِمَيْ عَرَفَةَ، وَلَيْسَ الْحَدَّانِ مِنْهَا، وَيَدْخُل فِي الْمُزْدَلِفَةِ جَمِيعُ تِلْكَ الشِّعَابِ الْقَوَابِل وَالظَّوَاهِرِ وَالْجِبَال الدَّاخِلَةِ فِي الْحَدِّ الْمَذْكُورِ (١) .
_________
(١) المصباح المنير، والمفردات للأصفهاني، وحاشية ابن عابدين ٢ / ١٧٦، ومغني المحتاج ١ / ٤٩٧، والمغني لابن قدامة ٣ / ٤٢١، والمطلع على أبواب المقنع ص ١٩٥، وتفسير القرطبي ٢ / ٤٢١، والمجموع للنووي ٨ / ١٢٨.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - مِنًى:
٢ - مِنًى: مَوْضِعٌ قُرْبَ مَكَّةَ، وَيُقَال: بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ ثَلاَثَةُ أَمْيَالٍ، يَنْزِلُهُ الْحُجَّاجُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَسُمِّيَ مِنًى لِمَا يُمْنَى بِهِ مِنَ الدِّمَاءِ أَيْ يُرَاقُ، وَأَمْنَى الرَّجُل أَوِ الْحَاجُّ بِالأَْلِفِ: أَتَى مِنًى (١) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمُزْدَلِفَةِ وَبَيْنَ مِنًى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ.
ب - الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ:
٣ - الْمَشْعَرُ، بِفَتْحِ الْمِيمِ فِي الْمَشْهُورِ وَحُكِيَ كَسْرُهَا: جَبَلٌ صَغِيرٌ آخِرَ مُزْدَلِفَةَ، اسْمُهُ قُزَحُ بِضَمِّ الْقَافِ وَبِالزَّايِ.
وَسُمِّيَ مَشْعَرًا: لِمَا فِيهِ مِنَ الشَّعَائِرِ وَهِيَ مَعَالِمُ الدِّينِ وَطَاعَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَوُصِفَ بِالْحَرَامِ لأَِنَّهُ يَحْرُمُ فِيهِ الصَّيْدُ وَغَيْرُهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ ذُو الْحُرْمَةِ (٢) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُزْدَلِفَةَ أَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا، أَوْ جَمِيعُ الْمُزْدَلِفَةِ وَعَلَى هَذَا فَهُوَ مُرَادِفٌ لِلْمُزْدَلِفَةِ (٣) .
_________
(١) المصباح المنير، والمعجم الوسيط، والمجموع للنووي ٨ / ١٢٩.
(٢) تفسير القرطبي ٢ / ٤٢١، والمجموع للنووي ٨ / ١٣٠.
(٣) المجموع ٨ / ١٥٢.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِمُزْدَلِفَةَ:
الْمَبِيتُ فِي مُزْدَلِفَةَ لِلْحَاجِّ:
٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْمَبِيتِ فِي مُزْدَلِفَةَ لِلْحَاجِّ لَيْلَةَ النَّحْرِ
فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ فَرْضٌ، وَمِنْ هَؤُلاَءِ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ: عَلْقَمَةُ وَالأَْسْوَدُ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ﵏، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنُ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ، وَالسُّبْكِيُّ قَالُوا: الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ فَرْضٌ أَوْ رُكْنٌ لاَ يَصِحُّ الْحَجُّ إِلاَّ بِهِ، كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ (١) .
وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ فَاتَهُ الْمَبِيتُ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ (٢) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ، وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ، فَلَوْ تَرَكَهُ الْحَاجُّ صَحَّ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ (٣)، لِحَدِيثِ: الْحَجُّ يَوْمُ عَرَفَةَ مَنْ جَاءَ قَبْل الصُّبْحِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ
_________
(١) بدائع الصنائع ٢ / ١٣٥، والمجموع للنووي ٨ / ١٣٤، ١٥٠، وروضة الطالبين ٣ / ٩٩، ومغني المحتاج ١ / ٤٩٩.
(٢) حديث: " من فاته المبيت بالمزدلفة. . ". أورده النووي في المجموع (٨ / ١٥٠) ثم قال: ليس بثابت ولا معروف " ولم يعزه إلى أي مصدر.
(٣) المجموع للنووي ٨ / ١٢٣ - ١٥٠، والمغني لابن قدامة ٣ / ٤٢١ وما بعدها.