الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧ الصفحة 17

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧

مُزَارَعَةُ الأَْرْضِ الْعَشْرِيَّةِ

٥٥ - لَوْ زَارَعَ بِالأَْرْضِ الْعَشْرِيَّةِ فَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَل الْعَامِل فَعَلَى قِيَاسِ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ: الْعُشْرُ عَلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ كَمَا فِي الإِْجَارَةِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَكُونُ فِي الزَّرْعِ كَالإِْجَارَةِ.

وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الأَْرْضِ فَهُوَ عَلَى رَبِّ الأَْرْضِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا (١) .

الْمُزَارَعَةُ فِي الأَْرْضِ الْمَرْهُونَةِ

٥٦ - إِذَا رَهَنَ إِنْسَانٌ عِنْدَ آخَرَ أَرْضًا بَيْضَاءَ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَبَضَهَا الْمُرْتَهِنُ زَارَعَهُ الرَّاهِنُ عَلَيْهَا بِالنِّصْفِ وَالْبَذْرُ مِنَ الْمُرْتَهِنِ جَازَتِ الْمُزَارَعَةُ وَيَقْتَسِمَانِ الْخَارِجَ عَلَى الشَّرْطِ، لأَِنَّ صَاحِبَ الْبَذْرِ وَهُوَ الدَّائِنُ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَأْجِرٌ لِلأَْرْضِ، وَالْمُرْتَهِنُ إِذَا اسْتَأْجَرَ الْمَرْهُونَ مِنَ الرَّاهِنِ بَطَل عَقْدُ الرَّهْنِ، لأَِنَّ الإِْجَارَةَ أَلْزَمُ مِنَ الرَّهْنِ، وَقَدْ طَرَأَ الاِثْنَانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَكَانَ الثَّانِي رَافِعًا لِلأَْوَّل، فَلِهَذَا كَانَ الْخَارِجُ عَلَى الشَّرْطِ، وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْمُزَارَعَةِ أَنْ يُعِيدَهَا رَهْنًا.

وَإِنْ مَاتَ الْمَدِينُ الرَّاهِنُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَكُنِ الْمُرْتَهِنُ أَحَقَّ بِهَا مِنْ غُرَمَائِهِ لِبُطْلاَنِ عَقْدِ الرَّهْنِ.

أَمَّا إِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنَ الْمَدِينِ الرَّاهِنِ فَإِنَّ

_________

(١) فتح القدير ٢ / ٨، دار صادر بيروت.

الْمُزَارَعَةَ تَكُونُ جَائِزَةً أَيْضًا وَلَكِنَّ الرَّهْنَ لاَ يَبْطُل، وَيَكُونُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُعِيدَ الأَْرْضَ فِي الرَّهْنِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الزَّرْعِ، لأَِنَّ الْعَقْدَ هُنَا يَرِدُ عَلَى عَمَل الْمُزَارِعِ فَلاَ يَبْطُل بِهِ عَقْدُ الرَّهْنِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ (١) .

أَخْذُ الْمَأْذُونِ لَهُ الأَْرْضَ مُزَارَعَةً

٥٧ - يَجُوزُ لِلْمَأْذُونِ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الأَْرْضَ مُزَارَعَةً، لأَِنَّ فِيهِ تَحْصِيل الرِّبْحِ، لأَِنَّهُ إِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ فَهُوَ مُسْتَأْجِرٌ لِلأَْرْضِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ، وَذَلِكَ أَنْفَعُ مِنَ الاِسْتِئْجَارِ بِالدَّرَاهِمِ، لأَِنَّهُ إِذَا لَمْ يَحْصُل خَارِجٌ لاَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بِخِلاَفِ الاِسْتِئْجَارِ بِالدَّرَاهِمِ.

وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَل صَاحِبِ الأَْرْضِ فَهُوَ آجِرٌ نَفْسَهُ مِنْ رَبِّ الأَْرْضِ لِعَمَل الزِّرَاعَةِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ، وَلَوْ آجَرَ نَفْسَهُ بِالدَّرَاهِمِ جَازَ فَكَذَا هَذَا (٢) .

اشْتِرَاطُ عَدَمِ بَيْعِ النَّصِيبِ أَوْ هِبَتِهِ:

٥٨ - إِذَا اشْتَرَطَ فِي الْمُزَارَعَةِ أَنْ لاَ يَبِيعَ الآْخَرُ نَصِيبَهُ أَوْ يَهَبَهُ جَازَتِ الْمُزَارَعَةُ وَبَطَل الشَّرْطُ، لأَِنَّهُ لَيْسَ لأَِحَدِ الْعَامِلَيْنِ فِيهِ مَنْفَعَةٌ (٣) .

_________

(١) المبسوط ٢٣ / ١٥٩، والفتاوى الهندية ٥ / ٢٦٤.

(٢) العناية على الهداية ٧ / ٣٣٧.

(٣) فتح القدير ٥ / ٢١٥، ٢١٦.

مُزَايَدَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْمُزَايَدَةُ فِي اللُّغَةِ: التَّنَافُسُ فِي زِيَادَةِ ثَمَنِ السِّلْعَةِ الْمَعْرُوضَةِ لِلْبَيْعِ (١) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ: أَنْ يُنَادَى عَلَى السِّلْعَةِ وَيَزِيدُ النَّاسُ فِيهَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ حَتَّى تَقِفَ عَلَى آخِرِ زَائِدٍ فِيهَا فَيَأْخُذَهَا (٢) .

وَمُعْظَمُ كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ وَرَدَ بِشَأْنِ (بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ) لأَِنَّهُ أَغْلَبُ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَجْرِي فِيهَا الْمُزَايَدَةُ، وَبَيْعُ الْمُزَايَدَةِ هُوَ - كَمَا قَال ابْنُ عَرَفَةَ - بَيْعٌ الْتَزَمَ مُشْتَرِيهِ ثَمَنَهُ عَلَى قَبُول الزِّيَادَةِ (٣) .

انْظُرْ مُصْطَلَحَ (سَوْمٌ ف ٣) .

وَلِعَقْدِ الْمُزَايَدَةِ - أَوْ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ - أَسْمَاءٌ أُخْرَى، مِنْهَا: بَيْعُ مَنْ يَزِيدُ، وَبَيْعُ الدَّلاَلَةِ، وَبَيْعُ

_________

(١) القاموس وشرحه تاج العروس، ومعجم مقاييس اللغة، والمعجم الوسيط مادة (زيد)، وأساس البلاغة للزمخشري ١٩٨.

(٢) القوانين الفقهية ص ١٧٥، ٢٦٢، وانظر فتح القدير ٦ / ١٠٨ ط. دار إحياء التراث، والفتاوى الهندية ٣ / ٢١٠، والدسوقي على شرح الدردير لمختصر خليل ٣ / ١٥٩، ومغني المحتاج ٢ / ٣٧.

(٣) حدود ابن عرفة بشرح الرصاع ٢ / ٣٨٣.

الْمُنَادَاةِ، وَسَمَّاهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ (بَيْعَ الْفُقَرَاءِ) لِوُقُوعِهِ عَلَى بَيْعِ أَثَاثِهِمْ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَبَيْعُ مَنْ كَسَدَتْ بِضَاعَتُهُ لِوُقُوعِهِ عَلَى بَيْعِ السِّلَعِ غَيْرِ الرَّائِجَةِ (١) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - النَّجْشُ:

٢ - النَّجْشُ لُغَةً: الإِْثَارَةُ.

وَاصْطِلاَحًا: الزِّيَادَةُ فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ مِمَّنْ لاَ يُرِيدُ شِرَاءَهَا لِيُغَرِّرَ بِغَيْرِهِ، وَذَلِكَ لِمَا فِي النَّجْشِ مِنْ إِثَارَةِ رَغْبَةِ الْغَيْرِ فِي السِّلْعَةِ وَلَوْ بِثَمَنٍ أَكْثَرَ مِمَّا يُقَدِّرُهُ الْمُشْتَرِي.

فَالنَّجْشُ يَشْتَرِكُ مَعَ الْمُزَايَدَةِ فِي الصُّورَةِ بِوُقُوعِ الزِّيَادَةِ مِنَ النَّاجِشِ، وَيَخْتَلِفُ عَنْهَا فِي انْتِفَاءِ قَصْدِ النَّاجِشِ الشِّرَاءَ (٢) .

ب - الْبَيْعُ عَلَى بَيْعِ الْغَيْرِ:

٣ - الْبَيْعُ عَلَى بَيْعِ الْغَيْرِ هُوَ أَنْ يَعْرِضَ الْبَائِعُ سِلْعَتَهُ عَلَى مَنْ أَرَادَ شِرَاءَ سِلْعَةَ غَيْرِهِ وَقَدْ رَكَنَ إِلَيْهِ، وَيَتَحَقَّقُ بِأَنْ يَقُول لِمَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً وَهُوَ فِي زَمَنِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ أَوْ خِيَارِ الشَّرْطِ: افْسَخْ بَيْعَكَ وَأَنَا أَبِيعُكَ مِثْل السِّلْعَةِ بِثَمَنٍ أَقَل، فَالْبَيْعُ عَلَى بَيْعِ الْغَيْرِ يَخْتَلِفُ عَنِ الْمُزَايَدَةِ بِأَنَّهُ يَقَعُ

_________

(١) الفتاوى الهندية ٣ / ٢١٠، وحاشية ابن عابدين ٤ / ١٣٣، وكشاف القناع ٣ / ١٨٣.

(٢) لسان العرب، والمعجم الوسيط، وعمدة القاري ١١ / ٢٥٩، وفتح الباري ٤ / ٣٥٣ - ٣٥٥، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٦، ومغني المحتاج ٢ / ٣٧.

بَعْدَ الرُّكُونِ لإِتْمَامِ الصَّفْقَةِ وَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ الْعَقْدُ وَالرِّضَا.

أَمَّا الْمُزَايَدَةُ فَهِيَ: عُرُوضٌ لِلشِّرَاءِ تَقَعُ قَبْل الرُّكُونِ بَيْنَ مَالِكِ السِّلْعَةِ وَمَنْ يَرْغَبُ فِي شِرَائِهَا أَوَّلًا (١) .

ج - السَّوْمُ عَلَى سَوْمِ الْغَيْرِ:

٤ - الْمُرَادُ مِنَ السَّوْمِ عَلَى سَوْمِ الْغَيْرِ أَنْ يَتَّفِقَ صَاحِبُ السِّلْعَةِ وَالرَّاغِبُ فِيهَا عَلَى الْبَيْعِ، وَلَمْ يَعْقِدَاهُ، فَيَقُول آخَرُ لِصَاحِبِ السِّلْعَةِ: أَنَا أَشْتَرِيهَا بِأَكْثَرَ، أَوْ يَقُول لِلرَّاغِبِ فِي السِّلْعَةِ: أَنَا أَبِيعُكَ خَيْرًا مِنْهَا بِأَرْخَصَ، فَالسَّوْمُ عَلَى سَوْمِ الْغَيْرِ يَخْتَلِفُ عَنِ الْمُزَايَدَةِ أَيْضًا فِي وُقُوعِهِ بَعْدَ الرُّكُونِ خِلاَفًا لِلْمُزَايَدَةِ (٢) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ، وَحِكْمَةُ التَّشْرِيعِ:

٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى إِبَاحَةِ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ (٣)، وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِفِعْل النَّبِيِّ ﷺ،

_________

(١) إكمال المعلم شرح صحيح مسلم للأبي ٤ / ١٧٨، والتمهيد لابن عبد البر ١٤ / ٣١٧ و١٨ / ١٩١، ومعالم السنن للخطابي ٢ / ٦٩، ومغني المحتاج ٢ / ٣٧.

(٢) عمدة القاري ١١ / ٢٥٧، والبيان والتحصيل لابن رشد الجد ٨ / ٤٧٥، والروضة للنووي ٣ / ٤١٣.

(٣) بدائع الصنائع ٥ / ٢٢٢، وحاشية ابن عابدين ٥ / ١٠٢، والبحر الرائق ٦ / ١٠٨، وفتح القدير ٦ / ١٠٨ ط. دار إحياء التراث، والمقدمات الممهدات لابن رشد ٢ / ١٣٨، ومواهب الجليل ٤ / ٢٣٩، وميارة على التحفة ٢ / ٦٩، وشرح العمليات ص ٣١٩، وتحفة المحتاج ٤ / ٣١٣، ونهاية المحتاج ٣ / ٤٦٨، ومغني المحتاج ٢ / ٣٧، وكشاف القناع ٢ / ١٨٣، والمغني ٤ / ٢٣٦.

وَهُوَ أَنَّهُ بَاعَ قَدَحًا وَحِلْسًا بَيْعَ مَنْ يَزِيدُ وَقَال مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْحِلْسَ وَالْقَدَحَ فَقَال رَجُلٌ أَخَذْتُهُمَا بِدِرْهَمٍ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ فَأَعْطَاهُ رَجُلٌ دِرْهَمَيْنِ فَبَاعَهُ مِنْهُ (١) .

قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهَذَا أَيْضًا إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ يَبِيعُونَ فِي أَسْوَاقِهِمْ بِالْمُزَايَدَةِ.

وَذَهَبَ النَّخَعِيُّ إِلَى كَرَاهَتِهِ مُطْلَقًا، وَذَهَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهُوَيْهِ إِلَى كَرَاهَتِهِ فِيمَا عَدَا بَيْعَ الْغَنَائِمِ وَالْمَوَارِيثِ (٢)، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ وَهْبٍ الْخَوْلاَنِيِّ ﵁ قَال:

سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ (٣)، وَبِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَحَدٍ حَتَّى يَذَرَ إِلاَّ الْغَنَائِمَ وَالْمَوَارِيثَ (٤) .

وَقَال عَطَاءٌ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ لاَ يَرَوْنَ بَأْسًا

_________

(١) حديث: " من يشتري هذا الحلس والقدح؟ . . . ". أخرجه أبو داود (٢ / ٢٩٢)، والترمذي (٣ / ٥٢٢) من حديث أنس بن مالك ونقل ابن حجر في التلخيص الحبير (٣ / ١٥) عن ابن القطان تضعيفه.

(٢) فتح الباري ٤ / ٣٥٤.

(٣) حديث: " أنه نهى عن بيع المزايدة ". أخرجه البزار (كشف الأستار ٢ / ٩٠) من حديث سفيان بن وهب، وضعفه ابن حجر في فتح الباري (٤ / ٣٥٤) .

(٤) حديث: " نهى رسول الله ﷺ أن يبيع أحدكم على بيع أحد. . ". أخرجه ابن الجارود في المنتقى (ص ١٩٨)، والدارقطني (٣ / ١١) من حديث ابن عمر.

فِي بَيْعِ الْغَنَائِمِ فِيمَنْ يَزِيدُ.

وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِاسْتِحْبَابِ الْمُزَايَدَةِ فِي بَيْعِ مَال الْمُفْلِسِ لِمَا فِيهَا مِنْ تَوَقُّعِ زِيَادَةِ الثَّمَنِ وَتَطْيِيبِ نُفُوسِ الْغُرَمَاءِ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُحْضِرَهُمْ فِيهِ (١) .

رُكْنُ الْمُزَايَدَةِ (كَيْفِيَّةُ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول فِي الْمُزَايَدَةِ):

٦ - مِنَ الْمُقَرَّرِ أَنَّ رُكْنَ الْبَيْعِ هُوَ الصِّيغَةُ - كَمَا قَال الْحَنَفِيَّةُ - أَوْ هُوَ الصِّيغَةُ مَعَ الأَْطْرَافِ (الْعَاقِدِينَ وَالْمَحَل: الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ) كَمَا قَال الْجُمْهُورُ ثُمَّ إِنَّ الصِّيغَةَ هِيَ الإِْيجَابُ وَالْقَبُول.

وَفِي الْمُزَايَدَةِ إِذَا نَادَى الدَّلاَّل عَلَى السِّلْعَةِ فَإِنَّ مَا يَصْدُرُ مِنْ كُلٍّ مِنَ الْحَاضِرِينَ هُوَ إِيجَابٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهِيَ إِيجَابَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ، وَالْقَبُول هُوَ مُوَافَقَةُ الْبَائِعِ - أَوِ الدَّلاَّل الْمُفَوَّضِ مِنْهُ - عَلَى الْبَيْعِ بِثَمَنٍ مَا، وَأَمَّا عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَالإِْيجَابُ هُوَ مُوَافَقَةُ الْبَائِعِ وَالدَّلاَّل وَقَدْ تَأَخَّرَ وَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ الْقَبُول فَهُوَ كَقَوْلِهِ بِعْنِيهِ بِكَذَا (٢) .

إِلْزَامُ جَمِيعِ الْمُشَارِكِينَ فِي الْمُزَايَدَةِ بِالشِّرَاءِ - فِي مَجْلِسِ الْمُنَادَاةِ - وَلَوْ زِيدَ عَلَيْهِمْ:

٧ - صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ الْجَدُّ، وَقَال:

إِنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ - أَيْ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ - وَنَقَلَهُ عَنْ أَبِي

_________

(١) كشاف القناع ٤ / ٤٣٢.

(٢) مواهب الجليل ٤ / ٢٣٧ - ٢٣٩.

جَعْفَرِ بْنِ رِزْقٍ أَيْضًا بِأَنَّ كُل مَنْ زَادَ فِي السِّلْعَةِ لَزِمَتْهُ بِمَا زَادَ إِنْ أَرَادَ صَاحِبُهَا أَنْ يُمْضِيَهَا لَهُ بِمَا أَعْطَى فِيهَا مَا لَمْ يَسْتَرِدَّ سِلْعَتَهُ فَيَبِيعُ بَعْدَهَا أُخْرَى أَوْ يُمْسِكُهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ مَجْلِسُ الْمُنَادَاةِ.

وَقَدْ عَلَّل ابْنُ رُشْدٍ ذَلِكَ بِأَنَّ الْبَائِعَ قَدْ لاَ يُحِبُّ مُمَاطَلَةَ الَّذِي زَادَ عَلَى مَنْ قَبْلَهُ، فَلَيْسَ طَلَبُ الزِّيَادَةِ بِهَا وَإِنْ وَجَدَهَا إِبْرَاءً لِمَنْ قَبْلَهُ، وَرَبَطَ الدُّسُوقِيُّ ذَلِكَ بِالْعُرْفِ فَقَال: وَلِلْبَائِعِ إِلْزَامُ الْمُشْتَرِي فِي الْمُزَايَدَةِ وَلَوْ طَال الزَّمَانُ أَوِ انْفَضَّ الْمَجْلِسُ حَيْثُ لَمْ يَجْرِ الْعُرْفُ بِعَدَمِ إِلْزَامِهِ، كَمَا عِنْدَنَا بِمِصْرَ أَنَّ الرَّجُل لَوْ زَادَ فِي السِّلْعَةِ وَأَعْرَضَ عَنْهُ صَاحِبُهَا أَوِ انْفَضَّ الْمَجْلِسُ فَإِنَّهُ لاَ يُلْزِمُهُ بِهَا وَهَذَا مَا لَمْ تَكُنِ السِّلْعَةُ بِيَدِ الْمُشْتَرِي (١)، وَإِلاَّ كَانَ لِرَبِّهَا إِلْزَامُهُ، وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ أَنَّ الْعَادَةَ بِتُونُسَ فِي أَيَّامِهِ عَدَمُ اللُّزُومِ، وَذَكَرَ الْحَطَّابُ أَنَّ الْعُرْفَ بِمَكَّةَ فِي زَمَنِهِ جَرَى عَلَى عَدَمِ الإِْلْزَامِ أَيْضًا (٢) .

إِلْزَامُ جَمِيعِ الْمُشَارِكِينَ فِي الْمُزَايَدَةِ بِالشِّرَاءِ بَعْدَ مَجْلِسِ الْمُنَادَاةِ

٨ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْعُرْفُ اللُّزُومَ بَعْدَ الاِفْتِرَاقِ، أَوِ اشْتَرَطَ ذَلِكَ الْبَائِعُ فَيَلْزَمُ

_________

(١) البيان والتحصيل لابن رشد ٨ / ٤٧٥ - ٤٧٦، والدسوقي ٣ / ٥، والزرقاني ٥ / ٦، والحطاب ٤ / ٢٣٧ - ٢٣٩.

(٢) الحطاب ٤ / ٢٣٨ - ٢٣٩.

الْمُشْتَرِيَ الْبَيْعُ بَعْدَ الاِفْتِرَاقِ فِي مَسْأَلَةِ الْعُرْفِ بِمِقْدَارِ مَا جَرَى بِهِ الْعُرْفُ، وَفِي مَسْأَلَةِ الشَّرْطِ فِي الأَْيَّامِ الْمَشْرُوطَةِ، وَبَعْدَهَا بِقُرْبِ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَيَتَأَكَّدُ هَذَا إِذَا حَصَل الاِشْتِرَاطُ بِأَنْ يَزِيدَ عَلَى السِّلْعَةِ أَيَّامًا (١) .

وَقَدْ صَرَّحَ الزُّرْقَانِيُّ بِأَنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلْبَيْعِ الْمُطْلَقِ حَيْثُ لاَ يَلْزَمُ الْبَيْعُ فِيهِ بِتَرَاخِي الْقَبُول عَنِ الإِْيجَابِ حَتَّى انْقَضَى الْمَجْلِسُ، أَوْ بِحُصُول فَاصِلٍ يَقْتَضِي الإِْعْرَاضَ عَمَّا كَانَ الْمُتَبَايِعَانِ فِيهِ إِلاَّ بَيْعَ الْمُزَايَدَةِ، فَلِلْبَائِعِ أَنْ يُلْزِمَ السِّلْعَةَ لِمَنْ شَاءَ حَيْثُ اشْتَرَطَ الْبَائِعُ ذَلِكَ أَوْ جَرَى بِهِ عُرْفُ إِمْسَاكِهَا حَتَّى انْقَضَى مَجْلِسُ الْمُنَادَاةِ، قَال الْمَازِرِيُّ: بَعْضُ الْقُضَاةِ أَلْزَمَ بَعْضَ أَهْل الأَْسْوَاقِ فِي بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ بَعْدَ الاِفْتِرَاقِ، مَعَ أَنَّ عَادَتَهُمُ الاِفْتِرَاقُ عَلَى غَيْرِ إِيجَابٍ اغْتِرَارًا بِظَاهِرِ ابْنِ حَبِيبٍ وَحِكَايَةِ غَيْرِهِ، فَنَهَيْتُهُ عَنْ هَذَا لأَِجْل مُقْتَضَى عَوَائِدِهِمْ، وَإِذَا اشْتَرَطَ الْمُشْتَرِي أَنْ لاَ يَلْتَزِمَ الْبَيْعَ إِلاَّ مَا دَامَ فِي الْمَجْلِسِ فَلَهُ شَرْطُهُ، وَلَوْ كَانَ الْعُرْفُ بِخِلاَفِهِ، لِتَقَدُّمِ الشَّرْطِ عَلَيْهِ (٢) .

خِيَارُ الرُّجُوعِ عَنِ الإِْيجَابِ فِي الْمُزَايَدَةِ:

٩ - الرُّجُوعُ عَنِ الْمُزَايَدَةِ إِمَّا أَنْ يَقَعَ قَبْل زِيَادَةِ آخَرَ عَلَى مَا دَفَعَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَقَعَ بَعْدَهَا، فَإِنْ وَقَعَ الرُّجُوعُ قَبْل زِيَادَةَ آخَرَ عَلَى مَا دَفَعَهُ

_________

(١) الحطاب ٤ / ٢٣٨ - ٢٣٩.

(٢) الزرقاني ٥ / ٦، والحطاب ٤ / ٢٣٨ - ٢٣٩.

مِنْ ثَمَنٍ فَإِنَّهُ لاَ يَخْتَلِفُ بَيْعُ الْمُزَايَدَةِ عَنْ غَيْرِهِ فِي مَسْأَلَةِ الرُّجُوعِ عَنِ الإِْيجَابِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ لِلْمُوجِبِ حَقَّ الرُّجُوعِ قَبْل أَنْ يَقَعَ الْقَبُول لإِيجَابِهِ، وَلاَ يَرِدُ هُنَا الْخِلاَفُ الْمَنْقُول عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ فِيمَا لَوْ رَبَطَ الإِْيجَابَ بِوَقْتٍ، وَأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَقَيَّدُ بِوَقْتِهِ فَلاَ يَمْلِكُ الْمُوجِبُ الرُّجُوعَ، وَذَلِكَ لأَِنَّ مَذْهَبَ الْمَالِكِيَّةِ فِي لُزُومِ الْمُزَايَدَةِ لِجَمِيعِ الْمُشْتَرِكِينَ فِيهَا يُغْنِي عَنْ مُقْتَضَى هَذَا الْقَوْل (١) .

خِيَارُ الْمَجْلِسِ فِي الْمُزَايَدَةِ

١٠ - قَال الْحَطَّابُ: جَرَتِ الْعَادَةُ بِمَكَّةَ أَنَّ مَنْ رَجَعَ بَعْدَ الزِّيَادَةِ لاَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مَا دَامَ فِي الْمَجْلِسِ (٢) .

الزِّيَادَةُ بَعْدَ بَتِّ الْبَيْعِ لأَِحَدِ الْمُشَارِكِينَ فِي الْمُزَايَدَةِ

١١ - لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّهُ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي السِّلْعَةِ إِذَا تَوَقَّفَ الْمَالِكُ أَوِ الدَّلاَّل عَنِ النِّدَاءِ - لأَِنَّهُ أَعْرَضَ عَنِ الْبَيْعِ - لِعَدَمِ وُصُول السِّلْعَةِ إِلَى قِيمَتِهَا وَكَفِّ الْحَاضِرِينَ عَنِ الزِّيَادَةِ.

وَأَمَّا فِي حَالَةِ الرُّكُونِ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ صَاحِبُ الْمَال يُنَادِي عَلَى سِلْعَتِهِ فَطَلَبَهَا إِنْسَانٌ بِثَمَنٍ، فَكَفَّ عَنِ

_________

(١) الحطاب ٤ / ٢٣٨ - ٢٣٩.

(٢) المرجع السابق.