الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦ الصفحة 72

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦

بِالصَّوْمِ، أَوْ إِبْطَاءَ الْبُرْءِ أَوْ فَسَادَ عُضْوٍ، وَخَوْفِ الصَّحِيحِ الْمَرَضَ أَوِ الشِّدَّةَ أَوِ الْهَلاَكَ وَحُكْمُ الإِْفْطَارِ فِي كُل حَالَةٍ، وَكَيْفِيَّةُ الْقَضَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ فَاتَهُ صَوْمُ رَمَضَانَ، سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي مُصْطَلَحِ (صَوْمٌ ف ٢٦، ٥٥، ٥٦، ٨٦، ٨٧) .

وَأُلْحِقَ بِالْمَرِيضِ الْحَامِل وَالْمُرْضِعُ فَيَجُوزُ لَهُمَا الْفِطْرُ بِشُرُوطٍ مُعَيَّنَةٍ يُنْظَرُ تَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحِ (صَوْمٌ ف ٦٢) .

الْخُرُوجُ مِنَ الاِعْتِكَافِ لِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ

١٥ - ذَهَبَ الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَبِهِ قَال عَطَاءٌ وَعُرْوَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالزُّهْرِيُّ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ اعْتِكَافًا وَاجِبًا أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مُعْتَكَفِهِ لِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ (١)، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَمُرُّ بِالْمَرِيضِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَيَمُرُّ كَمَا هُوَ وَلاَ يُعَرِّجُ يَسْأَل عَنْهُ (٢) .

وَفِي رِوَايَةِ الأَْثْرَمِ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَحْمَدَ: يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعُودَ الْمَرِيضَ وَلاَ يَجْلِسُ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهُوَ قَوْل عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَبِهِ قَال سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالنَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ

_________

(١) بدائع الصنائع ٢ / ١١٤، ١١٥، وابن عابدين ٢ / ١٣١، وشرح الزرقاني ٢ / ٢٢٤، وروضة الطالبين ٢ / ٤٠٦، والمغني ٣ / ١٩٥.

(٢) حديث: " كان النبي ﷺ يمر بالمريض ". أخرجه أبو داود (٢ / ٨٣٦) وضعفه المنذري في " مختصر سنن أبي داود " (٣ / ٣٤٣) .

وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَى عَاصِمُ بْنُ خَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَال: إِذَا اعْتَكَفَ الرَّجُل فَلْيَشْهَدِ الْجُمُعَةَ، وَلْيَعُدِ الْمَرِيضَ، وَلْيَحْضُرِ الْجِنَازَةَ، وَلْيَأْتِ أَهْلَهُ، وَلْيَأْمُرْهُمْ بِالْحَاجَةِ وَهُوَ قَائِمٌ (١) .

وَأَمَّا إِنْ كَانَ الاِعْتِكَافُ تَطَوُّعًا فَفِي الْمَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ رِوَايَتَانِ:

أ - يَفْسُدُ الاِعْتِكَافُ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لأَِنَّهُ مُقَدَّرٌ بِيَوْمٍ كَالصَّوْمِ، وَلِهَذَا قَال: إِنَّهُ لاَ يَصِحُّ بِدُونِ الصَّوْمِ كَالاِعْتِكَافِ الْوَاجِبِ، وَلأَِنَّ الشُّرُوعَ فِي التَّطَوُّعِ مُوجِبٌ لِلإِْتْمَامِ عَلَى أَصْل الْحَنَفِيَّةِ صِيَانَةً لِلْمُؤَدَّى عَنِ الْبُطْلاَنِ كَمَا فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ، وَبِهِ قَال الْمَالِكِيَّةُ.

ب - لاَ يَفْسُدُ وَهُوَ رِوَايَةُ الأَْصْل، لأَِنَّ اعْتِكَافَ التَّطَوُّعِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ، فَلَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَوْ نِصْفَ يَوْمٍ أَوْ مَا شَاءَ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ وَيَخْرُجُ، فَيَكُونُ مُعْتَكِفًا مَا أَقَامَ، تَارِكًا مَا خَرَجَ (٢) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجُوزُ الْخُرُوجُ لِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَطَوُّعٌ فَلاَ يَتَحَتَّمُ وَاحِدٌ مِنْهَا، لَكِنَّ الأَْفْضَل الْمُقَامُ عَلَى اعْتِكَافِهِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يُعَرِّجُ عَلَى

_________

(١) المغني ٣ / ١٩٥.

(٢) بدائع الصنائع ٢ / ١١٥، وحاشية ابن عابدين ٢ / ١٣١، ١٣٢.

الْمَرِيضِ، وَلَمْ يَكُنِ الاِعْتِكَافُ وَاجِبًا عَلَيْهِ (١) .

وَأَمَّا الْخُرُوجُ مِنَ الاِعْتِكَافِ لِلْمَرَضِ وَنَحْوِهِ فَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (اعْتِكَافٌ: ف ٣٣، ٣٦، ٣٧) .

الاِسْتِنَابَةُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لِلْمَرَضِ

١٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ سَلاَمَةَ الْبَدَنِ مِنَ الأَْمْرَاضِ وَالْعَاهَاتِ الَّتِي تَعُوقُ عَنِ الْحَجِّ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْحَجِّ.

وَاخْتَلَفُوا هَل هِيَ شَرْطٌ لأَِصْل الْوُجُوبِ كَمَا قَال بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ أَوْ شَرْطٌ لِلأَْدَاءِ بِالنَّفْسِ كَمَا قَال بِهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنِ الصَّاحِبَيْنِ.

وَعَلَى هَذَا فَمَنْ وُجِدَتْ فِيهِ شُرُوطُ وُجُوبِ الْحَجِّ، وَلَكِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْهُ لِمَانِعٍ لاَ يُرْجَى زَوَالُهُ، كَزَمَانَةٍ أَوْ مَرَضٍ لاَ يُرْجَى بُرْؤُهُ، أَوْ كَانَ مَهْزُول الْجِسْمِ لاَ يَقْدِرُ عَلَى الثُّبُوتِ عَلَى الرَّاحِلَةِ إِلاَّ بِمَشَقَّةٍ غَيْرِ مُحْتَمَلَةٍ. فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُقِيمَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَيَعْتَمِرُ إِذَا وَجَدَ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ، وَمَالًا يَسْتَنِيبُهُ بِهِ.

وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﵄ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمٍ قَالَتْ يَا رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ

_________

(١) المغني ٢ / ١٩٥، ١٩٦.

أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لاَ يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَال: نَعَمْ وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ (١) .

وَقَال مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ: لاَ حَجَّ عَلَيْهِ إِلاَّ أَنْ يَسْتَطِيعَ بِنَفْسِهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢)، وَهَذَا غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ، وَلأَِنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ لاَ تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ مَعَ الْقُدْرَةِ، فَلاَ تَدْخُلُهَا مَعَ الْعَجْزِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ.

وَإِذَا عُوفِيَ مِنْ مَرَضِهِ بَعْدَ مَا أَحَجَّ غَيْرَهُ عَنْ نَفْسِهِ، يَلْزَمُهُ حَجٌّ آخَرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَابْنِ الْمُنْذِرِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّ هَذَا الْحَجَّ بَدَل إِيَاسٍ، فَإِذَا بَرَأَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَأْيُوسًا مِنْهُ، فَلَزِمَهُ الأَْصْل، قِيَاسًا عَلَى الآْيِسَةِ إِذَا اعْتَدَّتْ بِالشُّهُورِ، ثُمَّ حَاضَتْ لاَ يُجْزِئُهَا تِلْكَ الْعِدَّةُ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَجُّ، وَبِهِ قَال إِسْحَاقُ لأَِنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ، فَخَرَجَ مِنَ الْعُهْدَةِ كَمَا لَوْ لَمْ يَبْرَأْ، وَلأَِنَّهُ أَدَّى حَجَّةَ الإِْسْلاَمِ بِأَمْرِ الشَّارِعِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ حَجٌّ ثَانٍ كَمَا لَوْ حَجَّ بِنَفْسِهِ.

وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَالًا يَسْتَنِيبُ بِهِ فَلاَ حَجَّ عَلَيْهِ

_________

(١) حديث: " أن امرأة من خثعم قالت:. . . ". أخرجه البخاري " فتح الباري " (٣ / ٣٧٨)، ومسلم (٢ / ٩٧٣) واللفظ للبخاري.

(٢) سورة آل عمران / ٩٧.

بِغَيْرِ خِلاَفٍ، لأَِنَّ الصَّحِيحَ لَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يَحُجُّ بِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فَالْمَرِيضُ أَوْلَى (١) .

١٧ - وَأَمَّا إِنْ كَانَ مَرِيضًا يُرْجَى زَوَال مَرَضِهِ:

فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: حَجُّ الْفَرْضِ يَقْبَل النِّيَابَةَ عِنْدَ الْعَجْزِ فَقَطْ لَكِنْ بِشَرْطِ دَوَامِ الْعَجْزِ إِلَى الْمَوْتِ لأَِنَّهُ فَرْضُ الْعُمْرِ حَتَّى تَلْزَمَ الإِْعَادَةُ بِزَوَال الْعُذْرِ الَّذِي يُرْجَى زَوَالُهُ كَالْمَرَضِ.

هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِحَجَّةِ الإِْسْلاَمِ وَالْحَجَّةِ الْمَنْذُورَةِ، وَأَمَّا الْحَجُّ النَّفْل فَيَقْبَل النِّيَابَةَ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ عَجْزٍ فَضْلًا عَنْ دَوَامِهِ (٢) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ فَإِنِ اسْتَنَابَ فَحَجَّ النَّائِبُ فَشُفِيَ لَمْ يُجْزِئْهُ قَطْعًا وَإِنْ مَاتَ فَقَوْلاَنِ: أَظْهَرُهُمَا لاَ يُجْزِئُهُ.

وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مَرْجُوِّ الزَّوَال فَأَحَجَّ عَنْهُ ثُمَّ شُفِيَ فَطَرِيقَانِ: أَصَحُّهُمَا طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ، وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِعَدَمِ الإِْجْزَاءِ.

وَقَالُوا: إِنَّ حَجَّ التَّطَوُّعِ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِنَابَةُ فِيهِ عَنِ الْقَادِرِ قَطْعًا (٣) .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ، فَإِنْ فَعَل لَمْ يُجْزِئْهُ وَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ، لأَِنَّهُ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ١٤٢، ٢٣٨، ومواهب الجليل ٢ / ٤٩٢، ٤٩٨، ٤٩٩، وروضة الطالبين ٣ / ١٢، ١٣، والمغني ٣ / ٢٢٧، ٢٢٨.

(٢) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٢ / ٢٣٨.

(٣) روضة الطالبين ٣ / ١٣.

يَرْجُو الْقُدْرَةَ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الاِسْتِنَابَةُ، وَلاَ تُجْزِئُهُ إِنْ فَعَل كَالْفَقِيرِ، وَلأَِنَّ النَّصَّ إِنَّمَا وَرَدَ فِي الْحَجِّ عَنِ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَهُوَ مِمَّنْ لاَ يُرْجَى مِنْهُ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ، فَلاَ يُقَاسُ عَلَيْهِ إِلاَّ مَنْ كَانَ مِثْلَهُ (١) .

١٨ - وَإِذَا مَرِضَ الْمَأْمُورُ بِالْحَجِّ فِي الطَّرِيقِ، فَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ دَفْعُ الْمَال إِلَى غَيْرِهِ لِيَحُجَّ عَنِ الآْمِرِ، إِلاَّ إِذَا أَذِنَ لَهُ بِذَلِكَ، بِأَنْ قِيل لَهُ وَقْتَ الدَّفْعِ: اصْنَعْ مَا شِئْتَ، فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ مَرِضَ أَوْ لاَ، لأَِنَّهُ يَصِيرُ وَكِيلًا مُطْلَقًا (٢) .

وَلِلنِّيَابَةِ فِي الْحَجِّ شُرُوطٌ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (نِيَابَةٌ) .

١٩ - وَأَمَّا النِّيَابَةُ عَنِ الْمَرِيضِ فِي الرَّمْيِ فَيَجُوزُ فِي الْجُمْلَةِ.

وَتَفْصِيلُهُ فِي (حَجٌّ ف ٦٦) .

٢٠ - وَحُكْمُ طَوَافِ الْمَرِيضِ سَبَقَ فِي مُصْطَلَحِ (طَوَافٌ ف ١١، ١٦)، وَكَذَا حُكْمُ سَعْيِهِ فِي مُصْطَلَحِ (سَعْيٌ ف ١٤) .

جِهَادُ الْمَرِيضِ

٢١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ الْجِهَادُ عَلَى مَنْ بِهِ مَرَضٌ يَمْنَعُهُ مِنَ الْقِتَال وَمَا يَلْزَمُ لَهُ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (جِهَادٌ ف ٢١) .

_________

(١) المغني ٣ / ٢٢٩.

(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ٢٤٢.

التَّأْخِيرُ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ لِلْمَرَضِ

٢٢ - الْمَرَضُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُرْجَى بُرْؤُهُ أَوْ مِمَّا لاَ يُرْجَى بُرْؤُهُ، وَالْحَدُّ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرِيضِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الرَّجْمَ، أَوِ الْجَلْدَ أَوِ الْقَطْعَ: فَإِنْ كَانَ الْحَدُّ الرَّجْمَ فَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ هُوَ أَنَّهُ لاَ يُؤَخَّرُ مُطْلَقًا أَيًّا كَانَ نَوْعُ الْمَرَضِ، لأَِنَّ نَفْسَهُ مُسْتَوْفَاةٌ، فَلاَ فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّحِيحِ.

وَإِنْ كَانَ الْحَدُّ الْجَلْدَ أَوِ الْقَطْعَ وَالْمَرَضُ مِمَّا يُرْجَى بُرْؤُهُ: فَيَرَى الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ وَالْخِرَقِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ تَأْخِيرَهُ، وَقَال جُمْهُورُ الْحَنَابِلَةِ: يُقَامُ الْحَدُّ وَلاَ يُؤَخَّرُ.

وَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ مِمَّا لاَ يُرْجَى بُرْؤُهُ، أَوْ كَانَ الْجَانِي ضَعِيفًا بِالْخِلْقَةِ لاَ يَحْتَمِل السِّيَاطَ فَهَذَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الْحَال وَلاَ يُؤَخَّرُ، وَيُضْرَبُ بِسَوْطٍ يُؤْمَنُ مَعَهُ التَّلَفُ كَالْقَضِيبِ الصَّغِيرِ، وَشِمْرَاخِ النَّخْل، فَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ جَمَعَ ضِغْثًا فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ فَضَرَبَ بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً.

قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَأَنْكَرَهُ مَالِكٌ اسْتِدْلاَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاجْلِدُوا كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (١) وَهَذَا ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ.

هَذَا فِيمَا إِذَا كَانَ الْوَاجِبُ هُوَ الْجَلْدَ، وَأَمَّا فِي السَّرِقَةِ فَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يُقْطَعُ فِي

_________

(١) سورة النور / ٢.

هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى الصَّحِيحِ لِئَلاَّ يَفُوتَ الْحَدُّ (١) .

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَيْ (حُدُودٌ ف ٤١، وَجَلْدٌ ف ١٣) .

التَّأْخِيرُ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ لِلْمَرَضِ

٢٣ - فَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ قِصَاصِ النَّفْسِ وَالأَْطْرَافِ فِي التَّأْخِيرِ، فَقَالُوا: يَجِبُ تَأْخِيرُ الْقِصَاصِ مِنَ الْجَانِي فِيمَا دُونَ النَّفْسِ لِبُرْءِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مِنْ مَرَضٍ خِيفَ مِنَ الْقَطْعِ مَعَهُ الْمَوْتُ، لاِحْتِمَال أَنْ يَأْتِيَ جُرْحُهُ عَلَى النَّفْسِ، فَتُؤْخَذُ النَّفْسُ فِيمَا دُونَهَا.

وَكَذَلِكَ تُؤَخَّرُ دِيَةُ الْجُرْحِ الْخَطَأِ لِبُرْئِهِ، خَوْفَ سَرَيَانِهِ لِلْمَوْتِ، فَيَجِبُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَتَنْدَرِجُ فِيهَا دِيَةُ الْجُرْحِ.

وَلاَ يُؤَخَّرُ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمُحَارِبِ، لأَِنَّ الْمُحَارِبَ إِذَا اخْتِيرَ قَطْعُهُ مِنْ خِلاَفٍ، فَلاَ يُؤَخَّرُ بَل يُقْطَعُ مِنْ خِلاَفٍ، وَلَوْ أَدَّى لِمَوْتِهِ، إِذِ الْقَتْل أَحَدُ حُدُودِهِ (٢) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجُوزُ لِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يَقْتَصَّ عَلَى الْفَوْرِ فِي النَّفْسِ جَزْمًا وَفِي الطَّرَفِ عَلَى الْمَذْهَبِ لأَِنَّ الْقِصَاصَ مُوجِبُ الإِْتْلاَفِ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ١٤٨، والاختيار ٤ / ٨٧، وفتح القدير ٤ / ١٣٧، والقوانين الفقهية / ٣٦٦، ٣٦١، وروضة الطالبين ١٠ / ٩٩، ١٠١، والمغني ٨ / ١٧٣، وكشاف القناع ٦ / ٨٢.

(٢) جواهر الإكليل ٢ / ٢٦٣، والزرقاني ٨ / ٢٣، والشرح الصغير ٤ / ٣٦٣.

فَيَتَعَجَّل كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ، وَالتَّأْخِيرُ أَوْلَى لاِحْتِمَال الْعَفْوِ.

وَيَقْتَصُّ فِي الْمَرَضِ، وَكَذَا لاَ يُؤَخَّرُ الْجَلْدُ فِي الْقَذْفِ (١) .

إِمَامَةُ الْمَرِيضِ وَالاِقْتِدَاءُ بِهِ

٢٤ - فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ إِمَامَةِ مَنْ هُوَ عَاجِزٌ عَنْ أَدَاءِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ كَالرُّكُوعِ أَوِ السُّجُودِ أَوِ الْقِيَامِ، وَمَنْ لاَ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ بَل يُصَلِّي بِالإِْيمَاءِ، وَاخْتَلَفُوا فِي كُلٍّ عَلَى أَقْوَالٍ سَبَقَ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (اقْتِدَاءٌ ف ٤٠) .

زَكَاةُ مَال الْمَرِيضِ

٢٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمَرَضَ لَيْسَ مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، لأَِنَّ الصِّحَّةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ بِصِفَةِ عَامَّةٍ.

وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِهِ فِي مَال الْمَجْنُونِ، وَالْجُنُونُ أَيْضًا مَرَضٌ، بَل مِنْ أَصْعَبِ أَمْرَاضِ النَّفُوسِ جُنُونُهَا - كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَابِدِينَ (٢) -.

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي مَال الْمَجْنُونِ، وَذَلِكَ لِوُجُودِ الشَّرَائِطِ الثَّلاَثَةِ فِيهِ وَهِيَ: الْحُرِّيَّةُ وَالإِْسْلاَمُ وَتَمَامُ الْمِلْكِ.

وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَجَابِرٍ ﵃

_________

(١) مغني المحتاج ٤ / ٤٢ - ٤٣.

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٥٤٧.

وَبِهِ قَال جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَرَبِيعَةُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ.

وَيُخْرِجُ الزَّكَاةَ عَنِ الْمَجْنُونِ وَلِيُّهُ فِي مَالِهِ، لأَِنَّ ذَلِكَ حَقٌّ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ، فَقَامَ الْوَلِيُّ فِيهِ مَقَامَ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ كَالنَّفَقَاتِ وَالْغَرَامَاتِ (١) .

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي أَمْوَال الْمَجْنُونِ وَيَجِبُ الْعُشْرُ فِي زُرُوعِهِ، وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ عَلَيْهِ، وَبِهِ قَال الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو وَائِلٍ وَالنَّخَعِيُّ وَغَيْرُهُمْ (٢) .

وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ حَكَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَالثَّوْرِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَهُوَ أَنَّهُ: تَجِبُ الزَّكَاةُ وَلاَ تُخَرَّجُ حَتَّى يُفِيقَ (٣) .

وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (زَكَاةٌ ف ١١، وَجُنُونٌ ف ١٤) .

أَثَرُ مَرَضِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فِي خَلْوَةِ النِّكَاحِ

٢٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَصِحُّ الْخَلْوَةُ إِنْ كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مَرِيضًا، وَالْمُرَادُ مِنَ الْمَرَضِ عِنْدَهُمْ فِي جَانِبِهَا: مَا يَمْنَعُ الْجِمَاعَ، أَوْ يَلْحَقُهُ بِهِ ضَرَرٌ، فَالْمَرَضُ يَتَنَوَّعُ فِي جَانِبِ الْمَرْأَةِ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٤، وحاشية الدسوقي ١ / ٤٣٠، وأسنى المطالب ١ / ٣٣٨، وروضة الطالبين ٢ / ١٤٩، والمغني ٢ / ٦٢١، ٦٢٢، ونيل المآرب ١ / ٢٣٩.

(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ٤، والمغني ٢ / ٦٢٢.

(٣) المغني ٢ / ٦٢٢.