الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦ الصفحة 73

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦

بِلاَ خِلاَفٍ، وَأَمَّا مِنْ جَانِبِهِ فَقَدْ قِيل: إِنَّهُ يَتَنَوَّعُ أَيْضًا، وَقِيل: إِنَّهُ غَيْرُ مُتَنَوِّعٍ، وَإِنَّهُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْخَلْوَةِ عَلَى كُل حَالٍ، وَجَمِيعُ أَنْوَاعِهِ فِي ذَلِكَ عَلَى السَّوَاءِ، قَال الْبَابَرْتِيُّ نَقْلًا عَنِ الصدر الشهيد: إِنَّهُ هُوَ الصَّحِيحُ، لأَِنَّ مَرَضَ الزَّوْجِ لاَ يُعَرَّى عَنْ تَكَسُّرٍ وَفُتُورٍ عَادَةً، قَال الْمَوْصِلِيُّ: وَكَذَا إِذَا كَانَ يَخَافُ زِيَادَةَ الْمَرَضِ (١) .

وَلاَ يَتَأَتَّى ذَلِكَ عَلَى الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى: لأَِنَّهُ لاَ عِبْرَةَ لِلْخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ فِي وُجُوبِ كَمَال الْمَهْرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْجَدِيدِ، وَلاَ عِبْرَةَ لِلْمَوَانِعِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَتِ الْخَلْوَةُ، خَلْوَةَ الاِهْتِدَاءِ، أَوْ خَلْوَةَ الزِّيَارَةِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ يَجِبُ كَمَال الْمَهْرِ بِالْخَلْوَةِ مُطْلَقًا وَلاَ عِبْرَةَ لِلْمَوَانِعِ أَيًّا كَانَتْ (٢) .

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (خَلْوَةٌ فِي ١٤ - ١٧) .

قَسْمُ الزَّوْجِ الْمَرِيضِ وَالْقَسْمُ لِلزَّوْجَةِ الْمَرِيضَةِ

٢٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ الْمَرِيضَ يَقْسِمُ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ كَالصَّحِيحِ، لأَِنَّ الْقَسْمَ لِلصُّحْبَةِ وَالْمُؤَانَسَةِ وَذَلِكَ يَحْصُل مِنَ الْمَرِيضِ

_________

(١) الاختيار ٣ / ١٠٣، وفتح القدير ٢ / ٤٤٦، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٣٣٨.

(٢) جواهر الإكليل ١ / ٣٠٨، وأسنى المطالب ٣ / ٢٠٤، والمغني ٦ / ٣٢٥، ٣٢٦.

كَمَا يَحْصُل مِنَ الصَّحِيحِ.

وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَوْ شَقَّ عَلَى الْمَرِيضِ الطَّوَافُ بِنَفْسِهِ عَلَى زَوْجَاتِهِ.

وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (قَسْمٌ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ ف ١٠) .

وَكَذَلِكَ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَرِيضَ وَالصَّحِيحَةَ فِي الْقَسْمِ سَوَاءٌ (١) .

التَّفْرِيقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِسَبَبِ الْمَرَضِ

٢٨ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ لِعُيُوبٍ مِنْهَا الْمَرَضُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِيهَا.

وَذَلِكَ عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَهُمْ وَتَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي (طَلاَقٌ ف ٩٣ وَمَا بَعْدَهَا، وَجُنُونٌ ف ٢٢، وَجُذَامٌ ف ٤، وَبَرَصٌ ف ٣)

طَلاَقُ الْمَرِيضِ

٢٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى صِحَّةِ طَلاَقِ الْمَرِيضِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَكَانَ مَرَضَ مَوْتٍ أَمْ غَيْرَهُ مَا دَامَ لاَ أَثَرَ لَهُ فِي الْقُوَى الْعَقْلِيَّةِ لِلْمَرِيضِ، فَإِنْ أَثَّرَ فِيهَا دَخَل فِي بَابِ الْجُنُونِ وَالْعَتَهِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ عَوَارِضِ الأَْهْلِيَّةِ.

إِلاَّ أَنَّ الْمَرِيضَ مَرَضَ مَوْتٍ بِخَاصَّةٍ إِذَا

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٣٩٩، والفتاوى الهندية ١ / ٣٠٤، والفتاوى الخانية على هامش الهندية ١ / ٣٤٩، والبزازية على الهندية ٤ / ١٥٤، ومواهب الجليل ٤ / ١٠، والقليوبي ٣ / ٣٠٠، وروضة الطالبين ٧ / ٣٤٥.

طَلَّقَ زَوْجَتَهُ الْمَدْخُول بِهَا فِي مَرَضِهِ بِغَيْرِ طَلَبٍ مِنْهَا أَوْ رِضًا طَلاَقًا بَائِنًا ثُمَّ مَاتَ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا مِنْ طَلاَقِهِ هَذَا فَإِنَّهُ يُعَدُّ فَارًّا مِنْ إِرْثِهَا حُكْمًا.

وَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (طَلاَقٌ ف ٢٤، ٦٦، مَرَضُ الْمَوْتِ) .

خُلْعُ الْمَرِيضِ

٣٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَرَضَ الزَّوْجَةِ أَوِ الزَّوْجِ لاَ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْخُلْعِ، وَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ مَرَضَ الْمَوْتِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي الْقَدْرِ الَّذِي يَأْخُذُهُ الزَّوْجُ فِي مُقَابِل الْخُلْعِ إِذَا خَالَعَتْهُ فِي مَرَضِهَا وَمَاتَتْ، مَخَافَةَ أَنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ رَاغِبَةً فِي مُحَابَاتِهِ عَلَى حِسَابِ الْوَرَثَةِ (١) . وَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (خُلْعٌ ف ٩٨، ١٩ مَرَضُ الْمَوْتِ) .

حَضَانَةُ الْمَرِيضِ

٣١ - الْحَضَانَةُ مِنَ الْوِلاَيَاتِ، وَالْغَرَضُ مِنْهَا صِيَانَةُ الْمَحْضُونِ وَرِعَايَتُهُ وَهَذَا لاَ يَتَأَتَّى إِلاَّ إِذَا كَانَ الْحَاضِنُ أَهْلًا لِذَلِكَ.

وَلِهَذَا يَشْتَرِطُ الْفُقَهَاءُ شُرُوطًا خَاصَّةً لاَ تُثْبِتُ الْحَضَانَةُ إِلاَّ لِمَنْ تَوَفَّرَتْ فِيهِ، وَمِنْهَا

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٥٧٠، وبدائع الصنائع ٣ / ١٤٩، والاختيار ٣ / ١٠٦، وجواهر الإكليل ١ / ٣٣٢، وحاشية الدسوقي ٢ / ٣٥٢، ٣٥٣، وروضة الطالبين ٧ / ٣٨٧، ٣٨٨، وأسنى المطالب ٣ / ٢٤٧، وكشاف القناع ٥ / ٢٢٨، ٢٢٩، والمغني ٧ / ٨٨، ٨٩.

الْقُدْرَةُ عَلَى الْقِيَامِ بِشَأْنِ الْمَحْضُونِ، فَلاَ حَضَانَةَ لِمَنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ ذَلِكَ لِمَرَضٍ يَعُوقُ هَذِهِ الْقُدْرَةَ أَوْ عَاهَةٍ كَالْعَمَى وَالْخَرَسِ وَالصَّمَمِ.

وَمِنْهَا أَنْ لاَ يَكُونَ بِالْحَاضِنِ مَرَضٌ مُعْدٍ أَوْ مُنَفِّرٌ يَتَعَدَّى ضَرَرُهُ إِلَى الْمَحْضُونِ كَالْجُذَامِ، وَالْبَرَصِ وَشِبْهِ ذَلِكَ.

وَالتَّفْصِيل فِي (حَضَانَةٌ ف ١٤) .

إِيلاَءُ الْمَرِيضِ

٣٢ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْمَرِيضَ الَّذِي يَتَأَتَّى مِنْهُ الْوَطْءُ، وَيَنْعَقِدُ إِيلاَؤُهُ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْل الطَّلاَقِ، إِذَا آلَى مِنْ زَوْجَتِهِ وَعَجَزَ عَنِ الْفَيْءِ إِلَيْهَا بِالْفِعْل - وَهُوَ الْجِمَاعُ - فَإِنَّ الْفَيْءَ يَتَأَتَّى مِنْهُ بِالْقَوْل (١)، وَذَلِكَ بِشُرُوطٍ تَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحِ (إِيلاَءٌ ف ٢٤) .

نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ الْمَرِيضَةِ وَالأَْوْلاَدُ الْمَرْضَى وَالْقَرِيبُ الْمَرِيضُ

٣٣ - الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ وَالْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وُجُوبُ النَّفَقَةِ لِلزَّوْجَةِ الْمَرِيضَةِ قَبْل النَّقْلَةِ أَوْ بَعْدَهَا، أَمْكَنَهُ جِمَاعُهَا أَوْ لاَ، مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ لاَ، حَيْثُ لَمْ تَمْنَعْ نَفْسَهَا إِذَا طَلَبَ نَقْلَتَهَا، فَلاَ فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّحِيحَةِ لِوُجُودِ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٥٤٦، والشرح الصغير ٢ / ٦١٩، مغني المحتاج ٣ / ٣٤٤، ونهاية المحتاج ٧ / ٦٥.

التَّمْكِينِ مِنَ الاِسْتِمْتَاعِ كَمَا فِي الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ مَرَضُهَا مَانِعًا مِنَ النَّقْلَةِ فَلاَ نَفَقَةَ لَهَا، وَإِنْ لَمْ تَمْنَعْ نَفْسَهَا، لِعَدَمِ التَّسْلِيمِ بِالْكُلِّيَّةِ.

وَإِنْ أَمْكَنَ نَقْلُهَا إِلَى بَيْتِ الزَّوْجِ فَلَمْ تَنْتَقِل فَلاَ نَفَقَةَ لَهَا، لِمَنْعِ نَفْسِهَا عَنِ النَّقْلَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا لَمْ تَقْدِرْ أَصْلًا (١) .

وَبِوُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلزَّوْجَةِ الْمَرِيضَةِ إِذَا بَذَلَتْ نَفْسَهَا الْبَذْل التَّامَّ، وَالتَّسْلِيمَ الْمُمْكِنَ، وَأَمْكَنَتْهُ مِنَ الاِسْتِمْتَاعِ بِهَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ (٢) .

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (نَفَقَةٌ) .

٣٤ - وَأَمَّا نَفَقَةُ الأَْوْلاَدِ الْكِبَارِ الْمَرْضَى فَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ تَجِبُ النَّفَقَةُ لِلْوَلَدِ الْكَبِيرِ الْعَاجِزِ عَنِ الْكَسْبِ كَمَنْ بِهِ مَرَضٌ مُزْمِنٌ يَمْنَعُهُ مِنَ الْكَسْبِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.

وَقِيل: تَنْتَهِي النَّفَقَةُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى الْبُلُوغِ كَالصَّحِيحِ.

وَتَجِبُ نَفَقَةُ الأُْنْثَى مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٦٤٦، ٦٤٨، والفتاوى الهندية ١ / ٥٤٦.

(٢) جواهر الإكليل ١ / ٤٠٢، والفواكه الدواني ٢ / ٦٩، ٧٠، ومغني المحتاج ٣ / ٤٣٧، وكشاف القناع ٥ / ٤٧٠، ٤٧١.

مَرِيضَةٍ، لأَِنَّ مُجَرَّدَ الأُْنُوثَةِ عَجْزٌ (١) .

٣٥ - وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ الْقَرِيبَ نَفَقَةُ كُل ذِي رَحِمٍ مُحَرَّمٍ إِذَا كَانَ عَاجِزًا عَنِ الْكَسْبِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ.

لأَِنَّهُ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ وَهُوَ عَامٌّ (٢) .

أَمَّا الأَْقَارِبُ الَّذِينَ يَرِثُونَ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ نَفَقَةُ الْقَرِيبِ لِنَقْصٍ فِي الْخِلْقَةِ كَالزَّمِنِ وَالْمَرِيضِ (٣) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ لاَ تَجِبُ نَفَقَةُ الْقَرِيبِ عَلَى الْقَرِيبِ مَا عَدَا الأَْبَوَيْنِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَا فَقِيرَيْنِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ عَجْزُهُمَا عَنِ الْكَسْبِ، وَلاَ يَجِبُ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ (٤) .

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (نَفَقَةٌ) .

إِقْرَارُ الْمَرِيضِ وَقَضَاؤُهُ

٣٦ - الأَْصْل أَنَّ الْمَرَضَ لَيْسَ بِمَانِعٍ مِنْ صِحَّةِ الإِْقْرَارِ فِي الْجُمْلَةِ، إِذِ الصِّحَّةُ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي الْمُقِرِّ لِصِحَّةِ الإِْقْرَارِ، لأَِنَّ صِحَّةَ إِقْرَارِ الصَّحِيحِ بِرُجْحَانِ جَانِبِ الصِّدْقِ عَلَى جَانِبِ الْكَذِبِ، وَحَال الْمَرِيضِ أَدَل عَلَى

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٦٧٢، ٦٦٥، والخانية على هامش الهندية ١ / ٤٤٥، ٤٤٨، والقوانين الفقهية / ٢٢٧، وروضة الطالبين ٩ / ٨٤.

(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ٦٨١، وروضة الطالبين ٩ / ٨٤، وكشاف القناع ٥ / ٤٨١.

(٣) المراجع السابقة.

(٤) القوانين الفقهية / ٢٢٧، ٢٢٨.

الصِّدْقِ فَكَانَ إِقْرَارُهُ أَوْلَى بِالْقَبُول (١) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (إِقْرَارٌ ف ٢٤) .

٣٧ - وَأَمَّا قَضَاءُ الْمَرِيضِ فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَوْلِيَةِ الْمَرِيضِ وَكَذَلِكَ عَزْلُهُ وَطَرِيقَةُ عَزْلِهِ، يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (قَضَاءٌ ف ١٨، ٦٣، ٦٥) .

الْحَجْرُ عَلَى الْمَرِيضِ

٣٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْمَرَضَ الْمُتَّصِل بِالْمَوْتِ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الْحَجْرِ، وَتُحْجَرُ عَلَى صَاحِبِ هَذَا الْمَرَضِ تَبَرُّعَاتُهُ فِيمَا زَادَ عَنْ ثُلُثِ تَرِكَتِهِ، فَإِذَا تَبَرَّعَ بِمَا زَادَ عَنِ الثُّلُثِ كَانَ لَهُ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ إِذَا مَاتَ (٢) .

وَالتَّفْصِيل فِي (مَرَضِ الْمَوْتِ) .

عِيَادَةُ الْمَرِيضِ

٣٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ عَلَى أَقْوَالٍ:

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ٢٢٣، وفتح القدير ٧ / ٨، ١٠، والقوانين الفقهية / ٣١٩، وروضة الطالبين ٤ / ٣٥٣، ونهاية المحتاج ٥ / ٦٩ - ط. مصطفى البابي الحلبي، والمغني ٥ / ٢١٣.

(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ٩٣، ٤٢٣، والأشباه والنظائر لابن نجيم / ٢٨٤ ط. دار ومكتبة الهلال، والقوانين الفقهية / ٣٢٧ ط الدار العربية للكتاب، وحاشية الدسوقي ٣ / ٣٠٧، ط. دار الفكر، والشرح الصغير ٣ / ٣٨١ ط. دار المعارف، ومغني المحتاج ٢ / ١٦٥ - ط. دار إحياء التراث العربي، وكشاف القناع ٣ / ٤١٦ ط. عالم الكتب، والجمل ٤ / ٥٣، وكشف الأسرار ١ / ١٢٧.

فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ أَوْ مَنْدُوبَةٌ، وَقَدْ تَصِل إِلَى الْوُجُوبِ فِي حَقِّ بَعْضِ الأَْفْرَادِ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّهَا مَنْدُوبَةٌ إِذَا قَامَ بِهَا الْغَيْرُ وَإِلاَّ وَجَبَتْ لأَِنَّهَا مِنَ الأُْمُورِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْكِفَايَةِ، إِلاَّ عَلَى مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ فَتَجِبُ عِيَادَتُهُ عَلَيْهِ عَيْنًا.

وَالتَّفْصِيل فِي (عِيَادَةٌ ف ٢) .

مَا يُسْتَحَبُّ لِلْمَرِيضِ

٤٠ - قَال الرَّمْلِيُّ: يُنْدَبُ لِلْمَرِيضِ نَدْبًا مُؤَكَّدًا أَنْ يَذْكُرَ الْمَوْتَ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، بِأَنْ يَجْعَلَهُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ، وَأَنْ يَسْتَعِدَّ لَهُ بِالتَّوْبَةِ بِتَرْكِ الذَّنْبِ، وَالنَّدَمِ عَلَيْهِ، وَتَصْمِيمِهِ عَلَى أَنْ لاَ يَعُودَ إِلَيْهِ، وَالْخُرُوجِ مِنَ الْمَظَالِمِ كَأَدَاءِ دَيْنٍ وَقَضَاءِ فَوَائِتَ وَغَيْرِهِمَا، وَمَعْنَى الاِسْتِعْدَادِ لِذَلِكَ الْمُبَادَرَةُ إِلَيْهِ لِئَلاَّ يُفَاجِئَهُ الْمَوْتُ الْمُفَوِّتُ لَهُ.

وَيُسَنُّ لَهُ الصَّبْرُ عَلَى الْمَرَضِ، أَيْ تَرْكُ التَّضَجُّرِ مِنْهُ وَأَنْ يَتَعَهَّدَ نَفْسَهُ بِتِلاَوَةِ الْقُرْآنِ، وَالذِّكْرِ، وَحِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ وَأَحْوَالِهِمْ وَأَنْ يُوصِيَ أَهْلَهُ بِالصَّبْرِ وَتَرْكِ النَّوْحِ وَنَحْوِهِ، وَأَنْ يُحَسِّنَ خُلُقَهُ، وَأَنْ يَجْتَنِبَ الْمُنَازَعَةَ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا، وَأَنْ يَسْتَرْضِيَ مَنْ لَهُ بِهِ عُلْقَةٌ كَخَادِمٍ وَزَوْجَةٍ، وَوَلَدٍ، وَجَارٍ، وَمُعَامِلٍ، وَصَدِيقٍ.

وَيُكْرَهُ لِلْمَرِيضِ كَثْرَةُ الشَّكْوَى، إِلاَّ إِذَا سَأَلَهُ طَبِيبٌ أَوْ قَرِيبٌ، أَوْ صَدِيقٌ عَنْ حَالِهِ

فَأَخْبَرَهُ بِمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ، لاَ عَلَى صُورَةِ الْجَزَعِ.

وَلاَ يُكْرَهُ لَهُ الأَْنِينُ لَكِنَّ اشْتِغَالَهُ بِنَحْوِ التَّسْبِيحِ أَوْلَى مِنْهُ، فَالأَْنِينُ خِلاَفُ الأَْوْلَى (١) .

قَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا مَرِضَ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَصْبِرَ وَيُكْرَهُ الأَْنِينُ لِمَا رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ كَرِهَهُ (٢) .

تَدَاوِي الْمَرِيضِ

٤١ - التَّدَاوِي مَشْرُوعٌ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ.

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّدَاوِي مُبَاحٌ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى اسْتِحْبَابِهِ.

وَمَحَل الاِسْتِحْبَابِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَطْعِ بِإِفَادَتِهِ، أَمَّا لَوْ قُطِعَ بِإِفَادَتِهِ كَعَصْبِ مَحَل الْفَصْدِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ.

وَجُمْهُورُ الْحَنَابِلَةِ عَلَى أَنَّ تَرْكَ التَّدَاوِي أَفْضَل لأَِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى التَّوَكُّل.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَدَاوي ف ٥ وَمَا بَعْدَهَا) .

_________

(١) نهاية المحتاج ٢ / ٤٣٣ وما بعدها ط. مصطفى البابي الحلبي.

(٢) المغني ٢ / ٤٤٨.

عَدْوَى الْمَرَضِ

٤٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِثْبَاتِ عَدْوَى الْمَرَضِ أَوْ نَفْيِهَا عَلَى أَقْوَالٍ ثَلاَثَةٍ: فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْمَرَضَ لاَ يُعْدِي بِطَبْعِهِ، وَإِنَّمَا بِفِعْل اللَّهِ تَعَالَى وَقَدَرِهِ.

وَذَهَبَ فَرِيقٌ إِلَى الْقَوْل بِنَفْيِ الْعَدْوَى.

وَيَرَى فَرِيقٌ آخَرُ الْقَوْل بِإِثْبَاتِ الْعَدْوَى (١) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (عَدْوَى ف ٣) .

التَّضْحِيَةُ بِالْمَرِيضَةِ

٤٣ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الأُْضْحِيَّةِ سَلاَمَتُهَا مِنَ الْعُيُوبِ الْفَاحِشَةِ وَهِيَ الْعُيُوبُ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنَّ تُنْقِصَ الشَّحْمَ أَوِ اللَّحْمَ، وَمِنْهَا الْمَرَضُ الْبَيِّنُ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (أُضْحِيَّةٌ ف ٢٦ وَمَا بَعْدَهَا) .

أَخْذُ الْمَرِيضَةِ فِي الزَّكَاةِ

٤٤ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمَأْخُوذُ فِي الزَّكَاةِ مِنْ وَسَطِ مَال الزَّكَاةِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَمْرَيْنِ:

الأَْوَّل: أَنْ يَتَجَنَّبَ السَّاعِي طَلَبَ خِيَارِ الْمَال، مَا لَمْ يُخْرِجْهُ الْمَالِكُ طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ.

_________

(١) الآداب الشرعية ٣ / ٢٧٩ وما بعدها.