الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦
سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَةُ الْمَرِيضِ ف ٢ - ١٦) .
وَأَمَّا الْعَجْزُ عَنِ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ لأَِجْل الْمَرَضِ فَيُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِقْبَالٌ ف ٣٨، صَلاَةُ الْمَرِيضِ ف ١١) .
رَابِعًا: التَّخَلُّفُ عَنِ الْجَمَاعَةِ وَصَلاَةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ
١٠ - قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: لاَ أَعْلَمُ خِلاَفًا بَيْنَ أَهْل الْعِلْمِ: أَنَّ لِلْمَرِيضِ أَنَّ يَتَخَلَّفَ عَنِ الْجَمَاعَاتِ مِنْ أَجْل الْمَرَضِ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ سَمِعَ الْمُنَادِي فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ اتِّبَاعِهِ عُذْرٌ، قَالُوا: وَمَا الْعُذْرُ؟ قَال: خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ لَمْ تُقْبَل مِنْهُ الصَّلاَةُ الَّتِي صَلَّى (١) .
وَقَدْ كَانَ بِلاَلٌ ﵁ يُؤَذِّنُ بِالصَّلاَةِ، ثُمَّ يَأْتِي النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مَرِيضٌ فَيَقُول: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَل بِالنَّاسِ (٢) .
وَكُل مَا أَمْكَنَ تَصَوُّرُهُ فِي الْجُمُعَةِ مِنَ الأَْعْذَارِ الْمُرَخِّصَةِ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ، يُرَخِّصُ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ، إِذْ لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الصِّحَّةَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ صَلاَةِ
_________
(١) حديث: " من سمع المنادي فلم. . . ". أخرجه أبو داود (١ / ٣٧٤) من حديث ابن عباس ﵄ وضعفه المنذري في " مختصر سنن أبي داود " (١ / ٢٩١) .
(٢) حديث: " مروا أبا بكر فليصل بالناس ". أخرجه مسلم (١ / ٣١٣) من حديث عائشة ﵂.
الْجُمُعَةِ (١) .
وَالْمُرَادُ بِالْمَرَضِ هُنَا بِصِفَةٍ عَامَّةٍ هُوَ الْمَرَضُ الَّذِي يَشُقُّ مَعَهُ الإِْتْيَانُ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا إِنْ شَقَّ عَلَيْهِ مَعَهُ الإِْتْيَانُ مَاشِيًا لاَ رَاكِبًا فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الإِْتْيَانُ، وَقَيَّدَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِمَا إِذَا كَانَتِ الأُْجْرَةُ غَيْرَ مُجْحِفَةٍ وَإِلاَّ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحُضُورُ إِلَى الْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَقِيل: لاَ يَجِبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ اتِّفَاقًا كَالْمُقْعَدِ (٢) .
وَفَرَّقَ الْحَنَابِلَةُ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ فَقَالُوا: إِنْ تَبَرَّعَ أَحَدٌ بِأَنْ يُرْكِبَهُ لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ لِعَدَمِ تَكَرُّرِهَا دُونَ الْجَمَاعَةِ (٣) .
وَلَوْ حَضَرَ الْمَرِيضُ الْجُمُعَةَ، تَنْعَقِدُ بِهِ، وَإِذَا أَدَّاهَا أَجْزَأَهُ عَنْ فَرْضِ الْوَقْتِ، لأَِنَّ سُقُوطَ فَرْضِ السَّعْيِ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لِمَعْنًى فِي الصَّلاَةِ بَل لِلْحَرَجِ وَالضَّرَرِ، فَإِذَا تَحَمَّل،
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٥٤٧، وفتح القدير ١ / ٤١٧، والفتاوى الهندية ١ / ١٤٤، وحاشية الدسوقي ١ / ٣٨٩، والقليوبي ١ / ٢٩٦، ٢٢٨، وكشاف القناع ١ / ٤٩٥، والمغني ١ / ٦٣١.
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٥٤٧، والخانية على هامش الفتاوى الهندية ١ / ١٧٥، وحاشية الدسوقي ١ / ٣٨٩، والقليوبي ١ / ٢٢٨.
(٣) كشاف القناع ١ / ٤٩٥.
الْتَحَقَ فِي الأَْدَاءِ بِغَيْرِهِ، وَصَارَ كَمُسَافِرٍ صَامَ (١) .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ: بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ الاِنْصِرَافُ إِذَا حَضَرَ الْجَامِعَ بَعْدَ دُخُول الْوَقْتِ بَل تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ، لأَِنَّ الْمَانِعَ مِنْ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ الْمَشَقَّةُ فِي حُضُورِ الْجَامِعِ وَقَدْ حَضَرَ مُتَحَمِّلًا لَهَا، وَإِنْ كَانَ يَتَخَلَّل زَمَنٌ بَيْنَ دُخُول الْوَقْتِ وَالصَّلاَةِ، فَإِنْ لَمْ يَلْحَقْهُ مَزِيدُ مَشَقَّةٍ فِي الاِنْتِظَارِ لَزِمَهُ وَإِلاَّ لاَ.
وَيُنْدَبُ لِلْمَرِيضِ الَّذِي يَتَوَقَّعُ الْخِفَّةَ قَبْل فَوَاتِ الْجُمُعَةِ تَأْخِيرُهُ ظُهْرَهُ إِلَى الْيَأْسِ مِنْ إِدْرَاكِ الْجُمُعَةِ، وَيَحْصُل الْيَأْسُ بِرَفْعِ الإِْمَامِ رَأْسَهُ مِنْ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ، لأَِنَّهُ قَدْ يَزُول عُذْرُهُ قَبْل ذَلِكَ فَيَأْتِي بِهَا كَامِلًا، فَلَوْ لَمْ يُؤَخِّرْ، وَزَال عُذْرُهُ بَعْدَ فِعْلِهِ الظُّهْرَ لَمْ تَلْزَمْهُ الْجُمُعَةُ وَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْهَا (٢) .
وَيُنْدَبُ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ لاَ يُمْكِنُ زَوَال عُذْرِهِ كَالْمَرْأَةِ وَالزَّمِنِ تَعْجِيل الظُّهْرِ لِيَحُوزَ فَضِيلَةَ أَوَّل الْوَقْتِ.
وَالْمَرْضَى إِذَا فَاتَتْهُمُ الْجُمُعَةُ يُصَلُّونَهَا ظُهْرًا فُرَادَى، وَتُكْرَهُ لَهُمُ الْجَمَاعَةُ (٣) .
خَصَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بَعْضَ الأَْمْرَاضِ
_________
(١) فتح القدير ١ / ٤١٧، والقليوبي ١ / ٢٦٩، وكشاف القناع ١ / ٤٩٥، ومطالب أولي النهى ١ / ٧٨١.
(٢) القليوبي ١ / ٢٧١.
(٣) الفتاوى الخانية على هامش الفتاوى الهندية ١ / ١٧٧.
بِالذِّكْرِ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجَمَاعَةِ:
فَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ لِلْجُذْمِ تَرْكُ الْجَمَاعَةِ إِنْ كَانَ رَائِحَتُهُمْ تَضُرُّ بِالْمُصَلِّينَ، وَكَانُوا لاَ يَجِدُونَ مَوْضِعًا يَتَمَيَّزُونَ فِيهِ، أَمَّا لَوْ وَجَدُوا مَوْضِعًا يَصِحُّ فِيهِ الْجُمُعَةُ وَيَتَمَيَّزُونَ فِيهِ بِحَيْثُ لاَ يَلْحَقُ ضَرَرُهُمْ بِالنَّاسِ فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِمُ اتِّفَاقًا، لإِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَحَقِّ النَّاسِ، وَمَا قِيل فِي الْجُذَامِ يُقَال فِي الْبَرَصِ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: وَيُنْدَبُ لِلإِْمَامِ مَنْعُ صَاحِبِ الْبَرَصِ وَالْجُذَامِ مِنَ الْمَسَاجِدِ، وَمُخَالَطَةِ النَّاسِ وَالْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ (٢) .
١١ - وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُمَرِّضَ يَلْحَقُ بِالْمَرِيضِ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ، وَاخْتَلَفُوا فِي التَّفَاصِيل: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ: يَجُوزُ لِلْمُمَرِّضِ التَّخَلُّفُ إِنْ بَقِيَ الْمَرِيضُ ضَائِعًا بِخُرُوجِهِ (٣) .
وَقَيَّدَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِالْقَرِيبِ الْخَاصِّ وَقَالُوا: يَجُوزُ تَخَلُّفُ مُمَرِّضِ الْقَرِيبِ الْخَاصِّ عَنِ الْجَمَاعَةِ مُطْلَقًا، كَوَلَدٍ، وَوَالِدٍ وَزَوْجٍ، وَتَخَلُّفُ مُمَرِّضِ الأَْجْنَبِيِّ عَنْهَا بِشَرْطَيْنِ: أَنْ لاَ يَكُونَ لَهُ مَنْ يَقُومُ بِهِ، وَأَنْ يُخْشَى عَلَيْهِ الضَّيْعَةُ لَوْ تُرِكَ، كَالْعَطَشِ أَوِ الْجَوْعِ، أَوِ الْوُقُوعِ فِي نَارٍ
_________
(١) حاشية الدسوقي ١ / ٣٨٩.
(٢) القليوبي ١ / ٢٢٨.
(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ٥٤٧، والفتاوى الهندية ١ / ١٤٤، ١٤٥.
أَوْ مَهْوَاةٍ، أَوِ التَّمَرُّغِ فِي نَجَاسَةٍ.
وَأَلْحَقَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ مُمَرِّضَ الْقَرِيبِ غَيْرَ الْخَاصِّ - كَالْعَمِّ وَابْنِ الْعَمِّ - بِالأَْجْنَبِيِّ، خِلاَفًا لاِبْنِ الْحَاجِبِ حَيْثُ جَعَل تَمْرِيضَ الْقَرِيبِ مُطْلَقًا عُذْرًا لإِبَاحَةِ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ شَيْءٍ مِنَ الْقَيْدَيْنِ الْمُعْتَبَرَيْنِ فِي تَمْرِيضِ الأَْجْنَبِيِّ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجُوزُ التَّخَلُّفُ عَنِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ لِمُمَرِّضِ مَرِيضٍ قَرِيبٍ بِلاَ مُتَعَهِّدٍ، أَوْ لَهُ مُتَعَهِّدٌ، لَكِنَّ الْمَرِيضَ يَأْنَسُ بِهِ لِتَضَرُّرِ الْمَرِيضِ بِغَيْبَتِهِ، فَحِفْظُهُ أَوْ تَأْنِيسُهُ أَفْضَل مِنْ حِفْظِ الْجَمَاعَةِ، وَالْمَمْلُوكُ وَالزَّوْجَةُ وَكُل مَنْ لَهُ مُصَاهَرَةٌ، وَالصَّدِيقُ، وَالأُْسْتَاذُ كَالْقَرِيبِ، بِخِلاَفِ الأَْجْنَبِيِّ الَّذِي لَهُ مُتَعَهِّدٌ، أَمَّا الأَْجْنَبِيُّ الَّذِي لاَ مُتَعَهِّدَ لَهُ، فَالْحُضُورُ عِنْدَهُ عُذْرٌ لِجَوَازِ التَّخَلُّفِ عَنِ الْجَمَاعَةِ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْمُتَعَهِّدُ مَشْغُولًا بِشِرَاءِ الأَْدْوِيَةِ - مَثَلًا - عَنِ الْخِدْمَةِ فَوُجُودُهُ كَالْعَدِمِ (٢) .
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يُعْذَرُ بِتَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ مُمَرِّضُ الْقَرِيبِ أَوِ الرَّفِيقِ وَقَيَّدُوهُ بِأَنْ لاَ يَكُونَ مَعَهُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، لأَِنَّ ابْنَ عُمَرَ اسْتَصْرَخَ عَلَى سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَهُوَ يَتَجَمَّرُ
_________
(١) حاشية الدسوقي ١ / ٣٨٩.
(٢) روضة الطالبين ١ / ٣٥، ٣٦، والقليوبي ١ / ٢٢٨.
لِلْجُمُعَةِ فَأَتَاهُ بِالْعَقِيقِ وَتَرَكَ الْجُمُعَةَ، قَال الرَّحِيبَانِيُّ: قَال فِي الشَّرْحِ: وَلاَ نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلاَفًا.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَالأَْوْزَاعِيِّ (١) .
١٢ - وَيُبَاحُ لِلْمَرْضَى التَّخَلُّفُ عَنْ صَلاَةِ الْعِيدَيْنِ كَالْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ عِنْدَ مَنْ يَقُول: إِنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الأَْعْيَانِ وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ، أَوْ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى الأَْعْيَانِ وَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ، وَجُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنِ الْحَنَابِلَةِ.
وَلاَ يَتَأَتَّى ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ إِذْ أَنَّهَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ (٢) .
خَامِسًا: الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ لِلْمَرَضِ
١٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ لِلْمَرِيضِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ إِلَى عَدَمِ الْجَوَازِ، وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ بِمَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: مَا رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ صَلَّى صَلاَةً إِلاَّ لِمِيقَاتِهَا إِلاَّ صَلاَتَيْنِ: صَلاَةَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ وَصَلَّى الْفَجْرَ يَوْمَئِذٍ قَبْل
_________
(١) مطالب أولي النهى ١ / ٧٠٢، ٧٠٣، والمغني ١ / ٦٣٢، ٦٣٣.
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٥٥٥، والفتاوى الخانية على هامش الهندية ١ / ١٨٢، وحاشية الدسوقي ١ / ٣٩٦، والقوانين الفقهية / ٩٠، وروضة الطالبين ٢ / ٧٠، والمغني ٢ / ٣٦٧.
مِيقَاتِهَا (١) وَلأَِنَّ أَوْقَاتَ الصَّلاَةِ قَدْ ثَبَتَتْ بِلاَ خِلاَفٍ، وَلاَ يَجُوزُ إِخْرَاجُ صَلاَةٍ عَنْ وَقْتِهَا إِلاَّ بِنَصٍّ غَيْرِ مُحْتَمَلٍ، إِذْ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يُخْرَجَ عَنْ أَمْرٍ ثَابِتٍ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ: لاَ يُجْمَعُ لِمَرَضٍ لأَِنَّهُ لَمْ يُنْقَل، وَلِخَبَرِ الْمَوَاقِيتِ فَلاَ يُخَالَفُ إِلاَّ بِصَرِيحٍ (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَجُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ - وَهُوَ مَا اخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ - إِلَى جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ لِلْمَرِيضِ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: جَمَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ مَطَرٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ سَفَرٍ (٣) .
وَالْمُرَادُ بِالْمَرَضِ الْمُبِيحُ لِلْجَمْعِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْقَيِّمِ هُوَ مَا يَلْحَقُهُ بِتَأْدِيَةِ كُل صَلاَةٍ فِي وَقْتِهَا مَشَقَّةٌ وَضَعْفٌ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: يَجْمَعُ إِنْ خَافَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى عَقْلِهِ، أَوْ إِنْ كَانَ الْجَمْعُ أَرْفَقَ بِهِ.
وَقَال الدَّرْدِيرُ: مَنْ خَافَ إِغْمَاءً أَوْ حُمَّى
_________
(١) حديث ابن مسعود: " ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة إلا لميقاتها ". أخرجه مسلم (٢ / ٩٣٨) .
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٥٦، وحاشية الجمل ١ / ٦١٤، وروضة الطالبين ١ / ٤٠١
(٣) حديث ابن عباس: " جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٤٩٠ - ٤٩١) .
نَافِضًا أَوْ دَوْخَةً عِنْدَ دُخُول وَقْتِ الصَّلاَةِ الثَّانِيَةِ - الْعَصْرِ أَوِ الْعِشَاءِ - قَدَّمَ الثَّانِيَةَ عِنْدَ الأُْولَى جَوَازًا عَلَى الرَّاجِحِ، فَإِنْ سَلِمَ مِنَ الإِْغْمَاءِ وَمَا بَعْدَهُ وَكَانَ قَدْ قَدَّمَ الثَّانِيَةَ أَعَادَ الثَّانِيَةَ بِوَقْتٍ ضَرُورِيٍّ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ الْجَمْعِ لِلْمَرَضِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَرَضُ مِمَّا يُبِيحُ الْجُلُوسَ فِي الْفَرِيضَةِ عَلَى الأَْوْجَهِ (١) .
وَقَال ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ يُونُسَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: يَجْمَعُ جَمْعًا صُورِيًّا، وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَ آخِرَ وَقْتِ الظُّهْرِ وَأَوَّل وَقْتِ الْعَصْرِ، وَيَحْصُل لَهُ فَضِيلَةُ أَوَّل الْوَقْتِ (٢) .
وَالْمَرِيضُ - عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ الْجَمْعِ - مُخَيَّرٌ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَلَهُ أَنْ يُرَاعِيَ الأَْرْفَقَ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ يُحَمُّ مَثَلًا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ قَدَّمَهَا إِلَى الأُْولَى بِشُرُوطِهَا، وَإِنْ كَانَ يُحَمُّ فِي وَقْتِ الأُْولَى، أَخَّرَهَا إِلَى الثَّانِيَةِ (٣) .
سَادِسًا: الْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ
١٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَرَضَ مِنْ
_________
(١) التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل ٢ / ١٥٤، والشرح الصغير ١ / ٤٨٩ ط. دار المعارف، والقوانين الفقهية / ٨٧، وروضة الطالبين ١ / ٤٠١، وكشاف القناع ٢ / ٥ - ٦، والمغني ٢ / ٢٧٧، والجمل ١ / ٦١٤.
(٢) الحطاب ٢ / ١٥٤، والشرح الصغير ١ / ٤٨٩، والزرقاني ٢ / ٤٩.
(٣) روضة الطالبين ١ / ٤٠٢، وكشاف القناع ٢ / ٥ - ٦، والمغني ٢ / ٢٧٧.
مُبِيحَاتِ الإِْفْطَارِ فِي الْجُمْلَةِ، وَالأَْصْل فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١) .
وَاخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِ الْمَرَضِ الَّذِي يُبِيحُ الإِْفْطَارَ: قَال ابْنُ قُدَامَةَ: الْمَرَضُ لاَ ضَابِطَ لَهُ، فَإِنَّ الأَْمْرَاضَ تَخْتَلِفُ: مِنْهَا مَا يَضُرُّ صَاحِبَهُ الصَّوْمُ، وَمِنْهَا مَا لاَ أَثَرَ لِلصَّوْمِ فِيهِ كَوَجَعِ الضِّرْسِ، وَجُرْحٍ فِي الأُْصْبُعِ، وَالدُّمَّل، وَالْقُرْحَةِ الْيَسِيرَةِ، وَالْجَرَبِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، فَلَمْ يَصْلُحِ الْمَرَضُ ضَابِطًا، وَأَمْكَنَ اعْتِبَارُ الْحِكْمَةِ، وَهُوَ مَا يُخَافُ مِنْهُ الضَّرَرُ (٢) .
وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا مَا قَالَهُ الْكَاسَانِيُّ: إِنَّ مُطْلَقَ الْمَرَضِ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِلرُّخْصَةِ، لأَِنَّ الرُّخْصَةَ بِسَبَبِ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ لِمَعْنَى الْمَشَقَّةِ بِالصَّوْمِ تَيْسِيرًا لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَتَخْفِيفًا عَلَيْهِمَا، وَمِنَ الأَْمْرَاضِ مَا يَنْفَعُهُ الصَّوْمُ وَيَخِفُّهُ، وَيَكُونُ الصَّوْمُ عَلَى الْمَرِيضِ أَسْهَل مِنَ الأَْكْل، بَل الأَْكْل يَضُرُّهُ وَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ، وَمِنَ التَّعَبُّدِ التَّرَخُّصُ بِمَا يَسْهُل عَلَى الْمَرِيضِ تَحْصِيلُهُ، وَالتَّضْيِيقُ بِمَا يَشْتَدُّ عَلَيْهِ (٣) .
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا نَوَى الْمَرِيضُ فِي رَمَضَانَ وَاجِبًا آخَرَ:
_________
(١) سورة البقرة / ١٨٤.
(٢) المغني ٣ / ١٤٧.
(٣) بدائع الصنائع ٢ / ٩٤ - ٩٥.
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَقِيل وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِمَرِيضٍ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ أَنْ يَصُومَ فِي رَمَضَانَ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ قَضَاءٍ وَنَذْرٍ وَغَيْرِهِمَا (١)، لأَِنَّ الْفِطْرَ أُبِيحَ تَخْفِيفًا وَرُخْصَةً، فَإِذَا لَمْ يُؤَدِّهِ، لَزِمَهُ الإِْتْيَانُ بِالأَْصْل (٢)، وَلأَِنَّ الرُّخْصَةَ لاِحْتِمَال تَضَرُّرِهِ وَعَجْزِهِ، فَإِذَا صَامَ انْتَفَى ذَلِكَ فَصَارَ كَالصَّحِيحِ (٣)، وَلأَِنَّ أَيَّامَ رَمَضَانَ مُتَعَيِّنَةٌ لِصَوْمِهِ، فَلَهُ التَّرَخُّصُ بِالْفِطْرِ أَوِ الصِّيَامِ عَنْ رَمَضَانَ (٤) . إِلاَّ أَنَّهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ يَلْغُو صَوْمُهُ وَلاَ يُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَقَعُ عَنْ رَمَضَانَ سَوَاءٌ نَوَى وَاجِبًا آخَرَ أَوْ لَمْ يَنْوِ (٥) .
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةِ الْكَرْخِيِّ إِلَى أَنَّهُ إِنْ نَوَى وَاجِبًا آخَرَ وَقَعَ عَنْهُ، وَإِلاَّ وَقَعَ عَنْ رَمَضَانَ، لأَِنَّ الشَّارِعَ خَصَّ لَهُ لِيَصْرِفَهُ إِلَى مَا هُوَ الأَْهَمُّ عِنْدَهُ مِنَ الصَّوْمِ أَوِ الْفِطْرِ، فَصَارَ كَشَعْبَانَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، فَلَمَّا نَوَى وَاجِبًا آخَرَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ الأَْهَمُّ عِنْدَهُ، فَيَقَعُ عَنْهُ (٦) .
وَالْكَلاَمُ عَلَى خَوْفِ الْمَرِيضِ زِيَادَةَ مَرَضِهِ
_________
(١) الاختيار ١ / ١٢٧، ١٢٨، وحاشية الدسوقي ١ / ٥٣٦، وروضة الطالبين ٢ / ٣٧٣، وكشاف القناع ٢ / ٣١٢.
(٢) كشاف القناع ٢ / ٣١٢.
(٣) الاختيار ١ / ١٢٧، ١٢٨.
(٤) روضة الطالبين ٢ / ٣٧٣.
(٥) المراجع السابقة.
(٦) الاختيار ١٢٧، ١٢٨.