الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦ الصفحة 70

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦

وَيَجِبُ عَلَى الرَّسُول مِنْ قِبَل اللَّهِ تَعَالَى تَبْلِيغُ الدَّعْوَةِ إِلَى الْمُرْسَل إِلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُول بَلِّغْ مَا أُنْزِل إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَل فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ .

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (رَسُولٌ ف ١، ٢ وَمَا بَعْدَهَا) .

مَرَضٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْمَرَضُ فِي اللُّغَةِ: السَّقَمُ، نَقِيضُ الصِّحَّةِ يَكُونُ لِلإِْنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ.

وَالْمَرَضُ أَيْضًا: حَالَةٌ خَارِجَةٌ عَنِ الطَّبْعِ ضَارَّةٌ بِالْفِعْل، قَال ابْنُ الأَْعْرَابِيِّ: أَصْل الْمَرَضِ النُّقْصَانُ (١) .

وَقَال الْفَيْرُوزُ آبَادِي: الْمَرَضُ إِظْلاَمُ الطَّبِيعَةِ وَاضْطِرَابُهَا بَعْدَ صَفَائِهَا وَاعْتِدَالِهَا.

وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: حَالَةٌ غَيْرُ طَبِيعِيَّةٍ فِي بَدَنِ الإِْنْسَانِ تَكُونُ بِسَبَبِهَا الأَْفْعَال الطَّبِيعِيَّةُ وَالنَّفْسَانِيَّةُ وَالْحَيَوَانِيَّةُ غَيْرَ سَلِيمَةٍ.

وَقِيل: الْمَرَضُ مَا يَعْرِضُ لِلْبَدَنِ فَيُخْرِجُهُ عَنِ الاِعْتِدَال الْخَاصِّ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الصِّحَّةُ

٢ - الصِّحَّةُ فِي الْبَدَنِ حَالَةٌ طَبِيعِيَّةٌ تُجْرَى الأَْفْعَال مَعَهَا عَلَى الْمَجْرَى الطَّبِيعِيِّ، وَرَجُلٌ

_________

(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والقاموس المحيط.

(٢) المصباح المنير، والتعريفات للجرجاني، وقواعد الفقه للبركتي.

صَحِيحُ الْجَسَدِ خِلاَفُ مَرِيضٍ، وَجَمْعُهُ أَصِحَّاءُ.

وَالصِّحَّةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ كَوْنُ الْفِعْل مُسْقِطًا لِلْقَضَاءِ فِي الْعِبَادَاتِ، أَوْ سَبَبًا لِتَرَتُّبِ ثَمَرَاتِهِ الْمَطْلُوبَةِ عَلَيْهِ شَرْعًا فِي الْمُعَامَلاَتِ، وَبِإِزَائِهِ الْبُطْلاَنُ (١) .

وَالْعِلاَقَةُ بَيْنَ الْمَرَضِ وَالصِّحَّةِ الْبَدَنِيَّةِ الضِّدِّيَّةُ.

ب - مَرَضُ الْمَوْتِ

٣ - مَرَضُ الْمَوْتِ مُرَكَّبٌ مِنْ كَلِمَتَيْنِ: مَرَضٌ وَمَوْتٌ.

أَمَّا الْمَرَضُ فَقَدْ سَبَقَ تَعْرِيفُهُ، وَالْمَوْتُ: هُوَ مُفَارَقَةُ الرُّوحِ الْجَسَدَ (٢) .

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعْرِيفِ مَرَضِ الْمَوْتِ اصْطِلاَحًا، وَلَكِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَرَضُ مَخُوفًا: أَيْ يَغْلِبُ الْهَلاَكُ مِنْهُ عَادَةً أَوْ يَكْثُرُ، وَأَنْ يَتَّصِل الْمَرَضُ بِالْمَوْتِ، سَوَاءٌ وَقَعَ الْمَوْتُ بِسَبَبِهِ أَمْ بِسَبَبٍ آخَرَ خَارِجِيٍّ عَنِ الْمَرَضِ كَقَتْلٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ حَرِيقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (٣) .

وَعِلاَقَةُ الْمَرَضِ بِمَرَضِ الْمَوْتِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ، إِذْ مَرَضُ الْمَوْتِ مَرَضٌ وَلَيْسَ الْعَكْسُ.

_________

(١) التعريفات للجرجاني، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط.

(٢) نهاية المحتاج ٢ / ٤٢٣ ط المكتبة الإسلامية.

(٣) الجمل ٤ / ٥٣ ط. دار إحياء التراث العربي، والزيلعي ٢ / ٢٤٨ ط. دار المعرفة.

ج - التَّدَاوِي

٤ - التَّدَاوِي لُغَةً: مَصْدَرُ تَدَاوَى أَيْ: تَعَاطَى الدَّوَاءَ، وَأَصْلُهُ دَوَى يُدْوِي دَوِيًّا أَيْ مَرِضَ، وَأَدْوَى فُلاَنًا يُدْوِيهِ بِمَعْنَى: أَمْرَضَهُ، وَبِمَعْنَى عَالَجَهُ أَيْضًا، فَهِيَ مِنَ الأَْضْدَادِ (١) .

وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِكَلِمَةِ التَّدَاوِي عَنْ هَذَا الْمَعْنَى (٢) .

وَالصِّلَةُ أَنَّ التَّدَاوِي قَدْ يَكُونُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى سَبَبًا لِلشِّفَاءِ وَزَوَال الْمَرَضِ.

أَقْسَامُ الْمَرَضِ

٥ - قَال ابْنُ قُدَامَةَ: الأَْمْرَاضُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:

الْقِسْمُ الأَْوَّل: مَرَضٌ غَيْرُ مَخُوفٍ مِثْل: وَجَعِ الْعَيْنِ، وَالضِّرْسِ وَالصُّدَاعِ الْيَسِيرِ، وَحُمَّى سَاعَةٍ، فَهَذَا حُكْمُ صَاحِبِهِ حُكْمُ الصَّحِيحِ لأَِنَّهُ لاَ يُخَافُ مِنْهُ فِي الْعَادَةِ.

الْقِسْمُ الثَّانِي: الأَْمْرَاضُ الْمُمْتَدَّةُ كَالْجُذَامِ وَحُمَّى الرِّبْعِ - وَهِيَ الَّتِي تَأْخُذُ يَوْمًا وَتَذْهَبُ يَوْمَيْنِ وَتَعُودُ فِي الرَّابِعِ (٣) - وَالْفَالِجُ فِي انْتِهَائِهِ، وَالسُّل فِي ابْتِدَائِهِ، وَالْحُمَّى الْغِبُّ،

_________

(١) لسان العرب، ومختار الصحاح، والمعجم الوسيط.

(٢) الفتاوى الهندية ٢ / ٣٩١ وما بعدها ط. بولاق، والفواكه الدواني ٢ / ٤٣٩ وما بعدها ط. مصطفى البابي الحلبي، وحاشية العدوي ٢ / ٣٩١ وما بعدها ط. الحلبي، وروضة الطالبين ٢ / ٩٦، وكشاف القناع ٢ / ٧٦.

(٣) كشاف القناع ٤ / ٢٢٤.

فَهَذَا الْقِسْمُ: إِنْ كَانَ صَاحِبُهَا يَذْهَبُ وَيَجِيءُ، وَلَمْ يَكُنْ صَاحِبَ فِرَاشٍ فَعَطَايَاهُ كَالصَّحِيحِ مِنْ جَمِيعِ الْمَال، وَإِنْ أَضْنَى صَاحِبُهَا عَلَى فِرَاشِهِ فَهِيَ مَخُوفَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ، وَبَهْ يَقُول الأَْوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ لأَِنَّهُ مَرِيضٌ صَاحِبُ فِرَاشٍ يَخْشَى التَّلَفَ فَأَشْبَهَ صَاحِبَ الْحُمَّى الدَّائِمَةِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي صَاحِبِ الأَْمْرَاضِ الْمُمْتَدَّةِ وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ عَطِيَّتَهُ مِنْ صُلْبِ الْمَال، لأَِنَّهُ لاَ يُخَافُ تَعْجِيل الْمَوْتِ فِيهِ وَإِنْ كَانَ لاَ يَبْرَأُ، فَهُوَ كَالْهَرَمِ.

الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَرَضٌ مَخُوفٌ يُتَحَقَّقُ تَعْجِيل الْمَوْتِ بِسَبَبِهِ فَيُنْظَرُ فِيهِ: فَإِنْ كَانَ عَقْلُهُ قَدِ اخْتَل مِثْل مَنْ ذَبَحَ أَوْ أُبِينَتْ حَشْوَتُهُ، فَهَذَا كَمَيِّتٍ لاَ حُكْمَ لِكَلاَمِهِ وَلاَ لِعَطِيَّتِهِ، لأَِنَّهُ لاَ يَبْقَى لَهُ عَقْلٌ ثَابِتٌ، وَإِنْ كَانَ ثَابِتَ الْعَقْل كَمَنْ خُرِقَتْ حَشْوَتُهُ أَوِ اشْتَدَّ مَرَضُهُ وَلَكِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَقْلُهُ صَحَّ تَصَرُّفُهُ وَتَبَرُّعُهُ، وَكَانَ تَبَرُّعُهُ مِنَ الثُّلُثِ، فَإِنْ عَمَّرَ ﵁ خَرَجَتْ حَشْوَتُهُ فَقُبِلَتْ وَصِيَّتُهُ وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ، وَعَلِيٌّ ﵁ بَعْدَ ضَرْبِ ابْنِ مُلْجِمٍ أَوْصَى وَأَمَرَ وَنَهَى فَلَمْ يُحْكَمْ بِبُطْلاَنِ قَوْلِهِ.

الْقِسْمُ الرَّابِعُ: مَرَضٌ مَخُوفٌ لاَ يُتَعَجَّل مَوْتُ صَاحِبِهِ يَقِينًا لَكِنَّهُ يُخَافُ ذَلِكَ كَالْبِرْسَامِ - هُوَ

بُخَارٌ يَرْتَقِي إِلَى الرَّأْسِ، وَيُؤَثِّرُ فِي الدِّمَاغِ، فَيَخْتَل عَقْل صَاحِبِهِ (١) - وَوَجَعُ الْقَلْبِ وَالرِّئَةِ وَأَمْثَالِهَا، فَإِنَّهَا لاَ تَسْكُنُ حَرَكَتُهَا، فَلاَ يَنْدَمِل جُرْحُهَا، فَهَذِهِ كُلُّهَا مَخُوفَةٌ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا حُمَّى أَوْ لَمْ يَكُنْ.

وَأَمَّا مَا أَشْكَل أَمْرُهُ فَصَرَّحَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى قَوْل أَهْل الْمَعْرِفَةِ، وَهُمُ الأَْطِبَّاءُ، لأَِنَّهُمْ أَهْل الْخِبْرَةِ بِذَلِكَ وَالتَّجْرِبَةِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَلاَ يُقْبَل إِلاَّ قَوْل طَبِيبَيْنِ، مُسْلِمَيْنِ، ثِقَتَيْنِ، بَالِغَيْنِ، لأَِنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْوَارِثِ وَأَهْل الْعَطَايَا فَلَمْ يُقْبَل فِيهِ إِلاَّ ذَلِكَ (٢) .

وَخُلاَصَةُ الْقَوْل: أَنَّ الْمَرَضَ الْمَخُوفَ بِأَنْوَاعِهِ إِنِ اتَّصَل بِهِ الْمَوْتُ كَانَ مَرَضَ الْمَوْتِ وَيَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ مَرَضِ الْمَوْتِ، وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَتَّصِل بِهِ الْمَوْتُ، بِأَنْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ، ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الصَّحِيحِ، لأَِنَّهُ لَمَّا صَحَّ بَعْدَ الْمَرَضِ تَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَرَضَ الْمَوْتِ (٣) .

وَلِتَفْصِيل الأَْحْكَامِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى مَرَضِ

_________

(١) المغني ٦ / ٢٨٥.

(٢) المغني ٦ / ٨٤ وما بعدها ط. الرياض.

(٣) ابن عابدين ٢ / ٥٢٠ ط. بولاق، وبدائع الصنائع ٢ / ٢٢٤ ط. الدار العربية للكتاب، والأشباه والنظائر لابن نجيم / ٨٢ - ط. دار ومكتبة الهلال، ومواهب الجليل ٥ / ٧٨ ط. دار الفكر، والجمل ٤ / ٥٣، والمغني ٦ / ٨٤ وما بعدها.

الْمَوْتِ، وَالْحَالاَتِ الَّتِي تَلْحَقُ بِهِ يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ (مَرَضُ الْمَوْتِ) .

أَحْكَامُ الْمَرَضِ:

الرُّخَصُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَرَضِ

٦ - الأَْصْل أَنَّ الْمَرَضَ لاَ يُنَافِي أَهْلِيَّةَ الْحُكْمِ - أَيْ ثُبُوتَ الْحُكْمِ وَوُجُوبَهُ عَلَى الإِْطْلاَقِ - سَوَاءٌ كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ أَوِ الْعِبَادِ، وَلاَ أَهْلِيَّةَ الْعِبَارَةِ - أَيِ: التَّصَرُّفَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْحُكْمِ - إِذْ لاَ خَلَل فِي الذِّمَّةِ وَالْعَقْل اللَّذَيْنِ هُمَا مَنَاطُ الأَْحْكَامِ، وَلِهَذَا صَحَّ نِكَاحُ الْمَرِيضِ وَطَلاَقُهُ وَإِسْلاَمُهُ، وَانْعَقَدَتْ تَصَرُّفَاتُهُ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ - كَمَا سَيَأْتِي - إِلاَّ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِيهِ نَوْعٌ مِنَ الْعَجْزِ شُرِعَتِ الْعِبَادَاتُ فِيهِ عَلَى حَسَبِ الْقُدْرَةِ الْمُمْكِنَةِ، وَأُخِّرَ مَا لاَ قُدْرَةَ عَلَيْهِ أَوْ مَا فِيهِ حَرَجٌ (١) .

وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ ذَلِكَ:

أَوَّلًا: جَوَازُ التَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ لِلْمَرَضِ

٧ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمَرِيضَ إِذَا تَيَقَّنَ التَّلَفَ بِاسْتِعْمَال الْمَاءِ فِي الطَّهَارَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْخَوْفِ الْمُبِيحِ لِلتَّيَمُّمِ.

وَالتَّفْصِيل فِي (تَيَمُّمٌ ف ٢١ وَمَا بَعْدَهَا) .

_________

(١) فواتح الرحموت ١ / ١٧٤ ط. دار صادر، وكشف الأسرار ٤ / ٣٠٧ ط. دار الكتاب العربي، وقرة عيون الأخيار ٢ / ١٢٧، والتلويح على التوضيح ٢ / ١٧٧ ط مكتبة. محمد علي صبيح.

ثَانِيًا: الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ

٨ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ بِشُرُوطِهَا.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ كَيْفِيَّةُ تَطَهُّرِ وَاضِعِ الْجَبِيرَةِ وَمَا يَنْقُضُ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ فِي مُصْطَلَحِ (جَبِيرَةٌ ف ٤ - ٨) .

ثَالِثًا: كَيْفِيَّةُ صَلاَةِ الْمَرِيضِ وَاسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ

٩ - الأَْصْل فِي الْمُصَلِّي أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا غَيْرَ مُسْتَنِدٍ إِلَى شَيْءٍ، فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ لِمَرَضٍ صَلَّى قَائِمًا مُسْتَنِدًا، ثُمَّ جَالِسًا مُسْتَقْبِلًا، ثُمَّ جَالِسًا مُسْتَنِدًا، ثُمَّ مُضْطَجِعًا عَلَى جَنْبِهِ الأَْيْمَنِ مُسْتَقْبِل الْقِبْلَةِ بِوَجْهِهِ، ثُمَّ مُسْتَلْقِيًا عَلَى ظَهْرِهِ مُسْتَقْبِل الْقِبْلَةِ بِرِجْلَيْهِ، ثُمَّ مُضْطَجِعًا عَلَى جَنْبِهِ الأَْيْسَرِ، وَيُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي الاِضْطِجَاعِ وَالاِسْتِلْقَاءِ.

فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ وَكَانَ عَقْلُهُ ثَابِتًا: فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَجُمْهُورُ الْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّهُ يَنْوِي الصَّلاَةَ بِقَلْبِهِ مَعَ الإِْيمَاءِ بِطَرْفِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ: إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ (١)، وَلِوُجُودِ مَنَاطِ التَّكْلِيفِ الَّذِي هُوَ الْعَقْل.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - مَا عَدَا زُفَرَ - وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ

_________

(١) حديث: " إذا أمرتكم بشيء فأتوا. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣ / ٢٥١) ومسلم (٢ / ٩٧٥) من حديث أبي هريرة ﵁.

الْمَالِكِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا ابْنُ تَيْمِيَّةَ إِلَى أَنَّهُ إِنْ تَعَذَّرَ الإِْيمَاءُ بِرَأْسِهِ تَسْقُطُ عَنْهُ الصَّلاَةُ لأَِنَّ مُجَرَّدَ الْعَقْل لاَ يَكْفِي لِتَوَجُّهِ الْخِطَابِ.

وَقَال - زُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - إِنَّهُ إِنْ تَعَذَّرَ الإِْيمَاءُ بِرَأْسِهِ يُومِئُ بِحَاجِبَيْهِ فَإِنْ عَجَزَ فَبِعَيْنَيْهِ، وَإِنْ عَجَزَ فَبِقَلْبِهِ (١) .

إِلاَّ أَنَّ سُقُوطَ الصَّلاَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ مُقَيَّدٌ بِكَثْرَةِ الْفَوَائِتِ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، أَمَّا لَوْ كَانَتْ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَوْ أَقَل وَهُوَ يَعْقِل فَلاَ تَسْقُطُ بَل تُقْضَى إِذَا صَحَّ اتِّفَاقًا، وَلَوْ مَاتَ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الصَّلاَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ حَتَّى لاَ يَلْزَمَهُ الإِْيصَاءُ بِهَا، كَالْمُسَافِرِ إِذَا أَفْطَرَ وَمَاتَ قَبْل الإِْقَامَةِ.

وَكَذَلِكَ لَوِ اشْتَبَهَ عَلَى الْمَرِيضِ أَعْدَادُ الرَّكَعَاتِ وَالسَّجَدَاتِ بِأَنْ وَصَل إِلَى حَالٍ لاَ يُمْكِنُهُ ضَبْطُ ذَلِكَ، فَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ الأَْدَاءُ، وَلَوْ أَدَّاهَا بِتَلْقِينِ غَيْرِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْزِئَهُ (٢) .

وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْمَرِيضَ يَفْعَل فِي

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٥٠٨ وما بعدها ط. بولاق، والخانية على هامش الفتاوى الهندية ١ / ١٧٢، والقوانين الفقهية / ٦٣، ٦٤ ط الدار العربية للكتاب، والوجيز ١ / ٤٢، وأسنى المطالب ١ / ١٤٨، والمغني٢ / ١٤٩، والإنصاف ٢ / ٣٠٨، ٣٠٩ ط. دار إحياء التراث العربي، ومطالب أولي النهى ١ / ٧٠٦.

(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ٥١٠، ٥١١.

صَلاَتِهِ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّشَهُّدِ مَا يَفْعَلُهُ الصَّحِيحُ، لأَِنَّ مُفَارَقَةَ الْمَرِيضِ الصَّحِيحَ فِيمَا هُوَ عَاجِزٌ عَنْهُ، وَأَمَّا فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَهُوَ كَالصَّحِيحِ (١) .

وَإِنْ قَضَى الْمَرِيضُ فَوَائِتَ الصِّحَّةِ فِي الْمَرَضِ، قَضَاهَا كَمَا قَدَرَ قَاعِدًا أَوْ مُومِئًا.

وَإِنْ صَلَّى قَبْل الْوَقْتِ خَطَأً أَوْ عَمْدًا مَخَافَةَ أَنْ يَشْغَلَهُ الْمَرَضُ عَنِ الصَّلاَةِ إِذَا حَانَ الْوَقْتُ، لَمْ يُجْزِئْهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ صَلَّى بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ أَوْ بِغَيْرِ وُضُوءٍ (٢) .

وَإِذَا كَانَ الْمَرِيضُ عَلَى فِرَاشٍ نَجِسٍ إِنْ كَانَ لاَ يَجِدُ فِرَاشًا طَاهِرًا، أَوْ يَجِدُهُ لَكِنْ لاَ يَجِدُ أَحَدًا يُحَوِّلُهُ إِلَى فِرَاشٍ طَاهِرٍ، يُصَلِّي عَلَى الْفِرَاشِ النَّجِسِ، وَإِنْ كَانَ يَجِدُ أَحَدًا يُحَوِّلُهُ، يَنْبَغِي أَنْ يَأْمُرَهُ بِذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ، وَصَلَّى عَلَى الْفِرَاشِ النَّجِسِ لاَ تَجُوزُ صَلاَتُهُ.

وَإِنْ كَانَتْ تَحْتَهُ ثِيَابٌ نَجِسَةٌ، وَكَانَ بِحَالٍ لاَ يُبْسَطُ شَيْءٌ إِلاَّ وَيَتَنَجَّسُ مِنْ سَاعَتِهِ يُصَلِّي عَلَى حَالِهِ، وَكَذَا إِذَا لَمْ يَتَنَجَّسِ الثَّانِي لَكِنْ تَلْحَقُهُ زِيَادَةُ مَشَقَّةٍ بِالتَّحْوِيل (٣) .

وَتَفْصِيل الْكَلاَمِ عَلَى كَيْفِيَّةِ صَلاَةِ الْمَرِيضِ مِنْ قِيَامٍ وَجُلُوسٍ وَاضْطِجَاعٍ وَغَيْرِهَا وَكَذَلِكَ الْكَلاَمُ عَلَى الْعَجْزِ الْمُؤَقَّتِ، وَطُمَأْنِينَةِ الْمَرِيضِ

_________

(١) الفتاوى الهندية ١ / ١٣٧.

(٢) الفتاوى الهندية ١ / ١٣٨.

(٣) الفتاوى الهندية ١ / ١٣٨، وحاشية ابن عابدين ١ / ٥١٣.