الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦
وَالصِّلَةُ: أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمَرْحَلَةِ وَالْمِيل تُقَدَّرُ بِهِ الْمَسَافَاتُ فِي الشَّرْعِ.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَرْحَلَةِ:
اعْتَبَرَ الشَّارِعُ الْمَرْحَلَةَ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا:
أ - قِصَرُ الصَّلاَةِ الرُّبَاعِيَّةِ ٤ - قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَْرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ﴾ وَالْمُرَادُ بِالضَّرْبِ فِي الأَْرْضِ: السَّفَرُ، وَهُوَ قَطْعُ مَسَافَةٍ مِنَ الأَْرْضِ (١)، وَلَيْسَ فِي الآْيَةِ قَدْرُ الْمَسَافَةِ الَّتِي يَلْزَمُ قَطْعُهَا لِيَقْصُرَ مِنَ الصَّلاَةِ.
وَلَكِنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ قَدَّرُوهَا بِاعْتِبَارِ الْمَكَانِ بِأَرْبَعَةِ بُرُدٍ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا اسْتِنَادًا إِلَى بَعْضِ الآْثَارِ، وَبِاعْتِبَارِ الزَّمَانِ بِمَرْحَلَتَيْنِ: وَهُمَا سَيْرُ يَوْمَيْنِ مُعْتَدِلَيْنِ بِلاَ لَيْلَةٍ، أَوْ لَيْلَتَيْنِ بِلاَ يَوْمٍ مُعْتَدِلَيْنِ أَوْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ كَذَلِكَ بِسَيْرِ الأَْثْقَال: أَيِ الْحَيَوَانَاتِ الْمُثْقَلَةِ بِالأَْحْمَال، وَدَبِيبِ الأَْقْدَامِ عَلَى الْعَادَةِ الْمُعْتَادَةِ مِنَ النُّزُول وَالاِسْتِرَاحَةِ وَالأَْكْل وَالصَّلاَةِ (٢) .
_________
(١) المصباح المنير.
(٢) مغني المحتاج ١ / ٢٦٦، والمحلي شرح المنهاج ١ / ٢٥٩، والشرح الصغير ١ / ٤٧٥، والخرشي ١ / ٥٦ - ٥٧، وحاشية الزرقاني ٢ / ٣٨، والمغني ٢ / ٢٥٦.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَقَل مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلاَةُ مَسِيرَةُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، وَقَال: السَّرَخْسِيُّ: قَدَّرَهَا بَعْضُ مَشَائِخِنَا بِثَلاَثِ مَرَاحِل، لأَِنَّ الْمُعْتَادَ فِي السَّفَرِ فِي كُل يَوْمٍ مَرْحَلَةٌ وَاحِدَةٌ خُصُوصًا فِي أَقْصَرِ أَيَّامِ السَّنَةِ، وَقَدَّرَ أَبُو يُوسُفَ أَقَل مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلاَةُ بِيَوْمَيْنِ وَالأَْكْثَرُ مِنَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَأَقَامَ الأَْكْثَرَ مِنَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ مَقَامَ الْكَمَال، وَقَال السَّرَخْسِيُّ: وَلاَ مَعْنَى بِالتَّقْدِيرِ بِالْفَرَاسِخِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الطُّرُقِ فِي السُّهُول وَالْجِبَال، وَالْبَحْرِ وَالْبَرِّ، وَإِنَّمَا التَّقْدِيرُ بِالأَْيَّامِ وَالْمَرَاحِل، لأَِنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ عِنْدَ النَّاسِ فَيَرْجِعُ إِلَيْهِمْ عِنْدَ الاِشْتِبَاهِ (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَةُ الْمُسَافِرِ ف ١١) .
ب - غَيْبَةُ وَلِيِّ الْمَرْأَةِ إِلَى مَرْحَلَتَيْنِ
٥ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا غَابَ الْوَلِيُّ الأَْقْرَبُ لِلْمَرْأَةِ إِلَى مَرْحَلَتَيْنِ وَلاَ وَكِيل لَهُ حَاضِرٌ بِالْبَلَدِ أَوْ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، زَوَّجَهَا سُلْطَانُ بَلَدِهَا أَوْ نَائِبُهُ لاَ سُلْطَانُ غَيْرُ بَلَدِهَا وَلاَ الأَْبْعَدُ مِنَ الْعَصَبَةِ عَلَى الأَْصَحِّ، لأَِنَّ الْغَائِبَ وَلِيٌّ وَالتَّزْوِيجُ حَقٌّ لَهُ، فَإِذَا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْهُ نَابَ عَنْهُ الْحَاكِمُ (٢) .
_________
(١) المبسوط ١ / ٢٣٥ - ٢٣٦.
(٢) مغني المحتاج ٣ / ١٥٧.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (غَيْبَةٌ ف ٢) .
ج - جَوَازُ صَرْفِ الزَّكَاةِ لِمَنْ لَهُ مَالٌ غَائِبٌ إِلَى مَرْحَلَتَيْنِ
٦ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ لِمَنْ لَهُ مَالٌ غَائِبٌ بِمَسَافَةِ مَرْحَلَتَيْنِ، وَلَهُ أَخْذُهَا حَتَّى يَصِل إِلَى مَالِهِ، لأَِنَّهُ قَبْل ذَلِكَ مُعْسِرٌ (١) .
(ر: فَقِيرٌ ف ٤) .
د - اشْتِرَاطُ وُجُودِ الرَّاحِلَةِ لِوُجُوبِ الْحَجِّ
٧ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْحَجِّ وُجُودَ الرَّاحِلَةِ إِذَا كَانَ بَيْنَ الْمُكَلَّفِ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ فَأَكْثَرُ، فَإِذَا لَمْ يَجِدْ رَاحِلَةً فَلاَ يَجِبُ الْحَجُّ وَإِنْ كَانَ قَوِيًّا يَسْتَطِيعُ الْمَشْيَ، أَمَّا إِذَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْمَشْيِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِالْمَشْيِ.
(ر: حَجٌّ ف ١٤) .
_________
(١) مغني المحتاج ٣ / ١٠٦.
مُرْسَلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْمُرْسَل فِي اللُّغَةِ: اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ أَرْسَل، وَمُجَرَّدُهُ رَسْلٌ، وَالرَّسَل - بِفَتْحَتَيْنِ - الْقَطِيعُ مِنَ الإِْبِل، وَالْجَمْعُ أَرْسَالٌ. وَأَرْسَلْتُ رَسُولًا: بَعَثْتُهُ بِرِسَالَةٍ يُؤَدِّيهَا، وَأَرْسَلْتُ الطَّائِرَ مِنْ يَدِي: أَطْلَقْتُهُ، وَتَرَاسَل الْقَوْمُ: أَرْسَل بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ رَسُولًا أَوْ رِسَالَةً (١) .
وَالْمُرْسَل: يَقْتَضِي إِطْلاَقَ غَيْرِهِ لَهُ، وَالرَّسُول: يَقْتَضِي إِطْلاَقَ لِسَانِهِ بِالرِّسَالَةِ (٢) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٣) .
وَالْمُرْسَل عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ كَمَا جَاءَ فِي مُسَلَّمِ الثَّبُوتِ هُوَ قَوْل الْعَدْل: قَال عَلَيْهِ السَّلاَمُ كَذَا، وَقَال صَاحِبُ فَوَاتِحِ الرَّحَمُوتِ: هَذَا اصْطِلاَحُ الأُْصُول، وَالأَْوْلَى أَنْ يُقَال: مَا رَوَاهُ
_________
(١) المصباح المنير.
(٢) الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري.
(٣) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٣ / ٤٢٦.
الْعَدْل مِنْ غَيْرِ إِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ لِيَشْمَل الْمُنْقَطِعَ.
وَأَمَّا عِنْدَ أَهْل الْحَدِيثِ فَالْمُرْسَل قَوْل التَّابِعِيِّ: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ كَذَا. وَالْمُعْضَل مَا سَقَطَ مِنْ إِسْنَادِهِ اثْنَانِ مِنَ الرُّوَاةِ.
وَالْمُنْقَطِعُ مَا سَقَطَ وَاحِدٌ مِنْهَا.
وَالْمُعَلَّقُ مَا رَوَاهُ مِنْ دُونِ التَّابِعِيِّ مِنْ غَيْرِ سَنَدٍ.
وَالْكُل دَاخِلٌ فِي الْمُرْسَل عِنْدَ أَهْل الأُْصُول (١) .
وَقَدْ يُطْلَقُ لَفْظُ الْمُرْسَل وَيُرَادُ بِهِ: الْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ عِنْدَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْوَكِيل
٢ - مِنْ مَعَانِي الْوَكِيل فِي اللُّغَةِ: الَّذِي يَقُومُ بِالأَْمْرِ، يُقَال: وَكِيل الرَّجُل الَّذِي يَقُومُ بِأَمْرِهِ، سُمِّيَ وَكِيلًا لأَِنَّ مُوَكِّلَهُ قَدْ وَكَّل إِلَيْهِ الْقِيَامَ بِأَمْرِهِ وَالْوَكِيل عَلَى هَذَا فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ.
وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى فَاعِلٍ أَيْ حَافِظٌ،
_________
(١) فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت مع المستصفى ٢ / ١٧٤.
(٢) فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت مع المستصفى ٢ / ٢٦٦، وتهذيب الفروق ٤ / ٧٠.
وَمِنْهُ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل (١) .
وَالْوَكِيل اصْطِلاَحًا: الْقَائِمُ بِمَا فُوِّضَ إِلَيْهِ فِيمَا يَقْبَل النِّيَابَةَ (٢) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَكِيل وَالْمُرْسَل أَنَّ الْوَكِيل قَدْ يَكُونُ أَعَمَّ مِنَ الْمُرْسَل.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْوَكِيل وَالْمُرْسَل فَقَال: قَال فِي الْبَحْرِ: وَفِي الْمِعْرَاجِ قِيل: الْفَرْقُ بَيْنَ الرَّسُول وَالْوَكِيل أَنَّ الْوَكِيل لاَ يُضِيفُ الْعَقْدَ إِلَى الْمُوَكِّل، وَالرَّسُول لاَ يَسْتَغْنِي عَنْ إِضَافَتِهِ إِلَى الْمُرْسِل.
وَفِي الْفَوَائِدِ: صُورَةُ التَّوْكِيل أَنْ يَقُول الْمُشْتَرِي لِغَيْرِهِ: كُنْ وَكِيلًا فِي قَبْضِ الْمَبِيعِ، أَوْ وَكَّلْتُكَ بِقَبْضِهِ، وَصُورَةُ الرَّسُول: أَنْ يَقُول: كُنْ رَسُولًا عَنِّي فِي قَبْضِهِ أَوْ أَرْسَلْتُكَ لِتَقْبِضَهُ، أَوْ قُل لِفُلاَنٍ: أَنْ يَدْفَعَ الْمَبِيعَ إِلَيْكَ، وَقِيل: لاَ فَرْقَ بَيْنَ الرَّسُول وَالْوَكِيل فِي فَصْل الأَْمْرِ بِأَنْ قَال: اقْبِضِ الْمَبِيعَ فَلاَ يَسْقُطُ الْخِيَارُ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّ الرَّسُول لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ إِضَافَةِ الْعَقْدِ إِلَى مُرْسِلِهِ لأَِنَّهُ مُعَبِّرٌ وَسَفِيرٌ، بِخِلاَفِ الْوَكِيل فَإِنَّهُ لاَ يُضِيفُ الْعَقْدَ إِلَى الْمُوَكِّل إِلاَّ فِي مَوَاضِعَ كَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالْهِبَةِ وَالرَّهْنِ (٣) .
وَجَاءَ فِي الْمَبْسُوطِ: الرَّسُول لَيْسَ لَهُ إِلاَّ
_________
(١) المصباح المنير ولسان العرب، وأسنى المطالب ٢ / ٢٦٠.
(٢) المغرب في ترتيب المعرب، وانظر مغني المحتاج ٢ / ٢١٧.
(٣) حاشية ابن عابدين ٤ / ٣٩٩، وينظر البدائع ٦ / ٤٤، ٣٤.
تَبْلِيغُ الرِّسَالَةِ، فَأَمَّا إِتْمَامُ مَا أُرْسِل بِهِ لَيْسَ إِلَيْهِ كَالرَّسُول بِالْعَقْدِ لَيْسَ إِلَيْهِ مِنَ الْقَبْضِ وَالتَّسْلِيمِ شَيْءٌ (١) . وَلَمْ يُفَرِّقِ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ الْمُرْسَل وَالْوَكِيل الْمَخْصُوصِ، وَإِنَّمَا فَرَّقُوا بَيْنَ الْمُرْسَل وَالْوَكِيل الْمُفَوَّضِ (٢) .
مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُرْسَل مِنْ أَحْكَامٍ:
أَوَّلًا: الْمُرْسَل مُرَادًا بِهِ الرَّسُول:
يَتَعَلَّقُ بِالْمُرْسَل بِهَذَا الْمَعْنَى بَعْضُ الأَْحْكَامِ، وَمِنْ ذَلِكَ:
أ - انْعِقَادُ التَّصَرُّفَاتِ:
٣ - لَوْ أَرْسَل شَخْصٌ رَسُولًا إِلَى رَجُلٍ، وَقَال لِلرَّسُول: إِنِّي بِعْتُ دَابَّتِي هَذِهِ مِنْ فُلاَنٍ الْغَائِبِ بِكَذَا.
فَاذْهَبْ إِلَيْهِ وَقُل لَهُ: إِنَّ فُلاَنًا أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ، وَقَال لِي: قُل لَهُ: إِنِّي قَدْ بِعْتُ دَابَّتِي هَذِهِ مِنْ فُلاَنٍ بِكَذَا، فَذَهَبَ الرَّسُول وَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ، فَقَال الْمُشْتَرِي فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: قَبِلْتُ، انْعَقَدَ الْبَيْعُ، لأَِنَّ الرَّسُول سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ عَنْ كَلاَمِ الْمُرْسِل، نَاقِلٌ كَلاَمَهُ إِلَى الْمُرْسَل إِلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ حَضَرَ بِنَفْسِهِ فَأَوْجَبَ الْبَيْعَ وَقَبِل الآْخَرُ فِي الْمَجْلِسِ فَانْعَقَدَ الْبَيْعُ.
وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ النِّهَايَةِ أَنَّ ذَلِكَ
_________
(١) المبسوط ١٣ / ٧٣.
(٢) الخرشي ٦ / ٧٢.
يَجْرِي أَيْضًا فِي الإِْجَارَةِ وَالْهِبَةِ وَالْكِتَابَةِ (١) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَيْ (إِرْسَالٌ ف ٩، بَيْعٌ ف ٢٥) .
ب - الضَّمَانُ
٤ - قَال الدَّرْدِيرُ: الرَّسُول إِنْ كَانَ رَسُول رَبِّ الْمَال فَالدَّافِعُ لَهُ يَبْرَأُ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ وَلَوْ مَاتَ قَبْل الْوُصُول، وَيَرْجِعُ الْكَلاَمُ بَيْنَ رَبِّ الْمَال وَوَرَثَةِ الرَّسُول، فَإِنْ مَاتَ قَبْل الْوُصُول رَجَعَ فِي تَرِكَتِهِ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَهُ فَلاَ رُجُوعَ، وَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ أَوْصَلَهُ لِرَبِّهِ، وَإِنْ كَانَ الرَّسُول رَسُول مَنْ عِنْدَهُ الْمَال فَلاَ يَبْرَأُ مَنْ أَرْسَلَهُ إِلاَّ بِوُصُولِهِ لِرَبِّهِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ، فَإِنْ مَاتَ قَبْل الْوُصُول رَجَعَ مُرْسِلُهُ فِي تَرِكَتِهِ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْوُصُول فَلاَ رُجُوعَ وَهِيَ مُصِيبَةٌ عَلَى الْمُرْسِل.
قَال الدُّسُوقِيُّ: أَمَّا إِذَا لَمْ يَمُتِ الْمُرْسِل وَادَّعَى أَنَّهُ أَوْصَلَهَا لِلْمُرْسَل إِلَيْهِ، وَالْمُرْسَل إِلَيْهِ يُنْكِرُ ذَلِكَ، لَمْ يُصَدَّقِ الرَّسُول إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ (٢) .
وَفِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ: لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ دَرَاهِمَ، فَأَرْسَل إِلَيْهِ رَسُولًا يَقْبِضُهَا، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مَعَ الرَّسُول دِينَارًا فَضَاعَ الدِّينَارُ مَعَ الرَّسُول، فَالدِّينَارُ مِنْ مَال الْبَاعِثِ، وَهُوَ الْمَدِينُ فَيَضِيعُ عَلَيْهِ، لأَِنَّ الْوَكِيل لَمْ يَأْمُرْهُ
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ١٣٨، والدر المختار وحاشية ابن عابدين ٤ / ١٠.
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٣ / ٤٢٦، ٤٢٧.
الْمُرْسِل بِمُصَارَفَتِهِ، إِلاَّ أَنْ يُخْبِرَ الرَّسُول الْغَرِيمَ أَنَّ رَبَّ الدَّيْنِ أَذِنَ لَهُ فِي قَبْضِ الدِّينَارِ عَنِ الدَّرَاهِمِ، فَيَكُونُ الدِّينَارُ مِنْ ضَمَانِ الرَّسُول لِتَغْرِيرِهِ الْغَرِيمَ (١)، وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (إِرْسَالٌ ف ١١، وَدِيعَةٌ) .
ثَانِيًا: الْمُرْسَل مُرَادًا بِهِ الْمُهْمَل وَالْمُسَيَّبُ
٥ - إِذَا كَانَ الْمُرْسَل غَيْرَ إِنْسَانٍ، بِأَنْ كَانَ حَيَوَانًا أَوْ صَيْدًا أَطْلَقَهُ صَاحِبُهُ وَسَيَّبَهُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي زَوَال مِلْكِ صَاحِبِهِ عَنْهُ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (سَائِبَةٌ ف ٤ - ٥) .
ثَالِثًا: الْمُرْسَل مِنَ الْحَدِيثِ
٦ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَبُول الْحَدِيثِ الْمُرْسَل وَالْعَمَل بِهِ عَلَى أَقْوَالٍ تَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحِ (إِرْسَالٌ ف ٣) .
رَابِعًا: الْمُرْسَل مُرَادًا بِهِ الْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ
٧ - ذَهَبَ الأُْصُولِيُّونَ إِلَى أَنَّ الْمُنَاسِبَ فِي الْقِيَاسِ ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ:
قِسْمٌ عُلِمَ اعْتِبَارُ الشَّارِعِ لَهُ، وَقِسْمٌ عُلِمَ إِلْغَاؤُهُ لَهُ، وَقِسْمٌ لاَ يُعْلَمُ اعْتِبَارُهُ أَوْ إِلْغَاؤُهُ، قَال الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ مَا جُهِل حَالُهُ أَيْ: سَكَتَ الشَّارِعُ عَنِ اعْتِبَارِهِ وَإِهْدَارِهِ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ، وَيُلَقَّبُ
_________
(١) كشاف القناع ٣ / ٤٨٩ - ٤٩٠.
بِالاِسْتِدْلاَل الْمُرْسَل، وَلِهَذَا سُمِّيَتْ مُرْسَلَةً أَيْ: لَمْ تُعْتَبَرْ وَلَمْ تَلْغُ، وَأَطْلَقَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَلَيْهِ اسْمَ الاِسْتِدْلاَل، وَعَبَّرَ عَنْهُ الْخُوَارِزْمِيُّ بِالاِسْتِصْلاَحِ، وَفِيهِ مَذَاهِبُ.
أ - مَنْعُ التَّمَسُّكِ بِهِ مُطْلَقًا وَهُوَ قَوْل الأَْكْثَرِينَ:
ب - الْجَوَازُ مُطْلَقًا وَهُوَ الْمَحْكِيُّ مِنْ مَالِكٍ.
ج - إِنْ كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ مُلاَئِمَةً لأَِصْلٍ كُلِّيٍّ مِنْ أُصُول الشَّرْعِ أَوْ لأَِصْلٍ جُزْئِيٍّ جَازَ بِنَاءُ الأَْحْكَامِ، وَإِلاَّ فَلاَ، وَنُسِبَ لِلشَّافِعِيِّ.
د - اخْتِيَارُ الْغَزَالِيِّ وَالْبَيْضَاوِيِّ تَخْصِيصُ الاِعْتِبَارِ بِمَا إِذَا كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ ضَرُورِيَّةً قَطْعِيَّةً كُلِّيَّةً، فَإِنْ فَاتَ أَحَدُ هَذِهِ الثَّلاَثَةِ لَمْ يُعْتَبَرْ (١) .
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
خَامِسًا: الْمُرْسَل مُرَادًا بِهِ الْوَاحِدُ مِنْ رُسُل اللَّهِ تَعَالَى
٨ - الْمُرْسَل مِنَ اللَّهِ تَعَالَى يُطْلَقُ عَلَى الْبَشَرِ الْمُرْسَلِينَ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْمَلاَئِكَةِ الْمُرْسَلِينَ إِلَى الرُّسُل مِنَ الْبَشَرِ، قَال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ .
_________
(١) البحر المحيط ٦ / ٧٦ - ٧٨.