الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦ الصفحة 62

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦

كَانَ يَأْتِي قُبَاءَ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، وَقَال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ فِي أَصْحَابِهِ يَنْقُلُونَ حِجَارَتَهُ عَلَى بُطُونِهِمْ وَيُؤَسِّسُهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ. . . (١) .

ج - الْبَقِيعُ

- وَيُقَال لَهُ: بَقِيعُ الْغَرْقَدِ، لِوُجُودِ شَجَرِ الْغَرْقَدِ فِيهِ (٢)، وَكَانَ مَقْبَرَةَ أَهْل الْمَدِينَةِ وَهُوَ يَقَعُ إِلَى الشَّرْقِ مِنَ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ أَحَادِيثُ (٣)، مِنْ أَصَحِّهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ جِبْرِيل أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْل بَقِيعِ الْغَرْقَدِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ. . . (٤) .

وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَيْضًا قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ كُلَّمَا كَانَ لَيْلَتُهَا مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْل إِلَى الْبَقِيعِ فَيَقُول: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَأَتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ غَدًا مُؤَجَّلُونَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَِهْل بَقِيعِ الْغَرْقَدِ (٥) .

_________

(١) الدرة الثمينة في تاريخ المدينة: ٢ / ٣٨٠.

(٢) الغرقد: نبات من الفصيلة الصنوبرية يرتفع قدر متر ويتكاتف حتى يغطي ما تحته.

(٣) انظر طائفة منها في هداية السالك: ١ / ١١٨ - ١١٩، والإيضاح للنووي ص١٦٢.

(٤) حديث: " أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: إن ربك يأمرك. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ٦٧١) .

(٥) حديث عائشة: " كان رسول الله ﷺ كلما كان ليلتها. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ٦٦٩) .

قَال النَّوَوِيُّ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْرُجَ زَائِرُ الْمَدِينَةِ كُل يَوْمٍ إِلَى الْبَقِيعِ خُصُوصًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ السَّلاَمِ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ (١) .

وَفِي الْبَقِيعِ قُبُورُ أَجِلَّةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، كَانَتْ قَدْ بُنِيَتْ عَلَيْهِمْ قِبَابٌ، وَقَدْ أُزِيلَتْ، لَكِنَّ أَهْل الْخِبْرَةِ يَعْرِفُونَ مَوَاضِعَهُمْ، مِنْهُمْ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵄ إِلَى الْغَرْبِ، وَشَرْقِيُّهُ قَبْرُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ وَزَيْنِ الْعَابِدِينَ وَبَعْضِ أَهْل الْبَيْتِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، كَقَبْرِ صَفِيَّةَ ﵂ عَمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِبْرَاهِيمَ ﵁ ابْنِهِ إِلَى جَنْبِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَإِلَى جَنْبِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵄ وَثَمَّةَ مَوْضِعُ قُبُورِ مَنْ دُفِنَ بِالْبَقِيعِ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا (٢) .

د - جَبَل أُحُدٍ وَقُبُورُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَهُ

١١ - أُحُدٌ جَبَلٌ عَظِيمٌ يُطِل عَلَى الْمَدِينَةِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَوَحُّدِهِ وَانْقِطَاعِهِ عَنْ جِبَالٍ أُخَرَ هُنَاكَ، وَبِاسْمِهِ سُمِّيَتِ الْغَزْوَةُ الْكَبِيرَةُ الَّتِي جَاءَتْ بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ الْكُبْرَى، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَل ظَهْرَ جَيْشِهِ إِلَى جَبَل أُحُدٍ.

_________

(١) المجموع ٨ / ٢٧٥ طبعة دار الفكر.

(٢) هداية السالك: ١ / ٩٤، ٩٥.

وَوَرَدَ أَنَّهُ ﷺ قَال: أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ (١) كَمَا جَاءَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَعِدَ أُحُدًا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، فَرَجَفَ بِهِمْ، فَقَال: اثْبُتْ أُحُدُ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ (٢) .

وَتُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ شُهَدَاءِ أُحُدٍ ﵃ وَقَدْ أُحِيطَتْ، قُبُورُهُمْ بِسِيَاجٍ، وَأُعْلِمَ عَلَى قَبْرِ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةَ ﵁ بِعَلاَمَةِ قَبْرٍ كَبِيرَةٍ، وَمَعَهُ فِي الْقَبْرِ الْمُجَدَّعُ فِي اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ ﵁ قِيل لَهُ: الْمُجَدَّعُ لأَِنَّهُ دَعَا يَوْمَ أُحُدٍ أَنْ يُقَاتِل وَيُسْتَشْهَدَ وَيُقْطَعَ أَنْفُهُ وَأُذُنُهُ وَيُمَثَّل بِهِ فِي اللَّهِ تَعَالَى، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ.

وَإِلَى جَانِبِهِ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ﵁ دَاعِيَةُ الإِْسْلاَمِ فِي الْمَدِينَةِ وَثَمَّةَ بَاقِي الشُّهَدَاءِ، وَلاَ يُعْرَفُ قَبْرُ أَحَدٍ مِنْهُمْ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمْ حَوْل حَمْزَةَ فِي بُقْعَةِ الْمَوْقِعَةِ ﵃ وَعِدَّتُهُمْ سَبْعُونَ: أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْبَاقِي مِنَ الأَْنْصَارِ، مِنْهُمْ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ غَسِيل الْمَلاَئِكَةِ، وَأَنَسُ بْنُ النَّضْرِ، عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ خَادِمِ النَّبِيِّ ﷺ

_________

(١) حديث: " أُحُد جبل يحبنا ونحبه ". أخرجه البخاري (الفتح ٧ / ٣٧٧)، ومسلم (٢ / ١٠١١) من حديث أبي هريرة واللفظ لمسلم.

(٢) حديث: " أن النبي ﷺ صعد أحدًا وأبو بكر وعمر وعثمان ". أخرجه البخاري (الفتح ٧ / ٢٢٠) .

وَسَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَمَالِكُ بْنُ سِنَانٍ وَالِدُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَرَامٍ وَالِدُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَغَيْرُهُمْ، ﵃ جَمِيعًا (١) .

وَيُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ بِالصِّيغَةِ الْوَارِدَةِ عَلَى أَهْل الْقُبُورِ، نَحْوَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي السَّلاَمِ عَلَى أَهْل الْبَقِيعِ.

مَذْرُوعَاتٌ

انْظُرْ: مِثْلِيَّاتٌ

مَذْهَبٌ

انْظُرْ: تَقْلِيدٌ

مُذَهَّبٌ

انْظُرْ: آنِيَةٌ

_________

(١) هداية السالك ٢ / ١٣٩٦ - ١٣٩٧، والمجموع ٨ / ٢٧٦ طبعة دار الفكر.

مَذْيٌ

التَّعْرِيفُ

١ - الْمَذْيُ وَالْمَذِيُّ لُغَةً: مَاءٌ رَقِيقٌ يَخْرُجُ عِنْدَ الْمُلاَعَبَةِ أَوِ التَّذَكُّرِ وَيَضْرِبُ إِلَى الْبَيَاضِ، وَقَال الرَّافِعِيُّ: فِيهِ ثَلاَثُ لُغَاتٍ، الأُْولَى: سُكُونُ الذَّال، وَالثَّانِيَةُ: كَسْرُهَا مَعَ التَّثْقِيل (تَثْقِيل الْيَاءِ)، وَالثَّالِثَةُ: الْكَسْرُ مَعَ التَّخْفِيفِ، وَالْمَذَّاءُ فَعَّالٌ لِلْمُبَالَغَةِ فِي كَثْرَةِ الْمَذْيِ مِنْ مَذَى يَمْذِي (١) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْمَنِيُّ:

٢ - الْمَنِيُّ فِي اللُّغَةِ مُشَدَّدُ الْيَاءِ: مَاءُ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ، وَجَمْعُهُ مُنْيٌ، وَفِي التَّنْزِيل: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ (٣) وَقَال صَاحِبُ

_________

(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط، ومعجم متن اللغة مادة (مذي) .

(٢) المبسوط ١ / ٧١، والفتاوى الهندية ١ / ١٠، وقواعد الفقه للبركتي ص٤٧٦، وكفاية الطالب ١ / ١٠٧، وأسهل المدارك ١ / ٦١، وشرح المنهاج ١ / ٧٠، والمغني مع الشرح ١ / ٧٣١.

(٣) سورة القيامة / ٣٨.

الزَّاهِرِ: سُمِّيَ الْمَنِيُّ مَنِيًّا لأَِنَّهُ يُمْنَى أَيْ يُرَاقُ وَيُدْفَقُ، وَمِنْ هَذَا سُمِّيَتْ مِنًى: لِمَا يُمْنَى بِهَا، أَيْ يُرَاقُ مِنْ دِمَاءِ النُّسُكِ (١) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ الْمَاءُ الْغَلِيظُ الدَّافِقُ الَّذِي يَخْرُجُ عِنْدَ اشْتِدَادِ الشَّهْوَةِ (٢) .

وَقَال صَاحِبُ دُسْتُورِ الْعُلَمَاءِ: الْمَنِيُّ هُوَ الْمَاءُ الأَْبْيَضُ الَّذِي يَنْكَسِرُ الذَّكَرُ بَعْدَ خُرُوجِهِ وَيَتَوَلَّدُ مِنْهُ الْوَلَدُ (٣) .

وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَذْيِ وَالْمَنِيِّ أَنَّ الْمَنِيَّ يَخْرُجُ بِشَهْوَةٍ مَعَ الْفُتُورِ عَقِيبَهُ، وَأَمَّا الْمَذْيُ فَيَخْرُجُ عَنْ شَهْوَةٍ لاَ بِشَهْوَةٍ وَلاَ يَعْقُبُهُ فُتُورٌ (٤) .

ب - الْوَدْيُ

٣ - الْوَدْيُ بِإِسْكَانِ الدَّال الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَتَشْدِيدِهَا الْمَاءُ الثَّخِينُ الأَْبْيَضُ الَّذِي يَخْرُجُ فِي إِثْرِ الْبَوْل (٥) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٦) .

_________

(١) لسان العرب، وتاج العروس، والزاهر، والمصباح.

(٢) المغني مع الشرح الكبير ١ / ١٩٧.

(٣) دستور العلماء ٣ / ٣٦١.

(٤) المجموع شرح المهذب ٢ / ١٤١، فتح القدير ١ / ٤٢.

(٥) لسان العرب، وتاج العروس، والمصباح المنير، والزاهر، والصحاح.

(٦) حاشية العدوي ١ / ١١٥، وكفاية الطالب ١ / ١٠٧، والزاهر ص٤٩، وقواعد الفقه ٤٧٦، وأسهل المدارك ١ / ٦٢.

وَالصِّلَةُ أَنَّ الْمَذْيَ يَخْرُجُ عِنْدَ الشَّهْوَةِ وَيَكُونُ مَاءً رَقِيقًا، أَمَّا الْوَدْيُ فَلاَ يَخْرُجُ عِنْدَ الشَّهْوَةِ وَإِنَّمَا عَقِبَ الْبَوْل وَيَكُونُ ثَخِينًا.

مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَذْيِ مِنْ أَحْكَامٍ

أ - نَجَاسَتُهُ:

٤ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى نَجَاسَةِ الْمَذْيِ لِلأَْمْرِ بِغَسْل الذَّكَرِ مِنْهُ وَالْوُضُوءِ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ حَيْثُ قَال: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً وَكُنْتُ أَسْتَحِي أَنْ أَسْأَل النَّبِيَّ ﷺ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الأَْسْوَدِ، فَسَأَلَهُ فَقَال: يَغْسِل ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ (١) .

وَلأَِنَّهُ - كَمَا قَال الشِّيرَازِيُّ - خَارِجٌ مِنْ سَبِيل الْحَدَثِ لاَ يُخْلَقُ مِنْهُ طَاهِرٌ فَهُوَ كَالْبَوْل (٢) .

ب - كَيْفِيَّةُ التَّطَهُّرِ مِنَ الْمَذْيِ

٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَقَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى جَوَازِ إِزَالَةِ الْمَذْيِ بِالاِسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ أَوِ الاِسْتِجْمَارِ بِالأَْحْجَارِ مِنْهُ كَغَيْرِهِ مِنَ النَّجَاسَاتِ لِمَا رَوَى

_________

(١) حديث علي: " كنت رجلًا مذاءً ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٣٧٩) ومسلم (١ / ٢٤٧) واللفظ لمسلم.

(٢) الفتاوى الهندية ١ / ٤٦، والاختيار ١ / ٣٢، وأسهل المدارك ١ / ٦١، والمجموع ٢ / ١٤٤، وجواهر الإكليل ١ / ٩، والشرح الكبير ١ / ٥٦، والمهذب ١ / ٥٣، والمغني مع الشرح الكبير ١ / ١٦٠، ونيل الأوطار ١ / ٥١.

سَهْل بْنُ حُنَيْفٍ قَال كُنْتُ أَلْقَى مِنَ الْمَذْيِ شِدَّةً وَعَنَاءً فَكُنْتُ أُكْثِرُ مِنْهُ الْغُسْل، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: إِنَّمَا يُجْزِئُكَ مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ (١) وَلأَِنَّهُ خَارِجٌ لاَ يُوجِبُ الاِغْتِسَال أَشْبَهَ الْوَدْيَ (٢) .

وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَمُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُ بِالْحَجَرِ فَيَتَعَيَّنُ غَسْلُهُ بِالْمَاءِ، فَعَلَى هَذَا يُجْزِئُهُ غَسْلُهُ مَرَّةً وَاحِدَةً.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لَوْ خَرَجَ الْمَذْيُ بِلَذَّةِ مُعْتَادَةٍ يُغْسَل وُجُوبًا وَإِلاَّ كَفَى فِيهِ الْحَجَرُ مَا لَمْ يَكُنْ سَلَسًا لاَزِمًا كُل يَوْمٍ وَلَوْ مَرَّةً وَإِلاَّ عُفِيَ عَنْهُ (٣) .

ج - نَقْضُ الْوُضُوءِ بِهِ:

٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ خُرُوجَ الْمَذْيِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَقَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ خُرُوجَ الْمَذْيِ مِنَ الأَْحْدَاثِ الَّتِي تَنْقُضُ الطَّهَارَةَ وَتُوجِبُ الْوُضُوءَ وَلاَ تُوجِبُ الْغُسْل (٤)، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁

_________

(١) حديث سهل بن حنيف: " كنت ألقى من المذي شدة. . . ". أخرجه أبو داود (١ / ١٤٥) والترمذي (١ / ١٩٧) واللفظ له، وقال الترمذي: " هذا حديث حسن صحيح ".

(٢) الطحطاوي على الدرر ١ / ١٦٤، وسراج السالك شرح أسهل المدارك ١ / ٧٤، والمجموع ٢ / ١٠٠، ١٠١، ومغني المحتاج ١ / ٤٥، وشرح منتهى الإرادات ١ / ١٠٢.

(٣) حاشية الدسوقي ١ / ١١٢، وسراج السالك ١ / ٧٤، ومغني المحتاج ١ / ٤٥.

(٤) الفتاوى الهندية ١ / ٩ - ١٠، والخرشي ١ / ٩٢، والمجموع ٢ / ١٤٣ - ١٤٤، والحاوي الكبير ١ / ٢٦٣، والمغني ١ / ١٦٨ - ١٧٠.

فِيمَا سَبَقَ، وَلِحَدِيثِ سَهْل بْنِ حُنَيْفٍ قَال: كُنْتُ أَلْقَى مِنَ الْمَذْيِ شِدَّةً وَعَنَاءً وَكُنْتُ أُكْثِرُ مِنْهُ الْغُسْل فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: إِنَّمَا يُجْزِئُكَ مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، كَيْفَ بِمَا يُصِيبُ ثَوْبِي مِنْهُ؟ قَال: يَكْفِيكَ أَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَتَنْضَحَ بِهِ ثَوْبَكَ حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ قَدْ أَصَابَ مِنْهُ (١) .

د - الْغُسْل مِنْهُ:

٧ - إِذَا اسْتَيْقَظَ إِنْسَانٌ مِنْ نَوْمِهِ وَوَجَدَ فِي ثَوْبِهِ أَوْ فَخِذِهِ بَلَلًا وَلَمْ يَتَذَكَّرِ احْتِلاَمًا فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْل لاِحْتِمَال انْفِصَالِهِ عَنْ شَهْوَةٍ ثُمَّ نَسِيَ وَرَقَّ هُوَ بِالْهَوَاءِ.

وَقَال أَبُو يُوسُفَ: لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْل، وَلَوْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ مَذْيٌ لاَ يَجِبُ اتِّفَاقًا، قَال أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ: لَوْ أُغْشِيَ عَلَيْهِ فَأَفَاقَ فَوَجَدَ مَذْيًا، أَوْ كَانَ سَكْرَانَ فَأَفَاقَ فَوَجَدَ مَذْيًا لاَ غُسْل عَلَيْهِ، وَلاَ يُشْبِهُ النَّائِمَ إِذَا اسْتَيْقَظَ فَوَجَدَ عَلَى فِرَاشِهِ مَذْيًا حَيْثُ كَانَ عَلَيْهِ الْغُسْل إِنْ تَذَكَّرَ الاِحْتِلاَمَ بِالإِْجْمَاعِ لأَِنَّهُ فِي النَّوْمِ ظَهَرَ تَذَكُّرٌ، ثُمَّ إِنَّهُ يُحْتَمَل أَنَّهُ مَنِيٌّ رَقَّ بِالْهَوَاءِ أَوْ لِلْغِذَاءِ فَاعْتَبَرْنَاهُ مَنِيًّا احْتِيَاطًا وَلاَ كَذَلِكَ السَّكْرَانُ وَالْمَغْشِيُّ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِمَا هَذَا السَّبَبُ (٢) .

_________

(١) حديث سهل بن حنيف: " كنت ألقى من المذي شدة. . . ". تقدم في الفقرة السابقة.

(٢) فتح القدير ١ / ٤٢، والفتاوى الهندية ١ / ١٤ - ١٥، والشرح الصغير ١ / ١٦٣، وروضة الطالبين ١ / ٨٤.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ شَكَّ مَنْ وَجَدَ بِفَرْجِهِ أَوْ ثَوْبِهِ أَوْ فَخِذِهِ شَيْئًا مِنْ بَلَلٍ أَوْ أَثَرَ مَذْيٍ أَوْ مَنِيٍّ وَكَانَ شَكُّهُ مُسْتَوِيًا اغْتَسَل وُجُوبًا لِلاِحْتِيَاطِ كَمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ إِلاَّ الْوُضُوءُ مَعَ غَسْل ذَكَرِهِ وَإِنْ تَرَجَّحَ لَدَيْهِ أَحَدُهُمَا عَمِل بِمُقْتَضَى الرَّاجِحِ (١) .

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِنِ احْتَمَل كَوْنَ الْخَارِجِ مَنِيًّا أَوْ غَيْرَهُ كَوَدْيٍ أَوْ مَذْيٍ تَخَيَّرَ بَيْنَ الْغُسْل وَالْوُضُوءِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، فَإِنْ جَعَلَهُ مَنِيًّا اغْتَسَل أَوْ غَيْرَهُ تَوَضَّأَ وَغَسَل مَا أَصَابَهُ، لأَِنَّهُ إِذَا أَتَى بِمُقْتَضَى أَحَدِهِمَا بَرِئَ مِنْهُ يَقِينًا وَالأَْصْل بَرَاءَتُهُ مِنَ الآْخَرِ (٢) .

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ قَال ابْنُ قُدَامَةَ: قَال أَحْمَدُ: إِذَا وَجَدَ بَلَّةً اغْتَسَل إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بِهِ بَرْدَةٌ أَوْ لاَعَبَ أَهْلَهُ فَإِنَّهُ رُبَّمَا خَرَجَ مِنْهُ الْمَذْيُ فَأَرْجُو أَلاَّ يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ انْتَشَرَ مِنْ أَوَّل اللَّيْل بِتَذَكُّرٍ أَوْ رُؤْيَةٍ لاَ غُسْل عَلَيْهِ لأَِنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ يُحْتَمَل أَنَّهُ مَذْيٌ وَقَدْ وُجِدَ سَبَبُهُ فَلاَ يُوجِبُ الْغُسْل مَعَ الشَّكِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْغُسْل، لِخَبَرِ عَائِشَةَ، وَلأَِنَّ

_________

(١) الشرح الكبير مع الدسوقي عليه ١ / ١٣١.

(٢) مغني المحتاج ١ / ٧٠.