الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦
الظَّاهِرَ أَنَّهُ احْتِلاَمٌ، ثُمَّ قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مَوَاضِعَ (١) .
هـ - أَثَرُهُ فِي الصَّوْمِ:
٨ - إِذَا أَمْذَى الصَّائِمُ بِأَيِّ سَبَبٍ كَقُبْلَةٍ أَوْ نَظَرٍ أَوْ فِكْرٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي فِطْرِهِ بِذَلِكَ عَلَى أَقْوَالٍ، وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحِ (صَوْمٌ ف٤٤) .
مَرْأَةٌ
انْظُرِ: امْرَأَةٌ
_________
(١) المغني ١ / ٢٠٣.
مُرَابَحَةٌ
التَّعْرِيفُ
١ - الْمُرَابَحَةُ فِي اللُّغَةِ: تَحْقِيقُ الرِّبْحِ، يُقَال: بِعْتُ الْمَتَاعَ مُرَابَحَةً، أَوِ اشْتَرَيْتُهُ مُرَابَحَةً: إِذَا سَمَّيْتَ لِكُل قَدْرٍ مِنَ الثَّمَنِ رِبْحًا (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ فِي تَعْرِيفِهَا، لَكِنَّهَا مُتَّحِدَةٌ فِي الْمَعْنَى وَالْمَدْلُول، وَهِيَ: نَقْل مَا مَلَكَهُ بِالْعَقْدِ الأَْوَّل، بِالثَّمَنِ الأَْوَّل مَعَ زِيَادَةِ رِبْحٍ (٢) .
فَالْمُرَابَحَةُ مِنْ بُيُوعِ الأَْمَانَاتِ الَّتِي تَعْتَمِدُ عَلَى الإِْخْبَارِ عَنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ وَتَكْلِفَتِهَا الَّتِي قَامَتْ عَلَى الْبَائِعِ.
وَصُورَتُهَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: هِيَ أَنْ يُعَرِّفَ صَاحِبُ السِّلْعَةِ الْمُشْتَرِيَ بِكَمِ اشْتَرَاهَا، وَيَأْخُذَ مِنْهُ رِبْحًا إِمَّا عَلَى الْجُمْلَةِ، مِثْل أَنْ يَقُول: اشْتَرَيْتُهَا بِعَشَرَةٍ وَتُرْبِحُنِي دِينَارًا أَوْ
_________
(١) الصحاح للجوهري.
(٢) الهداية مع فتح القدير ٦ / ٤٩٤، ودرر الحكام ٢ / ١٨٠، وبدائع الصنائع ٧ / ٣١٩٣ ط. الإمام بالقاهرة، والقوانين الفقهية لابن جزي ص٢٦٣، والشرح الصغير ٣ / ٢١٥، ومغني المحتاج ٢ / ٧٧، والمهذب ١ / ٣٨٢ - ط. ثالثة.
دِينَارَيْنِ، وَإِمَّا عَلَى التَّفْصِيل وَهُوَ أَنْ يَقُول: تُرْبِحُنِي دِرْهَمًا لِكُل دِينَارٍ أَوْ نَحْوِهِ (١)، أَيْ إِمَّا بِمِقْدَارٍ مُقَطَّعٍ مُحَدَّدٍ، وَإِمَّا بِنِسْبَةٍ عَشْرِيَّةٍ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّوْلِيَةُ:
٢ - التَّوْلِيَةُ نَقْل مَا مَلَكَهُ بِالْعَقْدِ الأَْوَّل بِالثَّمَنِ الأَْوَّل مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ رِبْحٍ (٣) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمُرَابَحَةِ وَالتَّوْلِيَةِ أَنَّ كِلَيْهِمَا مِنْ بُيُوعِ الأَْمَانَاتِ.
ب - الْوَضِيعَةُ:
٣ - الْوَضِيعَةُ هِيَ: الْبَيْعُ بِمِثْل الثَّمَنِ الأَْوَّل، مَعَ نُقْصَانِ شَيْءٍ مَعْلُومٍ مِنْهُ (٤) .
وَيُقَال لَهَا أَيْضًا: الْمُوَاضَعَةُ وَالْمُخَاسَرَةُ وَالْمُحَاطَّةُ، فَهِيَ مُضَادَّةٌ لِلْمُرَابَحَةِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلْمُرَابَحَةِ:
٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى جَوَازِ الْمُرَابَحَةِ وَمَشْرُوعِيَّتِهَا لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٥) وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٦) وَالْمُرَابَحَةُ بَيْعٌ بِالتَّرَاضِي بَيْنَ الْعَاقِدَيْنِ، فَكَانَ دَلِيل شَرْعِيَّةِ
_________
(١) القوانين الفقهية لابن جزي ص٢٦٣.
(٢) الشرح الصغير ٣ / ٢١٥.
(٣) فتح القدير شرح الهداية ٦ / ٤٩٥.
(٤) درر الحكام ٢ / ١٨٠، والمراجع السابقة.
(٥) سورة البقرة / ٢٧٥.
(٦) سورة النساء / ٢٩.
الْبَيْعِ مُطْلَقًا بِشُرُوطِهِ الْمَعْلُومَةِ هُوَ دَلِيل جَوَازِهَا.
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ تَوَافَرَتْ فِي هَذَا الْعَقْدِ شَرَائِطُ الْجَوَازِ الشَّرْعِيَّةُ، وَالْحَاجَةُ مَاسَّةٌ إِلَى هَذَا النَّوْعِ مِنَ التَّصَرُّفِ، لأَِنَّ الْغَبِيَّ الَّذِي لاَ يَهْتَدِي فِي التِّجَارَةِ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى فِعْل الْخَبِيرِ الْمُهْتَدِي، وَتَطِيبُ نَفْسُهُ بِمِثْل مَا اشْتَرَى الْبَائِعُ، وَبِزِيَادَةِ رِبْحٍ، فَوَجَبَ الْقَوْل بِجَوَازِهَا.
ثُمَّ إِنَّ الْمُرَابَحَةَ بَيْعٌ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ، فَجَازَ الْبَيْعُ بِهِ، كَمَا لَوْ قَال: بِعْتُكَ بِمِائَةٍ وَعَشَرَةٍ، وَكَذَا الرِّبْحُ مَعْلُومٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَال: وَرِبْحُ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ (١) .
وَفَسَّرَ الْمَالِكِيَّةُ الْجَوَازَ بِأَنَّهُ خِلاَفُ الأَْوْلَى، أَوِ الأَْحَبُّ خِلاَفُهُ، وَالْمُسَاوَمَةُ أَحَبُّ إِلَى أَهْل الْعِلْمِ مِنْ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ، وَبَيْعِ الاِسْتِئْمَانِ وَالاِسْتِرْسَال، وَأَضْيَقُهَا عِنْدَهُمْ بَيْعُ الْمُرَابَحَةِ، لأَِنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى أُمُورٍ كَثِيرَةٍ قَل أَنْ يَأْتِيَ بِهَا الْبَائِعُ عَلَى وَجْهِهَا (٢) .
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَرُوِّيتُ كَرَاهَتَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ وَمَسْرُوقٍ وَالْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءِ بْنِ
_________
(١) فتح القدير ٦ / ٤٩٧، والمهذب ١ / ٣٨٢ - ط. ثالثة، والمغني ٤ / ١٩٩ - ط الرياض.
(٢) الشرح الصغير ٣ / ٢١٥ وما بعدها، ومواهب الجليل للحطاب ٤ / ٤٨٨ وما بعدها.
يَسَارٍ وَعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لأَِنَّ الثَّمَنَ مَجْهُولٌ حَال الْعَقْدِ فَلَمْ يَجُزْ (١) .
شُرُوطُ الْمُرَابَحَةِ
٥ - يُشْتَرَطُ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ مَا يُشْتَرَطُ فِي كُل الْبُيُوعِ مَعَ إِضَافَةِ شُرُوطٍ أُخْرَى تَتَنَاسَبُ مَعَ طَبِيعَةِ هَذَا الْعَقْدِ وَهِيَ: أَوَّلًا: شُرُوطُ الصِّيغَةِ: ٦ - يُشْتَرَطُ فِي صِيغَةِ الْمُرَابَحَةِ مَا يُشْتَرَطُ فِي كُل عَقْدٍ وَهِيَ ثَلاَثَةُ شُرُوطٍ: وُضُوحُ دَلاَلَةِ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول، وَتَطَابُقُهُمَا، وَاتِّصَالُهُمَا. (ر: مُصْطَلَحَ: عَقْدٌ ف٥) .
ثَانِيًا: شُرُوطُ صِحَّةِ الْمُرَابَحَةِ
٧ - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْمُرَابَحَةِ:
أ - أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ الأَْوَّل صَحِيحًا، فَإِنْ كَانَ فَاسِدًا، لَمْ يَجُزْ بَيْعُ الْمُرَابَحَةِ، لأَِنَّ الْمُرَابَحَةَ بَيْعٌ بِالثَّمَنِ الأَْوَّل مَعَ زِيَادَةِ رِبْحٍ، وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ - وَإِنْ كَانَ يُفِيدُ الْمِلْكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْجُمْلَةِ - لَكِنْ يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهِ بِقِيمَةِ الْمَبِيعِ أَوْ بِمِثْلِهِ، لاَ بِالثَّمَنِ الْمَذْكُورِ فِي الْعَقْدِ لِفَسَادِ التَّسْمِيَةِ، وَهَذَا لاَ يَتَّفِقُ مَعَ مُقْتَضَى عَقْدِ الْمُرَابَحَةِ الْقَائِمِ عَلَى مَعْرِفَةِ الثَّمَنِ الأَْوَّل ذَاتِهِ، لاَ الْقِيمَةِ أَوِ الْمِثْل (٢) .
_________
(١) المغني ٤ / ١٩٩ - ط. الرياض، ومغني المحتاج ٢ / ٧٧.
(٢) بدائع الصنائع ٧ / ٣١٩٧ - ط. الإمام بالقاهرة.
ب - الْعِلْمُ بِالثَّمَنِ الأَْوَّل: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ الأَْوَّل مَعْلُومًا لِلْمُشْتَرِي الثَّانِي، صِحَّةُ الْمُرَابَحَةِ لأَِنَّ الْعِلْمَ بِالثَّمَنِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْبُيُوعِ، فَإِذَا لَمْ يَعْلَمِ الثَّمَنَ الأَْوَّل فَسَدَ الْعَقْدُ (١) .
ج - أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَال مِنْ ذَوَاتِ الأَْمْثَال، وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ رَأْسَ الْمَال إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلِيًّا كَالْمَكِيلاَتِ وَالْمَوْزُونَاتِ وَالْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَقَارِبَةِ، أَوْ يَكُونَ قِيَمِيًّا لاَ مِثْل لَهُ كَالْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَفَاوِتَةِ.
فَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا جَازَ بَيْعُهُ مُرَابَحَةً عَلَى الثَّمَنِ الأَْوَّل، سَوَاءٌ بَاعَهُ مِنْ بَائِعِهِ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ جَعَل الرِّبْحَ مِنْ جِنْسِ رَأْسِ الْمَال فِي الْمُرَابَحَةِ أَوْ مِنْ خِلاَفِ جِنْسِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ الثَّمَنُ الأَْوَّل مَعْلُومًا وَالرِّبْحُ مَعْلُومًا.
وَإِنْ كَانَ قِيَمِيًّا لاَ مِثْل لَهُ مِنَ الْعُرُوضِ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ مُرَابَحَةً مِمَّنْ لَيْسَ ذَلِكَ الْعَرَضُ فِي مِلْكِهِ، لأَِنَّ الْمُرَابَحَةَ بَيْعٌ بِمِثْل الثَّمَنِ الأَْوَّل، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الثَّمَنُ الأَْوَّل مِثْل جِنْسِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْعَرَضِ، وَإِمَّا أَنْ يَقَعَ عَلَى قِيمَتِهِ، وَعَيْنُهُ لَيْسَ فِي مِلْكِهِ، وَقِيمَتُهُ مَجْهُولَةٌ تُعْرَفُ بِالْحَزْرِ وَالظَّنِّ لاِخْتِلاَفِ أَهْل التَّقْوِيمِ فِيهَا.
وَأَمَّا بَيْعُهُ مِمَّنِ الْعَرَضُ فِي مِلْكِهِ وَتَحْتَ يَدِهِ
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ٣١٩٣ - ٣١٩٧ ط. الإمام أو ٥ / ٢٢٠ - ٢٢٢ - ط أولى مصر، والمغني ٤ / ١٩٩ - ط. الرياض، ومغني المحتاج ٢ / ٧٧، وجواهر الإكليل ٢ / ٥٧.
فَيُنْظَرُ:
فَإِنْ جَعَل الرِّبْحَ شَيْئًا مُفْرَدًا عَنْ رَأْسِ الْمَال مَعْلُومًا كَالدِّرْهَمِ وَثَوْبٍ مُعَيَّنٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ جَازَ، لأَِنَّ الثَّمَنَ الأَْوَّل مَعْلُومٌ وَالرِّبْحَ مَعْلُومٌ.
وَإِنْ جَعَل الرِّبْحَ جُزْءًا مِنْ رَأْسِ الْمَال بِأَنْ قَال: بِعْتُكَ الثَّمَنَ الأَْوَّل بِرِبْحِ دِرْهَمٍ فِي الْعَشَرَةِ لاَ يَجُوزُ، لأَِنَّهُ جَعَل الرِّبْحَ جُزْءًا مِنَ الْعَرَضِ، وَالْعَرَضُ لَيْسَ مُتَمَاثِل الأَْجْزَاءِ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ ذَلِكَ بِالتَّقَوُّمِ، وَالْقِيمَةُ مَجْهُولَةٌ لأَِنَّهَا تُعْرَفُ بِالْحَزْرِ وَالظَّنِّ، هَذَا تَفْصِيل الْحَنَفِيَّةِ (١) .
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَعِنْدَهُمْ أَنَّ الثَّمَنَ الْعَرَضُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي أَوْ لاَ يَكُونَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ السِّلْعَةِ مُرَابَحَةً سَوَاءٌ كَانَ الْعَرَضُ مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ أَوِ الْقِيَمِيَّاتِ وَهَذَا عِنْدَ أَشْهَبَ خِلاَفًا لاِبْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمِثْلِيَّاتِ فَعِنْدَهُ يَجُوزُ بَيْعُ السِّلْعَةِ الَّتِي ثَمَنُهَا عَرَضٌ مِثْلِيٌّ، سَوَاءٌ كَانَتْ بِيَدِ الْمُشْتَرِي أَمْ لاَ.
كَمَا يَتَّفِقُ ابْنُ الْقَاسِمِ مَعَ أَشْهَبَ فِي الْمَنْعِ فِي أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ إِذَا كَانَ الْعَرَضُ مِنَ الْقِيَمِيَّاتِ، وَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ بَيْعُ الإِْنْسَانِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ وَأَنَّهُ مِنَ السَّلَمِ الْحَال،
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢٢١، فتح القدير ٥ / ٢٥٤، والبحر الرائق ٦ / ١١٨.
وَيُرَادُ بِهِ السَّلَمُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ أَجَلٌ لِمُدَّةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
أَمَّا التَّأْوِيل الآْخَرُ لاِبْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنَّ الْعَرَضَ الْمُتَقَوِّمَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي لَكِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى تَحْصِيلِهِ فَإِنَّ بَيْعَ السِّلْعَةِ مُرَابَحَةً يَجُوزُ.
وَإِنْ كَانَ الْعَرَضُ بِيَدِ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا فَلاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِ الْمُرَابَحَةِ عَلَى بَيْعِ السِّلْعَةِ الْمُشْتَرَاةِ بِهِ، أَمَّا إِنْ كَانَ قِيَمِيًّا، فَرَأَى أَشْهَبُ الْمَنْعَ كَمَا لَوْ كَانَ لَيْسَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، أَمَّا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ بِمِثْل ذَلِكَ الْعَرَضِ وَزِيَادَةٍ وَلاَ يَجُوزُ الْبَيْعُ بِالْقِيمَةِ (١) .
وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا اشْتَرَى بِعَرَضٍ وَأَرَادَ أَنْ يَبِيعَهُ مُرَابَحَةً فَإِنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ إِذَا اسْتَخْدَمَ لَفْظَ: بِعْتُ بِمَا اشْتَرَيْتُ، أَوْ بِعْتُ بِمَا قَامَ عَلَيَّ، وَهُنَا يَجِبُ إِخْبَارُ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِعَرَضٍ قِيمَتُهُ كَذَا، وَلاَ يَنْبَغِي لَهُ الاِقْتِصَارُ عَلَى ذِكْرِ الْقِيمَةِ، لأَِنَّ الْبَائِعَ بِالْعَرَضِ يُشَدِّدُ فَوْقَ مَا يُشَدِّدُ الْبَائِعُ بِالنَّقْدِ.
وَقَال الإِْسْنَوِيُّ: إِذَا قَال: بِعْتُكَ بِمَا قَامَ عَلَيَّ أَخْبَرَ بِالْقِيمَةِ دُونَ حَاجَةٍ لِذِكْرِ الْعَرَضِ (٢) .
وَمِثْل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ الشَّافِعِيَّةِ نَجِدُهُ
_________
(١) الخرشي ٥ / ١٧٢، ومنح الجليل ٢ / ١٨٢.
(٢) فتح العزيز ٩ / ١١، ومغني المحتاج ٢ / ٧٩.
عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (١) .
د - أَلاَّ يَكُونَ الثَّمَنُ فِي الْعَقْدِ الأَْوَّل مُقَابَلًا بِجِنْسِهِ مِنْ أَمْوَال الرِّبَا، وَأَمْوَال الرِّبَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: كُل مُقْتَاتٍ مُدَّخَرٍ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: كُل مَطْعُومٍ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: كُل مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ، وَاتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى جَرَيَانِ الرِّبَا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمَا يَحِل مَحَلَّهُمَا مِنَ الأَْوْرَاقِ النَّقْدِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَهَذَا شَرْطٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ عَلَى هَذَا النَّحْوِ، كَأَنِ اشْتَرَى الْمَكِيل أَوِ الْمَوْزُونَ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - بِجِنْسِهِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مُرَابَحَةً، لأَِنَّ الْمُرَابَحَةَ بَيْعٌ بِالثَّمَنِ الأَْوَّل وَزِيَادَةٍ، وَالزِّيَادَةُ فِي أَمْوَال الرِّبَا تَكُونُ رِبًا، لاَ رِبْحًا، فَإِنِ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ فَلاَ بَأْسَ بِالْمُرَابَحَةِ، كَأَنِ اشْتَرَى دِينَارًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، فَبَاعَهُ بِرِبْحِ دِرْهَمٍ أَوْ ثَوْبٍ بِعَيْنِهِ، جَازَ، لأَِنَّ الْمُرَابَحَةَ بَيْعٌ بِالثَّمَنِ الأَْوَّل وَزِيَادَةٍ، وَلَوْ بَاعَ دِينَارًا بِأَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا، أَوْ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَثَوْبٍ، كَانَ جَائِزًا بِشَرْطِ التَّقَابُضِ، فَهَذَا مِثْلُهُ (٢) .
هـ - أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ مَعْلُومًا الْعِلْمُ بِالرِّبْحِ ضَرُورِيٌّ، لأَِنَّهُ بَعْضُ الثَّمَنِ، وَالْعِلْمُ بِالثَّمَنِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْبُيُوعِ، فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ
_________
(١) المغني والشرح الكبير ٤ / ٢٦٣، وكشاف القناع ٣ / ٢٣٢.
(٢) المبسوط ١٣ / ٨٢، ٨٩، وبدائع الصنائع ٥ / ٢٢٢.
مَجْهُولًا حَال الْعَقْدِ، لَمْ تَجُزِ الْمُرَابَحَةُ.
وَلاَ فَرْقَ فِي تَحْدِيدِ الرِّبْحِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِقْدَارًا مَقْطُوعًا أَوْ بِنِسْبَةٍ عَشْرِيَّةٍ فِي الْمِائَةِ، وَيُضَمُّ الرِّبْحُ إِلَى رَأْسِ الْمَال وَيَصِيرُ جُزْءًا مِنْهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ حَالًّا نَقْدِيًّا أَوْ مُقَسَّطًا عَلَى أَقْسَاطٍ مُعَيَّنَةٍ فِي الشَّهْرِ أَوِ السَّنَةِ مَثَلًا (١) .
الْحَطِيطَةُ وَالزِّيَادَةُ فِي الثَّمَنِ:
٨ - لَوِ اشْتَرَى شَخْصٌ سِلْعَةً وَانْعَقَدَ الْبَيْعُ عَلَى ثَمَنٍ مُسَمًّى ثُمَّ طَرَأَتْ زِيَادَةٌ أَوْ حَطٌّ عَلَى الثَّمَنِ الْمُسَمَّى، وَتَمَّ قَبُول هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَوِ الْحَطِّ، ثُمَّ أَرَادَ الْمُشْتَرِي بَيْعَ السِّلْعَةِ مُرَابَحَةً فَهَل يُخْبِرُ بِالثَّمَنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ؟ أَمْ أَنَّهُ يُخْبِرُ بِهِ بَعْدَ الزِّيَادَةِ أَوِ الْحَطِّ؟
فِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ: فَالزِّيَادَةُ أَوِ الْحَطُّ قَدْ يُتَّفَقُ عَلَيْهَا فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ أَوْ بَعْدَ لُزُومِ الْبَيْعِ، فَإِنْ حَصَل ذَلِكَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ أَوِ الْحَطُّ يُلْحَقُ بِالثَّمَنِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ أَعْلَمُ مُخَالِفًا فِي ذَلِكَ (٢) .
لَكِنَّ أَبَا عَلِيٍّ الطَّبَرِيَّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ يَقُول: إِذَا قُلْنَا يَنْتَقِل الْمِلْكُ بِالْعَقْدِ، فَإِنَّهُ لاَ يُلْحَقُ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ بِالثَّمَنِ الأَْوَّل (٣) .
أَمَّا إِذَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ وَالْحَطُّ قَدِ اتُّفِقَ عَلَيْهِ
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ٣١٩٥ - ط. الإمام، والشرح الصغير ٣ / ٢١٥، ومغني المحتاج ٢ / ٧٧ وما بعدها، والمغني ٤ / ١٩٩ - ط. الرياض.
(٢) المغني والشرح الكبير ٤ / ٢٦٠.
(٣) المهذب ١ / ٢٩٦.