الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦ الصفحة 61

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦

أ - طَلاَقُ الْمَدْهُوشِ

٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ زَائِل الْعَقْل غَيْرَ الْمُتَعَدِّي بِزَوَال عَقْلِهِ لاَ يَقَعُ طَلاَقُهُ كَالْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالنَّائِمِ وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ الْمَدْهُوشَ (١) .

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: جَعَل الْمَدْهُوشَ فِي الْبَحْرِ دَاخِلًا فِي الْمَجْنُونِ، وَقَال: سُئِل الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ عَمَّنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلاَثًا فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَهُوَ مُغْتَاظٌ مَدْهُوشٌ، فَأَجَابَ: بِأَنَّ الدَّهَشَ مِنْ أَقْسَامِ الْجُنُونِ فَلاَ يَقَعُ طَلاَقُهُ إِذَا كَانَ يَعْتَادُهُ بِأَنْ عُرِفَ مِنْهُ الدَّهَشُ مَرَّةً، وَيُصَدَّقُ بِلاَ بُرْهَانٍ.

وَقَال: فَالَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيل عَلَيْهِ فِي الْمَدْهُوشِ وَنَحْوِهِ إِنَاطَةُ الْحُكْمِ بِغَلَبَةِ الْخَلَل فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ الْخَارِجَةِ عَنْ عَادَتِهِ، كَكُل مَنِ اخْتَل عَقْلُهُ لِكِبَرٍ أَوْ مُصِيبَةٍ حَلَّتْ بِهِ أَوْ لِمَرَضٍ، فَمَا دَامَ فِي حَال غَلَبَةِ الْخَلَل فِي الأَْقْوَال وَالأَْفْعَال لاَ تُعْتَبَرُ أَقْوَالُهُ وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُهَا وَيُرِيدُهَا، لأَِنَّ هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ وَالإِْرَادَةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، لِعَدَمِ حُصُولِهَا عَنْ إِدْرَاكٍ صَحِيحٍ، كَمَا لاَ تُعْتَبَرُ مِنَ الصَّبِيِّ الْعَاقِل (٢) . (ر: طَلاَقٌ ف٢٢) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٤٢٦ - ٤٢٧، والفتاوى الهندية ١ / ٣٥٣.

(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ٤٢٧.

ب - سُكُوتُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِدَهَشٍ عَنْ جَوَابِ دَعْوَى الْمُدَّعِي

٤ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ إِذَا أَصَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى السُّكُوتِ عَنْ جَوَابِ الدَّعْوَى لِغَيْرِ دَهْشَةٍ أَوْ غَبَاوَةٍ جُعِل حُكْمُهُ كَمُنْكِرِ لِلْمُدَّعَى بِهِ نَاكِلًا عَنِ الْيَمِينِ، وَحِينَئِذٍ فَتُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي بَعْدَ أَنْ يَقُول لَهُ الْقَاضِي: أَجِبْ عَنْ دَعْوَاهُ وَإِلاَّ جَعَلْتُكَ نَاكِلًا، فَإِنْ كَانَ سُكُوتُهُ لِنَحْوِ دَهْشَةٍ أَوْ غَبَاوَةٍ شَرَحَ لَهُ، ثُمَّ حَكَمَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَيْهِ (١) .

مَدِينٌ

انْظُرْ: دَيْنٌ

مَدِينَةٌ

انْظُرْ: مِصْرٌ

_________

(١) مغني المحتاج ٤ / ٤٦٨.

الْمَدِينَةُ الْمُنَوَّرَةُ

التَّعْرِيفُ

١ - الْمَدِينَةُ لُغَةً: الْمِصْرُ الْجَامِعُ، عَلَى وَزْنِ فَعِيلَةَ، مَأْخُوذَةٌ مِنْ مَدَنَ بِالْمَكَانِ أَيْ: أَقَامَ فِيهِ، وَقِيل: مَفْعَلَةٌ لأَِنَّهَا مِنْ دَانَ، وَالْجَمْعُ: مُدُنٌ، وَمَدَائِنُ (١) .

وَغَلَبَ إِطْلاَقُ " الْمَدِينَةِ " مُعَرَّفًا بِأَل لَدَى الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَدِينَةِ الرَّسُول ﷺ، وَيَكْثُرُ أَنْ يُقَال: " الْمَدِينَةُ الْمُنَوَّرَةُ " إِشَارَةً إِلَى أَنَّهَا مُنَوَّرَةٌ بِأَنْوَارِ سَاكِنِهَا عَلَيْهِ أَفْضَل الصَّلاَةِ وَالسَّلاَمُ (٢) .

أَسْمَاءُ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ

٢ - كَانَتِ الْمَدِينَةُ تُسَمَّى قَبْل الإِْسْلاَمِ يَثْرِبَ، فَسَمَّاهَا النَّبِيُّ ﷺ " الْمَدِينَةَ " وَقَال: أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُل الْقُرَى. يَقُولُونَ يَثْرِبَ وَهِيَ الْمَدِينَةُ. تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ (٣) .

_________

(١) القاموس المحيط ومختار الصحاح.

(٢) جواهر الإكليل ١ / ٢٦٧.

(٣) حديث: " أمرت بقرية تأكل القرى. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٨٧، ومسلم ٢ / ١٠٠٦) من حديث أبي هريرة.

وَنَهَى أَنْ تُسَمَّى يَثْرِبَ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَال: مَنْ سَمَّى الْمَدِينَةَ يَثْرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، هِيَ طَابَةُ، هِيَ طَابَةُ (١) .

وَمِنْ أَسْمَاءِ الْمَدِينَةِ الْمَشْهُورَةِ " طَيْبَةُ " بِسُكُونِ الْيَاءِ، وَيُقَال أَيْضًا: " طَيِّبَةٌ " مُشَدَّدَةُ الْيَاءِ وَدَارُ الْهِجْرَةِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَسْمَاءٍ، قِيل: إِنَّهَا تَبْلُغُ الأَْرْبَعِينَ (٢) .

وَتَقَعُ الْمَدِينَةُ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: شَرْقِيَّ الْمَدِينَةِ وَهِيَ حَرَّةُ وَاقِمٍ، وَالأُْخْرَى: غَرْبِيَّهَا وَهِيَ حَرَّةُ الْوَبَرَةِ. وَالْحَرَّةُ: أَرْضٌ مُكْتَسِيَةٌ بِحِجَارَةٍ سَوْدَاءَ بُرْكَانِيَّةٍ، وَيُحِيطُ بِهَا مِنَ الشِّمَال جَبَل أُحُدٍ، وَمِنَ الْجُنُوبِ جَبَل عَيْرٍ. وَتَبْعُدُ عَنْ مَكَّةَ عَشْرُ مَرَاحِل، وَيُحْرِمُ أَهْلُهَا وَمَنْ مَرَّ بِهَا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ (٣) .

فَضْل الْمَدِينَةِ

٣ - الْمَدِينَةُ مُهَاجَرُ النَّبِيِّ ﷺ وَفِيهَا مَثْوَاهُ ﷺ وَمِنْهَا انْتَشَرَ الإِْسْلاَمُ فِي الْعَالَمِ، وَلَهَا فَضَائِل كَثِيرَةٌ، مِنْ أَهَمِّهَا بِإِيجَازٍ:

_________

(١) حديث: " من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله. . . ". أخرجه أحمد (٤ / ٢٨٥) من حديث البراء بن عازب، وفي إسناده راو متكلم فيه، ذكر الذهبي في ترجمته من الميزان (٢ / ٤٢٥) هذا الحديث من مناكيره.

(٢) هداية السالك إلى المذاهب الأربعة في المناسك ١ / ١٠٩، وفتح الباري ٤ / ٦٩ - ٧١ طبعة النهضة المصرية، ومتن الإيضاح للنووي ص١٥٦.

(٣) معجم البلدان لياقوت الحموي / مدينة يثرب.

أ - مُضَاعَفَةُ الْبَرَكَةِ فِيهَا فَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ اجْعَل بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَةِ (١) .

ب - تَفْضِيل الإِْقَامَةِ فِيهَا عَلَى غَيْرِهَا فَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ ﵁ قَال سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: تُفْتَحُ الْيَمَنُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَتُفْتَحُ الشَّامُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. وَتُفْتَحُ الْعِرَاقُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٢) .

ج - تَغْلِيظُ ذَنْبِ مَنْ يَكِيدُ أَهْلَهَا: فَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ أَرَادَ أَهْل الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ أَذَابَهُ اللَّهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ (٣) .

د - حِمَايَتُهَا مِنْ دُخُول الدَّجَّال وَالطَّاعُونِ:

_________

(١) حديث: " اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما بمكة من البركة ". أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٦٨)، ومسلم (٢ / ٩٩٤) واللفظ لمسلم.

(٢) حديث: " تفتح اليمن فيأتي قوم يبسون. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ١٤ - ٩٠)، ومسلم (٢ / ١٠٠٩) واللفظ للبخاري.

(٣) حديث: " من أراد أهل المدينة بسواء أذابه الله. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٩٤)، ومسلم (٢ / ١٠٠٨) واللفظ لمسلم.

فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلاَئِكَةٌ، لاَ يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلاَ الدَّجَّال (١) .

هـ - إِنَّهَا مَجْمَعُ الإِْيمَانِ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِنَّ الإِْيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا (٢) .

وَيَأْرِزُ أَيْ: يَنْضَمُّ وَيَجْتَمِعُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ فِيهَا.

حَرَمُ الْمَدِينَةِ

٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْمَدِينَةَ حَرَمٌ مِثْل مَكَّةَ، فَيَحْرُمُ صَيْدُهَا وَلاَ يُقْطَعُ شَجَرُهَا إِلاَّ مَا اسْتُنْبِتَ لِلْقَطْعِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمَدِينَةَ لَيْسَ لَهَا حَرَمٌ، فَلاَ يُمْنَعُ أَحَدٌ مِنْ أَخْذِ صَيْدِهَا وَشَجَرِهَا، وَلِكُلٍّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ أَدِلَّتُهُ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (حَرَمٌ ف٢٨) .

٥ - وَقَدْ فَرَّعَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى إِثْبَاتِ صِفَةِ الْحَرَمِ لِلْمَدِينَةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ نَقْل تُرَابِ الْحَرَمِ وَأَحْجَارِهِ إِلَى سَائِرِ الْبِقَاعِ، وَقَالُوا: إِنَّ الأَْوْلَى أَنْ لاَ يَدْخُل تُرَابُ الْحِل وَأَحْجَارُهُ الْحَرَمَ، وَعِلَّةُ

_________

(١) حديث: " على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٩٥) . ومسلم (٢ / ١٠٠٥) .

(٢) حديث: " إن الإيمان ليأرز إلى المدينة. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٩٣) .

ذَلِكَ أَنَّ الْمَدِينَةَ لَمَّا جَعَلَهَا اللَّهُ حَرَمًا آمِنًا حَرُمَ بِذَلِكَ كُل شَيْءٍ ثَابِتٍ مُسْتَقِرٍّ فِيهَا، وَأَمَّا أَنَّ الأَْوْلَى عَدَمُ إِدْخَال تُرَابِ الْحِل وَأَحْجَارِهِ فَلِئَلاَّ تَحْدُثَ لَهَا حُرْمَةٌ لَمْ تَكُنْ.

وَهَذَا إِذَا لَمْ تَمَسَّ الْحَاجَةُ إِلَى إِدْخَالِهَا إِلَى الْحَرَمِ، لِمِثْل بِنَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ (١) .

الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ

٦ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى تَفْضِيل مَكَّةَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَتَفْضِيل الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ (٢) .

وَذَهَبَ الإِْمَامُ مَالِكٌ إِلَى تَفْضِيل الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ عَلَى مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ، وَتَفْضِيل الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ عَلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَهُوَ قَوْل عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁.

وَقَدِ اسْتَدَل الْجُمْهُورُ عَلَى تَفْضِيل مَكَّةَ وَحَرَمِهَا بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا: مَا وَرَدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ حَمْرَاءَ ﵁ قَال: رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَاقِفًا عَلَى الْحَزْوَرَةِ فَقَال: وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلاَ أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ (٣) .

_________

(١) المهذب والمجموع ٧ / ٤٣٦ - ٤٣٩، والفروع: ٣ / ٤٨١ - ٤٨٢، وإعلام الساجد في أحكام المساجد ص٢٤٥.

(٢) ابن عابدين ٢ / ٢٥٦، ومغني المحتاج ١ / ٤٨٢، والمغني ٣ / ٥٥٦.

(٣) حديث عبد الله بن عدي: " أرأيت رسول الله ﷺ واقفًا على الحزورة. . . ". أخرجه الترمذي (٥ / ٧٢٢) وقال: حديث حسن غريب صحيح.

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ لِمَكَّةَ: مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ، وَلَوْلاَ أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ (١) .

فَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ يَدُلاَّنِ عَلَى تَفْضِيل مَكَّةَ عَلَى سَائِرِ الْبُلْدَانِ وَمِنْهَا الْمَدِينَةُ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ (٢) وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ زِيَادَةُ: وَصَلاَةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَل مِنْ مِائَةِ صَلاَةٍ فِي مَسْجِدِي هَذَا (٣) وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى تَفْضِيل الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمَكَّةَ عَلَى الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ.

وَاسْتَدَل مَالِكٌ بِأَدِلَّةٍ فِي فَضْل الْمَدِينَةِ مِنْهَا مَا سَبَقَ إِنَّ الإِْيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَنَّهَا الْقَرْيَةُ الَّتِي تَأْكُل الْقُرَى، فَإِنَّهُ يَدُل عَلَى زِيَادَةِ فَضْل الْمَدِينَةِ عَلَى غَيْرِهَا، وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ: اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا لِمَكَّةَ أَوْ

_________

(١) حديث: " ما أطيبك من بلد وأحبك إليّ. . . ". أخرجه الترمذي (٥ / ٧٢٣) وقال: حديث حسن غريب.

(٢) حديث: " صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٦٣)، ومسلم (٢ / ١٠١٢) .

(٣) حديث: " صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي هذا ". أخرجه أحمد (٤ / ٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤ / ٥): رجاله رجال الصحيح.

أَشَدَّ (١) .

وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اخْتَارَهَا لِنَبِيِّهِ ﷺ وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ وَفُضَلاَءِ الصَّحَابَةِ، وَلاَ يَخْتَارُ لَهُمْ إِلاَّ أَفْضَل الْبِقَاعِ (٢) .

وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْخِلاَفَ لَيْسَ فِي الْكَعْبَةِ الْمُعَظَّمَةِ، فَإِنَّهَا أَفْضَل مِنَ الْمَدِينَةِ كُلِّهَا، إِلاَّ الْبُقْعَةَ الَّتِي ضَمَّتْ أَعْضَاءَ الْجَسَدِ الشَّرِيفِ لِلنَّبِيِّ ﷺ.

وَذَكَرَ الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ أَنَّ الْقَاضِيَ عِيَاضَ نَقَل الإِْجْمَاعَ عَلَى أَنَّ مَوْضِعَ قَبْرِهِ ﷺ أَفْضَل الأَْرْضِ، وَالْخِلاَفُ فِيمَا سِوَاهُ (٣) .

مَشَاهِدُ الْمَدِينَةِ

٧ - مَشَاهِدُ الْمَدِينَةِ مَوَاضِعُ ذَاتُ فَضْلٍ، وَمَأْثُرَةٍ تَارِيخِيَّةٍ، اسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ زِيَارَتَهَا، وَهِيَ نَحْوُ ثَلاَثِينَ مَوْضِعًا يَعْرِفُهَا أَهْل الْمَدِينَةِ وَمِنْ أَهَمِّهَا مَا يَلِي:

أ - الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ

٨ - وَهُوَ ثَانِي مَسْجِدٍ بُنِيَ فِي الإِْسْلاَمِ بَعْدَ مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَالصَّلاَةُ فِيهِ أَفْضَل مِنَ الصَّلاَةِ

_________

(١) حديث: " اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا لمكة أو أشد ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٧ / ٢٦٢)، ومسلم (٢ / ١٠٠٣) من حديث عائشة ﵂.

(٢) انظر الاستدلالات في المنتقى للباجي شرح الموطأ: ٧ / ١٩٧، هداية السالك: ١ / ٤٦ - ٤٧.

(٣) وفاء الوفا للسمهودي ١ / ٢٨، وابن عابدين ٢ / ٢٥٧، ومغني المحتاج ١ / ٤٨٢.

فِي أَيِّ مَسْجِدٍ آخَرَ سِوَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَفِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ مَعَالِمُ مِنْهَا: الرَّوْضَةُ الشَّرِيفَةُ وَالْمِنْبَرُ وَالْمِحْرَابُ، وَالْحُجْرَةُ الشَّرِيفَةُ الَّتِي تَشَرَّفَتْ بِضَمِّ رُفَاتِهِ ﷺ وَرُفَاتِ صَاحِبَيْهِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ كُلِّهِ يُنْظَرُ فِي (الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ، وَزِيَارَةُ النَّبِيِّ ﷺ ف٤) .

ب - مَسْجِدُ قُبَاءٍ:

٩ - وَهُوَ أَوَّل مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الإِْسْلاَمِ، وَأَوَّل مَنْ وَضَعَ أَسَاسَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ سُمِّيَ بِاسْمِ قُبَاءٍ، قَرْيَةٍ تَبْعُدُ عَنِ الْمَدِينَةِ قَدْرَ ثَلاَثَةِ أَمْيَالٍ تَقْرِيبًا.

وَيُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ مَسْجِدِ قُبَاءٍ وَالصَّلاَةُ فِيهِ كُل أُسْبُوعٍ، وَأَفْضَلُهُ يَوْمُ السَّبْتِ (١)، لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ: يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُل سَبْتٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا (٢) .

وَوَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: الصَّلاَةُ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ كَعُمْرَةٍ (٣) .

وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ

_________

(١) المجموع ٨ / ٢٧٦.

(٢) حديث: " كان النبي ﷺ يأتي مسجد قباء كل سبت راكبًا وماشيًا ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٦٩)، ومسلم (٢ / ١٠١٧) .

(٣) حديث: " الصلاة في مسجد قباء كعمرة ". أخرجه الترمذي (٢ / ١٤٦) من حديث أسيد بن ظهر الأنصاري، وقال: حديث حسن غريب.