الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦ الصفحة 60

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦

عِنْدَهُمْ أَنْ يُدْرِكَ مَعَ الرَّكْعَةِ قَدْرَ الطَّهَارَةِ عَلَى الأَْظْهَرِ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الْوَقْتِ عَقِبَ زَوَال الْعُذْرِ زَمَنٌ يَسَعُ الْوُضُوءَ إِنْ كَانَ حَدَثُهُ أَصْغَرَ، أَوِ الْغُسْل إِنْ كَانَ حَدَثُهُ أَكْبَرَ - زِيَادَةً عَلَى زَمَنِ الرَّكْعَةِ - لَمْ تَجِبِ الصَّلاَةُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (١)

ثَالِثًا: حُصُول الْعُذْرِ لِلْمُدْرِكِ قَبْل فِعْل الْفَرْضِ

٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصَّلاَةَ هَل تَجِبُ فِي أَوَّل الْوَقْتِ أَوْ فِي آخِرِهِ؟

فَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّهَا تَجِبُ فِي أَوَّل الْوَقْتِ وَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، فَكُلَّمَا دَخَل الْوَقْتُ أَوْ مَضَى مِنْهُ مَا يَسَعُ لأَِدَاءِ الْفَرْضِ - عَلَى اخْتِلاَفٍ بَيْنَهُمْ - وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ.

فَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ حَاضَتِ الْمَرْأَةُ أَوْ نَفِسَتْ أَوَّل الْوَقْتِ، أَوْ طَرَأَ عَلَى الْمُكَلَّفِ جُنُونٌ أَوْ إِغْمَاءٌ فِي أَوَّل الْوَقْتِ، وَاسْتَغْرَقَ هَذَا الْمَانِعُ بَقِيَّةَ الْوَقْتِ، فَإِنْ أَدْرَكَ مِنَ الْوَقْتِ قَبْل حُدُوثِ الْمَانِعِ قَدْرَ الْفَرْضِ وَقَدْرَ طُهْرٍ لاَ يَصِحُّ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْوَقْتِ كَتَيَمُّمٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الصَّلاَةُ، فَيَقْضِيهَا عِنْدَ زَوَال الْعُذْرِ، لأَِنَّهَا تَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ وَلاَ تَسْقُطُ بِمَا طَرَأَ بَعْدَ وُجُوبِهَا، كَمَا لَوْ هَلَكَ

_________

(١) القوانين الفقهية ص٥١ وما بعدها، وجواهر الإِكليل ١ / ٣٤، ومغني المحتاج ١ / ١٣١ وما بعدها، والمغني لابن قدامة ١ / ٣٩٧.

النِّصَابُ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْل وَإِمْكَانِ الأَْدَاءِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ لاَ تَسْقُطُ بِهِ، وَيَجِبُ الْفَرْضُ الَّذِي قَبْلَهَا أَيْضًا، إِنْ كَانَ يُجْمَعُ مَعَهَا وَأَدْرَكَ قَدْرَهُ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ فِعْلِهَا، وَلاَ تَجِبُ الصَّلاَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي تُجْمَعُ مَعَهَا إِذَا خَلاَ مِنَ الْمَوَانِعِ مَا يَسَعُهَا، لأَِنَّ وَقْتَ الأُْولَى لاَ يَصْلُحُ لِلثَّانِيَةِ إِلاَّ إِذَا صَلاَّهُمَا جَمْعًا بِخِلاَفِ الْعَكْسِ، وَأَيْضًا وَقْتُ الأُْولَى فِي الْجَمْعِ وَقْتٌ لِلثَّانِيَةِ تَبَعًا بِخِلاَفِ الْعَكْسِ، بِدَلِيل عَدَمِ وُجُوبِ تَقْدِيمِ الثَّانِيَةِ فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ وَجَوَازِ تَقْدِيمِ الأُْولَى، بَل وُجُوبُهُ عَلَى وَجْهٍ فِي جَمْعِ التَّأْخِيرِ.

أَمَّا الطَّهَارَةُ الَّتِي يُمْكِنُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْوَقْتِ فَلاَ يُعْتَبَرُ مُضِيُّ زَمَنٍ يَسَعُهَا.

وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ مِنَ الْوَقْتِ قَدْرَ فِعْل الْفَرْضِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فَلاَ وُجُوبَ فِي ذِمَّتِهِ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ فِعْلِهَا، لأَِنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ وَقْتِهَا مَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، كَمَا لَوْ طَرَأَ الْعُذْرُ قَبْل دُخُول الْوَقْتِ، وَكَمَا لَوْ هَلَكَ النِّصَابُ قَبْل التَّمَكُّنِ مِنَ الأَْدَاءِ وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ (١) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لَوْ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ وَقْتِ الصَّلاَةِ ثُمَّ جُنَّ أَوْ حَاضَتِ الْمَرْأَةُ لَزِمَ الْقَضَاءُ - بَعْدَ زَوَال الْعُذْرِ - لأَِنَّهَا صَلاَةٌ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ قَضَاؤُهَا إِذَا فَاتَتْهُ كَالَّتِي أَمْكَنَ أَدَاؤُهَا،

_________

(١) مغني المحتاج ١ / ١٣٢ - ١٣٣، والمغني لابن قدامة ١ / ٣٧٣ وما بعدها.

وَفَارَقَتِ الَّتِي طَرَأَ الْعُذْرُ قَبْل دُخُول وَقْتِهَا: فَإِنَّهَا لَمْ تَجِبْ، وَقِيَاسُ الْوَاجِبِ عَلَى غَيْرِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ، قَالُوا: وَإِنْ أَدْرَكَ الْمُكَلَّفُ مِنْ وَقْتِ الأُْولَى مِنْ صَلاَتَيِ الْجَمْعِ قَدْرًا تَجِبُ بِهِ ثُمَّ جُنَّ، أَوْ كَانَتِ امْرَأَةٌ فَحَاضَتْ أَوْ نَفِسَتْ ثُمَّ زَال الْعُذْرُ بَعْدَ وَقْتِهَا لَمْ تَجِبِ الثَّانِيَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَلاَ يَجِبُ قَضَاؤُهَا.

وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ وَالأُْخْرَى: يَجِبُ وَيَلْزَمُ قَضَاؤُهَا، لإِنَّهَا إِحْدَى صَلاَتَيِ الْجَمْعِ فَوَجَبَتْ بِإِدْرَاكِ جُزْءٍ مِنْ وَقْتِ الأُْخْرَى كَالأُْولَى (١) .

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ حُدُوثَ الْعَارِضِ أَوِ الْعُذْرِ بَعْدَ إِدْرَاكِ الْوَقْتِ وَقَبْل فِعْل الصَّلاَةِ يَسْقُطُ الْفَرْضُ، وَعَلَّل الْحَنَفِيَّةُ ذَلِكَ بِأَنَّ الصَّلاَةَ لاَ تَجِبُ فِي أَوَّل الْوَقْتِ عَلَى التَّعْيِينِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ فِي جُزْءٍ مِنَ الْوَقْتِ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَإِنَّمَا التَّعْيِينُ إِلَى الْمُصَلِّي مِنْ حَيْثُ الْفِعْل، حَتَّى أَنَّهُ إِذَا شَرَعَ فِي أَوَّل الْوَقْتِ تَجِبُ فِي أَوَّل الْوَقْتِ، وَكَذَا إِذَا شَرَعَ فِي وَسَطِهِ أَوْ فِي آخِرِهِ فَتَجِبُ فِي وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ، فَإِذَا لَمْ يُعَيِّنْ بِالْفِعْل حَتَّى بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ مِقْدَارُ مَا يَسَعُ أَدَاءَ الْفَرْضِ تَعَيَّنَ ذَلِكَ الْوَقْتُ لِلأَْدَاءِ فِعْلًا.

قَالُوا: فَإِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ أَوْ نَفِسَتْ فِي

_________

(١) المغني ١ / ٣٧٣، ٣٩٧.

آخِرِ الْوَقْتِ أَوْ جُنَّ الْعَاقِل أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوِ ارْتَدَّ الْمُسْلِمُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ (١)، وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ الْفَرْضَ لاَ يَلْزَمُهُمُ الْفَرْضُ، لأَِنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَيَّنُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ إِذَا لَمْ يُوجَدِ الأَْدَاءُ قَبْلَهُ فَيَسْتَدْعِي الأَْهْلِيَّةَ فِيهِ لاِسْتِحَالَةِ الإِْيجَابِ عَلَى غَيْرِ الأَْهْل وَلَمْ يُوجَدْ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْمُدْرِكُ لِوَقْتِ الصَّلاَةِ إِنْ حَصَل لَهُ عُذْرٌ كَالْجُنُونِ وَالإِْغْمَاءِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ غَيْرِ النَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ (قَبْل أَدَاءِ الصَّلاَةِ) وَقَدْ بَقِيَ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ مَثَلًا رَكْعَةٌ سَقَطَ الصُّبْحُ، وَإِنْ حَصَل وَالْبَاقِي لِلْغُرُوبِ أَوْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا يَسَعُ أُولَى الْمُشْتَرِكَتَيْنِ كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَوِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَرَكْعَةً مِنْ ثَانِيَتِهِمَا سَقَطَتَا، وَإِنْ كَانَ أَقَل مِنْ هَذَا أَسْقَطَ الثَّانِيَةَ فَقَطْ.

وَلاَ يُقَدَّرُ الطُّهْرُ فِي الإِْسْقَاطِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلاَفًا لِلَّخْمِيِّ (٢) .

رَابِعًا: مَا تُدْرَكُ بِهِ الْجَمَاعَةُ وَالْجُمُعَةُ

٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَدْرَكَ الْمَأْمُومُ الإِْمَامَ وَهُوَ رَاكِعٌ وَكَبَّرَ وَهُوَ قَائِمٌ ثُمَّ رَكَعَ، فَإِنْ وَصَل الْمَأْمُومُ إِلَى حَدِّ الرُّكُوعِ الْمُجْزِئِ قَبْل أَنْ

_________

(١) سقوط الفرض بالردة خاص بالحنفية انظر بدائع الصنائع ١ / ٩٥، وحاشية ابن عابدين ١ / ٤٩٤.

(٢) البدائع ١ / ٩٥، وحاشية ابن عابدين ١ / ٤٩٤، والفتاوى الهندية ١ / ٥١، وجواهر الإِكليل ١ / ٣٤.

يَرْفَعَ الإِْمَامُ عَنْ حَدِّ الرُّكُوعِ الْمُجْزِي فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ، وَحُسِبَتْ لَهُ، وَحَصَلَتْ لَهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ وَأَدْرَكَ بِهَا صَلاَةَ الْجُمُعَةِ لِحَدِيثِ: مَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ مِنَ الرَّكْعَةِ الأَْخِيرَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلْيُضِفْ إِلَيْهَا أُخْرَى، وَمَنْ لَمْ يُدْرِكِ الرُّكُوعَ مِنَ الرَّكْعَةِ الأُْخْرَى فَلْيُصَل، الظُّهْرَ أَرْبَعًا (١) .

أَمَّا الْجَمَاعَةُ ذَاتُهَا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا تُدْرَكُ بِهِ عَلَى مَذَاهِبَ يُنْظَرُ تَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ ف١٤) .

_________

(١) حديث: " من أدرك الركوع من الركعة الآخرة. . . ". أخرجه الدارقطني (٢ / ١٢) من حديث أبي هريرة، وضعف إسناده النووي في المجموع (٤ / ٢١٥) .

مُدْمِنٌ

التَّعْرِيفُ

١ - الْمُدْمِنُ فِي اللُّغَةِ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَدْمَنَ، يُقَال: أَدْمَنَ الشَّرَابَ وَغَيْرَهُ: أَدَامَهُ وَلَمْ يُقْلِعْ عَنْهُ (١) .

قَال ابْنُ الأَْثِيرِ: مُدْمِنُ الْخَمْرِ هُوَ الَّذِي يُعَاقِرُ شُرْبَهَا وَيُلاَزِمُهُ وَلاَ يَنْفَكُّ عَنْهُ (٢) .

وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ (٣) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الْمُصِرُّ:

٢ - الْمُصِرُّ فِي اللُّغَةِ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَصَرَّ عَلَى الأَْمْرِ إِصْرَارًا: ثَبَتَ عَلَيْهِ وَلَزِمَهُ (٤)، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَل الإِْصْرَارُ فِي الآْثَامِ، يُقَال: أَصَرَّ عَلَى الذَّنْبِ (٥) .

وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنِ

_________

(١) المصباح المنير، والمعجم الوسيط.

(٢) النهاية لابن الأثير ٢ / ١٣٥.

(٣) الفتاوى الهندية ٣ / ٤٦٦.

(٤) المعجم الوسيط، والمصباح المنير.

(٥) المعجم الوسيط.

الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١)، قَال الْقُرْطُبِيُّ: الإِْصْرَارُ هُوَ الْعَزْمُ بِالْقَلْبِ عَلَى الأَْمْرِ وَتَرْكُ الإِْقْلاَعِ عَنْهُ، وَقَال قَتَادَةُ: الإِْصْرَارُ: الثُّبُوتُ عَلَى الْمَعَاصِي (٢) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمُدْمِنِ وَالْمُصِرِّ أَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمُدْمِنِ:

شَهَادَةُ الْمُدْمِنِ عَلَى الصَّغَائِرِ:

٣ - نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى عَدَمِ قَبُول شَهَادَةِ مَنْ يُدْمِنُ عَلَى صَغِيرَةٍ، وَقَالُوا: إِنَّ مَنْ لَمْ يَرْتَكِبْ كَبِيرَةً وَأَدْمَنَ عَلَى الصَّغِيرَةِ لاَ يُعَدُّ مُجْتَنِبًا الْمَحَارِمَ (٣) .

وَعَبَّرَ الْفُقَهَاءُ عَنِ الإِْدْمَانِ هُنَا بِلَفْظِ الإِْصْرَارِ (ر: إِصْرَارٌ ف ١ - ٢) .

قَال الْغَزَالِيُّ: آحَادُ هَذِهِ الصَّغَائِرِ الَّتِي لاَ تُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِهَا لَوْ وَاظَبَ عَلَيْهَا لأَثَّرَ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ، كَمَنِ اتَّخَذَ الْغِيبَةَ وَثَلْبَ النَّاسِ عَادَةً، وَكَذَلِكَ مُجَالَسَةُ الْفُجَّارِ وَمُصَادَقَتُهُمْ (٤) .

شَهَادَةُ مُدْمِنِ الْخَمْرِ:

٤ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تُقْبَل

_________

(١) الفروق للقرافي ٤ / ٦٧ - ٦٨.

(٢) تفسير القرطبي ٤ / ٢١١.

(٣) كشاف القناع ٦ / ٤١٩، والتاج والإكليل ٦ / ١٥٠، ومغني المحتاج ٤ / ٤٢٧، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٣٧٧

(٤) إحياء علوم الدين ٤ / ٣٢ ط. مصطفى الحلبي.

شَهَادَةُ شَارِبِ الْخَمْرِ وَشَارِبِ كُل مُسْكِرٍ (١)

وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ عَدَمَ قَبُول شَهَادَةِ شَارِبِ الْخَمْرِ بِمَا إِذَا أَرَادَ الإِْدْمَانَ فِي النِّيَّةِ، يَعْنِي يَشْرَبُ وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يَشْرَبَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا وَجَدَهُ، قَال السَّرَخْسِيُّ: وَيُشْتَرَطُ مَعَ الإِْدْمَانِ أَنْ يُظْهِرَ ذَلِكَ لِلنَّاسِ أَوْ يَخْرُجَ سَكْرَانَ فَيَسْخَرُ مِنْهُ الصِّبْيَانُ، حَتَّى إِنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ فِي السِّرِّ لاَ يُسْقِطُ الْعَدَالَةَ (٢)، فَإِنَّ الْمُتَّهَمَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ فِي بَيْتِهِ مَقْبُول الشَّهَادَةِ وَإِنْ كَانَ كَبِيرَةً (٣)، وَجَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ نَقْلًا عَنِ الْمُحِيطِ: قَال فِي الأَْصْل: وَلاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ مُدْمِنِ السُّكْرِ وَأَرَادَ بِهِ فِي سَائِرِ الأَْشْرِبَةِ (٤) .

ثِيَابُ مُدْمِنِ الْخَمْرِ مِنْ حَيْثُ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ:

٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْقَوْل الرَّاجِحِ الْمُخْتَارِ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ ثِيَابَ مُدْمِنِي الْخَمْرِ طَاهِرَةٌ وَلاَ تُكْرَهُ الصَّلاَةُ فِيهَا، لأَِنَّهُ - كَمَا قَال صَاحِبُ الْهِدَايَةِ - لَمْ يُكْرَهْ مِنْ ثِيَابِ أَهْل الذِّمَّةِ إِلاَّ السَّرَاوِيل مَعَ اسْتِحْلاَلِهِمُ الْخَمْرَ فَهَذَا أَوْلَى (٥)، وَقَال فِي

_________

(١) العناية شرح الهداية ٦ / ٣٥، والشرح الصغير ٤ / ٢٤٠، مغني المحتاج ٤ / ٤٢٧، وكشاف القناع ٦ / ٤٢٠.

(٢) الفتاوى الهندية ٣ / ٤٦٦، وشرح آداب القاضي للخصاف ٣ / ٣٤.

(٣) العناية شرح الهداية ٦ / ٣٥.

(٤) الفتاوى الهندية ٣ / ٤٦٦.

(٥) المجموع ١ / ٢٠٦، ٢٦٤، ومطالب أولي النهى ١ / ٥٨، وحاشية ابن عابدين ١ / ٢٣٤.

الْفَتْحِ: قَال بَعْضُ الْمَشَايِخِ (مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ): تُكْرَهُ الصَّلاَةُ فِي ثِيَابِ الْفَسَقَةِ لأَِنَّهُمْ لاَ يَتَّقُونَ الْخُمُورَ (١)، وَقَال جَمَاعَاتٌ مِنَ الْخُرَاسَانِيِّينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: بِنَجَاسَةِ ثِيَابِ مُدْمِنِي الْخَمْرِ وَالْقَصَّابِينَ وَشَبَهِهِمْ مِمَّنْ يُخَالِطُ النَّجَاسَةَ وَلاَ يَتَصَوَّنُ مِنْهَا (٢) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: ثِيَابُ شَارِبِ الْخَمْرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لاَ تَجُوزُ الصَّلاَةُ فِيهَا عِنْدَ تَحَقُّقِ النَّجَاسَةِ أَوْ ظَنِّهَا، لاَ إِنْ شَكَّ فِي نَجَاسَتِهَا فَإِنَّهُ تَجُوزُ الصَّلاَةُ فِيهَا تَقْدِيمًا لِلأَْصْل عَلَى الْغَالِبِ (٣) .

أَكْل الأَْفْيُونِ لِلْمُدْمِنِ عَلَيْهِ

٦ - قَال ابْنُ عَابِدِينَ: سُئِل ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ عَمَّنِ ابْتُلِيَ بِأَكْل نَحْوِ الأَْفْيُونِ، وَصَارَ إِنْ لَمْ يَأْكُل مِنْهُ هَلَكَ، فَأَجَابَ: إِنْ عُلِمَ ذَلِكَ قَطْعًا حَل لَهُ، بَل وَجَبَ لاِضْطِرَارِهِ إِلَى إِبْقَاءِ رُوحِهِ كَالْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّدْرِيجُ فِي تَنْقِيصِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى يَزُول تَوَلُّعُ الْمَعِدَةِ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَشْعُرَ، فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ فَهُوَ آثِمٌ فَاسِقٌ، ثُمَّ نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْخَيْرِ الرَّمْلِيِّ قَوْلَهُ: وَقَوَاعِدُنَا لاَ تُخَالِفُهُ (٤) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٣٤.

(٢) المجموع ١ / ٢٠٦، ٢٦٤.

(٣) حاشية الدسوقي ١ / ٦١ ط دار الفكر.

(٤) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٩٧.

مَدْهُوشٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْمَدْهُوشُ لُغَةً: مَنْ ذَهَبَ عَقْلُهُ حَيَاءً أَوْ خَوْفًا أَوْ غَضَبًا، وَهُوَ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ دُهِشَ.

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الْمَعْتُوهُ

٢ - الْمَعْتُوهُ فِي اللُّغَةِ: مَنْ نَقَصَ عَقْلُهُ مِنْ غَيْرِ جُنُونٍ أَوْ دَهَشٍ (٢) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: مَنْ كَانَ قَلِيل الْفَهْمِ مُخْتَلِطَ الْكَلاَمِ فَاسِدَ التَّدْبِيرِ (٣) .

وَالْمَعْتُوهُ كَالْمَدْهُوشِ فِي حُكْمِ تَصَرُّفَاتِهِ.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَدْهُوشِ:

تَتَعَلَّقُ بِالْمَدْهُوشِ أَحْكَامٌ فِقْهِيَّةٌ مِنْهَا:

_________

(١) المصباح المنير، والقاموس المحيط، وقواعد الفقه للبركتي، وابن عابدين ٢ / ٤٢٦.

(٢) لسان العرب.

(٣) التعريفات للجرجاني.