الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦
لَهُمْ مَنْزِلٌ يَنْصَرِفُونَ إِلَيْهِ وَإِلاَّ نُدِبَ لَهُمُ الْجَمْعُ اسْتِقْلاَلًا، وَأَفْتَى الأَْسْنَاوِيُّ: بِأَنَّ أَهْل الْمَدَارِسِ الْمُجَاوَرَةِ لِلْمَسْجِدِ يُنْدَبُ لَهُمُ الْجَمْعُ فِي الْمَسْجِدِ اسْتِقْلاَلًا لِمَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَ إِمَامًا وَحُجْرَتُهُ مُلْتَصِقَةٌ بِالْمَسْجِدِ وَلَهَا خَوْخَةٌ إِلَيْهِ (١) .
ب - الْوَقْفُ عَلَى الْمَدَارِسِ:
٣ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْعُلَمَاءِ وَالْغُزَاةِ وَالْمَسَاكِينِ، أَوْ عَلَى جِهَةٍ لاَ يُتَصَوَّرُ مِنْهَا الْقَبُول كَالْمَدَارِسِ وَالْمَسَاجِدِ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى قَبُولٍ مِنَ النَّاظِرِ، أَوْ مِنَ الْمُسْتَحِقِّينَ لِغَلَّتِهِ، لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ، وَلأَِنَّهُ لَوِ اشْتَرَطَ الْقَبُول لاَمْتَنَعَ صِحَّةُ الْوَقْفِ عَلَيْهِ (٢) .
٤ - وَقَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: يَنْتَقِل مِلْكُ الْمَوْقُوفِ عَلَى الْمَدْرَسَةِ وَنَحْوِهَا كَالْمَسْجِدِ وَالرِّبَاطِ وَالْقَنْطَرَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمُجَرَّدِ الْوَقْفِ (٣)، قَال الْبَهْوَتِي: يَنْتَقِل مِلْكُ الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ بِمُجَرَّدِ الْوَقْفِ إِلَى اللَّهِ إِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ كَمَدْرَسَةٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
قَال الْحَارِثِيُّ بِلاَ خِلاَفٍ، وَقَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: وَلَوْ
_________
(١) جواهر الإِكليل ١ / ٩٣، وحاشية الدسوقي ١ / ٣٧٢.
(٢) كشاف القناع ٤ / ٢٥٤، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٣، وجواهر الإِكليل ٢ / ٢٠٨، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٦٠.
(٣) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٥٧ - ٣٦١، وتبيين الحقائق ٣ / ٣٢٥، ٣٣١، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٩، وكشاف القناع ٤ / ٢٥٤.
جَعَل الْبُقْعَةَ مَسْجِدًا، أَوْ مَقْبَرَةً انْفَكَّ عَنْهَا اخْتِصَاصُ الآْدَمِيِّ قَطْعًا، وَمِثْلُهَا الرِّبَاطُ وَالْمَدْرَسَةُ وَنَحْوُهُمَا (١) .
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ حَيْثُ قَالُوا: إِنَّ الذَّاتَ الْمَوْقُوفَةَ، بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ وَإِنْ كَانَ مَمْنُوعًا مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ، وَلَيْسَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ إِلاَّ الْمَنْفَعَةُ الْمُعْطَاةُ مِنْ غَلَّةٍ أَوْ عَمَلٍ، لأَِنَّ الْوَقْفَ هُوَ إِعْطَاءُ الْمَنْفَعَةِ، وَقِيل: إِلاَّ فِي الْمَسَاجِدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ (٢)، لَكِنَّ الرَّاجِحَ الأَْوَّل (٣) .
وَالتَّفْصِيل فِي (وَقْفٌ، مَسْجِدٌ) .
٥ - وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْمَدْرَسَةِ جِهَةُ قُرْبَةٍ (٤) .
لِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ.
وَعَلَيْهِ فَالْوُقْفُ عَلَى الْمَدْرَسَةِ صَحِيحٌ بِلاَ خِلاَفٍ حَتَّى عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُ لِصِحَّةِ الْوَقْفِ ظُهُورِ قَصْدِ الْقُرْبَةِ فِيهِ كَالْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فَلاَ يُشْتَرَطُ عِنْدَهُمْ ذَلِكَ بَل الشَّرْطُ عِنْدَهُمْ أَنْ لاَ يَكُونَ عَلَى جِهَةِ مَعْصِيَةٍ كَعَمَارَةِ الْكَنَائِسِ وَنَحْوِهِ (٥) .
_________
(١) كشاف القناع ٤ / ٢٥٤، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٩.
(٢) سورة الجن / ١٨.
(٣) الفواكه الدواني ٢ / ٢٣١، وجواهر الإِكليل ٢ / ٢١١، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٦١، ٣٥٧.
(٤) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٦٠، ٣٧٦، وجواهر الإِكليل ٢ / ٢٠٥، والقوانين الفقهية ص٣٦٤، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٠، ٣٨١، وكشاف القناع ٤ / ٢٤٥، والمغني لابن قدامة ٥ / ٦٤٤، وروضة الطالبين ٤ / ١٨٠.
(٥) المراجع السابقة.
٦ - وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا وَقَفَ الْوَاقِفُ مَدْرَسَةً وَشَرَطَ فِي وَقْفِهَا اخْتِصَاصَهَا بِطَائِفَةٍ أَوْ بِأَهْل مَذْهَبٍ كَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، أَوْ بِأَهْل بَلَدٍ، أَوْ قَرْيَةٍ أَوْ بِأَفْرَادِ قَبِيلَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ خُصَّتْ بِهِمْ إِعْمَالًا لِلشَّرْطِ، لأَِنَّ نُصُوصَ الْوَاقِفِ كَنُصُوصِ الشَّرْعِ وَشَرْطُ الْوَاقِفِ كَنَصِّ الشَّارِعِ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: أَيْ فِي الْمَفْهُومِ وَالدِّلاَلَةِ وَوُجُوبِ الْعَمَل بِهِ مَا لَمْ تُخَالِفِ الشَّرْعَ؛ لأَِنَّهُ مَالِكٌ، فَلَهُ أَنْ يَجْعَل مَالَهُ حَيْثُ شَاءَ، وَلَهُ أَنْ يَخُصَّهُ بِصِنْفٍ مِنَ الأَْصْنَافِ أَوْ بِجِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ مَا لَمْ تَكُنْ مَعْصِيَةً (١)، وَمَا لَمْ يَقَعِ الاِخْتِصَاصُ بِنَقْلَةٍ بِدْعَةٍ، قَالَهُ الْحَارِثِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ (٢) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلِحِ (وَقَفَ) .
ج - فِي الْوَصِيَّةِ:
٧ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِعَمَارَةِ مَسْجِدٍ أَوْ مَصَالِحِهِ إِنْشَاءً وَتَرْمِيمًا لأَِنَّهُ قُرْبَةٌ، وَفَى مَعْنَى الْمَسْجِدِ الْمَدْرَسَةُ وَنَحْوُهَا (٣) .
د - فِي الاِرْتِفَاقِ:
٨ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ سَبَقَ فَقِيهٌ إِلَى مَدْرَسَةٍ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٦١، ٣٧٦، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٠٨، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٥، وكشاف القناع ٤ / ٢٦٢، ومطالب أولي النهى ٤ / ٣١٩ - ٣٢١.
(٢) كشاف القناع ٤ / ٢٦٢.
(٣) مغني المحتاج ٣ / ٤٢، والقليوبي وعميرة ٣ / ١٥٩.
لَمْ يُزْعَجْ مِنْهَا سَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ الإِْمَامُ أَمْ لاَ، وَلَمْ يَبْطُل حَقُّهُ بِخُرُوجِهِ لِشِرَاءِ حَاجَةٍ وَنَحْوِهِ، سَوَاءٌ أَخْلَفَ فِيهِ غَيْرَهُ أَمْ مَتَاعَهُ أَمْ لاَ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا خَرَجَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ سَبَقَ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ إِلَى مَدْرَسَةٍ وَنَحْوِهَا، وَلَمْ يَتَوَقَّفْ فِيهَا عَلَى تَنْزِيل نَاظِرٍ، وَضَاقَ الْمَكَانُ عَنِ انْتِفَاعِهِمْ جَمِيعِهِمْ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، لأَِنَّهُمْ اسْتَوَوْا فِي السَّبْقِ، وَالْقُرْعَةُ مُمَيِّزَةٌ (٢) .
هـ - بِنَاءُ الْمَدْرَسَةِ بِآلَةِ الْمَسْجِدِ:
٩ - نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُعَمَّرُ بِآلَةِ الْمَسْجِدِ مَدْرَسَةٌ، وَلاَ رِبَاطٌ، وَلاَ بِئْرٌ، وَلاَ حَوْضٌ، وَلاَ قَنْطَرَةٌ، وَكَذَا آلاَتُ كُل وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأَْمْكِنَةِ لاَ يُعَمَّرُ بِهَا مَا عَدَاهَا (٣) .
وَالتَّفْصِيل فِي (مَسْجِدٌ، وَقْفٌ) .
_________
(١) مغني المحتاج ٢ / ٣٧١.
(٢) كشاف القناع ٤ / ١٩٦.
(٣) مطالب أولي النهى ٤ / ٣٦٩.
مُدْرِكٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْمُدْرِكُ - بِكَسْرِ الرَّاءِ - فِي اللُّغَةِ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَدْرَكَ الرَّجُل إِذَا لَحِقَهُ، وَتَدَارَكَ الْقَوْمُ: لَحِقَ آخِرُهُمْ أَوَّلَهُمْ (١)، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي التَّنْزِيل: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُِولاَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاَءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ (٢) .
وَالْمُدْرِكُ اصْطِلاَحًا: هُوَ الَّذِي أَدْرَكَ الإِْمَامَ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ (٣) .
قَال الْحَصْكَفِيُّ: الْمُدْرِكُ هُوَ مَنْ صَلَّى الصَّلاَةَ كَامِلَةً مَعَ الإِْمَامِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: أَيْ أَدْرَكَ جَمِيعَ رَكَعَاتِهَا مَعَهُ، سَوَاءٌ أَدْرَكَ مَعَهُ التَّحْرِيمَةَ أَوْ أَدْرَكَهُ فِي جُزْءٍ مِنْ رُكُوعِ الرَّكْعَةِ الأُْولَى إِلَى أَنْ قَعَدَ مَعَهُ الْقَعْدَةَ الأَْخِيرَةَ، سَوَاءٌ سَلَّمَ مَعَهُ أَوْ قَبْلَهُ (٤) .
كَمَا يُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ لَفْظَ الْمُدْرِكِ عَلَى مَنْ
_________
(١) القاموس المحيط، ولسان العرب، والمعجم الوسيط.
(٢) سورة الأعراف / ٣٨.
(٣) التعريفات للجرجاني، وقواعد الفقه للبركتي.
(٤) حاشية ابن عابدين ١ / ٣٩٩.
أَدْرَكَ جُزْءًا مِنَ الصَّلاَةِ فِي الْوَقْتِ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْمَسْبُوقُ:
٢ - الْمَسْبُوقُ فِي اللُّغَةِ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ السَّبْقِ، وَأَصْلُهُ التَّقَدُّمُ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ قَال الْجُرْجَانِيُّ: هُوَ الَّذِي أَدْرَكَ الإِْمَامَ بَعْدَ رَكْعَةٍ أَوْ أَكْثَرَ (٢) .
وَعَرَّفَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ: هُوَ الَّذِي لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الإِْمَامِ مَحَل قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ الْمُعْتَدِلَةِ (٣) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمُدْرِكِ وَالْمَسْبُوقِ: أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُقْتَدٍ بِالإِْمَامِ، غَيْرَ أَنَّ الْمُدْرِكَ مُقْتَدٍ فِي الصَّلاَةِ كُلِّهَا وَالْمَسْبُوقُ مُقْتَدٍ فِي بَعْضِهَا.
ب - اللاَّحِقُ:
٣ - اللاَّحِقُ فِي اللُّغَةِ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ لَحِقَ، يُقَال: لَحِقْتُ بِهِ أَلْحَقُ لِحَاقًا: أَدْرَكْتُهُ (٤) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ عَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ اصْطِلاَحٌ خَاصٌّ بِهِمْ - بِأَنَّهُ: مَنْ فَاتَتْهُ الرَّكَعَاتُ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا بَعْدَ اقْتِدَائِهِ بِعُذْرٍ كَغَفْلَةٍ وَزَحْمَةٍ، وَسَبْقِ حَدَثٍ وَنَحْوِهَا، أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ بِأَنْ سَبَقَ إِمَامَهُ فِي رُكُوعٍ وَسُجُودٍ (٥) .
_________
(١) حاشية القليوبي ١ / ١٢٣.
(٢) لسان العرب، والمفردات، والفروق اللغوية، والتعريفات للجرجاني.
(٣) مغني المحتاج ١ / ٢٥٧، والقليوبي وعميرة ١ / ٢٤٩.
(٤) المصباح المنير، والصحاح للجوهري.
(٥) تبيين الحقائق للزيلعي ١ / ١٣٨.
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمُدْرِكِ وَاللاَّحِقِ: أَنَّ الْمُدْرِكَ لَمْ يَفُتْهُ شَيْءٌ مِنَ الصَّلاَةِ مَعَ الإِْمَامِ، أَمَّا اللاَّحِقُ فَقَدْ فَاتَتْهُ الرَّكَعَاتُ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا مَعَ الإِْمَامِ (١) .
مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُدْرِكِ مِنْ أَحْكَامٍ:
أَوَّلًا: الْمُدْرِكُ لِوَقْتِ الصَّلاَةِ بَعْدَ زَوَال الأَْسْبَابِ الْمَانِعَةِ:
٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الصَّلاَةِ عَلَى الْمُدْرِكِ لِوَقْتِهَا بَعْدَ زَوَال الأَْسْبَابِ الْمَانِعَةِ لِوُجُوبِهَا بِأَقَل مِنْ رَكْعَةٍ وَهَى: الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ، وَالْكُفْرُ وَالصِّبَا، وَالْجُنُونُ وَالإِْغْمَاءُ، وَالنِّسْيَانُ وَالسَّفَرُ وَالإِْقَامَةُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ إِذَا زَالَتْ هَذِهِ الأَْعْذَارُ، كَأَنْ طَهُرَتِ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ، وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ، وَبَلَغَ الصَّبِيُّ، وَأَفَاقَ الْمَجْنُونُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَتَذَكَّرَ النَّاسِي، وَاسْتَيْقَظَ النَّائِمُ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ وَقْتِ الصَّلاَةِ قَدْرُ رَكْعَةٍ أَوْ أَكْثَرُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاءُ تِلْكَ الصَّلاَةِ (٢) لِحَدِيثِ: مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْل أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْل أَنْ
_________
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ١ / ٣٩٩.
(٢) بدائع الصنائع ١ / ٩٥ - ٩٦، وحاشية ابن عابدين ١ / ١٩٦، ٢٣٨، ٤٩٤، والقوانين الفقهية ص ٥١، ومغني المحتاج ١ / ١٣١، والمغني لابن قدامة ١ / ٣٧٧، ٣٩٦ وما بعدها.
تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ (١)، وَلِحَدِيثِ: مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاَةَ (٢)،
وَلَمْ يُخَالِفْهُمْ فِي هَذَا إِلاَّ زُفَرُ حَيْثُ قَال: لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاءُ تِلْكَ الصَّلاَةِ إِلاَّ إِذَا بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ مِقْدَارُ مَا يُؤَدِّي فِيهِ الْفَرْضَ لأَِنَّ وُجُوبَ الأَْدَاءِ يَقْتَضِي تَصَوُّرَ الأَْدَاءِ، " وَأَدَاءُ كُل الْفَرْضِ فِي هَذَا الْقَدْرِ لاَ يُتَصَوَّرُ، فَاسْتَحَال وُجُوبُ الأَْدَاءِ.
قَال الْكَاسَانِيُّ: وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقُدُورِيِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ (٣) .
وَأَمَّا إِذَا أَدْرَكَ أَقَل مِنْ رَكْعَةٍ فَاخْتَلَفَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ - عَدَا زُفَرُ وَمَنْ مَعَهُ - وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ وَالْحَنَابِلَةُ: إِذَا زَالَتِ الأَْسْبَابُ الْمَانِعَةُ مِنْ وُجُوبِ الصَّلاَةِ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ وَقْتِ الصَّلاَةِ قَدْرُ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ أَوْ أَكْثَرُ وَجَبَتِ الصَّلاَةُ، لأَِنَّ الصَّلاَةَ لاَ تَتَجَزَّأُ، فَإِذَا وَجَبَ الْبَعْضُ وَجَبَ الْكُل، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ مِنَ الْوَقْتِ إِلاَّ قَدْرُ مَا يَسَعُ التَّحْرِيمَةَ وَجَبَتِ التَّحْرِيمَةُ، ثُمَّ تَجِبُ بَقِيَّةُ
_________
(١) حديث: " من أدرك ركعة من الصبح. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٥٦) ومسلم (١ / ٤٢٤) من حديث أبي هريرة واللفظ لمسلم.
(٢) حديث: " من أدرك ركعة من الصلاة. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٥٧) ومسلم (١ / ٤٢٣) من حديث أبي هريرة.
(٣) بدائع الصنائع ١ / ٩٥ - ٩٧، وحاشية ابن عابدين ١ / ٢٣٨.
الصَّلاَةِ لِضَرُورَةِ وُجُوبِ التَّحْرِيمَةِ فَيُؤَدِّيهَا فِي الْوَقْتِ الْمُتَّصِل بِهِ (١)، وَلأَِنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْوُجُوبُ يَسْتَوِي فِيهِ قَدْرُ الرَّكْعَةِ وَدُونَهَا، كَمَا أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا اقْتَدَى بِمُتِمٍّ فِي جُزْءٍ مِنْ صَلاَتِهِ يَلْزَمُهُ الإِْتْمَامُ (٢) .
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الصَّلاَةِ أَنْ يُدْرِكَ مَعَ التَّكْبِيرَةِ قَدْرَ الطَّهَارَةِ عَلَى الأَْظْهَرِ، وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ بَقَاءُ السَّلاَمَةِ مِنَ الْمَوَانِعِ بِقَدْرِ فِعْل الطَّهَارَةِ وَالصَّلاَةِ أَخَفُّ مَا يُمْكِنُ، فَلَوْ عَادَ الْمَانِعُ قَبْل ذَلِكَ كَأَنْ بَلَغَ ثُمَّ جُنَّ لَمْ تَجِبِ الصَّلاَةُ (٣) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: مَا يَتَعَلَّقُ مِنَ الْوُجُوبِ بِمِقْدَارِ التَّحْرِيمَةِ فِي حَقِّ الْحَائِضِ هُوَ إِذَا كَانَتْ أَيَّامُهَا عَشْرًا، فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ أَيَّامُهَا دُونَ الْعَشَرَةِ فَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَيْهَا الصَّلاَةُ إِذَا طَهُرَتْ وَعَلَيْهَا مِنَ الْوَقْتِ مِقْدَارُ مَا تَغْتَسِل فِيهِ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا مِنَ الْوَقْتِ مَا لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَغْتَسِل فِيهِ، أَوْ لاَ تَسْتَطِيعَ أَنْ تَتَحَرَّمَ لِلصَّلاَةِ فِيهِ فَلَيْسَ عَلَيْهَا تِلْكَ الصَّلاَةُ، حَتَّى لاَ يَجِبَ عَلَيْهَا الْقَضَاءُ.
وَالْفَرَقُ أَنَّ أَيَّامَهَا إِذَا كَانَتْ أَقَل مِنْ عَشَرَةٍ لاَ يُحْكَمُ بِخُرُوجِهَا مِنَ الْحَيْضِ بِمُجَرَّدِ انْقِطَاعِ
_________
(١) بدائع الصنائع ١ / ٩٦، وحاشية ابن عابدين ١ / ٢٣٨، ومغني المحتاج ١ / ١٣١، والمغني لابن قدامة ١ / ٣٩٦.
(٢) مغني المحتاج ١ / ١٣١، والمغني لابن قدامة ١ / ٣٩٦.
(٣) مغني المحتاج ١ / ١٣١ - ١٣٢.
الدَّمِ مَا لَمْ تَغْتَسِل أَوْ يَمْضِي عَلَيْهَا وَقْتُ صَلاَةٍ تَصِيرُ تِلْكَ الصَّلاَةُ دَيْنًا عَلَيْهَا، وَإِذَا كَانَتْ أَيَّامُهَا عَشَرَةً بِمُجَرَّدِ الاِنْقِطَاعِ يُحْكَمُ بِخُرُوجِهَا مِنَ الْحَيْضِ، فَإِذَا أَدْرَكَتْ جُزْءًا مِنَ الْوَقْتِ يَلْزَمُهَا قَضَاءُ تِلْكَ الصَّلاَةِ، سَوَاءٌ تَمَكَّنَتْ مِنَ الاِغْتِسَال أَوْ لَمْ تَتَمَكَّنْ، بِمَنْزِلَةِ كَافِرٍ أَسْلَمَ وَهُوَ جُنُبٌ أَوْ صَبِيٍّ بَلَغَ بِالاِحْتِلاَمِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ تِلْكَ الصَّلاَةِ، سَوَاءٌ تَمَكَّنَ مِنَ الاِغْتِسَال فِي الْوَقْتِ أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا ارْتَفَعَتِ الأَْسْبَابُ الْمَانِعَةُ لِوُجُوبِ الصَّلاَةِ وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ أَقَل مِنْ رَكْعَةٍ لَمْ تَجِبِ الصَّلاَةُ، فَيُشْتَرَطُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُدْرِكَ بَعْدَ ارْتِفَاعِ الأَْعْذَارِ قَدْرَ رَكْعَةٍ أَخَفَّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، لِمَفْهُومِ حَدِيثِ: مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْل أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَلأَِنَّهُ إِدْرَاكٌ تَعَلَّقَ بِهِ إِدْرَاكُ الصَّلاَةِ فَلَمْ يَكُنْ بِأَقَل مِنْ رَكْعَةٍ.
كَمَا أَنَّ الْجُمُعَةَ لاَ تُدْرَكُ إِلاَّ بِرَكْعَةٍ.
قَال الْمَالِكِيَّةُ: يُعْتَبَرُ إِدْرَاكُ أَصْحَابِ الأَْعْذَارِ بَعْدَ زَوَال الأَْعْذَارِ وَمِقْدَارُ فِعْل الطَّهَارَةِ، وَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْهُمْ: لاَ تُعْتَبَرُ الطَّهَارَةُ فِي الْكَافِرِ، أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَلاَ يُشْتَرَطُ
_________
(١) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ١ / ٩٦، وحاشية ابن عابدين ١ / ٢٣٨.