الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦
يَكْتُبَانِ كِتَابَ إِقْرَارٍ عَنْهُمَا يُقِرَّانِ بِذَلِكَ، فَيَجُوزُ إِقْرَارُهُمَا بِذَلِكَ عَلَى أَنْفُسِهِمَا، وَلاَ حَاجَةَ إِلَى الْحِيلَةِ عَلَى قَوْل أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لأَِنَّ الْمُزَارَعَةَ بِبَعْضِ الْخَارِجِ جَائِزَةٌ عِنْدَهُمَا، وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا لِحَاجَةِ النَّاسِ (١) .
الْحِيلَةُ فِي إِسْقَاطِ حَدِّ السَّرِقَةِ وَالزِّنَا
٣٥ - الأَْصْل أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ بِجَانِبِ الشُّرُوطِ الأُْخْرَى أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مِلْكًا لِغَيْرِ السَّارِقِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمِيعُ الْفُقَهَاءِ، فَلاَ قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مَال نَفْسِهِ مِنْ يَدِ غَيْرِهِ كَالْمُرْتَهَنِ وَالْمُسْتَأْجَرِ (٢) .
وَعَلَى هَذَا فَمِنَ الْحِيَل لِمَنْعِ الْقَطْعِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ: أَنْ يَدَّعِيَ السَّارِقُ أَنَّ الْمَال الْمَسْرُوقَ مِلْكُهُ، أَوْ سَرَقَهُ شَخْصَانِ، ثُمَّ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمَسْرُوقَ لَهُ أَوْ لَهُمَا، فَكَذَّبَهُ الآْخَرُ، لَمْ يُقْطَعْ، لأَِنَّ مَا ادَّعَاهُ مُحْتَمَلٌ فِي ذَاتِهِ، وَإِنْ كَذَّبَهُ الشَّرْعُ أَوِ الْحِسُّ، أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِخِلاَفِهِ، أَوْ كَذَّبَهُ الْمُقِرُّ أَوِ الْمُقَرُّ لَهُ، وَكَذَا لَوِ ادَّعَى أَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، أَوْ أَنَّهُ دُونَ نِصَابٍ، أَوْ أَنَّ الْمَالِكَ أَذِنَ لَهُ فِي الأَْخْذِ لَمْ يُقْطَعْ، نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.
قَال أَبُو حَامِدٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: هَذِهِ
_________
(١) كتاب الحيل للخصاف / ٤٤، والاختيار ٣ / ٧٤، ٧٥.
(٢) الاختيار ٤ / ١٠٢، وجواهر الإِكليل ٢ / ٢٩٠، والقوانين الفقهية / ٣٥١، والقليوبي وعميرة ٤ / ١٨٨، ومطالب أولي النهى ٦ / ٢٤٣.
الدَّعَاوَى كُلُّهَا مِنَ الْحِيَل الْمُحَرَّمَةِ، وَيُسَمَّى مُدَّعِيهَا بِالسَّارِقِ الظَّرِيفِ كَمَا قَال الشَّافِعِيُّ.
وَأَمَّا دَعْوَى زَوْجِيَّةِ الْمَزْنِيِّ بِهَا لإِسْقَاطِ حَدِّ الزِّنَا فَمِنَ الْحِيَل الْمُبَاحَةِ (١) .
الْحِيلَةُ فِي الإِْفْتَاءِ
٣٦ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمُفْتِي تَتَبُّعُ الْحِيَل طَلَبًا لِلتَّرْخِيصِ عَلَى مَنْ يَرُومُ نَفْعَهُ، أَوِ التَّغْلِيظِ عَلَى مَنْ يَرُومُ ضُرَّهُ، فَمَنْ فَعَل هَذَا فَلاَ وُثُوقَ بِهِ، وَأَمَّا، إِذَا صَحَّ قَصْدُهُ فَاحْتَسَبَ فِي طَلَبِ حِيلَةٍ لاَ شُبْهَةَ فِيهَا، وَلاَ تَجُرُّ إِلَى مَفْسَدَةٍ لِيُخَلِّصَ بِهَا الْمُسْتَفْتِيَ مِنْ وَرْطَةِ يَمِينٍ وَنَحْوِهَا فَذَلِكَ حَسَنٌ، وَعَلَيْهِ يُحْمَل مَا جَاءَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِنْ هَذَا.
وَيَحْرُمُ سُؤَال مَنْ عُرِفَ بِالتَّسَاهُل وَاتِّبَاعِ الْحِيَل الْمَذْكُورَةِ (٢) .
وَفِي وَاضِحِ ابْنِ عَقِيلٍ لِلْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إِعْلاَمُ الْمُسْتَفْتِي بِمَذْهَبِ غَيْرِهِ إِنْ كَانَ أَهْلًا لِلرُّخْصَةِ كَطَالِبِ التَّخَلُّصِ مِنَ الرِّبَا فَيَرُدُّهُ إِلَى مَنْ يَرَى الْحِيَل جَائِزَةً لِلْخَلاَصِ مِنْهُ (٣) . وَيَرَى ابْنُ الْقَيِّمِ: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمُفْتِي تَتَبُّعُ الْحِيَل الْمُحَرَّمَةِ وَالْمَكْرُوهَةِ، وَلاَ تَتَبُّعُ الرُّخَصِ
_________
(١) القليوبي وعميرة ٤ / ١٨٨.
(٢) روضة الطالبين ١١ / ١٠، وأسنى المطالب ٤ / ٢٨٣.
(٣) نيل المآرب ٢ / ٢٢٤.
لِمَنْ أَرَادَ نَفْعَهُ، فَإِنْ حَسُنَ قَصْدُهُ فِي حِيلَةٍ جَائِزَةٍ لاَ شُبْهَةَ فِيهَا وَلاَ مَفْسَدَةَ لِتَخْلِيصِ الْمُسْتَفْتِي بِهَا مِنْ حَرَجٍ جَازَ ذَلِكَ، بَل اسْتُحِبَّ، وَقَدْ أَرْشَدَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ أَيُّوبَ ﵇ إِلَى التَّخَلُّصِ مِنَ الْحِنْثِ بِأَنْ يَأْخُذَ بِيَدِهِ ضِغْثًا، فَيَضْرِبَ بِهِ الْمَرْأَةَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، وَأَرْشَدَ النَّبِيُّ ﷺ بِلاَلًا إِلَى بَيْعِ التَّمْرِ بِدَرَاهِمَ ثُمَّ يَشْتَرِي بِالدَّرَاهِمِ تَمْرًا آخَرَ فَيَتَخَلَّصُ مِنَ الرِّبَا، فَأَحْسَنُ الْمَخَارِجِ مَا خَلَّصَ مِنَ الْمَآثِمِ، وَأَقْبَحُهَا مَا أَوْقَعَ فِي الْمَحَارِمِ (١) .
مُخَارَجَةٌ
انْظُرْ: تَخَارُجٌ.
_________
(١) إعلام الموقعين ٤ / ٢٢٢.
مَخَاضٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْمَخَاضُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْكَسْرِ - لُغَةٌ - وَجَعُ الْوِلاَدَةِ
يُقَال: مَخَضَتِ الْمَرْأَةُ وَكُل حَامِلٍ: دَنَا وِلاَدُهَا وَأَخَذَهَا الطَّلْقُ.
وَجَاءَ فِي التَّنْزِيل: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ (١) أَيْ أَلْجَأَهَا وَجَعُ الطَّلْقِ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ.
وَالْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْوِلاَدَةُ:
٢ - الْوِلاَدَةُ وَضْعُ الْوَالِدَةِ وَلَدَهَا (٣) .
وَالْمَخَاضُ يَسْبِقُ الْوِلاَدَةَ.
_________
(١) سورة مريم / ٢٣.
(٢) المصباح المنير، والمغرب في ترتيب المعرب، وقواعد الفقه للبركتي.
(٣) المصباح المنير.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَخَاضِ:
أ - الْمَوْتُ فِي الْمَخَاضِ:
٣ - قَال الْفُقَهَاءُ: الْمَيِّتَةُ فِي الْمَخَاضِ شَهِيدَةٌ فِي الآْخِرَةِ بِمَعْنَى أَنَّ لَهَا أَجْرَ الشُّهَدَاءِ فِي الآْخِرَةِ لِحَدِيثِ رَاشِدِ بْنِ حُبَيْشٍ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ دَخَل عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ يَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ أَتَعْلَمُونَ مَنِ الشَّهِيدُ فِي أُمَّتِي؟ فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، فَقَال عُبَادَةُ: سَانِدُونِي فَأَسْنَدُوهُ، فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ، الصَّبَّارُ الْمُحْتَسِبُ. فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ، الْقَتْل فِي سَبِيل اللَّهِ ﷿ شَهَادَةٌ، وَالطَّاعُونُ شَهَادَةٌ، وَالْغَرَقُ شَهَادَةٌ، وَالْبَطْنُ شَهَادَةٌ، وَالنُّفَسَاءُ يَجُرُّهَا وَلَدُهَا بِسُرَرِهِ إِلَى الْجَنَّةِ (١) وَلَكِنَّهَا تُغَسَّل وَتُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهَا (٢)، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي النِّفَاسِ فَقَامَ وَسَطَهَا (٣) .
_________
(١) حديث راشد بن حبيش أن رسول الله ﷺ دخل على عبادة بن الصامت. أخرجه أحمد (٣ / ٢٨٩) وحسن إسناده المنذري في الترغيب (٢ / ٣٠٩) .
(٢) حاشية القليوبي والمحلي ١ / ٣٣٩، ومغني المحتاج ١ / ٣٥٠، وابن عابدين ١ / ٦١١، والمجموع ٥ / ٢٦٤، والمغني ٢ / ٥٣٦، وكشاف القناع ٢ / ١٠١.
(٣) حديث: " أن رسول الله ﷺ صلى على امرأة ماتت في النفاس. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٢٠١) ومسلم (٢ / ٦٦٤) من حديث سمرة بن جندب.
ب - تَبَرُّعُ الْمَرْأَةِ فِي الْمَخَاضِ:
٤ - لاَ يَنْفُذُ تَبَرُّعُ الْمَرْأَةِ فِي مَخَاضِهَا، أَوْ بَعْدَ الْوِلاَدَةِ قَبْل انْفِصَال الْمَشِيمَةِ إِلاَّ فِي الثُّلُثِ.
لِخَطَرِ الْوِلاَدَةِ، فَأُعْطِيَتْ حُكْمَ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ فَيُوقَفُ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، فَإِنِ انْفَصَلْتِ الْمَشِيمَةُ وَلَمْ يَحْصُل بِالْوِلاَدَةِ جُرْحٌ أَوْ ضَرَبَانٌ شَدِيدٌ أَوْ وَرَمٌ، نَفَذَ تَبَرُّعُهَا (١) .
_________
(١) مغني المحتاج ٣ / ٥٢، والمغني ٦ / ٨٦.
مُخَاطٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْمُخَاطُ فِي اللُّغَةِ: مَا يَسِيل مِنَ الأَْنْفِ كَاللُّعَابِ مِنَ الْفَمِ، وَالْمَخْطَةُ: مَا يَقْذِفُ الرَّجُل مِنْ أَنْفِهِ، يُقَال: امْتَخَطَ أَيْ أَخْرَجَ مُخَاطَهُ مِنْ أَنْفِهِ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - النُّخَاعَةُ
٢ - النُّخَاعَةُ بِالضَّمِّ: مَا يُخْرِجُهُ الإِْنْسَانُ مِنْ حَلْقِهِ مِنْ مَخْرَجِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الْبَلْغَمِ، أَوْ هِيَ: مَا يَخْرُجُ مِنَ الْخَيْشُومِ عِنْدَ التَّنَخُّعِ.
وَالنُّخَامَةُ هِيَ النُّخَاعَةُ وَزْنًا وَمَعْنًى يُقَال: تَنَخَّمَ وَتَنَخَّعَ: رَمَى بِالنُّخَامَةِ وَالنُّخَاعَةِ (٢) .
_________
(١) لسان العرب، والمعجم الوسيط، والشرح الكبير للدردير ١ / ٥٠.
(٢) لسان العرب، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: النُّخَاعَةُ أَوِ النُّخَامَةُ هِيَ الْفَضْلَةُ الْغَلِيظَةُ الَّتِي يَلْفِظُهَا الشَّخْصُ مِنْ فِيهِ، سَوَاءٌ مِنْ دِمَاغِهِ أَوْ مِنْ بَاطِنِهِ (١) .
وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ النُّخَاعَةَ أَعَمُّ مِنَ الْمُخَاطِ.
ب - اللُّعَابُ
٣ - مِنْ مَعَانِي اللُّعَابِ فِي اللُّغَةِ: مَا سَال مِنَ الْفَمِ (٢) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٣) .
وَكُلٌّ مِنَ الْمُخَاطِ وَاللُّعَابِ يَخْرُجُ مِنَ الْبَاطِنِ، غَيْرَ أَنَّ الْمُخَاطَ يَخْرُجُ مِنَ الأَْنْفِ وَاللُّعَابَ مِنَ الْفَمِ.
ثَانِيًا: حُرْمَةُ تَنَاوُل الْمُخَاطِ:
٥ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى حُرْمَةِ تَنَاوُل الْمُخَاطِ، قَالُوا: إِنَّ الْمُخَاطَ وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا إِلاَّ أَنَّهُ مُسْتَقْذَرٌ، وَيَحْرُمُ تَنَاوُل الإِْنْسَانِ لَهُ لاِسْتِقْذَارِهِ لاَ لِنَجَاسَتِهِ (٤) .
ثَالِثًا: انْتِقَاضُ الْوُضُوءِ بِخُرُوجِ الْمُخَاطِ وَنَحْوِهِ:
٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِخُرُوجِ الْمُخَاطِ وَنَحْوِهِ مِنْ بَلْغَمٍ وَنُخَامَةٍ، فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لاَ يَنْتَقِضُ بِخُرُوجِ مُخَاطٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا نَزَل مِنَ الدِّمَاغِ، أَوْ مِنَ الْجَوْفِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْلِيل عَدِمِ نَقْضِهِ تَبَعًا لاِخْتِلاَفِهِمْ فِي بَعْضِ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ، فَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: إِنَّهُ شَيْءٌ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ، وَكُل مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُمَا لَمْ يَنْقُضِ الْوُضُوءَ، إِلاَّ إِذَا انْسَدَّ الْمَخْرَجُ وَانْفَتَحَ مَنْفَذٌ مِنْ تَحْتِ السُّرَّةِ فَخَرَجَ مِنْهُ الْمُعْتَادُ، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَبْطُل الْوُضُوءُ بِهِ (٥) .
_________
(١) أسنى المطالب ١ / ٤١٥.
(٢) لسان العرب، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط.
(٣) الشرح الكبير للدردير ١ / ٥٠.
(٤) مغني المحتاج ١ / ٧٧، وكفاية الأخيار ١ / ٦٤.
(٥) روض الطالب ١ / ٥٤، ونهاية المحتاج ١ / ٩٦، والخرشي ١ / ١٥٣، والشرح الصغير ١ / ١٣٦.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَالْحَنَابِلَةُ: لأَِنَّهُ طَاهِرٌ، وَلأَِنَّهُ شَيْءٌ صَقِيلٌ لاَ يَلْتَصِقُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الأَْنْجَاسِ فَكَانَ طَاهِرًا، وَخُرُوجُ شَيْءٍ طَاهِرٍ مِنَ الْمُتَوَضِّئِ لاَ يُبْطِل الْوُضُوءَ فَصَارَ كَالْبُزَاقِ، وَقَال أَبُو يُوسُفَ: إِنْ صَعِدَ الْمُخَاطُ مِنَ الْمَعِدَةِ وَكَانَ مِلْءَ الْفَمِ أَفْسَدَ الطَّهَارَةَ لاِخْتِلاَطِهِ بِالأَْنْجَاسِ، لأَِنَّ الْمَعِدَةَ مَعْدِنُ الأَْنْجَاسِ، فَيَكُونُ الْمُخَاطُ حَدَثًا يَبْطُل الْوُضُوءُ بِهِ كَالْقَيْءِ، قَال الزَّيْلَعِيُّ: إِنَّ مَحَل الْخِلاَفِ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَصَاحِبَيْهِ: إِذَا لَمْ يَكُنِ الْبَلْغَمُ مَخْلُوطًا بِالطَّعَامِ، وَالْغَالِبُ الطَّعَامُ. أَمَّا إِذَا كَانَ مَخْلُوطًا بِالطَّعَامِ وَكَانَ الطَّعَامُ غَالِبًا نَقَضَ إِجْمَاعًا عِنْدَهُمْ (١) .
رَابِعًا: اقْتِلاَعُ الْمُخَاطِ أَوْ بَلْعُهُ فِي الصَّوْمِ:
٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي فَسَادِ الصَّوْمِ بِابْتِلاَعِ الْمُخَاطِ أَوْ قَلْعِهِ
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الصَّوْمَ لاَ يَفْسُدُ بِاقْتِلاَعِ الْمُخَاطِ وَابْتِلاَعِهِ وَإِنْ أَمْكَنَ طَرْحُهُ، وَلَوْ بَعْدَ وُصُولِهِ إِلَى ظَاهِرِ الْفَمِ. وَقَال أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنْ صَعِدَ الْمُخَاطُ مِنَ الْمَعِدَةِ وَكَانَ مِلْءَ الْفَمِ أَفْسَدَ الصَّوْمَ (٢) .
_________
(١) بدائع الصنائع ١ / ٢٧، وتبيين الحقائق ١ / ٩، وحاشية ابن عابدين ١ / ٩٤، والمغني ١ / ١٨٦.
(٢) ابن عابدين ٢ / ١٠١، وحاشية الطحطاوي ١ / ٤٥٨ - ٤٥٩، والبحر الرائق ١ / ٢٩٤، وفتح القدير ٢ / ٢٦٠، وتبيين الحقائق ١ / ٣٢٦، والشرح الصغير ١ / ٧٠٠، وشرح الزرقاني ٢ / ٢٠٣.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَبْطُل الصَّوْمُ بِخَلْعِ النُّخَامَةِ وَمَجِّهَا فِي الأَْصَحِّ، سَوَاءٌ أَقَلَعَهَا مِنْ دِمَاغِهِ، أَمْ مِنْ بَاطِنِهِ لِتَكَرُّرِ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ فَرُخِّصَ فِيهِ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ يُفْطِرُ بِهِ كَالاِسْتِقَاءَةِ، وَإِنْ نَزَلَتْ بِنَفْسِهَا أَوْ نَزَلَتْ بِغَلَبَةِ السُّعَال فَلاَ بَأْسَ بِهِ جَزْمًا، وَإِنْ بَقِيَتْ فِي مَحَلِّهَا فَلاَ يُفْطِرُ جَزْمًا، فَإِنْ نَزَلَتْ مِنْ دِمَاغِهِ، وَحَصَلَتْ فِي حَدِّ الظَّاهِرِ مِنَ الْفَمِ، فَإِنْ قَطَعَهَا مِنْ مَجْرَاهَا وَمَجَّهَا لَمْ يَفْسُدِ الصَّوْمُ، وَإِنْ تَرَكَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى مَجِّهَا فَوَصَلَتِ الْجَوْفَ أَفْطَرَ فِي الأَْصَحِّ لِتَقْصِيرِهِ، أَمَّا إِذَا لَمْ تَصِل إِلَى حَدِّ الظَّاهِرِ مِنَ الْفَمِ - وَهُوَ مَخْرَجُ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ - عِنْدَ النَّوَوِيِّ - وَمَخْرَجُ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ - بِأَنْ كَانَتْ فِي حَدِّ الْبَاطِنِ - وَهُوَ مَخْرَجُ الْهَمْزَةِ وَالْهَاءِ، أَوْ حَصَلَتْ فِي الظَّاهِرِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَجِّهَا لَمْ تَضُرَّ (١) .
وَلِلْحَنَابِلَةِ فِي ابْتِلاَعِ الصَّائِمِ النُّخَامَةَ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: يُفْطِرُ، قَال حَنْبَلٌ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُول: إِذَا تَنَخَّمَ ثُمَّ ازْدَرَدَهُ فَقَدْ أَفْطَرَ، لأَِنَّ النُّخَامَةَ مِنَ الرَّأْسِ تَنْزِل، وَلَوْ تَنَخَّعَ مِنْ جَوْفِهِ ثُمَّ ازْدَرَدَهُ: أَفْطَرَ، لأَِنَّهُ أَمْكَنَ
_________
(١) تحفة المحتاج ٣ / ٣٩٩، ونهاية المحتاج ٣ / ١٦١، وروض الطالب ١ / ٤١٥، والمحلي والقليوبي ٢ / ٥٥.