الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦ الصفحة 50

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦

لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهَا عَلَى أَقْوَالٍ:

فَذَهَبَ مُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَهْ قَال ابْنُ سُرَيْجٍ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ إِلَى أَنَّهَا تُكْرَهُ هَذِهِ الْحِيلَةُ لأَِنَّهَا شُرِعَتْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الشَّفِيعِ وَالْحِيلَةُ تُنَافِيهِ وَلأَِنَّ الَّذِي يَحْتَال لإِسْقَاطِهَا يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْقَاصِدِ إِلَى الإِْضْرَارِ بِالْغَيْرِ، وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ.

وَيَرَى أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهَا لاَ تُكْرَهُ، وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ صَرَّحَ بِهِ أَبُو حَاتِمٍ الْقَزْوِينِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْحِيَل بِقَوْلِهِ: وَأَمَّا الْحِيَل فِي دَفْعِ شُفْعَةِ الْجَارِ فَلاَ كَرَاهَةَ فِيهَا مُطْلَقًا لأَِنَّهُ دَفَعَ الضَّرَرَ عَنْ نَفْسِهِ لاَ الإِْضْرَارَ بِالْغَيْرِ لأَِنَّ فِي الْحَجْرِ عَلَيْهِ عَنِ التَّصَرُّفِ أَوْ تَمَلُّكِ الدَّارِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ إِضْرَارًا بِهِ وَهُوَ إِنَّمَا قَصَدَ دَفْعَ هَذَا الضَّرَرَ وَلاِحْتِمَال أَنْ يَكُونَ الْجَارُ فَاسِقًا يَتَأَذَّى بِهِ وَفِي اسْتِعْمَال الْحِيلَةِ لإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ تَحْصِيل الْخَلاَصِ مِنْ مِثْل هَذَا الْجَارِ.

وَالْفَتْوَى فِي الْمَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ عَلَى قَوْل أَبِي يُوسُفَ وَقُيِّدَ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ فِي السِّرَاجِيَّةِ بِمَا إِذَا كَانَ الْجَارُ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ وَاسْتَحْسَنَهُ شَرَفُ الدِّينِ الْغَزِّيُّ مِنْ فُقَهَاءِ الأَْحْنَافِ فِي تَنْوِيرِ الأَْبْصَارِ حَيْثُ قَال: وَيَنْبَغِي اعْتِمَادُ هَذَا الْقَوْل لِحُسْنِهِ.

ب - الْحِيلَةُ لِتَقْلِيل رَغْبَةِ الشَّفِيعِ

٢٤ - إِذَا أَرَادَ شَخْصٌ أَنْ يَبِيعَ دَارَهُ بِعَشَرَةِ آلاَفِ دِرْهَمٍ يَبِيعُهَا بِعِشْرِينَ أَلْفًا ثُمَّ يَقْبِضُ تِسْعَةَ آلاَفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَيَقْبِضُ بِالْبَاقِي عَشَرَةَ دَنَانِيرَ أَوْ أَقَل أَوْ أَكْثَرَ فَلَوْ أَرَادَ الشَّفِيعُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِعِشْرِينَ أَلْفًا إِنْ شَاءَ، فَلاَ يَرْغَبُ فِي الشُّفْعَةِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الثَّمَنِ (١) .

وَلِلْحِيَل الْمُسْقِطَةِ لِلشُّفْعَةِ، وَالْمُقَلِّلَةِ لِرَغْبَةِ الشَّفِيعِ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ (٢) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْحِيَل لاَ تُفِيدُ فِي الْعِبَادَاتِ وَلاَ فِي الْمُعَامَلاَتِ (٣) .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَحِل الاِحْتِيَال لإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ وَإِنْ فَعَل لَمْ تَسْقُطْ قَال أَحْمَدُ: لاَ يَجُوزُ شَيْءٌ مِنَ الْحِيَل فِي ذَلِكَ وَلاَ فِي إِبْطَال حَقِّ مُسْلِمٍ. وَبِهَذَا قَال أَبُو أَيُّوبَ وَأَبُو خَيْثَمَةَ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْجَوزَجَانِيُّ وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا: لاَ تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ، فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ بِأَدْنَى

_________

(١) الإِختيار ٢ / ٤٨، وابن عابدين ٥ / ١٥٦ وتكملة فتح القدير ٧ / ٤٥٠، والمبسوط للسرخسي ١٤ / ١٣١، والأشباه والنظائر لابن نجيم / ٤٠٥، ٤٠٧، والمخارج في الحيل / ١٣١، ونهاية المحتاج ٥ / ٢٠٥، وحاشية الجمل ٣ / ٥٠٧، والقليوبي وعميرة ٣ / ٤٧، وروضة الطالبين ٥ / ١١٥، ١١٦، وإعلام الموقعين ٣ / ١١٩.

(٢) المخارج في الحيل / ١٣١ وما بعدها.

(٣) الشرح الصغير ١ / ٦٠١.

الْحِيَل (١) وَلأَِنَّ الشُّفْعَةَ وُضِعَتْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، فَلَوْ سَقَطَتْ بِالتَّحَيُّل لَلَحِقَ الضَّرَرُ، فَلَمْ تَسْقُطْ، مِثْل أَنْ يَشْتَرِيَ شِقْصًا يُسَاوِي عَشَرَةَ دَنَانِيرَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ يَقْضِيهِ عَنْهَا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ.

وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ التَّحَيُّل فَتَسْقُطُ بِهِ الشُّفْعَةُ لأَِنَّهُ لاَ خِدَاعَ فِيهِ وَلاَ قَصَدَ بِهِ إِبْطَال حَقٍّ وَالأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ، وَالْقَوْل قَوْل الْمُشْتَرِي فِيمَا إِذَا اخْتَلَفَا فِي كَوْنِهِ حِيلَةً أَمْ لاَ لأَِنَّ الْمُشْتَرِيَ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ وَحَالِهِ (٢) .

الْحِيلَةُ فِي الإِْجَارَةِ وَالْمُسَاقَاةِ

٢٥ - الأَْصْل أَنَّ اشْتِرَاطَ الْمَرَمَّةِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ يُفْسِدُ الإِْجَارَةَ، وَالْحِيلَةُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أَنْ يَنْظُرَ إِلَى قَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَيَضُمَّ إِلَى الأُْجْرَةِ، ثُمَّ يَأْمُرُهُ الْمُؤَجِّرُ بِصَرْفِهِ إِلَى الْمَرَمَّةِ، فَيَكُونُ الْمُسْتَأْجِرُ وَكِيلًا بِالإِْنْفَاقِ.

وَكَذَلِكَ اشْتِرَاطُ خَرَاجِ الأَْرْضِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ غَيْرُ جَائِزٍ، لأَِنَّ الأَْصْل أَنَّ الْخَرَاجَ عَلَى الْمَالِكِ وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، وَالْحِيلَةُ فِي

_________

(١) حديث: " لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود. . . ". أورده ابن كثير في تفسيره (٣ / ٢٣٨) وعزاه إلى ابن بطه وقال: إسناده جيد.

(٢) المغني ٥ / ٣٥٣ - ٣٥٥، وكشاف القناع ٤ / ١٣٥، ١٣٦، وإعلام الموقعين ٣ / ٣٧٩، ٣٨٠، ٢٧٩، ونيل المآرب ١ / ٤٥٥، ومطالب أولي النهى ٤ / ١٠١ - ١٠٣.

جَوَازِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أَنْ يَزِيدَ فِي الأُْجْرَةِ بِقَدْرِهِ، ثُمَّ يَأْذَنَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ فِي خَرَاجِهَا ذَلِكَ الْقَدْرَ الزَّائِدَ عَلَى أُجْرَتِهَا، لأَِنَّهُ مَتَى زَادَ مِقْدَارُ الْخَرَاجِ عَلَى الأُْجْرَةِ أَصْبَحَ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، وَقَدْ أَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى مُسْتَحِقِّ الْخَرَاجِ وَهُوَ جَائِزٌ.

وَنَظِيرُ هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يُؤَجِّرَ دَابَّةً، وَيَشْتَرِطَ عَلْفَهَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ، لأَِنَّهُ مَجْهُولٌ وَالأَْجْرُ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وَالْحِيلَةُ فِي جَوَازِهِ كَمَا سَبَقَ.

وَهَذِهِ الْحِيلَةُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّهُمْ يُجَوِّزُونَ اسْتِئْجَارَ الظِّئْرِ بِطَعَامِهَا وَكِسْوَتِهَا وَالأَْجِيرِ بِطَعَامِهِ وَكِسْوَتِهِ، فَكَذَلِكَ إِجَارَةُ الدَّابَّةِ بِعَلْفِهَا وَسَقْيِهَا (١) .

وَالأَْصْل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الإِْجَارَةَ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِ طَرَفَيِ الْعَقْدِ، وَبِهِ قَال الثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ وَعَلَى هَذَا إِذَا أَرَادَ الْمُسْتَأْجِرُ أَنْ لاَ تَنْفَسِخَ بِمَوْتِ الْمُؤَجِّرِ، فَالْحِيلَةُ: أَنْ يُقِرَّ الْمُؤَجِّرُ بِأَنَّهَا لِلْمُسْتَأْجِرِ عَشْرَ سِنِينَ يَزْرَعُ فِيهِ مَا شَاءَ، وَمَا خَرَجَ فَهُوَ لَهُ، فَلاَ تَبْطُل بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا (٢) .

وَالأَْصْل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ،

_________

(١) الأشباه والنظائر / ٤١٤، والمخارج في الحيل ١٩، ٢١، وإعلام الموقعين ٣ / ٣٤٥ - ٣٤٦، ٢٠١.

(٢) الحيل للخصاف / ٤٠ وما بعدها، والمخارج في الحيل / ٩، والمغني ٥ / ٤٦٨.

وَالشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ غَزْلًا لآِخَرَ لِيَنْسِجَهُ لَهُ بِنِصْفِ الْغَزْل، أَوِ اسْتَأْجَرَ بَغْلًا لِيَحْمِل طَعَامَهُ بِبَعْضِهِ، أَوْ ثَوْرًا لِيَطْحَنَ بُرَّهُ بِبَعْضِ دَقِيقِهِ، فَسَدَتِ الإِْجَارَةُ فِي الْكُل، لأَِنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ بِجُزْءِ عَمَلِهِ، وَلِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ قَفِيزِ الطَّحَّانِ (١) .

وَالْحِيلَةُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنْ يُفْرِزَ الأَْجْرَ أَوَّلًا وَيُسَلِّمَهُ إِلَى الأَْجِيرِ، أَوْ يُسَمِّي قَفِيزًا بِلاَ تَعْيِينٍ، ثُمَّ يُعْطِيهِ قَفِيزًا مِنْهُ فَيَجُوزُ، فَلَوْ خَلَطَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَطَحَنَ الْكُل ثُمَّ أَفْرَزَ الأُْجْرَةَ، وَرَدَّ الْبَاقِيَ جَازَ، لأَِنَّهُ لَمْ يَسْتَأْجِرْهُ أَنْ يَطْحَنَ بِجُزْءٍ مِنْهُ (٢) .

الْحِيلَةُ فِي الرَّهْنِ

٢٦ - الأَْصْل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ رَهْنُ مَشَاعٍ، وَالْحِيلَةُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ: أَنْ يَبِيعَ نِصْفَ دَارِهِ مَشَاعًا مِنْ طَالِبِ الرَّهْنِ، وَيَقْبِضَ مِنْهُ الثَّمَنَ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ، وَيَقْبِضَ الدَّارَ ثُمَّ يَفْسَخَ الْبَيْعَ بِحُكْمِ الْخِيَارِ، فَتَبْقَى فِي يَدِهِ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ بِالثَّمَنِ (٣) .

وَأَمَّا الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ فَلاَ حَاجَةَ لِلْحِيلَةِ

_________

(١) حديث: " نهى النبي ﷺ عن قفيز الطحان. . . ". أخرجه الدارقطني (٣ / ٤٧) وأورده الذهبي في ميزان الاعتدال (٤ / ٣٠٦) وقال: هذا منكر، وراويه لا يعرف.

(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ١٣٦، والفتاوى الهندية ٤ / ٤٤٤، والقوانين الفقهية / ٢٧٣، ونهاية المحتاج ٥ / ٢٦٨.

(٣) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣١٥، ٣١٦ - ط. بولاق.

عِنْدَهُمْ، لأَِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ رَهْنُ مَشَاعٍ (١)

الْحِيلَةُ فِي الْوَكَالَةِ

٢٧ - الأَْصْل أَنَّ شِرَاءَ الْوَكِيل الْمُعَيَّنِ مِنْ نَفْسِهِ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ لأَِنَّ الآْمِرَ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي شِرَائِهِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَدْ خَدَعَهُ بِقَبُول الْوَكَالَةِ لِيَشْتَرِيَهُ لِنَفْسِهِ، وَأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ.

وَالْحِيلَةُ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِعَدِمِ جَوَازِ ذَلِكَ: أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِخِلاَفِ جَنْسٍ مَا أُمِرَ بِهِ، أَوْ بِأَكْثَرَ مِمَّا أُمِرَ بِهِ أَوْ بِأَقَل مِمَّا أُمِرَ بِهِ، لأَِنَّهُ خَالَفَ أَمْرَ الآْمِرِ فَلاَ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ عَلَيْهِ، وَلاَ يَكُونُ آثِمًا فِي اكْتِسَابِ هَذِهِ الْحِيلَةِ لِيَشْتَرِيَهَا لِنَفْسِهِ (٢) .

الْحِيلَةُ فِي الْكَفَالَةِ

٢٨ - رَجُلٌ كَفَل بِنَفْسِ رَجُلٍ آخَرَ عَلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يُوَافِ بِمَا عَلَيْهِ، غَدًا فَهُوَ ضَامِنٌ لِلْمَال الَّذِي لِلطَّالِبِ عَلَى الْمَطْلُوبُ، فَلَمْ يُوَافِ الْمَطْلُوبَ، فَالْكَفِيل ضَامِنُ الْمَال، فَهَذَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلاَ يَجُوزُ عِنْدَ بَعْضِ فُقَهَاءِ الأَْحْنَافِ.

وَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَجُوزَ عِنْدَ الْجَمِيعِ:

_________

(١) القوانين الفقهية / ٣١٨، ٣١٩، والمغني ٤ / ٣٧٤، وكشاف القناع ٣٤ / ٣٢٦، وحاشية الجمل ٣ / ٢٦٧، وإعلام الموقعين ٤ / ٤٢٢.

(٢) المبسوط للسرخسي ٣٠ / ٢٢٠، والمخارج في الحيل / ٢١ وما بعدها، والأشباه والنظائر لابن نجيم / ٤١٥، والحيل للخصاف / ٥٤ وما بعدها، والاختيار ٢ / ١٥٩، وإعلام الموقعين ٣ / ٢٠٢، ٣٨١، والمغني ٥ / ١١٧، ١٢٣.

أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ ضَامِنٌ لِلأَْلْفِ الَّتِي عَلَى الْمَطْلُوبِ، عَلَى أَنَّهُ إِنْ وَافَى بِهِ غَدًا فَهُوَ بَرِيءٌ، فَيَجُوزُ مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ بَيْنَ فُقَهَاءِ الأَْحْنَافِ (١) .

الْحِيلَةُ فِي الْحَوَالَةِ

٢٩ - الأَْصْل أَنَّ الْحَوَالَةَ لاَ تَصِحُّ إِلاَّ بِرِضَا الْمُحْتَال (٢)، فَإِذَا أَرَادَ الْمَدِينُ أَنْ يُحِيل الدَّائِنَ عَلَى رَجُلٍ وَلَمْ يَقْبَل الدَّائِنُ الْحَوَالَةَ مَخَافَةَ أَنْ يَتْوِيَ حَقُّهُ، فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ: أَنْ يَشْهَدَ الْمَدِينُ أَنَّ الدَّائِنَ وَكِيلٌ لَهُ فِي قَبْضِ مَالِهِ عَلَى غَرِيمِهِ، وَيُقِرَّ لَهُ الْغَرِيمُ بِالْوَكَالَةِ، أَوْ أَنَّ الْحِيلَةَ يَقُول طَالِبُ الْحَقِّ (الدَّائِنُ) لِلْمُحَال عَلَيْهِ: اضْمَنْ لِي هَذَا الدَّيْنَ الَّذِي عَلَى غَرِيمِي، وَيَرْضَى مِنْهُ بِذَلِكَ بَدَل الْحَوَالَةِ، فَإِذَا ضَمِنَهُ تَمَكَّنَ مِنْ مُطَالَبَةِ أَيِّهِمَا شَاءَ (٣) .

الْحِيلَةُ فِي الصُّلْحِ

٣٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَجُوزُ الصُّلْحُ عَلَيْهِ مِنْ حَالاَتِ الإِْقْرَارِ وَالإِْنْكَارِ وَالسُّكُوتِ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلِحِ (صُلْحٍ ف ١١ وَمَا بَعْدَهَا) .

وَالْحِيلَةُ عَلَى الصُّلْحِ عَلَى الإِْنْكَارِ - عِنْدَ مَنْ يَمْنَعُهُ - أَنْ يَقُول رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ لِلْمُدَّعِي: أَنَا

_________

(١) المخارج في الحيل / ٨٠، والحيل للخصاف / ١٠٠.

(٢) الاختيار ٣ / ٤، والقوانين الفقهية / ٣٢٢، وحاشية الجمل ٣ / ٣٧٢، وكشافَ القناع ٣ / ٣٨٦.

(٣) المخارج في الحيل / ٧٧، وإعلام الموقعين ٤ / ٣٨، ٣٩.

أَعْلَمُ أَنَّ مَا فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَكَ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّكَ صَادِقٌ فِي دَعْوَاكَ، وَأَنَا وَكِيلُهُ فَصَالِحْنِي عَلَى كَذَا، فَيَنْقَلِبُ حِينَئِذٍ عَلَى الإِْنْكَارِ وَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ دَفَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمَال إِلَى الأَْجْنَبِيِّ وَقَال: صَالِحْ عَنِّي جَازَ أَيْضًا.

وَالْحِيلَةُ فِي جَوَازِ الصُّلْحِ عَلَى الإِْقْرَارِ عِنْدَ مَنْ يَمْنَعُهُ: أَنْ يَبِيعَهُ سِلْعَةً وَيُحَابِيَهُ فِيهَا بِالْقَدْرِ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَى إِسْقَاطِهِ بِالصُّلْحِ (١) .

الْحِيلَةُ فِي الشَّرِكَةِ

٣١ - الأَْصْل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ الشَّرِكَةُ فِي الْعُرُوضِ، كَمَا إِذَا كَانَ لأَِحَدِهِمَا مَتَاعٌ وَمَعَ الآْخَرِ مَالٌ، فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِكَا، فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَبِيعَ صَاحِبُ الْمَتَاعِ مِنْ صَاحِبِ الْمَال بِنِصْفِ ذَلِكَ الْمَال، فَيَصِيرُ الْمَال وَالْمَتَاعُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، ثُمَّ يَتَعَاقَدَانِ الشَّرِكَةَ عَلَى مَا يُرِيدَانِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِذَا كَانَ مَعَ كُل وَاحِدٍ مَتَاعٌ، فَالْحِيلَةُ: أَنْ يَبِيعَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ مَتَاعِهِ مِنْ صَاحِبِهِ بِنِصْفِ مَتَاعِ صَاحِبِهِ، وَيَتَقَابَضَانِ وَيَتَّفِقَانِ وَيَشْتَرِكَانِ عَلَى مَا اتَّفَقَا (٢) .

_________

(١) إعلام الموقعين ٣ / ٣٦٠.

(٢) الحيل للخصاف / ٥٨ وما بعدها، ٨٩ وما بعدها، والأشباه والنظائر لابن نجيم / ٤١١، وروضة الطالبين ٤ / ٢٧٦ - ٢٧٨، وإعلام الموقعين ٣ / ١٩٩، ٢٠٤، ٣٥٦، ٣٥٧، والمغني ٥ / ١٦، ١٧.

وَلِلْحِيَل فِي الشَّرِكَةِ أَمْثِلَةٌ أُخْرَى كَثِيرَةٌ ذَكَرَهَا النَّوَوِيُّ وَابْنُ الْقَيِّمِ (١) .

وَلاَ حَاجَةَ إِلَى هَذِهِ الْحِيَل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ لأَِنَّهُ تَجُوزُ عِنْدَهُمُ الشَّرِكَةُ فِي الْعُرُوضِ بِالْقِيمَةِ (٢) .

الْحِيلَةُ فِي الْمُضَارَبَةِ

٣٢ - الأَْصْل أَنَّ الْمُضَارِبَ أَمِينٌ فَلاَ يَضْمَنُ مَا تَلِفَ تَحْتَ يَدِهِ مِنْ مَال الْمُضَارَبَةِ مَا لَمْ يَتَعَدَّ أَوْ يُقَصِّرْ، وَلَوْ شَرَطَ رَبُّ الْمَال عَلَى الْمُضَارِبِ ضَمَانَ مَال الْمُضَارَبَةِ لَمْ يَصِحَّ (٣) .

وَالْحِيلَةُ فِي تَضْمِينِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ:

أَنْ يُقْرِضَ رَبُّ الْمَال الْمُضَارِبَ مَا يُرِيدُ دَفْعَهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ يُخْرِجُ مِنْ عِنْدِهِ دِرْهَمًا وَاحِدًا، فَيُشَارِكَهُ عَلَى أَنْ يَعْمَلاَ بِالْمَالَيْنِ جَمِيعًا عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَإِنْ عَمِل أَحَدُهُمَا بِالْمَال بِإِذْنِ صَاحِبِهِ فَرَبِحَ كَانَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ، وَإِنْ خَسِرَ كَانَ الْخُسْرَانُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ، وَعَلَى رَبِّ الْمَال بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ، وَعَلَى الْمُضَارِبِ بِقَدْرِ رَأْسِ الْمَال، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمُضَارِبَ هُوَ الْمُلْزِمُ نَفْسَهُ

_________

(١) روضة الطالبين ٤ / ٢٧٧، وما بعدها، وإعلام الموقعين ٣ / ١٩٩، ٢٠٤، ٣٥٦، ٣٥٧.

(٢) القوانين الفقهية / ٢٨٠ - ٢٨١، والمغني ٥ / ١٦.

(٣) الاختيار ٣ / ٢٤، والقوانين الفقهية / ٢٨٠، وحاشية الجمل ٣ / ٥٢٣، والمغني ٥ / ٧١.

الضَّمَانَ بِدُخُولِهِ فِي الْقَرْضِ (١) . .

الْحِيلَةُ فِي الْهِبَةِ

٣٣ - الأَْصْل أَنَّ الْمَوْهُوبَ إِنْ كَانَ مَشْغُولًا بِمِلْكِ الْوَاهِبِ لاَ تَصِحُّ الْهِبَةُ، كَمَا لَوْ وَهَبَ دَابَّةً عَلَيْهَا سَرْجُهُ، وَسَلَّمَهَا كَذَلِكَ لاَ تَصِحُّ الْهِبَةُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ، لأَِنَّ اسْتِعْمَال السَّرْجِ إِنَّمَا يَكُونُ لِلدَّابَّةِ، فَكَانَتْ لِلْوَاهِبِ عَلَيْهِ يَدٌ مُسْتَعْمَلَةٌ، فَتُوجِبُ نُقْصَانًا فِي الْقَبْضِ.

وَالْحِيلَةُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنْ يُودَعَ الشَّاغِل أَوَّلًا عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ، ثُمَّ يُسَلِّمَهُ الدَّابَّةَ، فَتَصِحُّ لِشَغْلِهَا بِمَتَاعٍ فِي يَدِهِ.

وَكَذَلِكَ لَوْ وَهَبَ دَارًا فِيهَا مَتَاعُ الْوَاهِبِ، أَوْ جِرَابًا فِيهِ طَعَامُهُ (٢) .

الْحِيلَةُ فِي الْمُزَارَعَةِ

الأَْصْل عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ بِالنِّصْفِ أَوِ الثُّلُثِ أَوِ الرُّبُعِ، وَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ حَتَّى تَجُوزَ الْمُزَارَعَةُ فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ: أَنْ يَأْخُذَهَا مُزَارَعَةً، ثُمَّ يَتَنَازَعَانِ إِلَى قَاضٍ يَرَى أَنَّ الْمُزَارَعَةَ جَائِزَةٌ فَيَحْكُمُ بِجِوَازِهَا عَلَيْهِمْ، فَيَجُوزُ ذَلِكَ إِذَا قَضَى بِهِ قَاضٍ، أَوْ

_________

(١) إعلام الموقعين ٣ / ٢٠٢، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٤٨٣.

(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ٥١٠ - ط بولاق.