الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦ الصفحة 49

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦

وَكَذَلِكَ التَّمْلِيكُ شَرْطٌ فِي مُصَارِفِ الزَّكَاةِ فَلاَ تُصْرَفُ الزَّكَاةُ إِلَى بِنَاءِ نَحْوِ مَسْجِدٍ كَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ وَالسِّقَايَاتِ وَإِصْلاَحِ الطُّرُقَاتِ وَكَرْيِ الأَْنْهَارِ وَالْحَجِّ وَالتَّكْفِينِ وَكُل مَا لاَ تَمْلِيكَ فِيهِ وَالْحِيلَةُ فِي جَوَازُ الدَّفْعِ لِهَذِهِ الأَْشْيَاءِ مَعَ صِحَّةُ الزَّكَاةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى الْفَقِيرِ ثُمَّ يَأْمُرُهُ بِفِعْل هَذِهِ الأَْشْيَاءِ فَيَكُونُ لَهُ ثَوَابُ الزَّكَاةِ وَلِلْفَقِيرِ ثَوَابُ هَذِهِ الْقُرَبِ (١) .

وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ فِي الزَّكَاةِ أَدَاءُ الدَّيْنِ عَنِ الْعَيْنِ وَالْمُرَادُ بِالدَّيْنِ مَا كَانَ ثَابِتًا فِي الذِّمَّةِ مِنْ مَال الزَّكَاةِ وَبِالْعَيْنِ مَا كَانَ قَائِمًا فِي مِلْكِهِ مِنْ نُقُودٍ وَعُرُوضٍ، وَأَدَاءُ الدَّيْنِ عَنِ الْعَيْنِ كَجَعْلِهِ مَا فِي ذِمَّةِ مَدْيُونِهِ زَكَاةً لِمَالِهِ الْحَاضِرِ.

وَكَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ أَدَاءُ دَيْنٍ عَنْ دَيْنٍ سَيُقْبَضُ كَمَا لَوْ أَبْرَأَ الْفَقِيرَ عَنْ بَعْضِ النِّصَابِ نَاوِيًا بِهِ الأَْدَاءَ عَنِ الْبَاقِي لأَِنَّ الْبَاقِيَ يَصِيرُ عَيْنًا بِالْقَبْضِ فَيَصِيرُ مُؤَدِّيًا الدَّيْنَ عَنِ الْعَيْنِ.

وَحِيلَةُ الْجَوَازِ عِنْدَهُمْ فِيمَا إِذَا كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مُعْسِرٍ وَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُ زَكَاةً عَنْ عَيْنٍ عِنْدَهُ أَوْ عَنْ دَيْنٍ لَهُ عَلَى آخَرَ سَيَقْبِضُهُ: أَنْ

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ١٢، ٦٣ والأشباه والنظائر لابن نجيم / ٤٠٥، ٤٠٧، والقوانين الفقهية / ١٠٩ والمغني ٢ / ٦٦٧، وكشاف القناع ٢ / ٢٧٠.

يُعْطِيَ مَدْيُونَهُ الْفَقِيرَ زَكَاتَهُ، ثُمَّ يَأْخُذَهَا عَنْ دَيْنِهِ قَال فِي الأَْشْبَاهِ: وَهُوَ أَفْضَل مِنْ غَيْرِهِ وَاسْتَدَل ابْنُ عَابِدِينَ لِهَذَا بِقَوْلِهِ: لأَِنَّهُ يَصِيرُ وَسِيلَةً إِلَى بَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْمَدْيُونِ (١) .

وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ إِلاَّ إِذَا كَانَ حِيلَةً قَال الْحَطَّابُ: وَمَحَل الْجَوَازِ إِذَا لَمْ يَتَوَاطَآ عَلَيْهِ وَإِلاَّ مُنِعَ اتِّفَاقًا.

وَقَال أَحْمَدُ: إِنْ كَانَ حِيلَةً فَلاَ يُعْجِبْنِي قَال الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: مَعْنَى الْحِيلَةِ: أَنْ يُعْطِيَهُ بِشَرْطِ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِهِ لأَِنَّ مِنْ شَرْطِهَا كَوْنَهَا تَمْلِيكًا صَحِيحًا، فَإِذَا شَرَطَ الرُّجُوعَ لَمْ يُوجَدْ وَلأَِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَلاَ يَجُوزُ صَرْفُهَا إِلَى نَفْعِهِ وَإِنْ رَدَّ الْغَرِيمُ مِنْ نَفْسِهِ مَا قَبَضَهُ وَفَاءً عَنْ دَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ وَلاَ مُوَاطَأَةٍ جَازَ لِرَبِّ الْمَال أَخْذُهُ مِنْ دَيْنِهِ لأَِنَّهُ بِسَبَبٍ مُتَجَدِّدٍ كَالإِْرْثِ وَالْهِبَةِ (٢) .

الْحِيلَةُ فِي الْحَجِّ

١١ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى جَوَازِ الْحِيلَةِ فِي الْحَجِّ وَذَلِكَ كَأَنْ يَهَبَ مَالَهُ لاِبْنِهِ قَبْل أَشْهُرِ الْحَجِّ وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهَا: فَقَال أَبُو يُوسُفَ: لاَ تُكْرَهُ، وَقَال مُحَمَّدٌ: تُكْرَهُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (٣) .

وَإِذَا خَافَ الرَّجُل لِضِيقِ الْوَقْتِ أَنْ يُحْرِمَ

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ١٢، والأشباه والنظائر لابن نجيم / ٤٠٧. (٢) جواهر الإِكليل ١ / ١٣٨ ط دار الباز ومكتبة الهلال، والمغني ٢ / ٦٥٣، وكشاف القناع ٢ / ٢٨٨، ٢٨٩.

(٢) جواهر الإِكليل ١ / ١٣٨ ط دار الباز ومكتبة الهلال، والمغني ٢ / ٦٥٣، وكشاف القناع ٢ / ٢٨٨، ٢٨٩.

(٣) ابن عابدين ٥ / ١٥٦.

بِالْحَجِّ فَيَفُوتَهُ فَيَلْزَمَهُ الْقَضَاءُ وَدَمُ الْفَوَاتِ فَالْحِيلَةُ مِنَ الْخَلاَصِ مِنْ ذَلِكَ: أَنْ يُحْرِمَ إِحْرَامًا مُطْلَقًا وَلاَ يُعَيِّنُهُ فَإِنِ اتَّسَعَ لَهُ الْوَقْتُ جَعَلَهُ حَجًّا مُفْرَدًا أَوْ قِرَانًا أَوْ تَمَتُّعًا، وَإِنْ ضَاقَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ جَعَلَهُ عُمْرَةً وَلاَ يَلْزَمُهُ غَيْرُهَا (١) .

قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: إِذَا أَرَادَ الآْفَاقِيُّ دُخُول مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ مِنَ الْمِيقَاتِ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَقْصِدَ مَكَانًا آخَرَ دَاخِل الْمَوَاقِيتِ كَبُسْتَانِ بَنِي عَامِرٍ (٢) .

وَعَلَّقَ الْحَمَوِيُّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: عِبَارَةُ التَّتَارْخَانِيَّةِ: قَصَدَ مَكَانًا آخَرَ وَرَاءَ مِيقَاتٍ نَحْوَ بُسْتَانِ بَنِي عَامِرٍ، أَوْ مَوْضِعًا آخَرَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِحَاجَةٍ، ثُمَّ إِذَا وَصَل إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ يَدْخُل مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ شَرَطَ الإِْقَامَةَ بِذَلِكَ الْمَكَانَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، يَعْنِي لَوْ نَوَى أَقَل مِنْ ذَلِكَ لاَ يَدْخُل بِغَيْرِ إِحْرَامٍ (٣) .

الْحِيلَةُ فِي النِّكَاحِ

١٢ - الأَْصْل أَنَّهُ إِذَا ادَّعَتِ امْرَأَةٌ نِكَاحَ رَجُلٍ فَأَنْكَرَ وَلاَ بَيِّنَةَ وَلاَ يَمِينَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلاَ يُمْكِنُهَا التَّزَوُّجُ وَلاَ يُؤْمَرُ بِتَطْلِيقِهَا لأَِنَّهُ

_________

(١) المبسوط ٤ / ١٧٠.

(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم / ٤٠٧.

(٣) غمز عيون البصائر ٢ / ٦٩٤.

يَصِيرُ عَقْدًا بِالنِّكَاحِ فَالْحِيلَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ نُجَيْمٍ: أَنْ يَأْمُرَهُ الْقَاضِي أَنْ يَقُول: إِنْ كُنْتِ امْرَأَتِي فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثًا (١) .

وَمِنَ الْحِيَل فِي بَابِ النِّكَاحِ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ سُئِل عَنْ أَخَوَيْنِ تَزَوَّجَا أُخْتَيْنِ فَزُفَّتْ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إِلَى زَوْجِ أُخْتِهَا وَلَمْ يَعْلَمُوا حَتَّى أَصْبَحُوا فَذُكِرَ ذَلِكَ لأَِبِي حَنِيفَةَ وَطَلَبُوا الْمَخْرَجَ مِنْهُ فَقَال: لِيُطَلِّقْ كُل وَاحِدٍ مِنَ الأَْخَوَيْنِ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً ثُمَّ يَتَزَوَّجُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْمَرْأَةَ الَّتِي دَخَل بِهَا مَكَانَهَا فَيَكُونُ جَائِزًا لأَِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ دُخُولٌ وَلاَ خَلْوَةٌ، وَلاَ عِدَّةَ عَلَيْهَا مِنَ الطَّلاَقِ لأَِنَّهُ طَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول وَعِدَّتُهَا مِنَ الْوَاطِئِ لاَ تَمْنَعُ نِكَاحَهُ (٢) .

وَنَقَل ابْنُ الْقَيِّمِ ذَلِكَ ثُمَّ قَال: وَهَذِهِ الْحِيلَةُ فِي غَايَةِ اللُّطْفِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي دَخَل بِهَا كُلٌّ مِنْهُمَا قَدْ وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا فِي عِدَّتِهَا فَإِنَّهُ لاَ يُصَانُ مَاؤُهُ عَنْ مَائِهِ، وَأَمْرُهُ أَنْ يُطَلِّقَ وَاحِدَةً: فَإِنَّهُ لَمْ يَدْخُل بِالَّتِي طَلَّقَهَا فَالْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا وَلاَ عِدَّةَ عَلَيْهَا مِنْهُ، فَلِلآْخَرِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا (٣) .

_________

(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم / ٤٠٧، والاختيار ٢ / ١١٢ - ط. دار المعرفة، والمغني ٩ / ٢٣٨.

(٢) المبسوط للسرخسي ٣٠ / ٢٤٤ - ط. دار المعرفة، والمخارج في الحيل / ٤٨، وإعلام الموقعين ٣ / ٣٨٣.

(٣) إعلام الموقعين ٣ / ٣٨٤.

الْحِيلَةُ فِي الطَّلاَقِ

١٣ - الأَْصْل أَنَّهُ يَقَعُ الطَّلاَقُ بِقَوْل الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ فَالْحِيلَةُ فِي عَدَمِ وُقُوعِ ذَلِكَ كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنْ يَصِل قَوْلَهُ بِالاِسْتِثْنَاءِ وَيَقُول: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

وَالتَّفْصِيل فِي (طَلاَقٌ ف ٥٥ وَمَا بَعْدَهَا) .

الْحِيلَةُ السُّرَيْجِيَّةُ فِي الطَّلاَقِ

١٤ - صُورَةُ هَذِهِ الْحِيلَةِ كَمَا نَقَلَهَا ابْنُ الْقَيِّمِ - أَنْ يَقُول زَوْجٌ لِزَوْجَتِهِ: كُلَّمَا طَلَّقْتُكِ أَوْ كُلَّمَا وَقَعَ عَلَيْكِ الطَّلاَقُ فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلاَثًا يَقُول أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ -: إِنَّهُ لاَ يُتَصَوَّرُ وُقُوعُ الطَّلاَقِ بَعْدَ ذَلِكَ إِذْ لَوْ وَقَعَ لَزِمَ مَا عَلَّقَ بِهِ وَهُوَ الثَّلاَثُ وَإِذَا وَقَعَتِ الثَّلاَثُ امْتَنَعَ وُقُوعُ هَذَا الْمُنَجَّزِ فَوُقُوعُهُ يُفْضِي إِلَى عَدَمِ وُقُوعِهِ وَمَا أَفْضَى وُجُودُهُ إِلَى عَدَمِ وُجُودِهِ لَمْ يُوجَدْ (١) .

وَأَبَى ذَلِكَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَكَثِيرٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ إِبْطَال هَذَا التَّعْلِيقِ فَقَال الأَْكْثَرُونَ: هَذَا التَّعْلِيقُ لَغْوٌ وَبَاطِلٌ مِنَ الْقَوْل (٢) .

_________

(١) المخارج في الحيل ص ١ وما بعدها.

(٢) إعلام الموقعين ٣ / ٢٥١، ٢٥٢.

الْحِيلَةُ فِي الأَْيْمَانِ

١٥ - الأَْصْل عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ: أَنَّ إِمْكَانَ تَصَوُّرِ الْبِرِّ فِي الْمُسْتَقْبَل شَرْطُ انْعِقَادِ الْيَمِينِ وَلَوْ بِطَلاَقٍ وَكَذَلِكَ شَرْطُ بَقَائِهَا وَقَال أَبُو يُوسُفَ: لاَ يُشْتَرَطُ تَصَوُّرُ الْبِرِّ وَلِهَذَا الأَْصْل فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا:

قَال الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ لَمْ تَهَبِينِي صَدَاقَكِ الْيَوْمَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَقَال أَبُوهَا: إِنْ وَهَبْتِهِ فَأُمُّكِ طَالِقٌ فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ: أَنْ تَشْتَرِيَ الزَّوْجَةُ مِنْ زَوْجِهَا مَهْرَهَا ثَوْبًا مَلْفُوفًا فَإِذَا مَضَى الْيَوْمُ لَمْ يَحْنَثْ أَبُوهَا لِعَدَمِ الْهِبَةِ وَلاَ الزَّوْجُ لِعَجْزِهَا عَنِ الْهِبَةِ عِنْدَ الْغُرُوبِ لِسُقُوطِ الْمَهْرِ بِالْبَيْعِ ثُمَّ إِذَا أَرَادَتِ الرُّجُوعَ رَدَّتْهُ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ (١) .

وَكَذَلِكَ الأَْصْل أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَلَكِيَّةُ الْمَالِكِ حَيْنَ الْحِنْثِ لاَ حَيْنَ الْحَلِفِ وَعَلَى هَذَا لَوْ قَال رَجُلٌ: إِنْ فَعَلْتُ كَذَا فَمَا أَمْلِكُهُ صَدَقَةٌ فَحِيلَتُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنْ يَبِيعَ مِلْكَهُ مِنْ رَجُلٍ بِثَوْبٍ فِي مِنْدِيلٍ وَيَقْبِضَهُ وَلَمْ يَرَهُ ثُمَّ يَفْعَل الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَرُدُّهُ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ فَلاَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لأَِنَّ الْمُعْتَبَرَ الْمِلْكُ حِينَ الْحِنْثِ لاَ حِينَ الْحَلِفِ وَلاَ يَدْخُل الْمُشْتَرِي بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ حَتَّى يَرَاهُ وَيَرْضَى بِهِ (٢) .

_________

(١) ابن عابدين ٣ / ١٠٠، ١٠١.

(٢) ابن عابدين ٤ / ٣٦٧.

الْحِيلَةُ فِي الْوَقْفِ

١٦ - صَرَّحَ ابْنُ نُجَيْمٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّهُ إِذَا أَرَادَ شَخْصٌ وَقْفَ دَارِهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَخَافَ عَدَمَ إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ فَالْحِيلَةُ: أَنْ يُقِرَّ أَنَّهَا وَقْفُ رَجُلٍ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ وَأَنَّهُ مُتَوَلِّيهَا وَهِيَ فِي يَدِهِ (١) .

الْحِيلَةُ فِي الْوِصَايَةِ

١٧ - إِذَا أَرَادَ الْمَرِيضُ الَّذِي لاَ وَارِثَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِجَمِيعِ أَمْوَالِهِ فِي أَبْوَابِ الْبِرِّ فَفِي الصَّحِيحِ عَنِ الْقَوْل عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ ذَلِكَ، فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ: أَنْ يُقِرَّ لإِنْسَانٍ يَثِقُ بِدِينِهِ وَأَمَانَتِهِ بِدَيْنٍ يُحِيطُ بِمَالِهِ كُلِّهِ ثُمَّ يُوصِيهِ إِذَا أَخَذَ ذَلِكَ الْمَال أَنْ يَضَعَهُ فِي الْجِهَاتِ الَّتِي يُرِيدُ (٢) .

الْحِيلَةُ فِي التَّرِكَةِ

١٨ - الأَْصْل فِي التَّرِكَةِ أَنَّ نَقْدَهَا وَعَيْنَهَا وَدَيْنَهَا شَائِعٌ بَيْنَ الْوَرَثَةِ، فَلَيْسَ لِبَعْضِهِمُ الاِسْتِقْلاَل بِشَيْءٍ دُونَ قِسْمَةٍ مُعْتَبَرَةٍ حَتَّى لَوْ قَبَضَ بَعْضُهُمْ شَيْئًا مِنَ الدَّيْنِ لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ وَإِنْ قَصَدَ الْمَدِينُ الأَْدَاءَ عَنْ حِصَّتِهِ فَقَطْ.

وَمِنْ حِيَل الاِسْتِقْلاَل - كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ أَنْ يُحِيل بَعْضُ الْوَرَثَةِ دَائِنَهُ عَلَى

_________

(١) الأشباه لابن نجيم ص ٤١١.

(٢) إعلام الموقعين ٤ / ٣٩، ٤٠.

قَدْرِ حِصَّتِهِ مِنْ دَيْنِ التَّرِكَةِ، فَإِذَا وَفَّى مَدِينُ التَّرِكَةِ الْمُحْتَال عَنِ الْحَوَالَةِ اخْتَصَّ بِحِصَّتِهَا وَلَمْ يُشَارِكْ فِيهَا الْوَارِثُ الآْخَرُ (١) .

الْحِيلَةُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ

١٩ - لَوِ اشْتَرَى رَجُلٌ دَارًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَخَافَ أَنْ يَأْخُذَهَا جَارُهَا بِالشُّفْعَةِ فَاشْتَرَاهَا بِأَلْفِ دِينَارٍ مِنْ صَاحِبِهَا ثُمَّ أَعْطَاهُ بِالأَْلْفِ دِينَارٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَصَرَّحَ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ الْعَقْدَ جَائِزٌ لأَِنَّهُ مُصَارَفَةٌ بِالثَّمَنِ قَبْل الْقَبْضِ وَذَلِكَ جَائِزٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَال لِرَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنِّي أَبِيعُ الإِْبِل بِالْبَقِيعِ، وَرُبَّمَا أَبِيعُهَا بِالدَّرَاهِمِ، وَآخُذُ مَكَانَهَا دَنَانِيرَ، فَقَال ﵊: لاَ ٢ بَأْسَ إِذَا افْتَرَقْتُمَا وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا عَمَلٌ (٢)، فَإِنْ حَلَّفَهُ الْقَاضِي: (مَا دَلَّسْتُ وَلاَ وَالَسْتُ) فَحَلَفَ، كَانَ صَادِقًا لأَِنَّ هَذِهِ عِبَارَةٌ عَنِ الْغُرُورِ وَالْخِيَانَةِ وَلَمْ يَفْعَل شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ (٣) .

الْحِيلَةُ فِي الرِّبَا وَالصَّرْفِ

٢٠ - مِنَ الْحِيَل فِي الْبَيْعِ الرِّبَوِيِّ بِجَنْسِهِ مُتَفَاضِلًا كَبَيْعِ ذَهَبٍ بِذَهَبٍ مُتَفَاضِلًا كَمَا

_________

(١) حاشية الجميل ٣ / ٣٠٧ - ط. دار إحياء التراث العربي.

(٢) حديث: " لا بأس إذا افترقتما. . . ". أخرجه أحمد في المسند (٢ / ١٣٩) وأبو داود (٣ / ٦٥١) من حديث ابن عمر ﵁ ونقل ابن حجر في التلخيص (٣ / ٢٦) عن الشافعي أنه ضعفه.

(٣) المبسوط ٣٠ / ٢٣٩.

صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ: أَنْ يَبِيعَ الذَّهَبَ مِنْ صَاحِبِهِ بِدَرَاهِمَ أَوْ عَرْضٍ وَيَشْتَرِي بِالدَّرَاهِمِ أَوْ بِالْعَرْضِ الذَّهَبَ بَعْدَ التَّقَابُضِ فَيَجُوزُ وَلَوِ اتَّخَذَهُ عَادَةً قِيَاسًا بِمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَامِل خَيْبَرَ أَنْ يَبِيعَ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ يَشْتَرِي بِهَا جَنِيبًا (١) . أَوْ أَنْ يَقْرِضَ كُلٌّ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ وَيُبْرِئَهُ أَوْ أَنْ يَتَوَاهَبَا فَهَذِهِ الْحِيَل كُلُّهَا جَائِزَةٌ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ - إِذَا لَمْ يَشْتَرِطْ فِي بَيْعِهِ وَإِقْرَاضِهِ وَهِبَتِهِ مَا يَفْعَلُهُ الآْخَرُ وَلَكِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ إِذَا نَوَيَا ذَلِكَ لأَِنَّ كُل شَرْطٍ أَفْسَدَ التَّصْرِيحُ بِهِ الْعَقْدَ إِذَا نَوَاهُ كُرِهَ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِشَرْطِ أَنْ يُطَلِّقَهَا لَمْ يَنْعَقِدْ وَبِقَصْدِ ذَلِكَ كُرِهَ.

ثُمَّ هَذِهِ الطُّرُقُ لَيْسَتْ حِيَلًا فِي بَيْعِ الرِّبَوِيِّ بِجَنْسِهِ مُتَفَاضِلًا لأَِنَّهُ حَرَامٌ بَل حِيَلٌ فِي تَمْلِيكِهِ لِتَحْصِيل ذَلِكَ (٢) .

الْحِيلَةُ فِي السَّلَمِ

٢١ - الأَْصْل أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ أَنْ يَسْتَبْدِل عَنِ الْمُسْلَمِ فِيهِ غَيْرَ جَنْسِهِ كَبُرٍّ عَنْ شَعِيرٍ وَالْحِيلَةُ فِي جَوَازِ هَذَا الاِسْتِبْدَال كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ: أَنْ يَفْسَخَا السَّلَمَ بِأَنْ يَتَقَايَلاَ فِيهِ

_________

(١) حديث: " أمر النبي ﷺ عام خيبر أن الجمع بالدراهم. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٣٩٩) ومسلم (٥ / ١٢١٥) من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄.

(٢) أسنى المطالب ٢ / ٢٣.

ثُمَّ يُعْتَاضُ عَنْ رَأْسِ الْمَال وَلَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ رَأْسِ الْمَال بِكَثِيرٍ وَأَيْضًا مَعَ بَقَاءِ رَأْسِ الْمَال الأَْصْلِيِّ (١) .

الْحِيلَةُ فِي الشُّفْعَةِ:

٢٢ - الْحِيلَةُ فِي الشُّفْعَةِ أَنْ يُظْهِرَ الْمُتَعَاقِدَانِ فِي الْبَيْعِ شَيْئًا لاَ يُؤْخَذُ بِالشُّفْعَةِ مَعَهُ وَأَنْ يَتَوَاطَآ فِي الْبَاطِنِ عَلَى خِلاَفِ مَا أَظْهَرَاهُ وَالْكَلاَمُ عَلَى الْحِيلَةِ فِي الشُّفْعَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ:

أ - الْحِيلَةُ لإِبْطَال حَقِّ الشُّفْعَةِ

٢٣ - الْحِيلَةُ لإِبْطَال الشُّفْعَةِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ لِلرَّفْعِ بَعْدَ الْوُجُوبِ أَوْ لِدَفْعِهِ قَبْل الْوُجُوبِ:

النَّوْعُ الأَْوَّل: مِثْل أَنْ يَقُول الْمُشْتَرِي لِلشَّفِيعِ: أَنَا أَبِيعُهَا مِنْكَ بِمَا أَخَذْتُ فَلاَ حَاجَةَ لَكَ فِي الأَْخْذِ فَيَقُول الشَّفِيعُ: نَعَمْ وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهَا: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وِفَاقًا وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ حَرَامٌ عَلَى الرَّاجِحِ.

وَالنَّوْعُ الثَّانِي: مِثْل أَنْ يَبِيعَ دَارًا إِلاَّ مِقْدَارَ ذِرَاعٍ مِنْهَا فِي طُول الْحَدِّ الَّذِي يَلِي الشَّفِيعَ فَلاَ شُفْعَةَ لَهُ لاِنْقِطَاعِ الْجِوَارِ.

وَكَذَا إِذَا وَهَبَ مِنْهُ هَذَا الْمِقْدَارَ وَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ تَسْقُطُ الشُّفْعَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ،

_________

(١) نهاية المحتاج ٤ / ٢٠٩ - ٢١٠ - ط. المكتبة الإِسلامية.