الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦ الصفحة 44

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦

وَقَال: لاَ تَنْكِحْهَا أَبَدًا وَجَعَل صَدَاقَهَا فِي بَيْتِ الْمَال، وَفَشَا ذَلِكَ فِي النَّاسِ فَبَلَغَ عَلِيًّا ﵁ فَقَال: يَرْحَمُ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! مَا بَال الصَّدَاقِ وَبَيْتِ الْمَال! إِنَّمَا جَهِلاَ فَيَنْبَغِي لِلإِْمَامِ أَنْ يَرُدَّهُمَا إِلَى السُّنَّةِ. قِيل: فَمَا تَقُول أَنْتَ فِيهِمَا؟ فَقَال: لَهَا الصَّدَاقُ بِمَا اسْتَحَل مِنْ فَرْجِهَا، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَلاَ جَلْدَ عَلَيْهِمَا، وَتُكْمِل عِدَّتَهَا مِنَ الأَْوَّل، ثُمَّ تَعْتَدُّ مِنَ الثَّانِي عِدَّةً كَامِلَةً ثَلاَثَةَ أَقْرَاءٍ ثُمَّ يَخْطُبُهَا إِنْ شَاءَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَال: أَيُّهَا النَّاسُ، رُدُّوا الْجَهَالاَتِ إِلَى السُّنَّةِ، قَال الْكِيَا الطَّبَرِيِّ: وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ مَنْ عَقَدَ عَلَى امْرَأَةٍ نِكَاحَهَا وَهِيَ فِي عِدَّةٍ مِنْ غَيْرِهِ أَنَّ النِّكَاحَ فَاسِدٌ، وَفِي اتِّفَاقِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵄ عَلَى نَفْيِ الْحَدِّ عَنْهُمَا مَا يَدُل عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ لاَ يُوجِبُ الْحَدَّ، إِلاَّ أَنَّهُ مَعَ الْجَهْل بِالتَّحْرِيمِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَمَعَ الْعِلْمِ بِهِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ (١) .

الثَّانِي: التَّزَوُّجُ بِالزَّانِيَةِ:

١٩ - التَّزَوُّجُ بِالزَّانِيَةِ إِنْ كَانَ الْعَاقِدُ عَلَيْهَا هُوَ الزَّانِي صَحَّ الْعَقْدُ، وَجَازَ الدُّخُول عَلَيْهَا فِي الْحَال سَوَاءٌ أَكَانَتْ حَامِلًا أَمْ غَيْرَ حَامِلٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، إِذْ لاَ حُرْمَةَ لِلْحَمْل مِنَ الزِّنَا.

_________

(١) تفسير القرطبي ٣ / ١٩٤، ١٩٥.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا مِنْ مَائِهِ الْفَاسِدِ، حِفَاظًا عَلَى حُرْمَةِ النِّكَاحِ مِنِ اخْتِلاَطِ الْمَاءِ الْحَلاَل بِالْحَرَامِ.

وَإِنْ كَانَ الْعَاقِدُ عَلَيْهَا غَيْرَ الزَّانِي، وَكَانَتْ غَيْرَ حَامِلٍ، جَازَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا وَالدُّخُول بِهَا فِي الْحَال عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيَّةِ.

وَيَرَى مُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَى الْمَزْنِيِّ بِهَا، وَيُكْرَهُ الدُّخُول بِهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ؛ لاِحْتِمَال أَنْ تَكُونَ قَدْ حَمَلَتْ مِنَ الزَّانِي (١) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ عَقْدُ الزَّوَاجِ عَلَيْهَا إِلاَّ بَعْدَ أَنْ تَعْتَدَّ؛ لأَِنَّ الْعِدَّةَ لِمَعْرِفَةِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَلأَِنَّهَا قَبْل الْعِدَّةِ يُحْتَمَل أَنْ تَكُونَ حَامِلًا فَيَكُونَ نِكَاحُهَا بَاطِلًا، كَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ.

وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا صَحَّ الْعَقْدُ، وَحَرُمَ عَلَيْهِ قُرْبَانُهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا، وَهَذَا رَأْيُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لِقَوْلِهِ ﵊: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلاَ يَسْقِي مَاءَهُ وَلَدَ غَيْرِهِ (٢) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٢٩١، ٢٩٢، ومغني المحتاج ٣ / ٣٨٨، والمهذب ٢ / ١٤٦، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٢ / ١٦٩، ١٧٠.

(٢) حديث: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر. . ". أخرجه الترمذي (٣ / ٤٢٨) من حديث رويفع بن ثابت وقال: حديث حسن.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ نِكَاحُهَا وَوَطْؤُهَا إِنْ كَانَ الْعَاقِدُ عَلَيْهَا غَيْرَ زَانٍ كَمَا هُوَ الْحَال بِالنِّسْبَةِ لِلزَّانِي إِذْ لاَ حُرْمَةَ لِلْحَمْل مِنَ الزِّنَا.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو يُوسُفَ: أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَى الزَّانِيَةِ الْحَامِل، احْتِرَامًا لِلْحَمْل (١) إِذْ لاَ جِنَايَةَ مِنْهُ، وَلاَ يَحِل الدُّخُول بِهَا حَتَّى تَضَعَ، فَإِذَا مُنِعَ الدُّخُول مُنِعَ الْعَقْدُ، وَلاَ يَحِل الزَّوَاجِ حَتَّى تَضَعَ الْحَمْل.

وَاشْتَرَطَ الْحَنَابِلَةُ لِلزَّوَاجِ مِنَ الزَّانِيَةِ غَيْرَ الْعِدَّةِ أَنْ تَتُوبَ مِنَ الزِّنَا.

وَإِذَا تَزَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةً وَثَبَتَ أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا وَقْتَ الْعَقْدِ، بِأَنْ أَتَتْ بِالْوَلَدِ لأَِقَل مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِنَّ الْعَقْدَ يَكُونُ فَاسِدًا، لاِحْتِمَال أَنْ يَكُونَ الْحَمْل مِنْ غَيْرِ زِنًا، إِذْ يُحْمَل حَال الْمُؤْمِنِ عَلَى الصَّلاَحِ (٢) .

الثَّالِثُ: الْمُطَلَّقَةُ ثَلاَثًا بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ طَلَّقَهَا

٢٠ - يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً طَلَّقَهَا ثَلاَثَ تَطْلِيقَاتٍ، لأَِنَّهُ اسْتَنْفَدَ مَا يَمْلِكُهُ مِنْ عَدَدِ طُلَقَاتِهَا، وَبَانَتْ مِنْهُ بَيْنُونَةً كُبْرَى، وَصَارَتْ لاَ تَحِل لَهُ إِلاَّ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا،

_________

(١) المغني لابن قدامة ٦ / ٦٠١ - ٦٠٣، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٢٩١، ٢٩٢، والفواكه الدواني ٢ / ٣٤، ٩٧، وحاشية الدسوقي ٢ / ٤٧١، ومغني المحتاج ٣ / ٣٨٨، والمهذب ٢ / ١٤٦، وكشاف القناع ٥ / ٨٣.

(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ٢٩١، ٢٩٢.

مِنْهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا زَوْجٌ آخَرُ زَوَاجًا صَحِيحًا، وَدَخَل بِهَا حَقِيقَةً، ثُمَّ فَارَقَهَا هَذَا الآْخَرُ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١) ثُمَّ قَال ﷾: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِل لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (٢) .

وَبَيَّنَتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ أَنَّ الزَّوَاجَ الثَّانِي لاَ يُحِلُّهَا لِلأَْوَّل إِلاَّ إِذَا دَخَل بِهَا الزَّوْجُ الثَّانِي دُخُولًا حَقِيقِيًّا، وَكَانَ الزَّوَاجُ غَيْرَ مُؤَقَّتٍ، وَانْتَهَتِ الْعِدَّةُ بَعْدَ الدُّخُول (٣)، فَقَدْ جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رَفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي، فَبَتَّ طَلاَقِي، فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَإِنَّ مَا مَعَهُ مِثْل هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَتَبَسَّمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: وَقَال: أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لاَ، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ (٤) .

_________

(١) سورة البقرة / ٢٢٩.

(٢) سورة البقرة / ٢٣٠.

(٣) مغني المحتاج ٣ / ١٨٢، والفواكه الدواني ٢ / ٦١، وكشاف القناع ٥ / ٨٤، وبدائع الصنائع ٢ / ٢٦٤، وزاد المعاد لابن القيم ٤ / ٦٦.

(٤) حديث عائشة: " جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله ﷺ ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٢٤٩) ومسلم (٢ / ١٠٥٥ - ١٠٥٦) واللفظ لمسلم.

الرَّابِعُ: الْمَرْأَةُ الَّتِي لاَ تَدِينُ بِدِينٍ سَمَاوِيٍّ

٢١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَحِل لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً لاَ تَدِينُ بِدِينٍ سَمَاوِيٍّ، وَلاَ تُؤْمِنُ بِرَسُولٍ، وَلاَ كِتَابٍ إِلَهِيٍّ، بِأَنْ تَكُونَ مُشْرِكَةً تَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ كَالْوَثَنِيَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ (١) .

وَلِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْمَجُوسِ: سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْل الْكِتَابِ غَيْرَ نَاكِحِي نِسَائِهِمْ وَلاَ آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ (٢) .

وَالْمُشْرِكَةُ مَنْ لاَ تُؤْمِنُ بِكِتَابٍ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَلاَ بِرَسُولٍ مِنَ الرُّسُل الَّذِينَ أَرْسَلَهُمُ اللَّهُ لِهِدَايَةِ عِبَادِهِ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ (٣) .

الْخَامِسُ: التَّزَوُّجُ بِالْمُرْتَدَّةِ

٢٢ - الْمُرْتَدَّةُ: مَنْ رَجَعَتْ عَنْ دِينِ الإِْسْلاَمِ

_________

(١) سورة البقرة / ٢٢١.

(٢) حديث: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب. . . ". أورده ابن حجر في التلخيص (٣ / ١٧٢) وعزاه إلى عبد الرزاق وقال: هو مرسل وفي إسناده قيس بن الربيع وهو ضعيف، وأخرجه البيهقي من حديث الحسن بن حمد بن علي بلفظ " كتب رسول الله ﷺ إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام فمن أسلم قبل منه، ومن أبى ضربت عليه الجزية على أن لا تؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح لهم امرأة " قال البيهقي: هذا مرسل وإجماع أكثر المسلمين عليه يؤكده (السنن الكبرى ٩ / ١٩٢) .

(٣) المغني ٦ / ٥٨٩، ٥٩١، ٥٩٢، والبدائع ٢ / ٢٧٠، والفواكه الدواني ٢ / ٤٢، والمهذب ٢ / ٤٥.

اخْتِيَارًا دُونَ إِكْرَاهٍ عَلَى تَرْكِهِ، وَلاَ تَقِرُّ عَلَى الدِّينِ الَّذِي اعْتَنَقَتْهُ، وَلَوْ كَانَ دِينًا سَمَاوِيًّا، وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُرْتَدَّةِ لاَ بِمُسْلِمٍ وَلاَ بِكَافِرٍ غَيْرِ مُرْتَدٍّ وَمُرْتَدٍّ مِثْلِهِ؛ لأَِنَّ الْمُرْتَدَّةَ تَرَكَتِ الإِْسْلاَمَ، وَتُضْرَبُ وَتُحْبَسُ حَتَّى تَعُودَ إِلَى الإِْسْلاَمِ أَوْ تَمُوتَ، فَكَانَتِ الرِّدَّةُ فِي مَعْنَى الْمَوْتِ، وَالْمَيِّتُ لاَ يَكُونُ مَحِلًّا لِلنِّكَاحِ (١) وَلأَِنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ مِلْكٌ مَعْصُومٌ، وَلاَ عِصْمَةَ لِلْمُرْتَدَّةِ.

وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَيُمْهَل لِيَتُوبَ، وَتُزَال شُبْهَتُهُ إِنْ كَانَتْ لَهُ شُبْهَةٌ فَيَرْجِعُ إِلَى الإِْسْلاَمِ، فَإِنَّ أَبَى قُتِل بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الإِْمْهَال.

وَالْمَرْأَةُ الْمُرْتَدَّةُ مَأْمُورَةٌ بِالْعَوْدَةِ إِلَى الإِْسْلاَمِ، وَبِرِدَّتِهَا صَارَتْ مُحَرَّمَةً، وَالنِّكَاحُ مُخْتَصٌّ بِمَحَل الْحِل ابْتِدَاءً، فَلِهَذَا لاَ يَجُوزُ نِكَاحُهَا لأَِحَدٍ.

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ عَدَمَ جِوَازِ نِكَاحِ الْمُرْتَدَّةِ، كَمَا قَالُوا بِفَسْخِ النِّكَاحِ إِذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ وَيَكُونُ الْفَسْخُ بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ وَإِنْ رَجَعَتِ الْمُرْتَدَّةُ إِلَى الإِْسْلاَمِ (٢) .

وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا: إِنَّ الْمُرْتَدَّةَ لاَ تَحِل لأَِحَدٍ، لاَ لِمُسْلِمِ؛ لأَِنَّهَا كَافِرَةٌ لاَ تَقِرُّ، وَلاَ لِكَافِرٍ أَصْلِيٍّ لِبَقَاءِ عَلَقَةِ الإِْسْلاَمِ، وَلاَ لِمُرْتَدٍّ لأَِنَّ

_________

(١) بدائع الصنائع ٢ / ٢٧٠.

(٢) مواهب الجليل للحطاب ٣ / ٤٧٩، ٤٨٠.

الْقَصْدَ مِنَ النِّكَاحِ الدَّوَامُ (١) وَالْمُرْتَدُّ لاَ دَوَامَ لَهُ.

ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمُرْتَدَّةَ لاَ يَحِل نِكَاحُهَا حَتَّى تَعُودَ إِلَى الإِْسْلاَمِ؛ لأَِنَّ النِّكَاحَ يَنْفَسِخُ بِالرِّدَّةِ وَيَمْتَنِعُ اسْتِمْرَارُهُ، فَأَوْلَى أَنْ يَمْتَنِعَ ابْتِدَاءً (٢) .

أَمَّا أَهْل الْكِتَابِ - وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى - فَلِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْ نِسَائِهِمْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أُحِل لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٣) .

السَّادِسُ: الْجَمْعُ بَيْنَ الأُْخْتَيْنِ وَمَنْ فِي حُكْمِهِمَا

٢٣ - يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ مُحَرِّمَةٌ، بِحَيْثُ لَوْ فَرَضْتَ أَيَّتَهُمَا ذَكَرًا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ الأُْخْرَى، وَذَلِكَ كَالأُْخْتَيْنِ، فَإِنَّنَا لَوْ فَرَضْنَا إِحْدَاهُمَا ذَكَرًا لاَ تَحِل لِلأُْخْرَى، وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، أَوْ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ

_________

(١) مغني المحتاج ٣ / ١٨٩، ١٩٠.

(٢) المغني ٦ / ٥٩٢ مكتبة الجمهورية العربية - مصر.

(٣) سورة المائدة / ٥.

الأُْخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (١) وَلِحَدِيثِ أَبِي هَرِيرَةَ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، أَوِ الْعَمَّةُ عَلَى ابْنَةِ أَخِيهَا، أَوِ الْمَرْأَةُ عَلَى خَالَتِهَا، أَوِ الْخَالَةُ عَلَى بِنْتِ أُخْتِهَا (٢) وَعَلَيْهِ الأَْئِمَّةُ الأَْرْبَعَةُ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ كَمَا لاَ يَصِحُّ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمُسْلِمُ أُخْتَ زَوْجَتِهِ الَّتِي فِي عِصْمَتِهِ، كَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَ زَوْجَتِهِ الَّتِي طَلَّقَهَا طَلاَقًا رَجْعِيًّا، أَوْ طَلاَقًا بَائِنًا بَيْنُونَةً صُغْرَى، أَوْ كُبْرَى مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، لأَِنَّهَا زَوْجَةٌ حُكْمًا (٣) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ تَحْرِيمَ الْجَمْعِ بَيْنَ مَنْ ذُكِرْنَ إِنَّمَا يَكُونُ حَال قِيَامِ الزَّوْجِيَّةِ حَقِيقَةً، أَوْ فِي عِدَّةِ الطَّلاَقِ الرَّجْعِيِّ، أَمَّا لَوْ كَانَ الطَّلاَقُ بَائِنًا بَيْنُونَةً صُغْرَى أَوْ كُبْرَى فَقَدِ انْقَطَعَتِ الزَّوْجِيَّةُ، فَإِنْ تَزَوَّجَ أُخْتَ مُطَلَّقَتِهِ طَلاَقًا بَائِنًا فِي عِدَّتِهَا، فَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ مَحْرَمَيْنِ (٤) .

وَإِذَا جَمَعَ الرَّجُل بَيْنَ أُخْتَيْنِ مَثَلًا، فَإِنْ

_________

(١) سورة النساء / ٢٣.

(٢) حديث أبي هريرة: " أن رسول الله ﷺ نهى أن تنكح المرأة على عمتها. . ". أخرجه الترمذي (٣ / ٤٢٤) وقال: حسن صحيح.

(٣) بدائع الصنائع ٢ / ٢٦٢ - ٢٦٤، وكشاف القناع ٥ / ٧٥، وفتح القدير ٣ / ١٢٤، ١٣٢ - ط: دار إحياء التراث.

(٤) حاشية الدسوقي ٢ / ٢٥٥، والأم للشافعي ٥ / ٤٠٣، والمهذب ٢ / ٤٤

تَزَوَّجَهُمَا بِعَقْدٍ وَاحِدٍ، وَلَيْسَ يَأْتِيهِمَا مَانِعٌ، كَانَ النِّكَاحُ بَاطِلًا إِذْ لاَ أَوْلَوِيَّةَ لإِحْدَاهُمَا عَنِ الأُْخْرَى (١) .

أَمَّا إِذَا كَانَ بِإِحْدَاهُمَا مَانِعٌ شَرْعِيٌّ، بِأَنْ كَانَتْ زَوْجَةً لِلْغَيْرِ مَثَلًا، وَالأُْخْرَى لَيْسَ بِهَا مَانِعٌ، فَإِنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْخَالِيَةِ مِنَ الْمَوَانِعِ، وَبَاطِلٌ بِالنِّسْبَةِ لِلأُْخْرَى.

وَأَمَّا إِذَا تَزَوَّجَهُمَا بِعَقْدَيْنِ مُتَعَاقِبَيْنِ، مُسْتَكْمِلَيْنِ أَرْكَانَ الزَّوَاجِ وَشُرُوطِهِ، وَعُلِمَ أَسْبَقُهُمَا، فَهُوَ الصَّحِيحُ وَالآْخَرُ بَاطِلٌ لأَِنَّ الْجَمْعَ حَصَل بِهِ.

وَإِذَا اسْتَوْفَى أَحَدُهُمَا فَقَطِ الأَْرْكَانَ وَالشُّرُوطَ فَهُوَ الصَّحِيحُ، سَوَاءٌ أَكَانَ الأَْوَّل أَمِ الثَّانِي.

كَمَا يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الأُْخْتَيْنِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الأُْخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ عِنْدَ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ مِثْل عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵃ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ ﷿: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُْخْتَيْنِ﴾ (٢) وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْوَطْءِ جَمْعٌ، فَيَكُونُ حَرَامًا، وَبِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلاَ يُجْمِعْنَ مَاءَهُ فِي

_________

(١) فتح القدير ٣ / ١٢٣، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٥٤، ومغني المحتاج ٣ / ١٨٠.

(٢) سورة النساء / ٢٣.

رَحِمِ أُخْتَيْنِ (١) . وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّهُ قَال: (كُل شَيْءٍ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْحَرَائِرِ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الإِْمَاءِ إِلاَّ الْجَمْعُ فِي الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ) وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَأَل عُثْمَانَ ﵁ عَنْ ذَلِكَ فَقَال: (مَا أُحِبُّ أَنْ أُحِلَّهُ، وَلَكِنْ أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ، وَأَمَّا أَنَا فَلاَ أَفْعَلُهُ) .

قَال الْكَاسَانِيُّ: وَقَوْل عُثْمَانَ ﵁: (أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ) عَنَى بِآيَةِ التَّحْلِيل قَوْلَهُ ﷿: ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٢) وَبِآيَةِ التَّحْرِيمِ قَوْلَهُ ﷿: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُْخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وَذَلِكَ مِنْهُ إِشَارَةٌ إِلَى تَعَارُضِ دَلِيلَيِ الْحِل وَالْحُرْمَةِ فَلاَ يَثْبُتُ الْحُرْمَةُ مَعَ التَّعَارُضِ.

وَقَال: وَأَمَّا قَوْل عُثْمَانَ ﵁: أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ، فَالأَْخْذُ بِالْمُحَرَّمِ أَوْلَى عِنْدَ التَّعَارُضِ احْتِيَاطًا لِلْحُرْمَةِ، لأَِنَّهُ يَلْحَقُهُ الْمَأْثَمُ بِارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ وَلاَ مَأْثَمَ فِي تَرْكِ الْمُبَاحِ،

_________

(١) حديث: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمعن ماءه في رحم أختين ". ذكره ابن حجر في التلخيص الحبير (٣ / ١٦٦) وقال: لا أصل له. وقال: وفي الباب حديث أم حبيبة في الصحيحين أنها قالت يا رسول الله: انكح أختي قال: " لا تحل لي ". انظر (فتح الباري ٩ / ١٥٨. ط. السلفية ومسلم ٢ / ١٠٧٢) .

(٢) سورة المؤمنون / ٦.