الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦
مُؤَبَّدَةً، وَيَجِبُ عَلَيْهِمَا أَنْ يَفْتَرِقَا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسَيْهِمَا، وَإِلاَّ فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ أَيْقَظَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ لِيُجَامِعَهَا، فَوَصَلَتْ يَدُهُ إِلَى ابْنَةٍ مِنْهَا، فَقَرَصَهَا بِشَهْوَةٍ، وَهِيَ مِمَّنْ تُشْتَهَى يَظُنُّ أَنَّهَا أُمُّهَا، حَرُمَتْ عَلَيْهِ الأُْمُّ حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً (١) .
وَلَمْ يُفَرِّقُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بَيْنَ حُصُول الزِّنَا قَبْل الزَّوَاجِ أَوْ بَعْدَهُ فِي ثُبُوتِ حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ، وَذَهَبَ مَالِكٌ فِي قَوْلِهِ الرَّاجِحِ، وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ الزِّنَا لاَ تَثْبُتُ بِهِ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ، فَلاَ تُحَرَّمُ بِالزِّنَا عِنْدَهُمَا أُصُول الْمَزْنِيِّ بِهَا، وَلاَ فُرُوعُهَا عَلَى مَنْ زَنَى بِهَا، كَمَا لاَ تُحَرَّمُ الْمَزْنِيُّ بِهَا عَلَى أُصُول الزَّانِي، وَلاَ عَلَى فُرُوعِهِ، فَلَوْ زَنَى رَجُلٌ بِأُمِّ زَوْجَتِهِ أَوِ ابْنَتِهَا لاَ تُحَرَّمُ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ الرَّسُول ﷺ سُئِل عَنِ الرَّجُل يَتْبَعُ الْمَرْأَةَ حَرَامًا ثُمَّ يَنْكِحُ ابْنَتَهَا، أَوِ الْبِنْتَ ثُمَّ يَنْكِحُ أُمَّهَا، فَقَال: لاَ يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلاَل، إِنَّمَا يَحْرُمُ مَا كَانَ بِنِكَاحٍ حَلاَلٍ (٢) وَأَنَّ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ نِعْمَةٌ، لأَِنَّهَا تُلْحِقُ الأَْجَانِبَ بِالأَْقَارِبِ، وَالزِّنَا مَحْظُورٌ، فَلاَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلنِّعْمَةِ، لِعَدَمِ الْمُلاَءَمَةِ بَيْنَهُمَا، وَلِهَذَا قَال الشَّافِعِيُّ فِي مُنَاظَرَتِهِ لِمُحَمِّدِ بْنِ الْحَسَنِ:
_________
(١) ملتقى الأبحر ١ / ٣٢٤، والمغني ٦ / ٥٧٦ - ٥٧٧، وكشاف القناع ٥ / ٧٢.
(٢) حديث: " أن الرسول ﷺ سئل عن الرجل يتبع المرأة. . . ". أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٤ / ٢٦٨) وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عثمان بن عبد الرحمن الزهري وهو متروك.
وَطْءٌ حُمِدْتَ بِهِ وَأَحْصَنْتَ، وَوَطْءٌ رُجِمْتَ بِهِ، أَحَدُهُمَا نِعْمَةٌ، وَجَعَلَهُ اللَّهُ نَسَبًا وَصِهْرًا، وَأَوْجَبَ بِهِ حُقُوقًا، وَالآْخِرُ نِقْمَةٌ، فَكَيْفَ يَشْتَبِهَانِ (١)؟ .
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ مِثْل قَوْل الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّهُ يُحَرِّمُ، وَقَال سَحْنُونٌ: أَصْحَابُ مَالِكٍ يُخَالِفُونَ ابْنَ الْقَاسِمِ فِيمَا رَوَاهُ، وَيَذْهَبُونَ إِلَى مَا فِي (الْمُوَطَّأِ) مِنْ أَنَّ الزِّنَا لاَ تَثْبُتُ بِهِ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ (٢) .
١١ - فُرُوعُ الزَّوْجَةِ، وَهُنَّ بَنَاتُهَا، وَبَنَاتُ بَنَاتِهَا، وَبَنَاتُ أَبْنَائِهَا وَإِنْ نَزَلْنَ، لأَِنَّهُنَّ مِنْ بَنَاتِهَا بِشَرْطِ الدُّخُول بِالزَّوْجَةِ، وَإِذَا لَمْ يَدْخُل فَلاَ تُحَرَّمُ عَلَيْهِ فُرُوعُهَا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، فَلَوْ طَلَّقَهَا أَوْ مَاتَتْ عَنْهُ قَبْل الدُّخُول بِهَا، فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَهَا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْل الْفُقَهَاءِ: الدُّخُول بِالأُْمَّهَاتِ يُحَرِّمُ الْبَنَاتِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آيَةِ الْمُحَرَّمَاتِ: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ وَذَلِكَ عُطِفَ عَلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ فَيَكُونُ الْمَعْنَى تَحْرِيمَ التَّزَوُّجِ بِالرَّبَائِبِ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ
_________
(١) الفواكه الدواني ٢ / ٤٢، وإعلام الموقعين لابن قيم الجوزية ٣ / ٢٥٦، ومغني المحتاج ٣ / ١٧٨.
(٢) بداية المجتهد ونهاية المقتصد ٢ / ٢٩ - ط: الخانجي، والفواكه الدواني ٢ / ٤٢.
نِسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ.
وَالرَّبَائِبُ جَمْعُ رَبِيبَةٍ، وَرَبِيبُ الرَّجُل، وَلَدُ امْرَأَتِهِ مِنْ غَيْرِهِ، سُمِّيَ رَبِيبًا لَهُ؛ لأَِنَّهُ يَرُبُّهُ أَيْ يَسُوسُهُ، وَالرَّبِيبَةُ ابْنَةُ الزَّوْجَةِ، وَهِيَ حَرَامٌ عَلَى زَوْجِ أُمِّهَا بِنَصِّ الآْيَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ فِي الْحِجْرِ أَمْ لَمْ تَكُنْ، وَهِيَ تَحْظَى بِمَا تَحْظَى بِهِ الْبِنْتُ الصُّلْبِيَّةُ مِنْ عَطْفٍ وَرِعَايَةٍ، وَأَمَّا تَحْرِيمُ بَنَاتِ الرَّبِيبَةِ وَبَنَاتِ الرَّبِيبِ فَثَابِتٌ بِالإِْجْمَاعِ. وَوَصْفُ الرَّبِيبَةِ بِأَنَّهَا فِي الْحِجْرِ لَيْسَ لِلتَّقْيِيدِ، بَل خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لِبَيَانِ قُبْحِ التَّزَوُّجِ بِهَا، لأَِنَّهَا غَالِبًا تَتَرَبَّى فِي حِجْرِهِ كَابْنِهِ وَابْنَتِهِ، فَلَهَا مَا لِبِنْتِهِ مِنْ تَحْرِيمٍ.
١٢ - زَوْجَةُ الْفَرْعِ أَيْ زَوْجَةُ ابْنِهِ، أَوِ ابْنِ ابْنِهِ، أَوِ ابْنِ بِنْتِهِ، مَهْمَا بَعُدَتِ الدَّرَجَةُ، سَوَاءٌ دَخَل الْفَرْعُ بِزَوْجَتِهِ أَوْ لَمْ يَدْخُل بِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آيَةِ الْمُحَرَّمَاتِ: ﴿وَحَلاَئِل أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ﴾ وَالْحَلاَئِل جَمْعُ حَلِيلَةٍ وَهِيَ الزَّوْجَةُ، سُمِّيَتْ حَلِيلَةً؛ لأَِنَّهَا تَحِل مَعَ الزَّوْجِ حَيْثُ تَحِل، وَقِيل: حَلِيلَةٌ بِمَعْنَى مُحَلَّلَةً، وَلأَِنَّهَا تَحِل لِلاِبْنِ، وَقَيَّدَتِ الآْيَةُ أَنْ يَكُونَ الأَْبْنَاءُ مِنَ الأَْصْلاَبِ، لإِخْرَاجِ الأَْبْنَاءِ بِالتَّبَنِّي، فَلاَ تُحَرَّمُ زَوْجَاتُهُمْ لأَِنَّهُمْ لَيْسُوا أَبْنَاءَهُ مِنَ الصُّلْبِ، وَعَلَى هَذَا قَصَرَ الأَْئِمَّةُ الأَْرْبَعَةُ فَهْمَهُمْ لِلآْيَةِ، وَلَمْ يُخْرِجُوا بِهَا زَوْجَةَ الاِبْنِ الرَّضَاعِيِّ، بَل هِيَ مُحَرَّمَةٌ كَزَوْجَةِ الاِبْنِ
الصُّلْبِيِّ (١)، مُسْتَنِدِينَ إِلَى قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: يَحْرُمُ مِنَ الرَّضْعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ (٢) .
أَمَّا أُصُول زَوْجَةِ الْفَرْعِ، وَفُرُوعُهَا، فَغَيْرُ مُحَرَّمَاتٍ عَلَى الأَْصْل، فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأُمِّ زَوْجَةِ فَرْعِهِ أَوْ بِابْنَتِهَا.
وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ كَمَا تَثْبُتُ بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ فِي زَوْجَةِ الأَْصْل، وَأَصْل الزَّوْجَةِ، وَزَوْجَةِ الْفَرْعِ، وَفَرْعِ الزَّوْجَةِ بِشَرْطِ الدُّخُول بِأُمِّهَا تَثْبُتُ كَذَلِكَ بِالدُّخُول فِي عَقْدِ الزَّوَاجِ الْفَاسِدِ، وَبِالدُّخُول بِشُبْهَةٍ، كَمَا إِذَا عَقَدَ رَجُلٌ زَوَاجَهُ بِامْرَأَةٍ، ثُمَّ زُفَّتْ إِلَيْهِ غَيْرُهَا فَدَخَل بِهَا، كَانَ هَذَا الدُّخُول بِشُبْهَةٍ، وَبِالدُّخُول بِمِلْكِ الْيَمِينِ، كَمَا إِذَا وَاقَعَ السَّيِّدُ جَارِيَتَهُ الْمَمْلُوكَةَ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أُصُولُهَا وَفُرُوعُهَا، وَتَحْرُمُ هِيَ عَلَى أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ (٣) .
ج - الْمُحَرَّمَاتُ بِسَبَبِ الرَّضَاعِ
١٣ - يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ:
أ - أُصُول الشَّخْصِ مِنَ الرَّضَاعِ، أَيْ أُمُّهُ
_________
(١) المهدية وشروحها فتح القدير والعناية ٣ / ١٢٠، ١٢١، والفواكه الدواني ٢ / ٣٨، وكشاف القناع ٥ / ٧١، ومغني المحتاج ٣ / ١٧٧.
(٢) حديث: " يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب. . ". أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٢٥٣) ومسلم (٢ / ١٠٧٢) من حديث عبد الله بن عباس.
(٣) بدائع الصنائع ٢ / ٢٦٠، وملتقى الأبحر ١ / ٣٢٤، وفتح القدير ٣ / ١٢١، ومغني المحتاج ٣ / ١٧٧، وكشاف القناع ٥ / ٧٢، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٥١.
رَضَاعًا وَأُمُّهَا، وَإِنْ عَلَتْ، وَأُمُّ أَبِيهِ رَضَاعًا وَأُمُّهَا وَإِنْ عَلَتْ، فَإِذَا رَضَعَ طِفْلٌ مِنِ امْرَأَةٍ صَارَتْ أُمَّهُ مِنَ الرَّضَاعِ، وَصَارَ زَوْجُهَا الَّذِي كَانَ السَّبَبُ فِي دَرِّ لَبَنِهَا أَبًا مِنَ الرَّضَاعِ.
ب - فُرُوعُهُ مِنَ الرَّضَاعِ، أَيْ بِنْتُهُ رَضَاعًا، وَبِنْتُهَا وَإِنْ نَزَلَتْ، وَبِنْتُ ابْنِهَا رَضَاعًا وَبِنْتُهَا، وَإِنْ نَزَلَتْ، فَإِذَا رَضَعَتْ بِنْتٌ مِنِ امْرَأَةٍ صَارَتِ ابْنَةً رَضَاعًا مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ، وَلِزَوْجِهَا الَّذِي كَانَ السَّبَبَ فِي دَرِّ لَبَنِهَا.
ج - فُرُوعُ أَبَوَيْهِ مِنَ الرَّضَاعِ أَيْ أَخَوَاتُهُ رَضَاعًا، وَبَنَاتُهُنَّ، وَبَنَاتُ إِخْوَتِهِ رَضَاعًا، وَبَنَاتُهُنَّ، وَإِنْ نَزَلْنَ، فَإِذَا رَضَعَ طِفْلٌ مِنِ امْرَأَةٍ صَارَتْ بَنَاتُهَا أَخَوَاتٍ لَهُ، وَحَرُمْنَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ الْبِنْتُ الَّتِي رَضَعَتْ مَعَهُ، أَوِ الْبِنْتُ الَّتِي رَضَعَتْ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ.
د - فُرُوعُ جَدَّيْهِ إِذَا انْفَصَلْنَ بِدَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ، أَيْ عَمَّاتُهُ، وَخَالاَتُهُ رَضَاعًا، وَهَؤُلاَءِ يُحَرَّمْنَ نَسَبًا، فَكَذَلِكَ يُحَرَّمْنَ رَضَاعًا.
وَأَمَّا بَنَاتُ عَمَّاتِهِ وَأَعْمَامِهِ رَضَاعًا، وَبَنَاتُ خَالاَتِهِ وَأَخْوَالِهِ رَضَاعًا، فَلاَ يُحَرَّمْنَ عَلَيْهِ (١) .
١٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْمُصَاهَرَةِ، لِمَا ثَبَتَ أَنَّ
_________
(١) بدائع الصنائع ٤ / ٤، وفتح القدير ٣ / ١٢١، وحاشية الدسوقي ٢ / ٥٠٣، ٥٠٤، والفواكه الدواني ٢ / ٣٨، ٨٩، ومغني المحتاج ٣ / ١٧٦، ١٧٧، ٤١٨، وكشاف القناع ٥ / ٧٠، ٧١، والمغني ٦ / ٥٧١.
الرَّضَاعَ يُنْشِئُ صِلَةَ أُمُومَةٍ وَبُنُوَّةٍ بَيْنَ الْمُرْضِعِ وَالرَّضِيعِ، فَتَكُونُ الَّتِي أَرْضَعَتْ كَالَّتِي وَلَدَتْ، كُلٌّ مِنْهُمَا أُمٌّ، فَأُمُّ الزَّوْجَةِ رَضَاعًا كَأُمِّهَا نَسَبًا، وَبِنْتُهَا رَضَاعًا كَبِنْتِهَا نَسَبًا، وَكَذَلِكَ يَكُونُ زَوْجُ الْمُرْضِعِ أَبًا لِلرَّضِيعِ، وَالرَّضِيعُ فَرْعٌ لَهُ، فَزَوْجَةُ الأَْبِ الرَّضَاعِيِّ كَزَوْجَةِ الأَْبِ النَّسَبِيِّ، وَزَوْجَةُ الاِبْنِ الرَّضَاعِيِّ كَزَوْجَةِ الاِبْنِ النَّسَبِيِّ، وَلِهَذَا يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ بِالْمُصَاهَرَةِ، وَهُنَّ: أ - الأُْمُّ الرَّضَاعِيَّةُ لِلزَّوْجَةِ، وَأُمُّهَا، وَإِنْ عَلَتْ، سَوَاءٌ دَخَل بِالزَّوْجَةِ أَوْ لَمْ يَدْخُل بِهَا ب - الْبِنْتُ الرَّضَاعِيَّةُ لِلزَّوْجَةِ، وَبِنْتُهَا، وَإِنْ نَزَلَتْ، وَبِنْتُ ابْنِهَا الرَّضَاعِيِّ وَبِنْتُهَا، وَإِنْ نَزَلَتْ بِشَرْطٍ أَنْ يَكُونَ قَدْ دَخَل بِالزَّوْجَةِ. ج - زَوْجَاتُ الأَْبِ الرَّضَاعِيِّ، وَأَبِي الأَْبِ وَإِنْ عَلاَ، بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ. د - زَوْجَاتُ الاِبْنِ الرَّضَاعِيِّ، وَابْنِ ابْنِهِ، وَإِنْ نَزَل بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ. وَتَحْرِيمُ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ بِالْمُصَاهَرَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الأَْئِمَّةِ الأَْرْبَعَةِ (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي (رَضَاعٍ ف ١٩ وَمَا بَعْدَهَا) .
كَيْفِيَّةُ مُعْرِفَةِ قَرَابَةِ الرَّضَاعِ الْمُحَرِّمَةِ
١٥ - تُعْرَفُ قَرَابَاتُ الرَّضَاعِ الْمُحَرِّمَةِ كُلِّهَا،
_________
(١) المراجع السابقة، والمغني ٦ / ٥٦٩، ٥٧٠.
بِأَنْ يُفْرَضَ انْتِزَاعُ الرَّضِيعُ مِنْ أُسْرَتِهِ النَّسَبِيَّةِ، وَوَضْعُهُ، وَفُرُوعُهُ فَقَطْ فِي أُسْرَتِهِ الرَّضَاعِيَّةِ، بِوَصْفِهِ ابْنًا رَضَاعِيًّا لِمَنْ أَرْضَعَتْهُ، وَلِزَوْجِهَا الَّذِي دَرَّ لَبَنَهَا بِسَبَبِهِ، فَكُل صِلَةٍ تَتَقَرَّرُ لَهُ أَوْ لِفُرُوعِهِ بِهَذَا الْوَضَعِ الْجَدِيدِ فَهِيَ الَّتِي تُجْعَل أَسَاسًا لِلتَّحْرِيمِ أَوِ التَّحْلِيل بِالرَّضَاعِ.
أَمَّا صِلَةُ الأُْسْرَةِ الرَّضَاعِيَّةِ بِأُسْرَةِ الرَّضِيعِ النَّسَبِيَّةِ بِسَبَبِ رَضَاعِهِ فَلاَ أَثَرَ لَهَا فِي تَحْرِيمٍ أَوْ تَحْلِيلٍ، وَلِهَذَا لاَ يَثْبُتُ لأَِقَارِبِهِ النَّسَبِيِّينَ غَيْرُ فُرُوعِهِ مِثْل مَا يَثْبُتُ لَهُ هُوَ بِهَذَا الرَّضَاعِ.
هَذَا، وَتُوجَدُ صُوَرٌ مُسْتَثْنَاةٌ مِنَ التَّحْرِيمِ بِالرَّضَاعِ، وَإِنْ كَانَتْ مُحَرِّمَةً مِنَ النَّسَبِ مِنْهَا
أ - أُمُّ الأَْخِ أَوِ الأُْخْتِ مِنَ الرَّضَاعِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ الزَّوَاجُ بِهَا لأَِنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ عَنْهُ، وَلاَ يَجُوزُ الزَّوَاجُ بِأُمِّ الأَْخِ أَوِ الأُْخْتِ مِنَ النَّسَبِ؛ لأَِنَّهَا إِمَّا أَنْ تَكُونَ أُمُّهُ، أَوْ تَكُونَ زَوْجَةُ أَبِيهِ فَتُحَرَّمُ عَلَيْهِ، وَهَذِهِ الصِّلَةُ مُنْتَفِيَةٌ فِي صُورَةِ أُمِّ الأَْخِ أَوِ الأُْخْتِ رَضَاعًا.
ب - أُخْتُ الاِبْنِ رَضَاعًا، فَإِنَّهَا لاَ تُحَرَّمُ عَلَى الأَْبِ الرَّضَاعِيِّ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ أُخْتَ هَذَا الاِبْنِ أَوِ الْبِنْتِ الرَّضَاعِيَّةِ أُخْتًا لَهُ مِنَ النَّسَبِ أَمْ أُخْتًا لَهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مِنِ امْرَأَةٍ أُخْرَى، لأَِنَّهَا سَتَكُونُ أَجْنَبِيَّةً عَنْهُ.
فَإِذَا رَضَعَ طِفْلٌ مِنِ امْرَأَةٍ فَلأَِبِي هَذَا الطِّفْل أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَ هَذِهِ الْمُرْضِعَةِ، وَهِيَ
أُخْتُ ابْنِهِ مِنَ الرَّضَاعِ، أَمَّا أُخْتُ الاِبْنِ أَوِ الْبِنْتِ نَسَبًا، فَلاَ يَجُوزُ لأَِنَّهَا سَتَكُونُ بِنْتُهُ أَوْ بِنْتُ زَوْجَتِهِ الْمَدْخُول بِهَا.
ج - جَدَّةُ ابْنِهِ أَوْ بِنْتِهِ رَضَاعًا، فَيَجُوزُ لِلأَْبِ الرَّضَاعِيِّ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لِعَدَمِ وُجُودِ عِلاَقَةٍ تَرْبِطُهَا بِهِ فِي حِينِ أَنَّ جَدَّةَ الاِبْنِ أَوِ الْبِنْتِ نَسَبًا، إِمَّا أَنْ تَكُونَ أُمَّهُ هُوَ فَتُحَرَّمُ عَلَيْهِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ أُمَّ زَوْجَتِهِ فَتُحَرَّمُ عَلَيْهِ أَيْضًا (١) .
قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: الْحُرْمَةُ تَسْرِي مِنَ الْمُرْضِعَةِ وَالْفَحْل إِلَى أُصُولِهِمَا وَفُرُوعِهِمَا وَحَوَاشِيهِمَا وَمِنَ الرَّضِيعِ إِلَى فُرُوعِهِ فَقَطْ (٢) .
وَمَتَى ثَبَتَ الرَّضَاعُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَجَبَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَفْتَرِقَا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسَيْهِمَا، وَإِلاَّ فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا، حَيْثُ تَبَيَّنَ أَنَّ عَقْدَ الزَّوَاجِ فَاسِدٌ.
وَالتَّفْصِيل فِي (رَضَاع ف ٢٧ - ٣٤) .
ثَانِيًا: الْمُحَرَّمَاتُ تَحْرِيمًا مُؤَقَّتًا
التَّحْرِيمُ عَلَى التَّأْقِيتِ يَكُونُ فِي الأَْحْوَال الآْتِيَةِ:
الأَْوَّل: زَوْجَةُ الْغَيْرِ وَمُعْتَدَّتُهُ
١٦ - يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَنْ تَعَلَّقَ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٤٠٥ - ٤٠٧، وفتح القدير ٣ / ٣١١، ٣١٤، ومغني المحتاج ٣ / ١٧٦، وكشاف القناع ٥ / ٤٤٣، ٤٤٤، والفواكه الدواني ٢ / ٤٠، ٨٩، ٩٠، وحاشية الدسوقي ٢ / ٥٠٤.
(٢) مغني المحتاج ٣ / ٤١٨.
حَقُّ غَيْرِهِ بِهَا بِزَوَاجٍ أَوْ عِدَّةٍ مِنْ طَلاَقٍ أَوْ وَفَاةٍ، أَوْ دُخُولٍ فِي زَوَاجٍ فَاسِدٍ، أَوْ دُخُولٍ بِشُبْهَةٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١) عَطْفًا عَلَى الْمُحَرَّمَاتِ الْمَذْكُورَاتِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (٢) وَالْمُرَادُ بِالْمُحْصَنَاتِ مِنَ النِّسَاءِ الْمُتَزَوِّجَاتُ مِنْهُنَّ، سَوَاءٌ أَكَانَ زَوْجُهَا مُسْلِمًا أَمْ غَيْرَ مُسْلِمٍ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَزَوَّجَ مُعْتَدَّةَ غَيْرِهِ مِنْ طَلاَقٍ رَجْعِيٍّ أَوْ بَائِنٍ أَوْ وَفَاةٍ.
وَالْحِكْمَةُ فِي هَذَا مَنْعُ الإِْنْسَانِ مِنَ الاِعْتِدَاءِ عَلَى غَيْرِهِ بِالتَّزَوُّجِ مِنْ زَوْجَتِهِ أَوْ مُعْتَدَّتِهِ، وَحِفْظُ الأَْنْسَابِ مِنَ الاِخْتِلاَطِ وَالضَّيَاعِ.
وَقَدْ أَلْحَقَ الْفُقَهَاءُ بِعِدَّةِ الطَّلاَقِ عِدَّةَ الدُّخُول فِي زَوَاجٍ فَاسِدٍ، وَعِدَّةَ الدُّخُول بِشُبْهَةٍ؛ لأَِنَّ النَّسْل مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا ثَابِتُ النَّسَبِ (٣) .
وَيَتَرَتَّبُ عَلَى نِكَاحِ الْمُعْتَدَّةِ مِنَ الْغَيْرِ آثَارٌ مِنْهَا:
أ - التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا:
١٧ - نِكَاحُ مُعْتَدَّةِ الْغَيْرِ يُعْتَبَرُ مِنَ الأَْنْكِحَةِ
_________
(١) سورة النساء / ٢٤.
(٢) سورة النساء / ٢٣.
(٣) بدائع الصنائع ٤ / ٢٦٨، ٢٦٩، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٥١، ٢٥٢، والفواكه الدواني ٢ / ٣٤، ٣٥، والمهذب ٢ / ٤٦، وكشاف القناع ٥ / ٨٢.
الْفَاسِدَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَى فَسَادِهَا وَيَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ (١)، وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّ طُلَيْحَةَ كَانَتْ تَحْتَ رُشَيْدٍ الثَّقَفِيِّ فَطَلَّقَهَا فَنَكَحَتْ فِي عِدَّتِهَا فَضَرَبَهَا عُمَرُ ﵁ وَضَرَبَ زَوْجَهَا بِمِخْفَقَةٍ ضَرْبَاتٍ ثُمَّ قَال: أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ فِي عِدَّتِهَا فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا الَّذِي تَزَوَّجَهَا لَمْ يَدْخُل بِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنْ زَوْجِهَا الأَْوَّل، وَكَانَ خَاطِبًا مِنَ الْخُطَّابِ، وَإِنْ كَانَ دَخَل بِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنْ زَوْجِهَا الأَْوَّل، ثُمَّ اعْتَدَّتْ مِنَ الآْخَرِ وَلَمْ يَنْكِحْهَا أَبَدًا.
ب - وُجُوبُ الْمَهْرِ وَالْعِدَّةِ:
١٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْمَهْرِ فِي نِكَاحِ الْمُعْتَدَّةِ فِي عِدَّتِهَا إِذَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَبْل الدُّخُول
وَيَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْمَهْرِ فِي هَذَا النِّكَاحِ بِالدُّخُول (أَيْ بِالْوَطْءِ) وَعَلَى وُجُوبِ الْعِدَّةِ كَذَلِكَ، لِمَا رَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ مَسْرُوقٍ قَال: بَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ تَزَوَّجَهَا رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ فِي عِدَّتِهَا، فَأَرْسَل إِلَيْهِمَا فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَعَاقَبَهُمَا،
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٥٠، ٣٥١، والفواكه الدواني ٢ / ٣٥، وكشاف القناع ٥ / ٤٢٥، والمهذب ٢ / ١٥٢.