الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦
حُرْمَةُ نِكَاحِهِنَّ مُؤَبَّدَةً، لأَِنَّ سَبَبَ التَّحْرِيمِ ثَابِتٌ لاَ يَزُول، كَالأُْمُومَةِ، وَالْبُنُوَّةِ، وَالأُْخُوَّةِ.
ب - مُحَرَّمَاتٌ عَلَى التَّأْقِيتِ، وَهُنَّ مَنْ تَكُونُ حُرْمَةُ نِكَاحِهِنَّ مُؤَقَّتَةً؛ لأَِنَّ سَبَبَ التَّحْرِيمِ غَيْرُ دَائِمٍ، وَيُحْتَمَل الزَّوَال كَزَوْجَةِ الْغَيْرِ، وَمُعْتَدَّتِهِ، وَالْمُشْرِكَةِ بِاللَّهِ.
أَوَّلًا: الْمُحَرَّمَاتُ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا
٣ - أَسْبَابُ تَأْبِيدِ حُرْمَةِ التَّزَوُّجِ بِالنِّسَاءِ ثَلاَثَةٌ، هِيَ:
أ - الْقَرَابَةُ.
ب - الْمُصَاهَرَةُ.
ج - الرَّضَاعُ.
أ - الْمُحَرَّمَاتُ بِسَبَبِ الْقَرَابَةِ:
يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ بِسَبَبِ الْقَرَابَةِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ
٤ - الأَْصْل مِنَ النِّسَاءِ وَإِنْ عَلاَ، وَالْمُرَادُ بِهِ: الأُْمُّ، وَأُمُّ الأُْمِّ، وَإِنْ عَلَتْ، وَأُمُّ الأَْبِ، وَأُمُّ الْجَدِّ، وَإِنْ عَلَتْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (١) .
وَتَحْرِيمُ الأُْمِّ بِهَذِهِ الآْيَةِ وَاضِحٌ، وَأَمَّا تَحْرِيمُ الْجَدَّاتِ فَوَاضِحٌ أَيْضًا إِذَا قُلْنَا: إِنَّ لَفْظَ الأُْمِّ يُطْلَقُ عَلَى الأَْصْل، فَيَشْمَل الْجَدَّاتِ، فَيَكُونُ تَحْرِيمُهُنَّ ثَابِتًا بِالآْيَةِ كَتَحْرِيمِ
_________
(١) سورة النساء / ٢٣.
الأُْمَّهَاتِ، أَوْ تَكُونُ حُرْمَةُ الْجَدَّاتِ بِدَلاَلَةِ النَّصِّ؛ لأَِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْعَمَّاتِ وَالْخَالاَتِ، وَهُنَّ أَوْلاَدُ الْجَدَّاتِ، فَتَكُونُ حُرْمَةُ الْجَدَّاتِ مِنْ بَابِ أَوْلَى.
٥ - الْفَرْعُ مِنَ النِّسَاءِ وَإِنْ نَزَل، وَالْمُرَادُ بِهِ: الْبِنْتُ وَمَا تَنَاسَل مِنْهَا، وَبِنْتُ الاِبْنِ وَإِنْ نَزَل، وَمَا تَنَاسَل مِنْهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ .
وَتَحْرِيمِ الْبَنَاتِ الصُّلْبِيَّاتِ بِنَصِّ الآْيَةِ، وَأَمَّا تَحْرِيمُ بَنَاتِ أَوْلاَدِهِنَّ فَثَابِتٌ بِالإِْجْمَاعِ، أَوْ بِدَلاَلَةِ النَّصِّ، لأَِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَنَاتِ الأَْخِ، وَبَنَاتِ الأُْخْتِ، وَلاَ شَكَّ فِي أَنَّ بَنَاتِ الْبَنَاتِ، وَبَنَاتِ الأَْوْلاَدِ وَإِنْ نَزَلْنَ أَقْوَى قَرَابَةً مِنْ بَنَاتِ الأَْخِ.
وَيَحْرُمُ عَلَى الإِْنْسَانِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَهُ مِنَ الزِّنَا بِصَرِيحِ الآْيَةِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ لأَِنَّهَا بِنْتُهُ حَقِيقَةً، وَلُغَةً، وَمَخْلُوقَةٌ مِنْ مَائِهِ، وَلِهَذَا حُرِّمَ ابْنُ الزِّنَا عَلَى أُمِّهِ، وَهَذَا هُوَ رَأْيُ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، لَمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَال: يَا رَسُول اللَّهِ: إِنِّي زَنَيْتُ بِامْرَأَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَفَأَنْكِحُ ابْنَتَهَا قَال: لاَ أَرَى ذَلِكَ، وَلاَ يَصْلُحُ أَنَّ تَنْكِحَ امْرَأَةً تَطْلُعُ مِنِ ابْنَتِهَا عَلَى مَا تَطْلُعُ عَلَيْهِ مِنْهَا (١) فَالْبِنْتُ مِنَ الزِّنَا جُزْءٌ مِنَ الزَّانِي،
_________
(١) حديث: " إني زنيت بامرأة. . . ". قال في فتح القدير: هو مرسل ومنقطع وفيه أبو بكر بن عبد الرحمن بن أم حكيم (فتح القدير ٣ / ١٢٩ نشر دار إحياء التراث) .
فَهِيَ بِنْتُهُ وَإِنْ لَمْ تَرِثْهُ، وَلَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهَا عَلَيْهِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى عَدَمِ حُرْمَتِهَا عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الْبُنُوَّةَ الَّتِي تُبْنَى عَلَيْهَا الأَْحْكَامُ هِيَ الْبُنُوَّةُ الشَّرْعِيَّةُ، وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ هُنَا، لِقَوْلِهِ ﷺ: الْوَلَدُ لِلْفَرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ (١) . وَبِهِ قَال اللَّيْثُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ (٢) .
وَالْمُزَنِيِّ بِهَا لَيْسَتْ بِفِرَاشٍ، وَلِذَلِكَ لاَ يَحِل لَهُ أَنْ يَخْتَلِيَ بِهَا وَلاَ وِلاَيَةَ لَهُ عَلَيْهَا، وَلاَ نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ وَلاَ تَوَارُثَ.
وَعَلَى هَذَا الْخِلاَفِ أُخْتُهُ مِنَ الزِّنَا وَبِنْتُ أَخِيهِ وَبِنْتُ أُخْتِهِ وَبِنْتُ ابْنِهِ مِنَ الزِّنَا، بِأَنْ زَنَى أَبُوهُ أَوْ أَخُوهُ أَوْ أُخْتُهُ أَوِ ابْنُهُ فَأُولِدُوا بِنْتًا، فَإِنَّهَا تُحَرَّمُ عَلَى الأَْخِ وَالْعَمِّ وَالْخَال وَالْجَدِّ (٣) .
_________
(١) حديث: " الولد للفراش، وللعاهر الحجر ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٢٩٢) ومسلم (٢ / ١٠٨٠) من حديث عائشة.
(٢) بدائع الصنائع ٢ / ٢٥٧، ومغني المحتاج٣ / ١٧٥، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٥٠، وشرح الزرقاني ٣ / ٢٠٤، والمغني ٦ / ٥٧٨.
(٣) فتح القدير ٣ / ١٢٦، وبدائع الصنائع ٢ / ٢٥٧، ومغني المحتاج ٣ / ١٧٥، والدسوقي ٢ / ٢٥٠، والزرقاني ٣ / ٢٠٤، والمغني ٦ / ٥٧٨.
وَالْمَنْفِيَّةُ بِلِعَانِ لَهَا حُكْمُ الْبِنْتِ، فَلَوْ لاَعَنَ الرَّجُل زَوْجَتَهُ، فَنَفَى الْقَاضِي نَسَبَ ابْنَتِهَا مِنَ الرَّجُل، وَأَلْحَقَهَا بِالأُْمِّ فَتَحْرُمُ عَلَى نَافِيهَا وَلَوْ لَمْ يَدْخُل بِأُمِّهَا؛ لأَِنَّهَا لَمْ تَنْتِفِ عَنْهُ قَطْعًا بِدَلِيل لُحُوقِهَا بِهِ لَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ، وَلأَِنَّهَا رَبِيبَةٌ فِي الْمَدْخُول بِهَا، وَتَتَعَدَّى حُرْمَتُهَا إِلَى سَائِرِ مَحَارِمِهِ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (لِعَانٌ) .
٦ - فُرُوعُ الأَْبَوَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ نَزَلْنَ، وَهُنَّ الأَْخَوَاتُ، سَوَاءٌ أَكُنَّ شَقِيقَاتٍ، أَمْ لأَِبٍ، أَمْ لأُِمٍّ، وَفُرُوعُ الإِْخْوَةِ وَالأَْخَوَاتِ، فَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُل أَخَوَاتُهُ جَمِيعًا وَأَوْلاَدُ أَخَوَاتِهِ وَإِخْوَانِهِ وَفُرُوعُهُمْ، مَهْمَا تَكُنِ الدَّرَجَةُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَْخِ وَبَنَاتُ الأُْخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِل أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُْخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٢) .
_________
(١) فتح القدير ٣ / ١١٩، ومغني المحتاج ٣ / ١٧٥، وكشاف القناع ٥ / ٦٩.
(٢) سورة النساء / ٢٣، ٢٤.
وَتَحْرِيمُ فُرُوعِ بَنَاتِ الأَْخِ وَبَنَاتِ الأُْخْتِ ثَابِتٌ بِنَصِّ الآْيَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ لَفْظَ بَنَاتِ الأَْخِ وَبَنَاتِ الأُْخْتِ يَشْمَلُهُنَّ، أَوْ يَكُونُ التَّحْرِيمُ ثَابِتًا بِالإِْجْمَاعِ إِذَا كَانَ لَفْظُ بَنَاتِ الأَْخِ وَبَنَاتِ الأُْخْتِ مَقْصُورًا عَلَيْهِمَا (١) .
٧ - فُرُوعُ الأَْجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ إِذَا انْفَصَلْنَ بِدَرَجَةِ وَاحِدَةٍ، وَهُنَّ الْعَمَّاتُ، وَالْخَالاَتُ، سَوَاءٌ أَكُنَّ شَقِيقَاتٍ أَمْ لأَِبٍ، أَمْ لأُِمٍّ، وَكَذَلِكَ عَمَّاتُ الأَْصْل، وَإِنْ عَلاَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آيَةِ الْمُحَرَّمَاتِ: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ﴾ وَتَحْرِيمُ الْعَمَّاتِ وَالْخَالاَتِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ، وَأَمَّا أُخْتُ الْجَدِّ وَإِنْ عَلَتْ فَتَحْرِيمُهَا ثَابِتٌ إِمَّا بِالنَّصِّ، لأَِنَّ لَفْظَ الْعَمَّةِ يَشْمَل أُخْتَ الأَْبِ، وَأُخْتَ الْجَدِّ وَإِنْ عَلَتْ، وَإِمَّا بِالإِْجْمَاعِ إِذَا كَانَ لَفْظُ الْعَمَّةِ مَقْصُورًا عَلَى أُخْتِ الأَْبِ، وَكَذَا تَحْرِيمُ الْخَالَةِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ، وَمِثْل أُخْتِ الأُْمِّ أُخْتُ الْجَدَّةِ وَإِنْ عَلَتْ، وَتَحْرِيمُهَا ثَابِتٌ إِمَّا بِالنَّصِّ لأَِنَّ لَفْظَ الْخَالَةِ يَشْمَل أُخْتَ الأُْمِّ وَأُخْتَ الْجَدَّةِ وَإِنْ عَلَتْ، وَإِمَّا بِالإِْجْمَاعِ إِذَا كَانَ لَفْظُ الْخَالَةِ مَقْصُورًا عَلَى أُخْتِ الأُْمِّ.
أَمَّا بَنَاتُ الأَْعْمَامِ وَالأَْخْوَال، وَبَنَاتُ الْعَمَّاتِ وَالْخَالاَتِ، وَفُرُوعُهُنَّ، فَيَجُوزُ التَّزَوُّجُ
_________
(١) بدائع الصنائع ٢ / ٢٥٦، ٢٥٧، والفواكه الدواني ٢ / ٣٦، ٣٧، ومغني المحتاج ٣ / ١٧٤، ١٧٥، وكشاف القناع ٥ / ٦٩.
بِهِنَّ، لِعَدَمِ ذِكْرِهِنَّ فِي الْمُحَرَّمَاتِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُحِل لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (١) . وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ (٢) .
وَمَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لِلرَّسُول ﷺ يَحِل لأُِمَّتِهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحِل خَاصٌّ بِالرَّسُول ﷺ وَلاَ يُوجَدُ دَلِيلٌ عَلَى الْخُصُوصِ، فَشَمِل الْحُكْمُ الْمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا (٣) .
حِكْمَةُ التَّحْرِيمِ
٨ - أَمَرَ الإِْسْلاَمُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ وَالْحِرْصِ عَلَى الرَّوَابِطِ الَّتِي تَرْبِطُ الأَْفْرَادَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضِ وَحِمَايَتِهَا مِنَ الْخُصُومَاتِ وَالْمُنَازَعَاتِ، وَقَدْ قَال الْكَاسَانِيُّ: إِنَّ نِكَاحَ هَؤُلاَءِ يُفْضِي إِلَى قَطْعِ الرَّحِمِ لأَِنَّ النِّكَاحَ لاَ يَخْلُو مِنْ مُبَاسَطَاتٍ تَجْرِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ عَادَةً، وَبِسَبَبِهَا تَجْرِي الْخُشُونَةُ بَيْنَهُمَا، وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى قَطْعِ الرَّحِمِ، فَكَانَ النِّكَاحُ سَبَبًا لِقَطْعِ الرَّحِمِ، مُفْضِيًا إِلَيْهِ، وَقَطْعُ الرَّحِمِ حَرَامٌ، وَالْمُفْضِي إِلَى الْحَرَامِ حَرَامٌ، وَقَال: تَخْتَصُّ الأُْمَّهَاتُ بِمَعْنَى
_________
(١) سورة النساء / ٢٤.
(٢) سورة الأحزاب / ٥٠.
(٣) بدائع الصنائع ٢ / ٢٥٧.
آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ احْتِرَامَ الأُْمِّ، وَتَعْظِيمَهَا وَاجِبٌ، وَلِهَذَا أَمَرَ الْوَلَدَ بِمُصَاحَبَةِ الْوَالِدَيْنِ بِالْمَعْرُوفِ، وَخَفْضِ الْجَنَاحِ لَهُمَا، وَالْقَوْل الْكَرِيمِ، وَنَهَى عَنِ التَّأْفِيفِ لَهُمَا، فَلَوْ جَازَ النِّكَاحُ، وَالْمَرْأَةُ تَكُونُ تَحْتَ أَمْرِ الزَّوْجِ وَطَاعَتِهِ، وَخِدْمَتِهِ مُسْتَحَقَّةٌ عَلَيْهَا لَلَزِمَهَا ذَلِكَ، وَإِنَّهُ يُنَافِي الاِحْتِرَامَ، فَيُؤَدِّي إِلَى التَّنَاقُضِ (١) .
ب - الْمُحَرَّمَاتُ بِسَبَبِ الْمُصَاهَرَةِ:
يَحْرُمُ بِالْمُصَاهَرَةِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ
٩ - زَوْجَةُ الأَْصْل وَهُوَ الأَْبُ، وَإِنْ عَلاَ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنَ الْعَصَبَاتِ كَأَبِي الأَْبِ، أَمْ مِنْ ذَوِي الأَْرْحَامِ كَأَبِي الأُْمِّ، وَبِمُجَرَّدِ عَقْدِ الأَْبِ عَلَيْهَا عَقْدًا صَحِيحًا تُصْبِحُ مُحَرَّمَةً عَلَى فَرْعِهِ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُل بِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٢) .
وَلاَ يَدْخُل فِي التَّحْرِيمِ أُصُول هَذِهِ الْمَرْأَةِ، وَلاَ فُرُوعُهَا.
وَكَمَا تَدُل الآْيَةُ عَلَى حُرْمَةِ زَوْجَةِ الأَْبِ، تَدُل عَلَى حُرْمَةِ زَوْجَةِ الْجَدِّ وَإِنْ عَلاَ، لأَِنَّ لَفْظَ الأَْبِ يُطْلَقُ عَلَى الْجَدِّ وَإِنْ عَلاَ، وَلأَِنَّ زَوَاجَ مَنْ تَزَوَّجَ بِهِنَّ الآْبَاءُ يَتَنَافَى مَعَ الْمُرُوءَةِ، وَتَرْفُضُهُ
_________
(١) انظر المراجع السابقة.
(٢) سورة النساء / ٢٢.
مَكَارِمُ الأَْخْلاَقِ وَتَأْبَاهُ الطِّبَاعُ السَّلِيمَةُ.
١٠ - أَصْل الزَّوْجَةِ وَهِيَ أُمُّهَا وَأُمُّ أُمِّهَا، وَأُمُّ أَبِيهَا وَإِنْ عَلَتْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (١) .
وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ أُصُول الزَّوْجَةِ تُحَرَّمُ مَتَى دَخَل الزَّوْجُ بِزَوْجَتِهِ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا عَقَدَ الزَّوْجُ عَلَى زَوْجَتِهِ وَلَمْ يَدْخُل بِهَا، بِأَنْ طَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا قَبْل الدُّخُول بِهَا.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءُ، وَمِنْهُمْ عُمَرُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ﵃ إِلَى أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الزَّوْجَةِ كَافٍ فِي تَحْرِيمِ أُصُولِهَا، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَطَلَّقَهَا قَبْل أَنْ يَدْخُل بِهَا، أَوْ مَاتَتْ عِنْدَهُ، فَلاَ يَحِل لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا (٢) وَهَذَا مَعْنَى قَوْل الْفُقَهَاءِ: الْعَقْدُ عَلَى الْبَنَاتِ يُحَرِّمُ الأُْمَّهَاتِ.
وَقَال الْفُقَهَاءُ: إِنَّ النَّصَّ الدَّال عَلَى التَّحْرِيمِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾
_________
(١) سورة النساء / ٢٣.
(٢) حديث: " أيما رجل تزوج امرأة. . . ". أخرجه البيهقي (السنن الكبرى ٧ / ١٠) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بهذا المعنى، وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف (التلخيص الحبير ٣ / ١٦٦) .
مُطْلَقٌ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِشَرْطِ الدُّخُول لَمْ يَرِدْ فِيهِ شَرْطٌ وَلاَ اسْتِثْنَاءٌ، وَأَنَّ الدُّخُول فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ رَاجِعٌ إِلَى: ﴿وِرِبِائِبُكُمُ﴾ لاَ إِلَى الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَهُوَ: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ فَيَبْقَى النَّصُّ عَلَى حُرْمَةِ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ، سَوَاءٌ دَخَل بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُل، وَمَا دَامَ النَّصُّ جَاءَ مُطْلَقًا فَيَجِبُ بَقَاؤُهُ عَلَى إِطْلاَقِهِ مَا لَمْ يَرِدْ دَلِيلٌ يُقَيِّدُهُ، وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَال فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾: أَبْهِمُوا مَا أَبْهَمَهُ اللَّهُ، أَيْ أَطْلِقُوا مَا أَطْلَقَ اللَّهُ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: الآْيَةُ مُبْهَمَةٌ، لاَ تُفَرِّقُ بَيْنَ الدُّخُول وَعَدِمِهِ.
وَذَهَبَ عَلِيٌّ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵄ فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَغَيْرُهُمَا إِلَى أَنَّ أُصُول الزَّوْجَةِ لاَ تُحَرَّمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا تُحَرَّمُ بِالدُّخُول بِهَا مُسْتَدِلِّينَ بِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ، ثُمَّ عَطَفَ الرَّبَائِبَ عَلَيْهِنَّ، ثُمَّ أَتَى بِشَرْطِ الدُّخُول، وَلِذَا يَنْصَرِفُ شَرْطُ الدُّخُول إِلَى أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ، وَإِلَى الرَّبَائِبِ، فَلاَ يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ إِلاَّ بِالدُّخُول (١) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ مَنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ أَوْ لَمَسَهَا،
_________
(١) بدائع الصنائع ٢ / ٢٥٨، والمغني لابن قدامة ٦ / ٥٦٩ - ط: عاطف والناشر مكتبة الجمهورية العربية بمصر، وفتح القدير٣ / ١١٨، ١١٩، والأم ٥ / ٢٤، والفواكه الدواني ٢ / ٣٨.
أَوْ قَبَّلَهَا بِشَهْوَةٍ أَوْ نَظَرَ إِلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ حَرُمَ عَلَيْهِ أُصُولُهَا، وَفُرُوعُهَا، لِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ نَظَرَ إِلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ لَمْ تَحِل لَهُ أُمُّهَا وَلاَ بِنْتُهَا (١) وَتُحَرَّمُ الْمَرْأَةُ عَلَى أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ؛ لأَِنَّ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ تَثْبُتُ عِنْدَهُمْ بِالزِّنَا وَمُقَدِّمَاتِهِ، وَلاَ تُحَرَّمُ أُصُولُهَا وَلاَ فُرُوعُهَا عَلَى ابْنِ الزَّانِي وَأَبِيهِ.
وَتُعْتَبَرُ الشَّهْوَةُ عِنْدَهُمْ عِنْدَ الْمَسِّ وَالنَّظَرِ، حَتَّى لَوْ وُجِدَا بِغَيْرِ شَهْوَةٍ ثُمَّ اشْتَهَى بَعْدَ التَّرْكِ لاَ تَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُرْمَةُ.
وَحَدُّ الشَّهْوَةِ فِي الرَّجُل أَنْ تَنْتَشِرَ آلَتُهُ أَوْ تَزْدَادَ انْتِشَارًا إِنْ كَانَتْ مُنْتَشِرَةً.
وَجَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ نَقْلًا عَنِ التَّبْيِينِ: وُجُودُ الشَّهْوَةِ مِنْ أَحَدِهِمَا يَكْفِي عِنْدَ الْمَسِّ أَوِ النَّظَرِ، وَشَرْطُهُ أَنْ لاَ يَنْزِل، حَتَّى لَوْ أَنْزَل عِنْدَ الْمَسِّ أَوِ النَّظَرِ لَمْ تَثْبُتْ بِهِ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ، قَال الصَّدْرُ الشَّهِيدُ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (٢) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَكُونُ التَّحْرِيمُ بِالزِّنَا دُونَ الْمُقَدِّمَاتِ.
وَمَنَاطُ التَّحْرِيمِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ الْوَطْءُ، حَلاَلًا كَانَ أَوْ حَرَامًا، فَلَوْ زَنَى رَجُلٌ بِأُمِّ زَوْجَتِهِ أَوْ بِنْتِهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ حُرْمَةً
_________
(١) حديث: " من نظر إلى فرج امرأة لم تحل له. . . ". أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٤ / ١٦٥) من حديث أم هانئ، وقال ابن حجر في فتح الباري (٩ / ١٥٦): حديث ضعيف.
(٢) الفتاوى الهندية ١ / ٢٧٤ - ٢٧٥.